Indexed OCR Text

Pages 441-460

فقه البيوع
خاصّةً، فإنّ بيعَه حرام للبنك وغيره، وكذلك بيعُ الحاسوب بقصد أن يُستخدم فى
ضبط العمليّات المحرّمة أو بتصريح ذلك فى العقد.(١)
أمّا بيعُ الأشياء التى ليس لها علاقةٌ مباشرةٌ بالعمليّات المحرّمة، مثل السّارات أو
المفروشات، فليس حراماً، وذلك لأنّها لايتمحّض استخدامُها فى عمل محظور.
وقدّمنا فى مبحث الإعانة على المعصية أنّ ما تخلّل فيه عملُ عامل مختار لا يُعدّ فى
الإعانة المحرّمة، إلاّ إذا قصد البائعُ الإعانة، أو صرّح به فى العقد. ثمّ إنّ استخدامَ هذه
الأشياء سببٌ بعيدٌ للوقوع فى المعصية، فلا يُكره تحريماً، ولكن بما أنّ مُعظم كَسْب
البنوك الرّبويّة حرام، فالأولى التنزّه من التّعامل معهم، ولو بتسبّب بعيد.
أمّا الثّمن الذى يدفعه البنك إلى البائع، فهو من ماله المخلوط بالحلال والحرام، وقد مرّ
أنّ التّعامل به جائزٌ بقدر مافيه من الحلال، وقدمنا أنّ الحلالَ فیه کثیر.
٥١٩- السّابع: أن يؤجر المرأ نفسَه للبنك بأن يقبلَ فيه وظيفة. فإن كانت الوظيفةُ
تتضمّن مباشرةَ العمليّات الرّبويّة، أو العمليّاتِ المحرّمة الأخرى، فقَبولُ هذه الوظيفة
حرام، وذلك مثلُ التّعاقد بالرّبوا أخذاً أو عطاءً، أوخصمُ الكمبيالات، أو كتابةُ هذه
العقود، أو التّوقيعُ عليها، أو تقاضى الفوائد الرّبويّة، أو دفعُها، أوقيدُها فى الحساب بقصد
المحافظة عليها، أو إدارةُ البنك، أو إدارةُ فرع من فروعه، فإنّ الإدارةَ مسئولةٌ عن جميع
نشاطاتِ البنك الّتى غالبُها حرام.
ومَن كان موظّفاً فى البنك بهذا الشّكل، فإنّ راتبه الذى يأخذ من البنك كلُّه من الأكساب
(١) وقد سبق الكلام على مسئلة الإعانة على المعصية فى أحكام المتعاقدين، تحت عنوان "إن كان
أحد العاقدین یقصد بالعقد ارتكاب معصية."

المبحث العاشر
المحرّمة. فإن لم يكن له مالٌ غيره، دخل فى القسم الأوّل، فلا يجوز أخذُ شيئ منه هبةً أو
بيعاً أوشراءً أو إرثاً. ويجب عليه أن يتوب إلى الله تعالى ويتصدّق بما كسب من
البنك.(١) وإن وفّقه الله تعالى للتّوبة، ولم يكن له مالٌ غيرُه، يَسَعه بفتوىٌ من مُفتٍ موثوقٍ
به أن يصرفَه فى حاجة نفسه بطريق الاقتراض، ويتصدّقَ بمثله متى وجد سعةٌ حسب
التّفصيل الّذى ذكرناه فى القسم الرّابع تحت عنوان "صرف الرّح فى حاجة نفسه."
وأمّا الوظائفُ الّتى تشتمل الخدماتِ المباحةَ والمحظورة، فيجرى فيه ما قدّمنا فى
وظائف الفنادق والمطاعم.
أمّا إن كان مثلُ هذا الموظّف له أكسابٌ حلالٌ من غير طريق البنك، أو له مالٌ ورثه
بطريق حلال، فإنّه داخلٌ فى الصّورة الثّالثة من القسم الثّالث، لأنّ مالَه مخلوطٌ من
ء
الحلال والحرام. فتجرى عليه أحكامُه، فيحلّ له الانتفاعُ من أمواله بقدر مافيها من
الحلال، وكذلك يجوز للآخرين أن يتعاملوا معه بذلك القدر.
أمّا إذا كانت الوظيفةُ ليس لها علاقةٌ مباشرةٌ بالعمليّات الرّبويّة، مثلُ وظيفة الحارس
أوسائق السيّارة، أو العامل على الهاتف، أو الموظّف المسئول عن صيانة البناء،
أو المعدات، أو الكهرباء، أو الموظّف الذى يتمحّض عملُه فى الخدمات المصرفيّة
المُباحة، مثلٍ تحويل المبالغ، والصّرف العاجل للعُملات، وإصدار الشّيك المصرفيّ،
(١) ولا يؤمر بالرد إلى البنك، لأنّ البنك عقد معه إجارةً فاسدة، واستخدمه بحبس وقته، فلا يُمكن أن
يجتمع عنده العوض والمعوّض، وإنّما جاءت الحرمةُ فى الأجرة لكونها مقابل عمل محظور
شرعاً، ولم يكن بطريق الظّلم على الدافع. فليس فيها حقّ العبد، وإنّما تمحّض حقّاً لله سبحانه
وتعالى، فوجب التصدّق به. وفيه كلام نفيس لابن القيّم رحمه الله تعالى فى زادالمعاد، فصل فى
تحريم مهر البغى، ٧٧٨:٥ إلى ٧٨٦ فليراجع.

١٠٦٦ ٥٠
فقه البيوع
أو حفظِ مستندات الشّحن، أو تحويلها من بلد إلى بلد، فلا يحرُم قبولُها إن لم يكن
بنيّة الإعانة على العمليّات المحرّمة، وإن كان الاجتنابُ عنها أولى، ولا يُحكّم فى راتبه
بالحُرمة، لما ذكرنا من التّفصيل فى الإعانة والتّسبّب، وفى كون مال البنك مختلطاً
بالحلال والحرام. ويجوز التّعاملُ مع مثل هؤلاء الموظّفين هبةٌ أو بيعاً أو شراءً.
وقد تكون بعضُ الوظائف لاصلةَ لها بتعاملات البنك، وإنّما المقصودُ بها إجراءُ
الدّراسات الاقتصاديّة. فإن كان المقصودُ بهذه الدّراسات أن تُعينَ البنك فى عمليّاتها
المحرّمة، فإنّ هذه الوظيفةَ داخلةٌ فى القسم الأوّل، فلا يجوز قبولُها. أمّا إذا كانت
دراساتٍ عامّة، يستفيد بها البنك وغيرُه لمعرفة الأحوال الاقتصاديّة العامّة، فهى
داخلةٌ فى القسم الثّانى.
٥٢٠- التّعامل مع شركات التّأمين
أمّا شركاتُ التّأمين التقليديّة الّتى تعمل على أساس الرّبوا والغرر، فهى على قسمين:
الأوّل: الشّركات الّتى تُمارسُ التّأمين على الحيوة، والذى يُسمّى التّأمين على العائلة
(Family Insurance) أيضاً. ولا تؤمّن على الأشياء. والثّانى: الشّركاتُ الّتى تؤمّن
على الأشياء أو على المسؤوليّات (Third Party Insurance)، والذى يُعبّر عنه
بالتأمين العامّ (General Insurance).
أمّا عمليّةُ التّأمين، فعمليّةٌ تشتمل على الرّبوا أو على الغرر أو عليهما، كما سيأتى إن
شاء الله تعالى. وبهذا أفتى جمهور العلماء المعاصرين والمجامع الفقهيّة. ولكنّ
المقصودَ هُنا دراسةُ حكم التّعامل معها أو مع موظّفيها بالبيع أو الهبة أو الإرث.
ولنتكلّم على كلّ قسمٍ على حدته، لكون الوضعِ فى كلّ منهما مختلفاً عن الآخر.

المبحث العاشر
أمّا الشّركاتُ الّتى تتمحّض للتّأمين العائليّ (١) فإنّ نشاطَها وإن كان محظوراً، فإنّ
الأموالَ الموجودةَ فى ميزانيتها مُعظمُها يُفرض كونُها حلالاً، لأنّها مركّبةٌ من رأس مال
الشّركة، وأقساط التأمين الّتى يدفعُها طالبوا التّأمين، والرّبحِ الحاصل للشّركة. أمّا رأسُ
المال، فيُفترضُ كونُه حلالاً إلاَّ أن يثبتَ خلافُه. وأمّا أقساطُ التّأمين، فهى مودَعةٌ من قبل
أصحابها لدى شركات التأمين مثل الودائع فى البنوك، لأنّها ترجعُ إلى أصحابها مع
الفائدة الرّبويّة. وإنّها وإن سُمّيت "ودائعَ" فى الاصطلاح المعاصر، ولكنّها من النّاحية
الشّرعيّة قروضٌ ربويّةٌ قدّمها أصحابها إلى الشّركة. وقدَّمنا أنّ القرضَ لا يفسُد بالشّرط
الفاسد، ويملكه المستقرض، ويفسُد شرط الزّيادة. فهذه الأقساطُ كلُها مملوكةٌ للشّركة
بعقد قرض. وأمّا الرّبحُ الّذى تحصُّل عليها الشّركةُ من عمليّات التّأمين، فإنّه حرام،
ولكنّ نسبتَه مع رأس المال وأقساط التأمين قليلة. فظهر أنّ الأموالَ الموجودة فى ميزانيّة
الشّركة مخلوطٌ من الحلال والحرام، ونسبةُ الحلال فيها كثيرة.
وعلى هذا، فتُطبّق عليه أحكام الصّورة الثّالثة من القسم الثّالث من أنّه يجوز التّعاملُ
المُباحُ معها بأن يُباعَ إليها شيئٌ حلالٌ لا يُعينُها على العمليّات المحرّمة بصفة مباشِرة،
مثلُ السّيارات والمفروشات والأدوات الكهربائيّة، وإن كان الاجتنابُ عنه أولى
بالاحتياط. أمّا الأدواتُ الّتى يتمحّض استخدامُها فى عمليّات التّأمين، مثلُ برامج
الحاسوب الّتى صُمّمت لعمليّات التّأمين خاصّةً، فإنّ بيعَها ممنوعٌ شرعاً. وكذلك
سـ
(١) وخلاصة معنى "التأمين العائلي" أو "التأمين على الحيوة" أنّ الذى يُريد هذا التّأمين يدفع إلى
شركة التأمين أقساطاً إلى مدّة محدّدة، فإن عاش ذلك الرّجل إلى تلك المدّة، فإنّه تُدفع إليه
مجموعةُ تلك الأقساط مع فائدة ربويّة، وإن مات قبل تلك المدّة، فإنّ الشّركةَ تدفع إلى عائلته
مبلغاً محدّداً فى عقد التأمين يزيد بكثير عن المبلغ الذى كان يحصل عليه لو بقيَ حيّاً إلى المدّة
المحدّدة. وإنّ هذا العقد مشتملٌ على الرّبوا والغرر.

فقه البيوع
المعدّات الّتى يُمكنُ استخدامُها فى الحلال والحرام معاً، مثلُ الحاسوب الآليّ،
ولكنّها بيعت إليها بقصدِ إعانتِها فى عمليّات التّأمين، فإنّه غيرُ جائز أيضاً. أمّا شراءُ
الأشياء المُباحة من الشّركة، فجائزٌ لما قدّمنا أنّ المحكوم بالحلال فى ميزانيتها کثیر.
وأمّا قبولُ الوظيفة فيها، فحُكمُه وحكمُ التّعامل مع الموظّفين فيها مثلُ حكم
الوظائف فى البنوك الربويّة.
٥٢١- التّعامل مع شركات تأمين الأشياء والمسئوليّات
أمّا الشّركات الّتى تتمحّض لتأمين الأشياء أو المسئوليّات،(١) فوضعُها مختلف، لأنّ
ما يُمكن أن يُحكَم بحِلّه من مجموع أموالها هو رأسُ مالها فقط. أمّا أقساط التأمين،
فإنّها حصلت عليها الشّركةُ بعقدٍ محظور. فإن كان العقدُ يلتزمُ أن توفّر الشّركةُ
للمؤمّن له نقداً يُعوّضه عن الضرر المؤمّن عليه، مثل أن يكون التأمينُ للسّيارة،
والتزم عقدُ التّأمين أنّه إن هلكت السّيّارةُ أو تضرّرت، فإنّ شركةَ التّأمين تدفع إلى
صاحبها قيمتها أو قيمةَ إصلاحها نقداً، وذلك مقابلَ أقساطِ التّأمين، فإنّ هذا العقدَ
(١) "التأمين على الأشياء" هو التزامُ شركة التأمين بتعويض ضرر يلحق بجسم المؤمن له أو بماله،
مثل الحريق أو غرق السّفينة، وذلك تجاه أقساط يدفعها المؤمن له إلى الشّركة. فإن لم يحصل
· الضّرر المؤمن، فإنّ الأقساطَ كلّها للشّركة لا تردّ منها شيئاً إلى المؤمّن له. وإن أصابه ضرر مؤمّن،
فإنّ الشّركةَ تُعوّضه عن ذلك الضّرر حسب التّفصيل المتّفق عليه فى عقد التّأمين.
أمّا "التّأمين على المسؤوليّات" فإنّ الشّركةً تلتزم فيها أنّ المؤمّنَ لو ادّعى عليه أحد بتعويض
ضرر لحقه بسببه، فإنّ شركةَ التّأمين يدفع التّعويضَ إلى ذلك المدعى، مثل أن تصدم سيّارةُ
المؤمَّن شخصاً، فيطالب ذلك الشّخص بالتّعويض، فتدفع شركةُ التّأمين التّعويضَ إلى ذلك
الشّخص. وهذا الالتزام أيضاً مقابل أقساط يدفعها المؤمّن إلى شركة التّأمين. وفى كلّ واحد من
العقدين غررٌ ظاهر، وفى كثير من الحالات إنّ العقد يشتمل على الرّبوا أيضاً.

المبحث العاشر
فيه رباً، لأنّه لاتماثُلَ بين الأقساط وبين مبلغ التأمين. وعلى هذا، فإنّه عقدٌ باطل مثلُ
الرّبوا، وأقساطُ التّأمين الّتى أُخذت من أصحابها كلُّها حرام.
فلم يبقَ من المحكوم عليه بالحلال فى أموال الشّركة إلاّ رأسُ المال. وحينئذٍ صارت
أموالُ الشّركة مخلوطةً بالحلال والحرام، فتدخلُ فى الصّورة الثّالثة من القسم
الثّالث، وقدّمنا فى أحكام هذا القسم أنّه لا عبرةَ فيه بالغلبة، بل يجوز التّعاملُ معها
بقدر ما فيها من الحلال. فيجوز التّعاملُ المباحُ مع هذه الشّركات بقدر ما عندها من
المال الحلال. ولكن ينبغى أن يؤخذ فى عين الاعتبار أنّ قدراً كبيراً من رأس المال
يُصرفُ عند إنشاء الشّركة فى الحصولِ على أصولٍ جامدة، وإقامة البنية التّحتيّة قبل
أن تشرع الشّركة فى مزاولة عمليّات التّأمين. وبعد أخذه فى الاعتبار، يجوز أن تُباع
إليها أشياءٌ لاتُعين فى عمليّات التّأمين بصفةٍ مباشرة. وكذلك يجوز أن تُشترى منها
أشياءٌ بقدر ما فيها من الحلال، حسبما فصّلنا فى شركات التأمين العائليّ.
وإن كان العقدُ يلتزمُ أن يُوفّر للمتضرّر سيّارةً أخرى، أو تقومَ بإصلاحها، فإنّ هذا
العقدَ فيه غررٌ وعقودُ الغرر عقودٌ فاسدة، وليست باطلةً على مذهب الحنفيّة.(١)
فالظّاهرُ أنّ الأقساط المأخوذةَ فى هذا القسم من التّأمين مملوكةٌ للشّركة مِلكاً خبيثاً.
وعلى هذا، فينبغى أن يجريَ فيه حكمُ ثمن البيع الفاسد، وقد مرّ أنّ البائع فى البيع
(١) قال الحصكفيّ رحمه الله تعالى فى الملامسة والمنابذة وإلقاء الحجر: "وهى من بيوع
الجاهليّة فنُهى عنها كلّها ... لوجود القمار، فكانت فاسدة. (الدّرّ المختار مع رد المحتار ١٤:
٥٨٨ إلى ٥٩١ باب البيع الفاسد)

١٠٧٠
فقه البيوع
الفاسد لا يجوز له أن ينتفع بالثّمن، بل يجب عليه أن يفسخ البيع ويردّ الثّمن إلى
المشترى، ولا ينبغى لمن يعلم ذلك أن يبيع إليه شيئاً بهذا الثّمن، ولكن إن اشترة
شيئاً بالثّمن النّقد، ملكه، وإن ربح فيه طاب له الربح، وكذلك جاز لبائعه أن ينتفع
بالثّمن، لأنّ النّقود لا تتعيّن. فيجوز التّعاملُ المباحُ معها بشرط أن لا يؤدّيَ إلى الإعانة
المباشرة فى عمليّات التّأمين، وإن كان الاجتنابُ فى جميع الصُّور أولى.
٥٢٢- التّعامل مع السّماسرة فى البورصة
وقد شاع فى زماننا التّجارةُ فى أسهم الشّركات، وإنّ السُّوق الّتى تتداول فيها الأسهم
تُسمّى بورصة. وإنّ هذا التّداول يتمّ عن طريق سماسرة. وإنّ هذا التّداول لايتقيّد
بالضوابط الشّرعيّة. فكثيراً ما يبيع الأسهمَ من لا يملكُها، إمّا بنيّة أنّه سَيملكُها فيما بعد،
وإمّا لأنّ المقصودَ ليس البيعَ والشّراء، وإنّما المقصود إجراءُ المُجازفات ( speculative
transactions) والاستفادةُ فى النّهاية بفروق الأسعار. وهذه البيوعُ باطلةٌ شرعاً، لأنّها
داخلةٌ فى بيع ما لا يملكه الإنسان. وقد تقع البيوعُ ممّن يملك الأسهم قبل أن يقبضها،
فهيَ بيوعٌ قبل القبض، والبيع قبل القبض فاسدٌ تجرى عليها أحكام البيع الفاسد. ثمّ قد
تكون الأسهمُ للشّركات التى نشاطُها التّجاريّ محرّمٌ شرعاً، مثل البنوك وشركات
التّأمين وغيرها. فالمتاجرةُ فى أسهمها، ولو بعد المِلك والقبض، ممنوعٌ شرعاً.
والّذين يُمارسون التّجارةَ فى الأسهم لايتقيّدون بهذه الضّوابط الشّرعيّة. ولكن قد
تكون بعضُ البيوع جائزةً حسبما فصّلناه فى الشّرط السّادس من شروط المبيع
تحت عنوان "بيع أسهم الشّركات " مثل أسهم شركةٍ ليس فى نشاطها عملٌ محرّم،

١٠٧١
المبحث العاشر
وقد تُباعُ الأسهمُ بعد تملّكها وحيازتها. فالممارسون لهذه التّجارة فى البورصة، إن
لم يكونوا يتقيّدون بالضّوابط الشّرعيّة، بل يدخلون فى كلّ من العقود المحظورة
والجائزة، فإنّ أموالَهم مخلوطةٌ بالحلال والحرام، والظّاهرُ أنّ الحرامَ فيها أكثر. ولكن
قدّمنا فى أحكام الصّورة الثّالثة من القسم الثّالث أنّه لاعبرةَ للغلبة فى هذا القسم، بل
يجوز التّعاملُ المباحُ مع أصحابها بقدر ما عندهم من الحلال. وإن لم يُعرف قدرُه
فالاجتنابُ أولى، ولكن لايُحكّم بالحُرمة على التّعامل المباح معهم بقدر ما يغلب
على الظنّ أنّه فى حدود حصّة الحلال.
وأمّا قبولُ الوظائف عند سماسرة البورصة، فتُطبّق عليه نفسُ المبادئ التى فصّلناها
فى وظائف البنوك والفنادق. والله سبحانه وتعالى أعلم.
٥٢٣- البيوع الفاسدة الأخرى
أمّا البيوع الفاسدةُ الأخرى الّتى كثُرت فى سُوق عصرنا، مثلُ بيع المملوك قبل
القبض فى أسواق السّلع والأسهم، والبيعُ بجهالة المبيع أو الثّمن أو الأجل، أو بيعُ
مملوكٍ غير مقدور التّسليم، أو البيعُ بشرط فاسد، فإنّ المالَ الحاصلَ بهذه العقود
الفاسدة داخلٌ فى القسم الخامس. فإن قبض البائعُ الثّمنَ، فعليه ردُّه إلى المشترى
فى جميع الأحوال، واستردادُ المبيع أو مثله أو قيمته. ولو تعذّر ذلك لغياب المشترى
مثلاً، وجب عليه التّصدَّق به. ولكن إن اشترى بالثّمن شيئاً، مَلَكه ملكاً صحيحاً. ولذا
يجوز قبولُ هديّته، وشراءُ ذلك الشّيئ منه، وأكلُ طعامه، والتّعاملُ معه بالعقود
الجائزة، وإن كان الأولى التجنّب إن كان الدّخول فى العقود الفاسدة عادةًله.
أمّا المشترى فى مثل هذه البيوع الفاسدة، فإنّه يملك المبيعَ مِلكاً خبيثاً، ولا يحلّ له

فقه البيوع
الانتفاع به، ويُكره للآخرين شراؤ ذلك المبيع منه. وإن باعه و ربح فيه لايطيبُ له
الرّبح، ويجب أن يتصدّق به. أمّا من اشتراه منه مع كراهة الشّراء، فقد مَلگه مِلکا
صحيحاً، وليس عليه التّصدَّق به، ويجوز للآخرين التّعاملُ معه بشراء أو بيع أو قبول
هبة أو إجابة دعوة.

المبحث الحادى عشر
٣٥٢٤
فی
أحكام الإيراد والاستيراد

المبحث الحادى عشر
كان النّاسُ قبلَ حدوث وسائل المواصلاتِ الجديدة يتبايعون بمباشرة البيع والشّراء
شخصيّاً. ولو كانت التّجارةُ بين البلدين، فإنّها كانت تتمّ بحضور العاقدين، بأن كان
المشترى أو وكيلُه يُسافر إلى بلد البائع، أو كان البائعُ أو وكيلُه يُسافر إلى بلد
المشترى، فيتمّ البيع منهما شخصيًّا. أمّا بعدَ حدوث وسائل الاتّصالات
والمواصلات الجديدة، فإنّ البيعَ بين بلدين لا يحتاج إلى حضور العاقدين، بل ربّما
يقع بالرّسائل، أو الهاتف، أو التّلكس، أو الفاكس، بحيث لايقع أداءُ الثّمن وتسليمُ
المبيع مباشرةً للعاقدين، بل تُستعمل وسائلُ المواصلات الجديدة، مثلُ البريد،
والشّحن البرّيّ أو الجوّيّ أو البحريّ. وبما أنّ المتعاقدين لا يجمعُهما مكانٌ واحد،
فإنّه لابدّمن جهةٍ تضْمَن للمشترى وصولَ المبيع إليه، وتضْمَن للبائع تسليمَ الثّمن.
ولتحقيق هذا الغرض، شاعت طرقٌ متعدّدة للتّجارة فيما بين البلدين. وإنّ هذه
الطّرق، على اختلاف أنواعها، لاتخلُو من حالتين: الأولى: إرسالُ المبيع عن طريق
البريد، والثّانية: إرسالها عن طريق الشّحن. ولنتكلّم على كلٍّ من الحالتين وما يتعلّق
بهما، والله سبحانه هو الموفق.
٥٢٥- التّجارة عن طريق البريد
إن كان المتعاقدان بينهما ثقةٌ موفورة، فإنّه يمكن للمشترى بعدَ المساومة أو
عقد الشّراء مع تاجر فى بلدٍ آخر أن يُرسل إليه الثّمن بأيّ وسيلةٍ من الوسائل اعتماداً
منه على البائع أنّه سيُرسل إليه المبيعَ فورَ تسلُّمه للثّمن. وعلى العكس، يُمكن للبائع
أن يُرسِلَ إليه المبيعَ بأيّ وسيلة مُتاحة، ثقةً منه بأنّ المشتريَ سوف يُرسل إليه الثّمن
بعد ما يتسلّم المبيع. وفى هذه الحالة، يتِمّ العقد بينهما إمّا كتابةً، أو شفاهاً على

١٠٧٦ ٠٥
فقه البيوع
الهاتف، فينطبقُ عليه كلُّ ما ذكرنا فى مبحث الإيجاب والقبول عن طريق الآلات
الحديثة. وكذلك تنطبق عليه أحكامٌ بيع الشّيئ الغائب وما يحصل فيه من حقوق
للمشترى، مثلُ خیار الرّؤية، و خیارُ العیب وما إلى ذلك.
ولكن إن لم تكن هناك ثقةٌ كاملةٌ بين المتعاقدين، وهو الواقعُ فى أكثر الأحوال، فإنّ
كلَّ واحدٍ منهما يحتاجُ إلى طريق يطمئنّ به أنّه سيحصل على حقّه النّاتج من جرّاء
العقد. ومن أجل ذلك دعتِ الحاجةُ إلى طرفٍ ثالث يعملُ بصفته وسيطاً بين
المتعاقدين. وهذا الوسيطُ قد يكون مكتب البريد، وقد يكون البنك. ولتكلّم على
كلٍّ من الطّريقين والله سبحانه هو الموفق.
٥٢٦- الإرسال عن طريق البريد (وى بى)
أمّا إذا كان الوسيطُ مكتبَ البريد، فإنّ الطّريقَ المتّبع عادةً هى ما يُسمّى (valued parcel)
ويخفّف فيقال: VP (يعنى الطّرد بالقيمة) وذلك بأن يُسلّم البائعُ الطّرد المشتملَ على المبيع
إلى مكتب البريد، ويشترط عليه أن لايُسلّم الطّردَ إلى المشترى إلاّ بعد أن يُسلّم المشترى
إليه الثّمن. وبعد ما يتسلّم مندوب مكتب البريد الثّمنَ من المشترى، يُسلّم إليه المبيع، ثمّ
يُرسلُ الثّمنَ إلى البائع نفسه عن طريق البريد.
وإنّ مكتبَ البريد فى هذه الحالة يتقاضى رسوماً من البائع المرسِل للطَّرْد، والبائعُ
ربّما يُضمّن هذه الرّسومَ فى ثمن المبيع الذى يجبُ على المشترى أداؤه للحصول
على الطّرد. وإنّ دورَ مكتب البريد فى هذه الحالة دورُ وكيلِ البائع فى إيصال المبيع
إلى المشترى، والقبض على الثّمن منه، وهو فى الوقت نفسِه أجيرٌ للبائع فى إيصالٍ
الثّمن إليه. وإنّ هناك عدّةَ مسائل من النّاحية الفقهيّة فى عقد التّجارة بهذا الطّريق.

١٠٧٧
المبحث الحادى عشر
٥٢٧- المسئلة الأولى: متى يتمّ عقد البيع بين المتعاقدين؟ والجوابُ أنّه إن
كان المبيعُ مملوكاً مقبوضاً للبائع، فإنّ عقد البيع إنّما يتمّ بتبادل الإيجاب والقبول
بينهما، إمّا بالكتابة، أو بالمكالمة الهاتفيّة حسب ما ذكرناه فى مبحث الإيجاب
والقبول. أمّا إذا لم يكُن المبيعُ مملوكاً للبائع، أولم يكن فى حيازته، فالكتابةُ
والمكالمةُ لا تكفِيان لإنجاز عقد البيع، لأنّه حينئذٍ يكون بيعاً لما لا يملكه البائع، أو
لماهو غيرُ مقبوض له. وحينئذٍ، فكلامُ المشترى يُعتبر طلباً للبيع، وكلامُ البائع وعدّ
به. وينعقد البيعُ إمّا بإيجابٍ وقبولٍ بعدَ ما يتملّكه ويقبضه البائع، وإمّا بالتّعاطى،
وذلك بأن يصل المبيعُ إلى المشترى، ويُؤدّى المشترى الثّمنَ إلى البريد.
٥٢٨- المسئلة الثانية: هل يُعتبر البريدُ وكيلاً للبائع، أو وكيلاً للمشترى؟ والظّاهرُ
أنّ هذا الأمرَ موقوفٌ على ما يتّفق عليه الطّرفان. والمتصوَّرُ من هذه الجهة ثلاثُ صُور:
٥٢٩- الصورةُ الأولى: أن يتّفق الطرفان على أنّ البائعَ مسئولٌ لإيصال المبيع إلى
المشترى، والبريدُ فى هذه الصّورة وكيلٌ للبائع.
٥٣٠- الصّورة الثّانية: أن يتّفقا على أنّ البائعَ مسئولٌ بإيصال المبيع إلى البريد
فقط، وقد صرّح بأنّه لا يتحمّل خطر الطّريق، ورضيَ المشترى بذلك، فالبريدُ
حينئذٍ و کیلٌ للمشترى.
٥٣١ - الصّورةُ الثّالثة: أن لا يكون فى التّعاقد بينهما تصريحٌ، وطلب المشترى من
البائع أن يبعث إليه المبيعَ عن طريق البريد، ولم يُصرّح أحدهما بتحديد مسئوليّة
البائع: هل هيَ بقدر إيصاله إلى البريد فقط، أو بإيصاله إلى المشترى. وفى هذه
الصورة أفتى جمعٌ من العلماء بأنّ البريدَ وكيلٌ للبائع. واستدلوا على ذلك بدليلين:
الأوّل: أنّ الّذى يتعاقدُ مع البريد عند إرسال المبيع هُو البائع، وليس المشترى.

١٠٧٨
فقه البيوع
والثّانى: أنّ البريدَ مسئولٌ بإيصال المبيع تجاهَ البائع. فإن قصّر فى إيصال المبيع إلى
المشترى، فالّذى يتقاضى البريدَ هو البائع، لاالمشترى. فتبيّن أنّ البريدَ وكيلٌ للبائع.
وبما أنّه وكيلٌ له، فإنّ تصرّفَه منسوبٌ إلى البائع. فلمّا سلّم المبيعَ إلى المشترى، تمّ
البيعُ على قول من يُجوّز التّعاطيَ من جانب واحد. وكذلك لو دفع المشترى الثّمنَ
إلى ممثّل البريد قبل أن يُسلّم إليه المبيع، تمّ البيعُ بينهما. فظهر بهذا أنّ نقطة تمام
البيع هيَ تسليمُ الثّمن أو المبيع، أيُّهما وقع أوّل، إذا لم يقع البيعُ قبل ذلك بإيجاب
وقبول شفاهاً بعد وجود المبيع وبعد ثبوت ملكه للبائع.
٥٣٢- المسئلة الثّالثة: متى ينتقل ضمان المبيع إلى المشترى؟ ومَن الّذی يخسر
إن هلك المبيعُ، أو انتقص قبلَ أن يصلَ إلى المشترى؟ وجوابُ هذا السّؤال يختلف
باختلاف الصّور الثلاث المذكورة فی کون البرید و کیلاً للبائع أو المشترى. فالبريدُ فى
الصّورة الأولى وكيلٌ للمشترى، فيتحمّل خطَر الطّريق. وبذلك أفتى المفتى الأكبر
الشّيخ عزيز الرحمن رحمه الله تعالى فى فتاواه.(١)
أمّا فى الصّورة الثّانية، فهو وكيلٌ للبائع، فقبضُه بمثابة قبض البائع، ولا ينتقل الضّمانُ
إلى المشترى إلاّ بأن يقبضه المشترى حقيقةً أو حكماً، كما فصّلناه فى مبحث
القبض وانتقال الضّمان، فيظلُّ المبيعُ فى ضمان البائع إلى أن يتسلّمه المشترى.
وأمّا فى الصّورة الثّالثة، فقد أفتى الإمام الشّيخ أشرف علىّ التّهانويّ، والمفتى
الأكبر الشّيخ عزيزالرحمن العثمانيّ رحمهما الله تعالى بأنّ البائع هو الضّامن،
بناءً على أنّ البريدَ وكيلٌ للبائع.(٢)
والّذى يظهر لى أنّ الحكمَ عند عدم تصريح العاقدين يرجع إلى العُرف. فإن كان
(١) فتاوى دار العلوم ديوبند ٣٧٧:١٤ و٣٧٨ سؤال ٢١٦
(٢) إمداد الفتاوى ١٣٧:٣ و ١٣٨ سؤال ١٨٠ و١٨١ وفتاوى دار العلوم ديوبند ١٤: ٣٨١ سؤال ٢٢٢

المبحث الحادى عشر
عرفُ التّجّار أنّ البريد وكيلٌ للبائع، فالحكمُ كما ذكره الشّيخان رحمهما الله تعالى
من كونه ضامناً. أمّا إذا كان العُرف أنّ البائع لا يتحمّل الخطر بعد إرساله للمبيع عن
طريق البريد، فإنّه تنتهى مسئوليّتُه بتسليم المبيع إلى البريد، والمبيعُ بعد ذلك من
ضمان المشترى. والظّاهرُ أنّ العُرفَ فى الإرسال عن طريق البريد هو ما ذكره
الشّيخان، فلا ينتقل به ضمانُ المبيع إلى البائع. أمّا الإرسالُ عن طريق الشّحن
الجوّيّ، أو البحريّ أو البرّي، فالعُرف فيه أنّ شركةَ الشّحن وكيلةٌ للمشترى. وهو
المقرّر فى القوانين الوضعيّة، كما يظهر من شروح قانون بيع المال المادة ٢٣ (٢).(١)
٥٣٣- المسئلة الرّابعة: أنّ قبضَ ممثّل البريد على المبيع قبضُ أمانة أم
قبض ضمان؟ والظّاهرأنّه قبضُ أمانة. وذلك لأنّه وكيلٌ إمّا للبائع، وإمّا
للمشترى. وقبضُ الوكيل قبضُ أمانة، فلو هلك المبيعُ بغير تعدٍّ من مكتب
البريد، بأن سَرقه اللّصوصُ بالرّغم من الحفظ المطلوب، أو فَسد المبيعُ فى
الطّريق بدون تعدّ من ممثّل البريد ولا مخالفةٍ للقواعد العامّة للبريد، فإنّ
الخُسرانَ على البائع أو المشترى حسب التّفصيل المارّ، ولا يضمنه مكتب البريد.
ولكن هناك طريقٌ متّبعٌ فى بعض البلاد أنّ مكتب البريد يأخذ بعض الأشياء بطريق
(1) Sub- section (2) Gives statutory recognition to the important rule that, where
goods are delivered to a carrier or the like for transmission to a buyer, the
carrier is presumed to be the buyer's agent, not only to take delivery, but to
assent to the appropriation to the contract of the goods so delivered, subject
of course to any just ground of exception, which may subsequently be
discovered. (Pollock & Mulla: On Sale of Goods Act, Sec. 23, P.203)

١٠٨٠
فقه البيوع
التّأمين (Insurance) ويُسمّى بالأرديّة "بيمه". وهو التزامٌ من مكتب البريد بأنّه
يُوصِل الطَّرد وما فيه بعينه ويضمَنه. وقد أجازه الفقهاءُ المعاصرون على أساس أنّه
مودَعٌ بأجر، وقد اشتُرط عليه الضّمان.(١) ولكن ذكر فقهاءُ الحنفيّة أنّ المودع بأجر، أو
الأجير المشترك، إنّما يضمَن إذا وقع التّلفُ بما يُمكن الاحتراز عنه. (٢) أمّا إذا تلِف بما
لا يمكنُ الاحتراز عنه، فإنّ الأجيرَ المشترك لا يضمنه. قال ابن عابدين رحمه الله تعالى:
"وكلٌّ من المودَع والأجير المشترك لايضمَن ما لا يمكنُ الاحترارُ عنه،
کالموت والغرق ونحوذلك."(٣)
ولعلّ المرادَ ما يُسمّى فى اللّغة القانونيّة اليوم "الظّروف القاهرة" (Force Majure)
فإنّه لا يضمن فى مثل هذه الحالات.
٥٣٤-المسئلة الخامسة: أنّ البريد أمينٌ لنقود الثّمن أم ضامنٌ لها؟ والجوابُ
أنّ البريدَ حينما يتسلّم نقودَ الثّمن من المشترى، فإنّه لا ينقُل نفسَ النّقودِ إلى البائع
بعينها، وإنّما يخلطُها بأمواله وأموالِ النّاس الأخرى، ثمّ يدفعُ إلى البائع مثلَها،
فصارت فى حُكم القرض المضمون، ولذلك هو ضامنُ هذه النّقود، فينطبقُ عليه ما
ذكرنا من التّفصيل فى إرسال المبالغ عن طريق الحوالة البريديّة (Money Order)
(١) فتاوى رشيديه للإمام رشيد أحمد الكنكوهيّ رحمه الله تعالى ص ٤١٠ وجواهر الفقه للشيخ
المفتى محمد شفيع رحمه الله تعالى ٤: ٤٦٩
(٢) وتضمين الأجير المشترك فيما وقع بغير فعل الأجير مذهب أبى يوسف ومحمّد رحمهما الله
تعالى، وقد اختاره المتأخرون للفتوى، ومذهب غيرهما أنّه لا يضمن. (راجع ردالمحتار، باب
ضمان الأجير٦: ٦٥ والمغنى لابن قدامة ١٠٧:٦ و ١٠٨)
(٣) ردالمحتار، كتاب الجهاد، فصل فى استئمان الكافر ٦٤٣:١٢

المبحث الحادى عشر
وإنّه لمّا صار مديوناً للمشترى بأخذ هذا المبلغ قرضاً، فإنّ المشتريَ يأمرُه بأداء هذا
القرض إلى البائع فى بلدٍ آخر. وما يتقاضاه البريدُ من العمولة أجرةٌ للأعمال
الإداريّة، كما ذكرنا فى الحوالة البريديّة.
٥٣٥- التّجارة بوساطة البنك
والطّريق الثّانى للوساطة بين البائع والمشترى فى التّجارة فيما بين البلدان هو البنك.
وذلك عن طريق إصدار الاعتماد المستنديّ (Documentary Credit) ونُريد أولاً
أن نشرح طريقَ التّجارة بواسطة الاعتماد المستنديّ بشيئ من التّفصيل، ثمّ نتعرّض
للمسائل الفقهيّة المتعلّقة بها إن شاء الله تعالى، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقنا
للسّداد والصّواب.
حقيقةُ هذه العمليّة أنّه إذا أراد أحدٌ أن يستورد بضاعةً من بلدٍ آخر، فلا يُمكن تسلیمُ
المبيع وتسليمُ الثّمن مباشرةً بين البائع والمشترى، لأنّ الطّريق المتّبَع فى التّجارة
الدّوليّة، أو التّجارة فيما بين بلدين، أنّ البائعَ يُرسل المبيعَ بشَخْنه على الباخرة، أو
الطّائرة، أو الشّاحنة البرّيّة، وإنّ شركةَ النّقل يُعطيه أوراقاً تُثبت أنّ البضائعَ المبيعةَ
شُحِنت على النّاقلة، وإنّ هذه الأوراقَ تُسمّى بوليصةَ الشّحن (Bill of Lading)
يُذكر فيها نوعيّةُ البضائع المشحونة، وكمَّيَّتُها، ومواصفاتُها. وإنّ البائعَ يُرسل هذه
البوليصة إلى المشترى ليتمكّن من تقديمها إلى ممثّلى شركةِ النّقل فى بلده بعد
وصول البضائع إلى الميناء، وهُم يُسلّمون البضائعَ إلى المشترى بتسلّم البوليصة.
فلو بعث المشترى الثّمنَ إلى البائع أوّلاً، فإنّه لا يثق بأنّ البائعَ يُرسل إليه ما اشتراه
بمواصفاته المطلوبة فى وقت مطلوب. ولو بعث البائعُ المبيعَ إلى المشترى أوّلاً، فإنّه

فقه البيوع
لا يطمئنّ بأنّه يُرسل إليه الثّمن. ولحلّ هذه المشكلة، يعمل بنكٌ وَسيطاً بينهما، فيشترطُ
البائعُ على المشترى أنّه لا يشحن البضائعَ المبيعةَ فى السّفينة، أو فى الطّائرة، أو فى
الشّاحنة، حتّى يكون عنده ضمانٌ من بنكٍ موثوق به أنّه يُرسِل إليه الثّمنَ فورَ ما تصل
إليه مستنداتُ الشّحن. ولذلك يطلبُ المشترى من بنك موثوقٍ فى بلده أن يُصدِر
خطاباً لصالح البائع، يلتزم فيه البنك بأنّه يدفعُ المبلغَ المطلوبَ عندما يتسلّم مستنداتِ
الشّحن بالمواصفات المشروطة فى ذلك الخطاب، ويُرسِل المبلغَ إلى بنكٍ يُعيّنه البائع
فى بلده. وإنّ هذا الخطابَ يُسمّى "خطاب الاعتماد" (Letter of Credit) ويُخفَّف
فيُقال L/C (ايل سى) وإنّ طلبَ إصدار هذا الخطاب من المشترى يُسمّى "فتحَ
الاعتماد" (Opening the letter of credit) وإنّ البنك يتقاضى من المشترى عمولةً
على إصدار هذا الخطاب.
وإنّ المشتريَ الَّذى طَلَب فتحَ الاعتماد يُسمّى فى هذه العمليّة "طالب فتح الاعتماد"
والبائعُ المصدّر يُسمّى "المستفيد" (Beneficiary)، والبنكُ الّذى يُصدر الاعتماد
يُسمّى "البنك المُصْدِر" (Issuing Bank) ثمّ إنّ البنك المصدر ربّما يتعاقد مع بنكٍ
فى بلد المستفيد أن يصير وكيلاً للبنك المصدر فى أداء الثّمن إلى البائع المستفيد، وإنّ
هذا البنك يُسمّى "البنك المراسل" (Corresponding Bank or Advising Bank)
وإنّ البائعَ المستفيد لا يكون له دعوىً تجاه البنك المراسل فى الحالات العاديّة، لأنّه
وكيلٌ للبنك المصدر لأداء الثّمن نيابةً عنه، وليس ضامناً لصالح المستفيد. ولكن قد
يُطلبُ منه تعزيز الاعتماد الذى أصدره البنك المصدر، فيُعزّز الاعتماد بصراحة. وحينئذٍ
يضُمّ ذمّتَه إلى ذمّة البنك المصدر، ويحقّ للمستفيد أن يُطالبه بمبلغ الاعتماد. وفى هذه
الحالة يُسمّى هذا البنك "البنك المعزّز" (Confirming Bank)

المبحث الحادى عشر
وإنّ البنكَ يلتزم بإصدار خطاب الاعتماد أنّه حينما يتسلّم مستنداتِ الشّحن، فإنّه
يفْحَصها من حيثُ كونُها مطابقةً للشّروط والمواصفات التى أُصدر بها خطاب
الاعتماد. فإن وجدها مطابقةً لها، فإنّه يؤدّى مبلغَ الاعتماد إلى المستفيد بالطّريق المتّفق
عليه. وممّا يجبُ التّنبيهُ عليه أنّ البنك المصدر للاعتماد لاعلاقة له بفحص البضائع،
والتّوثق من كونها موافقةً لشروط البيع، وإنّما يقتصر دَورُه على فَخْص المستندات
فقط، لأنّ البائعَ حينما يُسلّم البضائعَ إلى شركة النّقل، فإنّ شركةَ النّقل يُصدر بوليصةَ
الشّحن، ويُذكر فيها نوعيّةُ البضائع، وكمّيَتُها، ومواصفاتُها. والمفروضُ أن تكونَ هذه
المواصفاتُ موافقةً للشّروط والمواصفات الّتى وقع عليها العقد. وكذلك المشترى
حينما يفتح الاعتماد لدى البنك المصدر، فإنّه يذكر هذه المواصفات فى خطاب
الاعتماد. فإن كانت البوليصةُ موافقةً للشُّروط الّتى أُصدر الاعتماد على أساسها، فإنّ
البنك ملزَمٌ بدفع الثّمن. فإن وجد المشترى بعد معاينةِ البضائع أنّها غيرُ موافقةٍ
للمواصفات المشروطة فى عقد البيع، أو أنّ فيها غِشّاً أو تدليساً، فإنّه هو الذى يرجع
على البائع، وليس البنك المصدر لخطاب الاعتماد.
وكذلك البنك مُلزمٌ بدفع الثّمن، سواءً أ دفع المشترى إليه الثّمنَ أولاً، أم لم يدفع. ومطالبةُ
المبلغ من قِبَل البائع إنّما هى تجاهَ البنك، وليس تجاهَ المشترى. ثمّ إنّ البنكَ يُطالبُ
المشتريَ بالمبلغ الذى أرسله إلى البائع. ونتيجةً لهذا التّرتيب فى العلاقات، فإنّ من الطّبيعيّ
أن يطمئنّ البنك بأنّ المشتريَ الَّذى فَتَح الاعتماد يؤدّى إليه ذلك المبلغ. ومن أجل هذا، قد
يؤدّى المشترى مبلغَ الثّمن، أو جزءً منه إلى البنك عند فتح الاعتماد.
وإنّ هذا المبلغَ الّذى يُؤدّيه المشترى إلى البنك عند فتح الاعتماد يُسمّى "غطاء" (Margin)
فإن أدّى كلَّ الثمن يُسمّى الاعتمادُ "مغطّىَ بالكامل" ( With Full Margin) وإن أدمى