Indexed OCR Text
Pages 341-360
٩٦٤ فقه البيوع للمشترى، لأنّه مالكٌ للمبيع، ولو بملك خبيث. فإن باعه إلى ثالثٍ، لايُنقض ذلك البيعُ، لأنّه تعلّق به حقُّ العبد وهو المشترى منه، ولكن لا يطِيب له ماربح فيه، بل يجب عليه أن يتصدّق به. وهذا بخلاف البائع إذا قبض الثّمنَ واشترى به شيئاً، فإنّه يطِيب له ربحُه، لأنّ الأصحّ أنّ النّقود لاتتعيّن فى البيع الفاسد، كما فصّلنا أدلّتَه فى مبحث تعيّن النّقود. فالثّمنُ الذى اشترى به ذلك الشّيئ غيرُ متعيّن، فلاتصحّ نسبةُ شراء ذلك الشّيئ إلى ما قبضَ من الثّمن ببيع فاسد. ولكن إن كان قد ربح فى البيع الأوّل الفاسد، لا يطيبُ ربحُه له، بل يجبُ عليه ردُّ الثّمن إلى المشترى فى البيع الأوّل الفاسد، وفسخُ ذلك البيع إن کان المبيعُ قائماً بيد المشترى. فإن لم يكن قائماً، وامتنع الرّدّ، فإنّه يُطالبُ المشتريَ بردّ مثل المبيع إن كان مثليّاً، أوبرد قيمته إن كان قيميّاً، ثمّ يرُدّ إليه الثّمن. وإن تعذّر ذلك الرّدّ لكون المشترى قد غاب، فما ربحه فى البيع الفاسد يتصدّق به. وسيأتى تمام ذلك فى القسم الخامس من أقسام المال الخبيث إن شاء الله تعالى. ٤٤٦- وجوب القيمة أو المثل عند تعذّر الردّ وأمّا النّقطة السّادسة، من أنّه إن امتنع ردُّ المبيع إلى البائع، فإنّه يُرُدّ مثلَه إن كان مثلياً، أو قيمته إن كان قيمياً، فوجهُه أنّه كان يجب عليه ردُّالمبيع بعينه كما قدّمنا، فإن تعذّر ردُّعينه لسبب من الأسباب، لزمه مثلُه أو قيمتُه، كما فى الغصب، ويستردّ الثّمنَ من البائع.(١) (١) "فإذا أعتقه أو باعه أووهبه وسلّمه فهو جائز، وعليه القيمة" (ردّ المحتار عن الفتح ١٤: ٦٩٢ فقرة ٢٣٦٥٥) المبحث الثامن ٤٤٧- أسباب امتناع الرّدّ ثمّ امتناعُ الرّدّ له أسباب مختلفة: الأول: أن يهلِكَ المبيعُ بيد المشترى. وفى هذه الصّورة يجب على المشترى ضمانٌ ما هلك بالمثل إن كان مثليّاً، أو بالقيمة إن كان قيميّاً. والثّانى: أن يتصرّفَ فيه المشترى تصرفاً يُزيل ملكَه فيه، مثلَ أن يبيعه بيعاً صحيحاً باتّاً، أى بدون خيارٍ له، أو يهَبَه إلى آخر ويقبضه الموهوب له، أو يقِفَه وقفاً صحيحاً، أو يُوصيَ به وصيّةً صحيحة ويموت. وفى جميع هذه الصّور زال ملكُ المشترى، فامتنع الفسخ. وهناك بعضُ الحالات الّتى لا يزولُ فيها ملكُه، ولكن يتعلّق به حقُّ آخرَ غيرُ قابل للنّقض، مثل أن يكون المشترى رَهَنه إلى آخر، فإنّه يمنعُ الفسخَ أيضاً، لأنّه تعلّق به حقّ لازمٌ للمرتهن.(١) ولو امتنع حقُّ الفسخ لكون المشترى باع المبيعَ إلى آخر، فإنّ حقَّ الفسخ يعود إذا رُدّ المبيع إلى المشترى الأوّل بخيار شرط، أورؤية، أوعيب بقضاء قاض، وكذلك إن كان المشترى وهب ما اشتراه شراءً فاسداً، امتنع حقّ الفسخ، ولكن إن رجع فى الهبة فعاد إليه المبيع، عاد حقُّ الفسخ. وكذلك إن امتنع الفسخ لكون المشترى رَهَنه عند أحد، ثمّ افتكّ الرهن، عاد حقّ الفسخ. ولكنّ عودَ حقّ الفسخ فى جميع هذه الصّور مشروطٌ بأن لا يكونَ القاضى قضى على (١) ردالمحتار ١٤: ٦٩١ وبدائع الصنائع ٤: ٥٨٥ إلى ٥٨٧ ١٩٦٦ فقه البيوع المشترى بالقيمة. فإن كان قضى عليه القاضى بالقيمة، فلا يعودُ حقّ الفسخ، لأنّ القاضيَ أبطل حقَّ البائع فى العين، ونقله إلى القيمة بإذن الشّرع، فلا يعود حقُّه إلى العين وإن ارتفع السّبب.(١) السّبب الثّالث لامتناع الرّدّ: أن يتصرّف فيه المشترى بفعل حسّي، مثل أن يكون المبيعُ أرضاً فيَغرِس فيها المشترى أشجاراً، أو يبنيَ فيها بناءً. فمذهبُ أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنّ بهذا التصرّف يمتنع الرّدّ، وتجب عليه قيمةُ الأرض. وقال صاحباه: هذا التصرّفُ لا يمنع وجوبَ الرّدّ، فيجبُ عليه أن ينقُضَ الغرْس أو البناء، ويرُدَّ الأرض إلى البائع. ورجّح ابنُ الهمام رحمه الله تعالى قولهما، وقال إنّه أوجه (٢)، ولكن رجّح صاحبُ النّهر قولَ أبى حنيفة (٣) ٤٤٨- الزّيادة فيما قبضه المشترى ببيع فاسد وكذلك إن زاد المشترى فى المبيع زيادةً متّصلةً غيرَ متولّدةٍ منه، مثل ما إذا كان ثوباً فصبغه أو خاطه، امتنع الفسخُ بهذا التّصرف. قال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "والأصلُ فى هذا أنّ المشتريَ إذا أحدث فى المبيع صُنعاً لو أحدثه الغاصب فى المغصوب، [لا] يقطعُ حقّ المالك، (٤) يبطل حقّ الفسخ، ويتقرّر حقُّه فى ضمان القيمة أو المثل، كما إذا (١) رد المحتار ١٤: ٦٩٦ و ٦٩٧ فقرة ٢٣٦٦٢ و ٢٣٦٦٣ (٢) فتح القدير، باب البيع الفاسد، فصل فى أحكامه ٦: ١٠٣ (٣) رد المحتار ٧١٢:١٤ (٤) كذا وقع فى نسختين مطبوعتين من البدائع، ولعلّ كلمة "لا" هنا سبق قلم من الكاتب، فإنّ المقصود ما يمنع حقّ المالك فى استرداد العين وينقل حقّه إلى المثل أو القيمة، كما يظهرمن الفقرة الأخيرة فى هذه العبارة. ٩٦٧ المبحث الثامن كان المبيعُ قُطناً، فغزله، أو غزلاً فنسجه، أو حنطةً فطحنها، أو سمسماً أو عنباً فعصَره، أو ساحةً فبنى عليها،(١) أو شاةً فذبحها وشواها أو طبخها ونحو ذلك. وإنّما كان كذلك لأنّ القبضَ فى البيع الفاسد كقبض الغصب. لأنّ كلّ واحدٍ منهما مضمونُ الرّدّ حالَ قيامه، ومضمونُ القيمة أو المثل حالَ هلاكه، فكلُّ ما يوجب انقطاعَ حقّ المالك هُناك، (يعنى فى الغصب) يُوجِب انقطاعَ حقّ البيع للبائع ههنا (يعنى فى البيع الفاسد). (٢) أمّا الزّياداتُ المتّصلة المتولّدة كالسَّمَن فى الحيوان، والمنفصلة المتولّدة، كالنّتاج، فإنّها لا تمنع الفسخ. ولو هلكت هذه الزّوائد بيد المشترى، لايضمنها، وإن استهلكها، ضمن. وإن هلك المبيعُ فقط، فللبائع أخذُها، وأخذ قيمة المبيع يوم القبض. وإن كانت الزّوائد منفصلةً غير متولّدة، كالكسب، فللبائع أخذ المبيع مع الزّوائد، ولكنّها لا تطيبُ له، ويتصدّق بها. وإن هلكت فى يد المشترى، لا يضمن. وكذا لو استهلكها عند الإمام أبى حنيفة، وعندهما يضمن. وإن استهلك المبيع فقط، ضمنه، والزّوائد له، لتقرّر ضمان الأصل. وقال ابن عابدين رحمه الله تعالی. "وبه عُلم أنّ الزّيادة بأقسامها الأربع لا تمنع الفسخ، إلاّ المتّصلة غير المتولّدة. أمّا المتّصلة المتولّدة، كالسّمن، والمنفصلة المتولّدة، كالولد وغير المتولّدة، كالكسب، فإنّها لا تمنع الفسخ، وأنّه يضمن المنفصلة المتولّدة بالاستهلاك، لا بالهلاك. وكذا غير المتولِّدة عند هما، لا عنده."(٣) (١) هذا مبنيّ على قول الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى، وإلّ فقد ذكرنا أنّ مذهب صاحبيه أنّ البناء لا يمنع الرّدّ، وعلى المشترى نقض البناء، وقد رجّح ابن الهمام قول الصّاحبين. (٢) بدائع الصنائع ٤: ٥٨٩ (٣) ردالمحتار ١٤: ٧١٤ فقه البيوع ٤٤٩- النّقص فيما قبضه المشترى بببيع فاسد وإذا حصل نقصٌ فى المبيع وهو فى يد المشترى، فإنّ حكمه يختلف باختلاف سبب النّقص. وهو على ثلاثة أقسام: الأول: أن يحدُث النّقص بفعل من المشترى، مثل أن يقطع ثوباً بعد مااشتراه فاسداً، أو بفعلٍ من المبيع، مثل أن يحصل نقصٌّ فى الدّابّة المبيعة بفعلها، أو بآفة سماويّة، مثل أن يحدث فى الدّبّةِ مرضٌ ينْقُص من قيمته، فإنّ البائعَ يأخذُه مع الأرش، أى ضمان النّقصان. ويُجبر على ذلك لوأراده المشترى. فإن زال النّقصُ بعدالردّ مع الأرش، وجب على البائع أن يرُدّ إلى المشترى الأرش الّذى أخذه منه. الثّاني: إذا حصل النّقصُ فى المبيع بفعل البائع، فإنّه يُعتبر مسترِداً للمبيع بذلك الفعل، ولو كان بيدالمشترى، يُرُدّه مع ذلك النّقص، ولاضمانَ عليه، حتّى لو هلك عند المشترى، ولم يُوجد منه حبسٌ عن البائع، هلك على البائع. الثّالث: أن يحدُث النّقصُ بفعل أجنبيّ، فللبائع الخيار: إن شاء أخذه مع الأرش من المشترى، (١) ويرجعُ المشترى على الجانى بضمانه، وإن شاء اتّبع الجاني، فأخذ منه الضّمان، وهو لا يرجعُ على المشترى بماضمن.(٢) (١) هذا ما فهمتُه من عبارة جامع الفصولين: "ولو بفعل أجنبي، يتخيّر البائع: إن شاء أخذه من المشترى، وهو يرجع على الجانى، وإن شاء اتّبع الجاني، وهو لايرجع على المشترى، کالغصب."(جامع الفصولين، فصل ٣٠ ج ٢ ص ٥٠) وهو منقول فى ردالمحتار ٧١٥:١٤ (٢) هذه الأحكام كلّها مأخوذة من رد المحتار ١٤: ٧١٤ و ٧١٥ المبحث الثامن ٤٥٠- مذهب غير الحنفيّة فى البيع الفاسد هذا كلُّه مذهب الحنفيّة. وكما قدّمنا فيما سبق، إنّ غير الحنفيّة لايُفرّقون بين الباطل والفاسد من حيثُ الاصطلاح، ولكنّ بعضهم رتّبوا صحّة بعض الآثار على البيع الفاسد مثل ما رتّبه الحنفيّة، وخاصّةً المالكيّة. ٤٥١- مذهب المالكية فى البيع الفاسد قال ابنُ رشد الحفيد رحمه الله تعالى: "اتّفق العلماء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت، ولم تفُت بإحداث عقدٍ فيها، أو نماء، أو نقصان، أو حوالة سوق، أنّ حكمها الرّدّ، أعني أن يُرُدّ البائع الثّمن والمشتري المثمون. واختلفوا إذا قُبضت وتُصُرِّف فيها بعتق، أو هبة، أو رهن، أو غير ذلك من سائر التّصرّفات: هل ذلك فَوْتٌ يوجب القيمة؟ وكذلك إذا نَمَتْ أو نقصت. فقال الشّافعيّ؛ ليس ذلك كلُّه فَوتاً، ولا شبهةَ ملكٍ فى البيع الفاسد، وأنّ الواجب الرّدّ. وقال مالك: كلّ ذلك فوتٌ يُوجب القيمة، إلاّ ما روى عنه ابنُ وهب فى الرّبًا أنّه ليس بفوت. ومثلُ ذلك قال أبو حنيفة." ثمّ قال ابن رشد: "والبيوع الفاسدة عند مالك تنقسم إلى محرمة وإلى مكروهة. فأمّا المحرّمة، فإنّها إذا فاتت، مضت بالقيمة. وأمّا المكروهة، فإنّها إذا فاتت، صحّت عنده، وربّما صحّ عنده بعضُ البيوع الفاسدة بالقبض، لخفّة الكراهة عنده فى ذلك."(١) (١) بداية المجتهد - ٢: ١٩٣ ٩٧٠ فقه البيوع وتفصيلُ مذهب المالكيّة أنّ المبيعَ فى البيع الفاسد إن تعذّر ردّه إلى البائع، فله أحكامٌ تخُصّه. ويُسمّى امتناعُ الرّدّ عندهم "فواتا". ويتحقّق الفواتُ بأسباب مختلفة منها أن يتغيّر سعرُ المبيع فى غير مثليّ، وغير عقار. ومنها أن يتغيّر ذاتُ المبيع، مثل أن تسمّن الدّبّة، أو يُصيبها هُزال، أو تُحفر فى الأرض المبيعة بئرٌ للزّراعة، أو تُفتقَ فيها عينٌ، أو يُنشأ فيها غرسٌ أو بناءً مؤنتهما عظيمة. ومنها أن يكون البيعُ حيواناً، ويبقى فى يد البائع زماناً طويلاً قدّروه فى بعض الرّوايات بثلاثة أشهر، ومنها أن ينقُل المشترى المبيعَ إلى مكان يحتاجُ نقلُه إلى كُلفة، ومنها أن يخرُج المبيعُ من يد المشترى ببيع صحيح أو هبة أو صدقة أو تحبيس (وقف)، ومنها أن يتعلّق بالمبيع حقُّ الغير، مثل أن يرهنه المشترى ولم يقدر على خلاصِه لعُسره. ومنها أن يؤجرها إجارةً لازمةً ولم يقدر على فسخها. ففى جميع هذه الحالات الّتى تحقّق فيها الفوات، يُنظر: إن كان فسادُ البيع مختلفاً فيه، بأن يكونَ البيعُ صحيحاً فى بعض المذاهب الفقهيّة المعتبرة، ولو خارجَ مذهب المالكيّة، فإنّ البيعَ يمضى بالثّمن، بمعنى أنّ المِلك ينتقل إلى المشترى، ويجب عليه الثّمن، إلّا فى بعض المستثنيات، مثل البيع وقتَ نداء الجمعة، فإنّه لو تحقّق الفواتُ فى المبيع، فإنّالبيعَ يمضى بالقيمة، مع كون الفساد فى هذه الصّورة مُختلَفً فيه. أمّا إذا لم يكن هناك خلافٌ لأحد الفقهاء فى فساد البيع، وتحقّق الفواتُ فى المبيع، فإنّ المشتريَ يضمنُ قيمتَه يومَ القبض إن كان قيميّاً، ومثلَه إن كان مثليّاً إذا بيع كيلاً أو وزناً أو عداً، وعُلم قدرُه، ولم يتعذّر وجودُه. أمّا إذا بيع جُزافاً، أو بكيل أو وزن أو عدّ ولكن نسيَ ذلك وقتَ القضاء بالرّدّ، أو علم ذلك فى الوقت المذكور ولكن تعذّر وجودُه يوم القضاء بالرّدّ، فإنّه يضمن قيمتَه يوم القضاء بالرّدّ (١) (١) هذه خلاصة ما فى الشرح الكبير للدّردر مع حاشيته للدّسوقي ٣: ٧١ إلى ٧٥ المبحث الثامن ٤٥٢- مذهب الشافعيّة فى البيع الفاسد أمّا الشّافعيّة، فقالوا: متى اشترى شيئاً شراءً فاسداً لشرط مفسد، أو لسبب آخر، لم يجُز له قبضُه. فإن قَبِضَه لم يملكْه بالقبض، سواءٌ علم فساد البيع أم لا، ولا يصحّ تصرّفُه فيه ببيع ولا إعتاق، ولا هبة، ولا غيرها، ويلزمه ردّه إلى البائع، وعليه مَؤونةُ الرّدّ، كالمغصوب وكالمقبوض على سَوم الشّراء، ولا يجوز له حبسُه لاسترداد الثّمن، ولأنّه يُقدّم به على الغرماء. ويلزمُه أجرتُه للمدّة الّتى كان فى يده، سواءٌ استوفى المنفعة أو تلفت تحت يده، لأنّه مضمونٌ عليه غيرُ مأذون للانتفاع به، فضمن أجرتَه، كالمغصوب. وإن كان تعيّب فى يده لزمه أرش نقصه. وإن تلف لزمَه ضمانُه، وهو القيمةُ أكثرَ ما كانت من حين القبض إلى حين التّلف، كالمغصوب. أمّا الزّوائد الحادثة فى المبيع عند المشترى، فهي مملوكةٌ للبائع، فيلزمُه ضمانُها إذا تلفت عنده، سواءٌ أكانت منفصلةً، كاللّن، والثّمرة، والولد، والصُّوف، أم مُتّصلةً، بأن سمِنت عنده، ثمّ هزلت، وسواءٌ أتلِفت العينُ أم ردّها، فيلزمُه ضمانُ الزّيادة الفائتة عنده. وإن كان المبيعُ بهيمةً، وأنفق عليها من اشتراه ببيع فاسد، لم يرجع على البائع بالنّفقة، لأنّه متبرّع. وإن باع المشترى ما اشتراه شراءً فاسداً، فإنّ البيعَ الثّانيَ باطل، ولزم المشتريَ الثّانيَ ردُّه إلى المالك، ولا يجوز ردُّه إلى المشترى الأوّل. فإن تلف فى يد الثّانى، نُظِر: إن كانت قيمتُه فى يدهما سواءً، أو كانت فى يد الثّانى أكثر، رجع المالكُ بالجميع على مَن شاء منهما، والقرارُ على الثّانى (١) لحصول التّلف فى يده. وإن كانت القيمةُ فى يد (١) يعنى أنّ الّذى يتحمّله فى النّهاية هو المشترى الثّانى. فقه البيوع الأوّل أكثر، فضمانُ النّقص على الأوّل خاصّة، والباقى(١) يرجع به على مَن شاء منهما، والقرارُ على الثّانى. وكلّ نقص حدث فى يد الأوّل يُطالَبُ به الأوّل دون الثّانى، وكلّ نقص حدث فى يد الثّانى، يُطالب به من شاء منهما، والقرارُ على الثّاني. (٢) ٤٥٣- مذهب الحنابلة فى البيع الفاسد والظّاهر أنّ مذهب الحنابلة فى البيع الفاسد مثلُ مذهب الشّافعيّة، حيثُ جعلوا المقبوضَ ببيع فاسد مثلَ المغصوب فى الضمان، إلاّ أنّ ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى، كما حكى عنه ابن قدامة، أنّه لو حدثت زيادة فى المبيع عند المشترى، ثمّ فاتت، فإنّ المشتريَ لا يضمنها، ولو تلف المبيع بعد الزّيادة، أسقط تلك الزّيادة من القيمة وضمنه بما بقيَ من القيمة. (٣) (١) وقع فى النسخة المطبوعة من المجموع: "والثانى" بدل "والباقى" ولا يستقيم به المعنى، وقد وقع فى روضة الطالبين ٣: ٤١٠ "والباقى يرجع به على من شاء منهما" فأثبتناه من روضة الطالبين، لأنّ المعنى يستقيم بذلك. والمقصود أنّ البائع يُطالبُ المشتريَ الأوّل بضمان النقصان فقط. أمّا ما بقيَ من قيمة المبيع بعد ضمان النقصان، فيجوز له أن يُطالبَ به المشتريَ الأوّل أو المشتريّ الثانى. ولكنّ القرار على الثّانى، بمعنى أنّ الذى يتحمّله فى النّهاية هو المشترى الثانى. فإن كان رجع به على المشترى الأوّل، فإنّ المشتريَ الأوّل يحقّ له أن يرجع على المشترى الثانى بما أدّى إلى البائع. هذا ما ظهر لى، والله سبحانه أعلم. (٢) هذه خلاصة ما فى المجموع شرح المهذّب، باب ما يفسد البيع من الشّروط الخ ٩: ٣٦٩ إلى ٣٧٢ (٣) راجع المغنى لابن قدامة، باب المصرّة، فروع تتعلق بالشروط فى العقد ٢٨٨:٤ و٢٨٩ ٤٥٤- الباب الخامس فى البيع الموقوف البيع الموقوف ما توقّف نفاذه على إجازة غير العاقد. وقد ذكر فقهاءُ الحنفيّة أنّ عدد المسائل التى يتوقف فيها البيعُ يبلغ إلى نيّف وثلاثين مسئلة استوعبها ابنُ عابدين رحمه الله تعالى ناقلاً عن "النّهر الفائق." (١) ولكنّ معظمها ترجع إلى بيع الفضوليّ، وهو الأهمّ منها، فنكتفى بذكره. ٤٥٥- بيع الفضوليّ وتعريفُ الفضوليّ حسبما ذُكر فى الدّرّ المختار: "مَن يتصرّف فى حقّ الغير بدون إذنٍ شرعيّ "(٣) فدخل فيه الصّبيّ المميّز إذا باع مالَ نفسه، لأنّ بيعَ ماله حقُّ وليّه بشروطه، فبيعُه لنفسه وإن كان تصرّفاً فى حقّ نفسه فى الظّاهر، فإنّه تصرّفٌ فى حقّ الغير، وهو وليُّه. وقد تكلّمنا على مسائل الصّبيّ المميّز فى مسائل شروط أهليّة العاقدين. وفی حکمه المعتوهُ والمحجور عليه. (١) ردالمحتار ٢٨:١٥ فقرة ٢٣٨١٢ (٢) الدر المختار مع رد المحتار، كتاب البيوع، فصل فى الفضوليّ ٦:١٥ ٩٧٤ فقه البيوع وبيعُ الفضوليّ، عند الشّافعيّة فى الجديد وعند الحنابلة فى الرّاجح، باطلٌ لاأثر له،(١) لأنّ التّصرّفاتِ الشّرعيّةَ إنّما تصحّ إمّا بالملك أو بالولاية، ولا يوجد أحدُهما فى تصرّف الفضوليّ، فتصرّفُه لغوّ لاأثر له. وقال الحنفيّة والمالكيّة: (٣) إنّ تصرّفاتِ الفضوليّ الّتى لها مُجيزٌ حالةَ العقد منعقدةٌ موقوفةٌ على إجازة المُجيز من البيع، والإجارة، والنّكاح، والطّلاق ونحوها. فإن أجاز ينفذ، وإلاّ فيبطُل. واستدلوا على جواز بيع الفضوليّ بعد الإجازة بما أخرجه البخاريّ رحمه الله تعالى عن عروة بن أبى الجعد البارقيّ رضى الله تعالى عنه: "أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أعطاه ديناراً يشترى له به شاةً، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاءه بدينارٍ وشاة، فدعا له بالبركة فى بيعه، وكان لو اشترى التّرابَ لربح فيه." (٣) وتصرّفُ عروةَ رضى الله تعالى عنه فى بيع إحدى الشّاتين المملوكتين لرسول الله (١) المغنى لابن قدامة، کتاب الوكالة ٥: ٢٤٩ و ٢٥٠ (٢) بدائع الصنائع ٤: ٣٤٣ وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١٢:٢ (٣) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب بغير عنوان فى علامات النبوة، حديث ٣٦٤٢ وإنّ البخاريّ قد أعقبه ببيان أنّ شبيب بن غرقدة لم يسمعه من عروة، وإنّما سمعه من الحيّ، فظهر أنّه منقطعٌ بين شبيب وعروة. ولكن أخرجه الترمذيّ وأحمد من طريق أبى لبيد عن عروة البارقيّ، وهو إسناد متصل. ولذلك قال المنذريّ والنّويّ: "إسناده صحيح لمجيئه من وجهين." (راجع إعلاء السّنن ١٤: ٤١٠ و ٤١١ للتفصيل) ٩٧٥ المبحث الثامن صلّى الله عليه وسلّم بدون إذنٍ منه بذلك كان تصرَفَ الفضوليّ، وقد أجازه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، فثبت جوازُ مثل هذا التّصرّف بعد الإجازة من المالك. وقد رُويَ مثلُ هذه القصّة عن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه أيضاً، أخرجها التّرمذيّ، ولكن أعلّه بأنّ حبيب بن أبى ثابت لم يسمع من حكيم بن حزام رضى الله تعالى عنه.(١) قال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "ولأنّ تصرّفَ العاقل محمولٌ على الوجه الأحسن ما أمكن. وقد أمكن حملُه على الأحسن ههنا، وقد قصد البرّبه والإحسان إليه بالإعانة على ماهو خيرٌ للمالك فى زعمه، لعلمه بحاجته إلى ذلك .. فيتوقّف على إجازة المالك، حتّی لو كان الأمرُ على ما ظنّه مباشِرُ الّصرّف أجازه، وحصل له النّفعُ من جهته، فينال الثّوابَ والثّناء، وإلاّ فلا يُجيزه."(٢) ٤٥٦- شروط صحّة بيع الفضوليّ عند الحنفيّة ويُشترط عند الحنفيّة لصحّة بيع الفُضوليّ شروطٌ آتية: ١- الشّرط الأوّل لجواز بيع الفضوليّ: أن يكونَ له مُجيزٌ حالةَ العقد. فإن لم يكن له مُجيزٌ فى ذلك الوقت، بطل البيع، مثلَ أن يبيعَ صبِيٌّ مالَه بمُحاباة فاحشة، (٣) فليس له مُجيزٌ وقتَ العقد، لأنّ وليّه لايملك إجازةَ ذلك البيع لكونه ضاراً محضاً، فلو بلغ الصّبيُّ بعد ذلك وأجازه لم يجُز، لأنّ المُجيزَ لم يكُنْ موجوداً وقتَ العقد. (١) جامع الترمذي، باب الشراء والبيع الموقوفین، حديث ١٢٥٧ (٢) بدائع الصنائع ٤: ٣٤٤ (٣) ردالمحتار ٩:١٥ فقره ٢٣٧٧١ 0 فقه البيوع ٢- الشّرط الثّانى: أن يعقدَ البيعَ على أنّه يبيعُه لمالكه، لالنفسه. فإن باعَه لنفسه، لم ینعقد البيئُ أصلاً، لأنّہ بيعُ ما لا يملكُه. ٣- الشّرط الثالث: أن يبقى العاقدان والمعقودُ عليه والمالك إلى وقت الإجازة. فلو هلك البائع أو الفضوليّ العاقد، بطل البيع. وكذا لو هلك المبيعُ، أو تغيّر حتّى صار شيئاً آخر. وكذلك يُشترط بقاءُ الثّمن إن كان عَرضاً معيّنا، كما فى المقايضة، لأنّه مبيعٌ من وجه. وإن مات المالك، لا ينتقل حقّ الإجازة إلى وارثه، بل يبطُل البيع. ٤- أن يكون المالكُ المُجيزُ يعلم بقاءَ المبيع عند الإجازة. فإن لم يعلم عند الإجازة أنّه قائمٌ على حاله، لا تصحّ الإجازة. وهذا قول أبى يوسف الأخير، وقال محمّد رحمه الله تعالى: تصحّ الإجازةُ وإن لم يعلم حاله. وهو قول أبى يوسف المرجوع عنه. ٥- أن لا يكون البائعُ أو الفضوليُّ العاقدُ فَسَخ البيع قبل إجازة المالك. فيجوز لكلّ واحدٍ منهما أن يفسُخا البيع قبل الإجازة من المالك، لأَنّه فسخٌ قبلَ لزوم العقد. ويجوز الفسخُ للفضوليّ قبل إجازة المالك ليدفع الحقوقَ عن نفسه، فإنّه بعد الإجازة يصيرُ كالوكيل، وترجعُ حقوقُ العقد إليه، فيُطالَبُ بالتّسليم ويُخاصَمُ بالعیب. وفى ذلك ضرر علیه، فله دفعه عن نفسِه قبل ثبوته.(١) ٤٥٧- شروط صحة بيع الفضوليّ عند المالكيّة أمّا المالكيّة، فاشترطوا لصحّة بيع الفضوليّ شروطاً آتية: (١) هذه الشّروط وأحكامُها كلّها مأخوذةٌ ملخّصةٌ من الدّرّ المختار وردالمحتار، فصل فى الفضوليّ ٢٩:١٥ إلى ٣٨ المبحث الثامن ١- أن لا يكونَ المالكُ حاضراً فى مجلس البيع، ولكنّه حاضرٌ فى البلد، أو غائبٌ عنه غيبةً قريبةً، لابعيدةً، بحيثُ يضُرّ الصّبرُ إلى قدومه أو مشورته. فإن كان حاضراً فى مجلس العقد وسكت، لزمه البيع، وصار الفضوليُّ وكيلاً له فى البيع، فهو الذى يُطالبُ المشتريَ بالثّمن، ثمّ يُطالِبِه المالكُ بالثّمن الذى قبضه من المشترى. فإن مضى نحوُ عامٍ، ولم يُطالِب المالكُ البائعُ الفضوليَّ بالثّمن، فلاشيئَ له علیه، وصار الثّمنُ مِلكاً للبائع الفضوليّ. ولا يُعذَر بجهلِ فى سكوته إذا ادعاه. ومحلُّ مطالبة المالك للفضوليّ بالثّمن مالم يمضِ عامٌ. فإن مضى العامُ وهو ساكت، سقط حقُّه فى الثمن. هذا إن بيع بحضرته. أمّا إن بيع فى غَيبته، فله نقضُ البيع إلى سنة. فإن مضت سنةٌ بعد عِلمه وهو ساكتٌ، سقط حقُّه فى النّقض، ولا يسقط حقُّه فى الثّمن، ما لم تمض مدّةُ الحيازة، وهى عشرةُ أعوامٍ(١) ٢- والشّرط الثّانى: أن لا يكون البيعُ صَرْفاً. ٣- أن يكونَ البيعُ فى غير الوقف. وأمّا فى الوقف، فبيعُ الفضوليّ فيه باطل.(٢) ٤٥٨- إجازةُ بيع الفضوليّ والإجازةُ من قِبل المالك قد تكونُ قولاً بما يدلّ على رضاه بالبيع، مثل قوله: "أجزت". (١) ملخص من الشرح الكبير للدّردير وحاشيته للدّسوقيّ ١٢:٣ (٢) شرح الزرقانيّ على مختصر خليل ١٩:٥ ٩٧٨ فقه البيوع وقد تكون فعلاً، مثل أن يقبل الثّمن أو بعضه، أو يهَبه للمشترى. أمّا إن كان حاضراً وقتَ البيع وسكت، فالسّكوتُ لايُعتبر إجازةً عند الحنفيّة(١) على أصلهم أنه لايُنسب لساكتٍ قول. أمّا المالكيّة، فيعتبرون السّكوتَ إجازةً كما مرّ فى شروطهم. ٤٥٩- تصرف الفضوليّ فى القانون الوضعيّ والقانون الوضعيّ السائد فى بلادنا موافقٌ لمذهب المالكيّة فى أنّ سكوت المالك عند العقد يُعتبر إجازة منه للعقد، كما هو مصرّح فى المادة ٢٧ من قانون بيع المال. ولكنّ هناك نظريّتين فى القوانين الوضعيّة بالنّظر إلى تصرف الفضوليّ النّظريّة الأولى مائلةٌ إلى حماية المشترى الذى اشترى من الفضوليّ على ظنّ أنّه هو المالك، وله حقّ البيع، فتسعى هذه النظريّة إلى صحّة البيع فى حقّه ما أمكن. والنّظريّة الثّانية مائلةٌ إلى حماية المالك الأصليّ، فتسعى إلى إبطال البيع الَّذى عقده غير المالك. وإنّ القانون الإنكليزيّ جمع بين أمرين، فالأصلُ فيها أنّ تصرّف الفضوليّ لا أثر له بدون إجازة المالك، ولو كان بالسّكوت. ولكن هناك مستثنياتٌ من هذا الأصل. ومن هذا المستثنيات ما إذا فوّض المالكُ البيع إلى وكيل للتّجارة (Mercantile Agent) واشترط عليه أن يبيعَه بثمن مخصوص، ولكنّ وكيل التّجارة باعه بثمن أقلّ، واشترى منه المشترى على زعم أنّه يبيع حسب تفويض المالك، ثمّ غاب الوكيل، فإنّ البيع صحيح، والمشتريَ يملك المبيع بهذا العقد.(٢) (١) قال الحصكفيّ رحمه الله تعالى: "سكوت المالك عند العقد ليس بإجازة، خانيّة." (الدّرّ المختار مع رد المحتار ١٥: ٥٠) (Y) Sale of Goods Act, Section 27, example 10 المبحث الثامن أمّا فى الشّريعة الإسلاميّة، فإنّ الوكيل إذا خالف شروط الموكّل، فإنّه يصير فضوليّاً فى ذلك التصرف المخالف، فلا ينفذ تصرّفه.(١) وللمالك أن يُثبت بالبيّنة أنّه اشترط على الوكيل ثمناً، وقد خالف الوكيل هذا الشّرط. ٤٦٠- أثر إجازة المالك على بيع الفضوليّ إن أجاز المالكُ بيعَ الفضوليّ، انقلب الفضوليُّ وكيلاً عنه فى جميع الأحكام باتّفاق بين الحنفيّة والمالكيّة. فإن هلك الثّمنُ عنده بعد قبضه من المشترى بدون تعدٍّ منه، فإنّه لايضمنه للمالك، سواءٌ أهلك قبل الإجازة أم بعدها، لأنّ الفضوليَّ بالإجازة اللاحقة صار كالوكيل، فيكونُ الثّمن فى يده أمانةً قبل الهلاك من حين قبضه، فيهلك على المجيز، وإن كانت الإجازةُ بعد الهلاك.(٢) ٤٦١- الإجازة من قبل الشخصيّات المعنويّة وإن كان المالكُ شخصاً معنويّاً، فالإجازةُ إنّما تُعتبر ممّن يمثّل ذلك الشّخصَ المعنويَّ فى تصرّفات البيع، مثل المتولّى فى الوقف. فإن باع فضوليِّ مالَ الوقف، فهو باطلٌ عند المالكيّة، كما سبق فى شروطهم. أمّا عند الحنفيّة، فإن باع الفضوليُّ ما لا يملك المتولّ بيعَه، فالبيعُ باطلٌ عندهم أيضاً، مثل أن يبيع المسجد. وإن باع ما يملكُ المتولّ بيعَه، مثل مملوكاتِ الوقف الّتى ليست وقفاً، أو الوقفَ الّذى شَرط فيه الواقفُ الاستبدالَ، فإنّ البيع موقوفٌ على إجازة المتولّى. ولو كان لوقفٍ متولّيان، (١) الدر المختار مع رد المحتار، كتاب الوكالة، باب الوكالة بالبيع والشراء ٣٢٩:١٧ (٢) ردالمحتارعن الزيلعيّ وابن ملك ٣٤:١٥ فقه البيوع وباع أحدُهما بحضرة الآخر، توقّف البيعُ على إجازة الآخر.(١) وكذلك مالُ الشّركات المساهمة، إن باعها من لاحقّ له فى بيع ممتلكات الشّركة حسب النّظام، فإنّه فضوليٌّ، وإن كان موظّفاً فى تلك الشّركة. ويملك إجازتَه مَن له حقُّ البيع حسب نظام الشّركة، ويمكن أن يختلف المجيزُ حسب نوعيّة المبيعات. فإنّ هناك أشياءً بسيطة يفوّض بعضُ الموظّفين ببيعها، وهناك أشياءٌ يُسمح ببيعها من قبل المدير التّنفيذيّ، وأشياء أخرى لابدّ لبيعها من قرار مجلس الإدارة، أو الجمعيّة العموميّة. ٤٦٢- ردّ بيع الفضوليّ وإن لم يُجِزْ مَن له الإجازةُ البيعَ، فالبيع باطل. وإن كان الفضوليُّ قبض الثّمن من المشترى، وجب ردُّه إلى المشترى إن كان قائماً. فإن هلك الثّمنُ بيد الفضوليّ قبل الإجازة، وكان يعلم المشترى أنّ مَن يدفع إليه الثّمنَ فضوليٍّ وليس مالكاً، فإنّ الفضوليَّ ليس ضامناً له إن هلك بغير تعدٍّ منه، لأنّه أمين فى قبض الثّمن. ووجهُ كونه أميناً أنّ المشترى إذا دفع إليه الثّمن مع علمه بكونه فضوليّاً، فإنّ ذلك صيّره كالوكيل لدفع الثّمن إلى المالك. أمّا إن كان المشترى لا يعلمُ أنّه فضوليّ، ثمّ هلك الثّمن، فإنّ الفضوليَّ ضامنٌ، ويجب عليه أن يردّ إليه مثله.(٢) (١) الدر المختار مع رد المحتار ٢٧:١٥ ودرر الحكام شرح المجلة ٤٢٢:١ مادة ٤٤٦ (٢) الدر المختار مع رد المحتار ٣٣:١٥ و٣٤ ٤٦٣- الباب السادس فى البيع المكروه والقسمُ الخامس: هو البيع المكروه. والمراد منه البيعُ الَّذى نهى عنه الشّارع لمعنىّ خارج عن صُلب العقد. وحكمه عند الحنفيّة أنّ عاقدَه يأثم، ولكنّ البيع نافذٌ مع الإثم. والكراهةُ فى الجميع تحريميّةٍ (١) وذهب بعض الفقهاء الحنفيّة إلى أنّ فسخَه ليس بواجب،(٢) ولكن صحّح ابنُ الهمام وغيره أنّ الفسخَ واجبٌ على العاقدين لرفع المعصية بقدر الإمكان. وجمع ابنُ عابدين بين القولين بأنّ الفسخَ فى البيع المكروه واجبٌ ديانةً فقط، وفى الفاسد واجبٌ ديانةً وقضاء.(٣) وأمّا مذهب غير الحنفيّة، فسنبيّنه عند ذكر كلّ بيع مكروه إن شاء الله تعالى. ٤٦٤- البيع وقت النّداء فمن البيع المكروه البيعُ عند أذان الجمعة وبعده إلى أن تُقضى الصّلوة. وذلك لقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا (١) كما صرح به ابن الهمام فى فتح القدير١٠٦:٦ (٢) ذكره ابن عابدين فى رد المحتار ٧١٦:١٤ عن الدّررو الغرر (٣) ردالمحتار ٧٣٨:١٤ فقر٥ ٢٣٧٥١ BOX W٨٢ فقه البيوع الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الجمعة: ٩] ومذهب الحنفيّة أنّ المعتبرَ فيه الأذانُ الأوّل للجمعة، والمعتمد عند المالكيّة(١) والحنابلة أنّ المعتبر فيه الأذانُ الثّانى عقيبَ جلوس الإمام على المنبر، إلّ إذا كان منزلُ المرأ بعيداً عن مسجد الجمعة، بحيثُ لا يمكنه إدراك الجمعة إلّ بالسّعي قبل الأذان، فعليه السّعيُ فى الوقت الذى يكون به مُدركاً للجمعة.(٢) وفصّل الشّافعيّة فقالوا: "إن كان (البيع) قبل الزّوال، لم يُكرَه، وإن كان بعده وقبلَ ظهور الإمام أو قبل جلوسه على المنبر، وقبلَ شروع المؤذّن فى الأذان بين يدي الخطيب، كُره كراهةَ تنزيه. وإن كان بعد جلوسه على المنبر، وشروعِ المؤذّن فى الأذان، حرُم البيع على المتبايعين جميعاً."(٣) ثمّ النّهيُ عن البيع مختصٌّ عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة بمن تجب عليه الجمعة. فأمّا غيرُهم من النّساء والصّبيان والمسافرين، فلا يُكره لهم البيع. وذلك لأنّ النّهيَ معلّلٌ بترك السّعى الواجب، فغيرُ المخاطب بالسّعى لا يتناوله النّهي. (٤) وأمّا المالكيّة، فالبيع بعد جلوس الإمام على المنبر حرامٌ عندهم للجميع، وإن كان المتبايعان ممّن لا تجب عليهم الجمعة. وقيّده ابنُ رشد بما إذا كان فى الأسواق، ويجوز فى غير الأسواق لمن لا تجبُ عليه.(6) (١) الشرح الكبير للتّردير مع التّسوقي، فصل فى الجمعة ٣٨٦:١ (٢) المغنى لابن قدامة، باب الجمعة ٢: ١٤٥ (٣) المجموع شرح المهذّب للنووي، باب صلاة الجمعة ٤: ٥٠٠ (٤) ردالمحتار ٧١٧:١٤ والمغنى لابن قدامة ٢: ١٤٦ والمجموع شرح المهذّب ٤: ٥٠٠ (٥) حاشية الدّسوقي، فصل فى الجمعة ٣٨٦:١ المبحث الثامن ٤٦٥- حكم البيع المعقود عند نداء الجمعة وأمّا إذا عُقد البيع المكروه عند النّداء، على اختلافٍ فى تفسيره، فإنّه لايصحّ عند الحنابلة. قال شمس الدّين ابن قدامة رحمه الله تعالى: "فإن باع، لم يصحّ البيعُ للنّهي عنه." (١) وقدّمنا أنّ البيعَ يصحّ عند الحنفيّة، إلاّ أنّه يجب فسخُه عند ابن الهمام وغيره. وقال الشّافعيّة: "لا يبطل البيع، لأنّ النّهيَ لا يختصّ بالعقد، فلم يمنع صحّتَه، كالصّلاة فى الأرض المغصوبة."(٢) ولم يقولوا بوجوب الفسخ. وفصّل المالكيّة فقالوا: إن كان كلِّ من المتبايعين أو أحدهما ممّن تلزم عليه الجمعة، وجب فسخُ البيع، وإن كانا ممّن لا تلزمهم الجمعة، مثل المرأة أو المسافر لايُفسخ البيع، ويَستغفران.(٣) ثمّ استثنى بعضُ الفقهاء من حرمة البيع ما إذا احتاج إليه لصلوة الجمعة، مثل الماء. قال الدّسوقيّ رحمه الله تعالى: "واعلم أنّ محلَّ حرمة البيع ... مالم ينتقض وضوءُه واحتاج لشراء ماء الوضوء، وإلاّ جاز له الشّراء. " ثمّ نقل قول أبى الحسن رحمه الله تعالى: "لأنّ المنعَ من الشّراء والبيع إنّما هو لأجل الصّلوة، وبيعُ الماء وشراؤُه حينئذ إنّما هو ليتوصّل به للصّلوة، فلذلك جاز." (٤) ويؤخذ منه أنّ ما كان يُتوصّل به للصّلوة أو يُستعان به للسّعي يجوز بيعُه وشراؤه فى الطّريق. ٤٦٦- حكم تعدّد الجمعة فى أوقات مختلفة ولم يذكر الفقهاء حكمَ ما إذا تعدّدت الجمعةُ فى بلد واحد فى أوقات مختلفة، لأنّ (١) الشرح الكبير على المقنع لشمس الدّين بن قدامة مع المغنى ٣٩:٤ (٢) المجموع شرح المهذّب للنووي، باب صلاة الجمعة ٤: ٥٠٠ (٣) الدّسوقيّ ٣٨٨:١ (٤) حاشية الدّسوقي ٣٨٨:١