Indexed OCR Text

Pages 321-340

فقه البيوع
عابدين رحمه الله تعالى أنّ المراد من التّراب الذى يبطُل بيعُه هو التُّراب القليل مادام
فى محلّه، وإلاّ فقد يعرض له بالنّقل ما يصير به مالاً معتبراً. فظهر أنّ التّراب الّذى
يُباع لاستخدامه فى تهيئة الأرض للبناء وغيره جائز.
٥- ويدخل فى البيع الباطل إذا كان المبيعُ غيرَ المسمّى فى العقد، مثلَ أن يقول البائع:
بعتُك هذا الياقوتَ بكذا، فإذا هو زُجاج، أو قال: بعتك هذالثوب على أنّه حرير، فإذا هو
كتّان. وعلّله الفقهاء بأنّه معدوم. وقال الكاسانيّ رحمه الله تعالى:
"والأصل فى هذا أنّ الإشارةَ مع التّسمية إذا اجتمعتا فى باب البيع فيما
يصلُح محلَّ البيع، يُنظر: إن كان المُشارُ إليه من خلاف الجنسِ المسمّى
فالعبرةُ بالتّسمية، ويتعلّق العقدُ بالمسمّى، وإن كان من جنسه، لكن
يُخالفه فى فى الصّفة، فإن تفاحش التّفاوتُ بينهما فالعبرةُ للتّسمية أيضاً
عندنا، ويلحقان بمختلفى الجنس. وإن قلّ التّفاوت، فالعبرةُ للمشار إليه،
ويتعلّق العقد به. وإذا عُرف هذا، فنقول: الياقوت مع الزّجاج جنسان
مختلفان، وكذا الهرويّ مع المرويّ نوعان مختلفان، فيتعلّق العقد فيه
بالمسمّى، وهو معدوم، فيبطل ولا ينعقد." (١)
والظاهر أنّ الثّوب إن كان نوعُه مخالفاً للمسمّى، مثل أن يقع العقد على حرير، فيتبيّن أنّه
كّان، فالبيع باطلٌ، وإن كان من نفس النّوع وغير الصّناعة المسمّاة، مثل أن يبيع الثّوبَ
اليابانيّ، فيظهرُ أنّه كُوريٍّ من نفس النّوع، فالبيعُ صحيح وللمشترى الخيار، لأنّ الصّناعةَ
المخصوصة أمرٌ مرغوبٌ فيه، وقد فات، فيثبتُ خيارٌ فوات الوصف. وله نظائر كثيرة.
(١) بدائع الصنائع ٤: ٣٢٨ و٣٢٩ ومثله فى كشاف القناع عند اختلاف الجنس أو النّوع ٣: ١٦٥

٩٤٥
المبحث الثامن
٤٢٨- بيع ما يصحّ بيعُه ومالا يصحّ فى صفقة واحدة
وإن وقع البيعُ بصفقةٍ واحدةٍ على شيئين، أحدُهما ما بيعُه باطل، وثانيهما مَا بيعُه
صحيح، فاتّفق الفقهاء فى صورة منه، وهيَ أن يكون أحدُ المبيعَين غير معلوم، مثل
ے
أن يبيع فرساً وما فى بطن فرس أخرى بصفقةٍ واحدة، فالبيعُ باطلٌ فى الكلّ. قال ابنُ
قُدامة رحمه الله تعالى:
"ولا أعلم فى بطلانه خلافاً، لأنّ المجهولَ لا يصحّ بيعُه لجهالته، والمعلومُ
مجهولُ الثّمن، ولا سبيل إلى معرفته، لأنّ معرفته إنما تكون بتقسيط الثّمن
عليهما، والمجهولُ لا يُمكن تقويمُه، فيتعذّر التّقسيط."(١)
والظّاهر أنّ مثلَه فى الحكم ما إذا كان أحدُ المبيعين معدوماً. وقد يقع فى عصرنا
أنّ رجالاً يشتركون فى مشروع مُجَمّع سَكنيّ أو تجاريّ، فيشترون أرضاً لبناء
المشروع، فيُريد أحدهم أن يبيعَ حصّتَه فى ذلك المشروع قبل أن يشرَعوا فى
البناء، وإنّ حصّتَه فى المشروع يُمثّل حصّةً مُشاعةً فى الأرض، وحصّةً فى البناء
الّذى لم يوجد بعد، فبيعُ الحِصّة يشتمل على ما هو موجود، وهو الأرض، وما
هو معدوم، وهو البناء المقترح. فلا يصحّ هذالبيعُ عند أحد. ولكنّ الطّريق الجائز
لذلك أن يبيعَ حصّتَه فى الأرض، ويفسُخ شركتَه فى المشروع باستعادة ما
شارك به فى المشروع، ثمّ الّذى يشترى الأرضَ يُشارك فى المشروع بماله بإذن
باقى الشّركاء، والله سبحانه أعلم.
أمّا إذا كان المبيعان موجودين معلومَين، فاختلفت فيه أقوالُ الفقهاء حسب ما يأتى:
(١) المغنى لابن قدامة ٤: ٢٩١ و ٢٩٢

٩٤٦
فقه البيوع
٤٢٩- مذهب الما لكيّة
مذهبُ المالكيّة أنّه كلّما جمعَ فى الصَّفقة بين ما يحِلّ بيعُه وما لا يحلّ، وقد دخل
أحدهما أو كلاهما على علم الحرمة، فالبيعُ كلُّه باطل. أمّا إذا لم يكُن أحدُهما يعلمُ
بالحرمة، كما إذا اشترى قُلْتَى خلّ، فإذا إحداهما خمر، أو اشترى دارين، فتبيّن أنّ
إحداهما وقف، أو شاتين مذبوحتين، فظهر أنّ إحداهما مَيتة، فإنّ للمشترى الخيارَ
بالتّمسك بالباقى بما يخُصّه من الثّمن، إذا كان ذلك الباقى، وهو الحلالُ، وجه
الصّفقة، وكان الحرامُ أقلّها. أمّا إن كان الحرامُ أكثرَ الصّفقة، وجب ردُّ الجميع، أو
التّمسّك بالحلال بجميع الثّمن، ولا يجوز التّمسّك به بما يُقابله من الثّمن فقط.(١)
٤٣٠- مذهب الحنفيّة
أمّا الحنفيّة، فما بطل بيعُه ينقسم عندهم على قسمين: الأوّل: ما ليس فيه إمكانُ صحّة
البيع على قول أحد من المجتهدين، مثلُ الحرّ والميتة والخمر والخنزير. والثّانى: ما فيه
إمكانُ صحّة البيع، إمّا لأنّه يحتمل الإجازةَ من مُجيز، مثل بيع ملك الغير، فإنّه يصحّ
بإجازة ذلك الغير، وإمّا لأنّ بيعَه مجتهدٌ فيه، فيصحّ على قول بعض الفقهاء، وقضاء
القاضى به، مثل بيع المدبّر، والمكاتب، أو يصحّ فى بعض الحالات، مثل الوقف.
فأمّا إذا ضُمّ ما يصحّ بيعُه بالقسم الأوّل، مثلُ بيع العصير والخمر، أوبيع عبد وحرّ،
أوبيع شاةٍ ذكيّة مع شاةٍ ميتة فى صفقة واحدة، بطل البيعُ فى كلٌّ منهما عند الإمام أبى
حنيفة رحمه الله تعالى، وإن سمّى البائعُ لكلّ واحدٍ منهما ثمناً مستقلاً. وقال صاحباه:
يبطُل فى الكلّ إن لم يُسمِّ لكلّ واحد منهما ثمناً. أمّا إذا فصّل ثمنَ كلٍّ على حدته،
(١) التّسوقي على الدردير ٣: ١٥

٩٤٧
المبحث الثامن
"جاز البيعُ فيما يصحّ بيعُه بثمنه المسمّى، مثل العصير، والعبد، والشّاة الذّكيّة فى
الأمثلة المذكورة.
وبناءُ الخلاف بينهم أنّ الصّفقةَ لا تتعدّد عند الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى
بتفصيلِ الثّمن لكلّ واحدٍ منهما، بل هيَ صفقةٌ واحدة، فكأنّ قبولَ البيع فى الخمر
شرطٌ لقَبوله فى العصير. وبالتّالي، فإنّه لو صحّ البيعُ فى العصير وغيره، لزم تفريقُ
الصَّفقة قبل التّمام. أمّا عند الصّاحبين، فإنّ تفصيلَ الثّمن لكلّ واحدٍ منهما جعلَه
بمنزلة صفْقتين، فتصحيحُ البيع فى واحدٍ منهما لا يستلزم تفريقَ الصّفقة.
وأمّا إذا قُرن ما يصحّ بيعُه بالقسم الثّانى، يعنى بما يُمكن تصحيحُ البيع فيه على قول
أحد المجتهدين، فإنّ البيعَ يصحّ باتّفاق بين الإمام أبى حنيفة وصاحبيه فيما يصحّ
بيعُه بحصّته من الثّمن. وهذا القسم على أنواع:
الأوّل: أن يضُمّ البائعُ مِلكَه بمِلك غيره، فيبيعَهما صفقةً واحدة. فإنّه وإن كان بيعَ
مِلك الغير وهو لا يجوز، ولكنّه يحتملُ الإجازةَ من المالك. ولذلك دخل فى القسم
الثّانى. فيصحّ البيعُ فيما يملكه البائع بحصّته من الثّمن، ويبطُّل فى مِلك الغير إن لم
يُجزه ذلك الغير.
والنّوع الثّانى: أن يضمّ ما يصحّ بيعُه بالإجماع بما لا يصحّ بيعُه عند الحنفيّة، ويصحّ عند
بعض المجتهدين، مثلَ أن تُباع شاةٌ ذكيّةٌ مع متروك التّسمية عامداً،(١) فإنّ متروك
(١) وجعل صاحب الهداية والعناية متروك التّسمية من القسم الأوّل، وذلك بناءً على أنّهم لم يعتبروا
حلّته مجتهداً فيها، لمخالفته النّصّ الصّريح، وذلك مبنيّ على عبارة للقدوريّ. ولكنّ الرّاجح أن
المسئلة مجتهد فيها، وليس مراد القدوريّ إخراجه عن المسائل المجتهد فيها، كما فصلته فى
كتابى "أصول الإفتاء وآدابه" ص ٢٣١ فى مسئلة نفاذ القضاء. ولذلك ذكرته فى القسم الثّانى.

٩٤٨
فقه البيوع
التّسمية، وإن لم يكن حلالاً عند الحنفيّة، فإنّه حلالٌ فى مذهب الشّافعيّة، (١) ومثلَ أن
يُباعَ قِنٌّ بمدبّر، فإنّ بيعَ المدبّر وإن لم يكن جائزاً عند الحنفيّة، فإنّه جائزٌ عند الشّافعيّ
وغيره، ولذلك يحتمل أن يُجيزه قاض من القُضاة. ولهذا دخل هذا النّوع فى القسم
الثّانى. وحكمُه أنّالبيعَ فى الشّاة الذّكيّة والقِنّ صحیحٌ بحصّته من الثّمن.
والنّوع الثّالث: أن يُضَمّ ما يصحّ بيعُه بما لا يصحّ بيعُه فى عامّة الأحوال، ولكن يُمكن
أن يصحّ بيعُه فى بعض الحالات، مثل أن تُباعَ أرضٌّ مملوكةٌ مع أرضٍ موقوفة فى
صفقةٍ واحدة، فإنّ الوقفَ لا يصحّ بيعُه فى عامّة الحالات، ولكن يصحّ بيعُه
بالاستبدال بشروطه. ولذلك دخل الوقف فى القسم الثّانى. فلو قُرن بيعُ الأرض
المملوكة بالأرض الموقوفة، صحّ البيعُ فى المملوكة بحصّته من الثّمن. وهذا الحكم
عامٌ، سواءٌ أذُكر فى العقد ثمنُ كلّ واحدٍ منهما، أم لم يُذكر. فأمّا إذا ذُكر، فمعرفةُ ثمن
ما صحَ بيعُه سهل. أمّا إذالم يُذكر، فإنّ ثمنهما المجموع يُقسّم على قيمة كلّ واحد
منهما، فما أصاب ما صحّ بيعُه، فهو ثمنُه. فإن باع ثوباً مملوكاً له مع ثوب آخر غير
مملوك له فى صفقة واحدة بمائة، وقيمةُ المملوك أربعون وقيمةُ غير المملوك
عشرة. فتُقسّم المائة على خمس حصص، فالحصّة الواحدة (وهيَ عشرون) لغير
المملوك، وأربع حصص (وهيَ ثمانون) للثّوب المملوك. فيصحّ البيعُ فى الثّوب
المملوك بثمانين، ويبطل فى الثّوب غير المملوك.(٢)
(١) وليُتنبّه أنّ ابن عابدين رحمه الله تعالى قد أدخل المخنوقة فى حكم المدبر، فأدخله فى
القسم الثانى على أساس أنه مال ولكنّه غير متقوّم (ردّ المحتار ١٤: ٥٥٦ فقره ٢٣٣٠٥)
والظاهر أنّ ذلك مسامحةٌ منه، لأنّ المخنوقةَ ليست حلالاً عند أحد من الفقهاء. ولو كان
الأمر دائراً على كونه مالاً عند غير المسلمين، لدخلت الخمر والخنزير فى هذا القسم
أيضاً. وقد صرّح الكاسانيّ رحمه الله تعالى وغيره بأنّه فى حكم الحرّ.
(٢) هذا ما لخّصتُه ونقّحتُه من فتح القدير٦: ٩١ وبدائع الصنائع ٤: ٣٣٨ و ٣٣٩ والبحر الرائق ٦: ١٤٨ و١٤٩

٩٤٩
المبحث الثامن
ويحتاجُ كلّ من الإمام أبى حنيفة وصاحبيه إلى بيان وجه الفرق بين القسم الأول والقسم
الثّانى. أمّا أبو حنيفة رحمه الله تعالى، فوجهُ الفرق عنده أنّ مالا يصحّ بيعُه من القسم
الأوّل، مثل الخمر أو الخنزير، لا يُمكن إدخالُه فى البيع لعدم ماليّته شرعاً فى حقّ مسلم،
فلمّا بطل بيعُه والصّفقة واحدةٌ، بطل البيعُ فى الكلَ. أمّا فى القسم الثّانى، فَيُمكن تصحیحُ
بيعه بإجازة من المالك أو القاضى، فيدخلُ فى البيع ابتداءً تصحيحاً لكلام العاقل، ثمّ
يخرج من البيع، فيصحّ البيعُ فى قرينه الذى لا إشكالَ فى جوازه بحصته من الثّمن، كما
إذا اشترى عبدين وهلك أحدهما قبل القبض، وهذا لا يكونُ شرطَ القبول فى غير
المبيع، ولا بيعاً بالحصّة ابتداءً، ولهذا لا يُشترط بيانُ ثمن كلّ واحد فيه.(١)
ووجهُ الفرق للصّاحبين فى أنّهم يَشترطون فى القِسم الأوّل بيان ثمن كلّ واحد
منهما، ولا يشترطون ذلك فى القسم الثّنى أنّ المضمومَ فى القسم الأوّل لا قيمة له
شرعاً، فلا يُمكن تقسيم الثّمن على قيمة كلّ واحد منهما، بخلاف القسم الثّانى، لأنّه
مالٌ متقوّم يُمكن تقويمُه، والبطلان إنّما جاء بسبب آخر، وهو إمّا لكونه ملكاً للغير،
أو لكون بيعه غيرَ جائز على قولهما، فيُمكن تقسيمُ الثّمن على قيمةِ كُلّ واحدٍ منهما.
٤٣١- مذهب الشّافعيّة
وقال الشّافعيّة فى الرّاجح عندهم إنّه لو جمع بين ما يصحّ بيعُه وما لا يصحّ فى صفقة
واحدة، مثل أن يبيع خلّاً وخمراً، أو شاةً وخنزيراً، صحّ البيعُ فيما يصِحّ فيه البيع، وهو
الخَلّ والشّاة، ويبطُل فى قرينه الّذى لا يصحّ بيعُه. ثمّ إن كان مقصودُ المشترى شراءَ مالا
يصحّ بيعُه، يُوزَّع ثمنُ المجموع على قيمتهما، ويجب عليه ما أصاب ما صحّ بيعُه
(١) الهداية مع فتح القدير ٦: ٩١

٩٥٠
فقه البيوع
حسب ما وصفنا فى مذهب الحنفيّة فى القسم الثّانى. وتُقوَّم الخمر على تقدير كونها
خلّاً، والخنزيرُ على تقدير كونه عنزاً، بقدره كِبَراً وصِغراً، والميتةُ على كونها مذكّةً. أمّا
إذا لم يكن مقصودُ المشترى شراءَ ما لا يصحّ بيعُه، وجب عليه كلُّ الثّمن، وله الخيارُ فى
الفسخ إن كان جاهلاً(١)
٤٣٢- مذهب الحنابلة
أمّا الحنابلة، فقالوا: إنّه إذا جمع فى الصّفقة الواحدة ما يصحّ بيعُه ومالا يصحّ، فإنّه على
قسمين : الأول: أن يكون المبيعان ممّا ينقسم الثّمنُ عليهما بالأجزاء، كقفيزين من
صُبرةٍ واحدة باعهما مَن لا يملكُ إلَّا بعضَهما، ففيه وجهان عندهم، ولكنّ الرّاجح فى
مثله أنّ البيعَ يصحّ فيما يصحّ بيعُه ويبطُل فى الآخر.
والقسمُ الثّانى: أن يكون المبيعان ممّا لا ينقسم عليهما الثّمنُ بالأجزاء، كعبد وحُرّ،
وخَلّ وخمر، وعبده وعبد غيره، وعبد حاضر وآبق، ففيه روايتان أيضاً، ولكن
استظهر ابنُ قدامة رحمه الله تعالى أنّ البيع فاسد فى الكلّ.
وهذا التّفصيل المذكور على المذاهب الأربعة إنّما هو فى صحّة البيع وعدمها
بعد الوقوع. ولكنّ الظَّاهرَ أنّه لا يجوز الدّخولُ فى مثل هذه البيوع الّتى تشتمل على
بيع ما هو محظورٌ عند أحد من الفقهاء، إن كان يعلم أنّه مشتمل على محظور، فإنّه لا
يجوز لمسلم أن يكون طرفاً فى ذلك العقد.
(١) هذه خلاصة ما جاء فى حواشى الشيرواني على تحفة المحتاج، فصل فى تفريق الصّفقة ٤: ٣٢٣
إلى ٣٢٧ وروضة الطالبين ٣: ٤٢٠

٩٥١
المبحث الثامن
٤٣٣- حكم بيع الفنادق والمتاجر التى تشتمل على ما لا يجوز بيعُه شرعاً
ويؤخذ بهذا حكمُ بيع الفنادق الكبيرة الّتى تُباع فيها الخمور والأشياء الأخرى
المحظورة شرعاً. وكذلك ربّما يُباعُ مَتْجَر كبير فيه محلاتٌ تُباع فيها الخمور أو
الأفلام المحظورة. وبيعُ الفندق والمتجَر يشمل هذه المحظورات. فلا يجوز الدّ
خولُ فى هذا البيع إلّا باستثناء الأشياء المحظورة شرعاً. فلو اشترى مسلمٌ فندقاً،
وجب عليه أن يأمر البائعَ برفع الخمور ولحوم الخنازير والأشياء المحظورة
الأخرى، ليقع العقد على الباقى الّذى هو حلالٌ شرعاً. وإن اشتُريَ مَتجر فيه محلاتٌ
مؤجرة إلى تُجّار يبيعون أشياءً محظورة شرعاً، وجب إخلاؤهم قبل البيع، أو استثناءُ
تلك المحلّات من البيع.
٤٣٤- حكم البيع الباطل
حكمُ البيع الباطل أنّه لايترتّب عليه أيُّ أثر من آثار البيع، حتّى أنّ المشتريَ لا يملك
المبيعَ، وإن قَبَضه. وهذا متّفق عليه. ولكن اختلفت أقوالُ الحنفيّة فيما إذا هلك المبيعُ
عند المشترى بعد قبضِه فى البيع الباطل. فالمذكورُ فى بعض المتون أنّه لاضمانَ فيه
على المشترى، لأنّ البيعَ باطل، فبقيَ المبيعُ عنده أمانةً، فلاضمانَ فى هلاكه.
والقول الثّانى: أنّه مضمونٌ على المشترى، وهو الذى اختاره السّرخسيّ وغيرُهُ، لأنّه
لا يكون أدنى حالاً من المقبوض على سَوم الشّراء. وهو قول الأئمّة الثّلاثة. وقيل:
الأوّلُ قول أبى حنيفة والثّانى قولهُما.(١)
(١) هذا ملخص مافى الدر المختار ورد المحتار ١٤: ٥٦٧ و ٥٦٨

٩٥٢
فقه البيوع
٤٣٥- الباب الرابع
فى البيع الفاسد
أمّا البيعُ الفاسدُ عند الحنفيّة، فالبيعُ الَّذى عرضه الفسادُ فى الوصف دون الأصل.
ومعنى صحّة الأصل أنّ العاقدين من أهل الإيجاب والقبول، والعوضان ممّا هو مالٌ
فى الجُملة، والمبيعُ مالٌ مملوك للبائع، ولكنّ الفساد إنّما جاء بسببٍ آخر.
٤٣٦- الفرق بين البيع الفاسد والبيع القابل للإبطال فى القوانين الوضعيّة
وينبغى أن يُعرف هنا أنّ اصطلاح "البيع الفاسد" عند الحنفيّة يلتبس فى بعض
الأحيان باصطلاح "القابل للإبطال" (Voidable) فى القانون الإنكليزيّ. والحقيقةُ أنّ
بينهما فرقاً كبيراً. وهو أنّ ما يُسمّى فى القانون الإنكليزيّ "القابل للإبطال" هو ما فيه
خيارٌ لأحد المتعاقدين لفسخ العقد، وذلك بسب غرور، أو تدليس، أو كذب من أحد
المتعاقدين بما يؤثّر على رضا الآخر. فيحقّ له أن يفسخ العقد بنفسه. وهذا يندرج فى
الفقه الإسلاميّ تحت الخيارات على اختلاف أنواعها الّتى سبق ذكرها. أمّا البيعُ الفاسد
على اصطلاح الحنفيّة، فهو ما اجتمعت فيه أركانُ البيع، وإنّما جاء الفساد بحكم الشّرع
لسبب خارج عن أركان البيع، مثل أن يُشترط فى البيع ما لا يقتضيه العقد، أو كان المبيعُ
غيرَ مقبوض للبائع. ومثلُ هذا البيع الفاسد لانظير له فى القوانين الوضعيّة، لأنّ ما

المبحث الثامن
جعلته الشّريعةُ من أسباب الفساد كلُّها مسموحٌ فى القوانين الوضعيّة.
والفرق بين حكمهما أنّ البيع إن كان قابلاً للفسخ فى القوانين الوضعيّة، فإنّه يحقّ لمن له
الفسخُ أن لا يفسخ البيع، ويرضى بالعقد بالرّغم من كونه قابلاً للفسخ، لأنّ الخيار بيده.(١)
أمّا البيعُ الفاسد على اصطلاح الحنفيّة، فإنّه يجب فسخُه على العاقدين شرعاً، ولا يجوز
لأحدهما أن يُنفّذه. ولذلك قال الدكتور عبد الرزاق السنهوري:
"فإذا تركنا هذه المقابلات المتناثرة فى نواح مختلفة، واقتصرنا على تعدّد مراتب
البطلان والصّحّة فى العقد، وجدنا الفقه الإسلاميّ أكثر تدرّجاً من الفقه الغربيّ
فى ذلك. فعنده "العقد الباطل" ويُقابله فى الفقه الغربيّ "العقد الباطل" أيضاً،
وهما سواء. وعنده "العقد الفاسد"، ولا يُقابله نظيرٌ فى الفقه الغربيّ. وعنده "العقد
الموقوف"، ولا نظيرَ له فى الفقه الغربيّ. وأقربُ شَبه به هو "العقد القابل
للإبطال "وإن کان یقصر دونه."(٢)
ولكن يجتمع "البيع الفاسد" و"البيع القابل للإبطال" فى أنّ المشتريَ إن باع المبيعَ
إلى ثالث قبل إبطال البيع من أحدهما، صحّ هذا البيع، وانتقل ملكُه إلى المشترى
الجديد، كما سيأتى فى أحكام البيع الفاسد. وبه صرحت المادة ٢٩ من "قانون بيع
المال" فى "البيع القابل للإبطال".
بعد معرفة هذا الفرق بين التصوّرات فى الفقه الإسلاميّ والقوانين الغربيّة، نأتى إلى أحكام
البيع الفاسد على مذهب الحنفيّة. والذى يتلخّص من كلامهم أنّ الفساد له أسبابٌ آتية:
(1) Contract Act 1872, Section 19
(٢) مصادر الحق فى الفقه الإسلامي: المجلد الثانى، الجزأ الرابع ص ٢٦٦

٩٥٤
فقه البيوع
٤٣٧- الأوّل: أن يكون الفساد لمعنىَ فى الثّمن.
وله صورٌآتية:
١- أن يكون الثّمنُ خمراً أو خنزيراً ممّا هو مالٌ عند أهل الذّمّة، وليس مالاً عند
المسلمين، فهذا البيعُ فاسدٌ على القول المشهور، وليس باطلاً، وقد ذكرنا أنّ ابن
الهمام رحمه الله تعالى اختار بطلانه، وهو الراجح من حیث الدلیل.
٢ - أن يكونَ الثّمنُ فيه جهالةٌ مفضيةٌ إلى النّزاع، سواءٌ كانت الجهالةُ فى جنس الثّمن،
أو فى وصفه، أو قدره، أو أجله، وقد فصّلنا مسائلَه فى شرائط الثّمن.
٣- أن يكون الثّمنُ مسكوتاً عنه، وقد ذكره الفقهاء فى أنواع البيع الفاسد، وعلّلوه بأنّ مُطلقَ
البيع يقتضى المعاوضة، فإذا سكت عنه البائع، كان غرضُه القيمة، فكأنّه باعه بقيمته.(١)
وهذا متفرّعٌ على القول بفساد البيع بقيمةِ السّوق. وقد ذكرنا فى مبحث شروط الثّمن أنّ
المتأخّرين جوّوا البيع بسعر السّوق إذالم تتفاوت الأسعارُ بتفاوت الآحاد.
وعلى هذا، فلو كان الثّمنُ مسكوتاً عنه فى هذه الحالة، وكان سعره فى السّوق معلوما
ينبغى أن يجوز، فكأنّ الثّمن مذكورٌ تقديراً. وهذا كما إذا اشترى جريدةُ قيمتُها
معروفةٌ لا تتغيّر، ولم يذكُرا الثّمنَ عند العقد، يصحّ البيعُ لكونه مذكوراً حكماً. أمّا إذا
صرّح المتعاقدان بنفْي الثّمن، فالبيعُ باطل. قال الحصكفيّ رحمه الله تعالى:
" وبطل بيعٌ صُرّح بنفي الثّمن فيه، لانعدام الرّكن، وهو المال. " (٢)
(١) رد المحتار ٥٦٩:١٤ فقرة ٢٣٣٣٥
(٢) الدر المختار مع ردّ المحتار ٥٦٦:١٤ و ٥٦٧

المبحث الثامن
٤٣٨- الثانى: أن يكون الفساد لمعنىً فى المبيع.
وله صور آتية:
١- أن يكون المبيعُ فيه جهالةٌ مفضيةٌ إلى المنازعة. والجهالةُ الّتى تُفسد البيع عامّةٌ،
سواءٌ أكانت فى جنس المبيع، أم فى تعيينه، أم فى قدره، وقد فصّلنا مسائلَها فى
الشّروط الّتى ترجع إلى المبيع. ويندرج فيه الملامسة والمنابذة. والملامسة: أن يَلْمسَ
كلٌّ منهما ثوبَ صاحبه بغير تأمّل، ليلزمَ اللامسَ البيعُ من غير خيارٍ له عند الرّؤية. وهذا
بأن يكون مثلاً فى ظُلمة، أو يكونَ الثّوبُ مَطوّاً مرئياً يتفقان على أنّه إذا لمسه فقد باعه
منه. وفسادُه لتعليق التّمليك على أنّه متى لمسه وجب البيعُ وسقط الخيار. والمنابذة:
أن ينبذ كلُّ واحدٍ منهما ثوبَه إلى الآخر، ولا ينظر أحدٌ منهما إلى ثوب صاحبه على
جعل النّبذ بيعاً، وهذه كانت بيوعاً يتعارفونها فى الجاهليّة. وكذا إلقاءُ الحجر: أن يُلِقِيَ
حصاةً وَثَمّه أثوابٌ، فأيُّ ثوبٍ وقع عليه، كان المبيعَ بلا تأمّل ورويّة، ولا خيارَ بعد
ذلك، ولابدّ أن يسبق تراوضُهما على الثّمن،(١) ولافرق بين كون المبيعِ معيّناً أو غيرَ
معيّن. ومعنى النّهي ما فى كلٍّ من الجهالة، وتعليق التّمليك على الخطر.(٢)
ومن هذا القبيل ضربةُ القانص، بأن يقولَ مَن يصطاد السَّمك: بعتُك ما يخرُج من إلقاء
هذه الشَّبكة مرّةً بكذا، فإن كان الحوضُ الّذى يُلقى فيه الشّبكةَ مملوكةً للبائع، فالبيعُ
(١) لأنّهما إن لم يتراوضا على الثّمن، فوجه الفساد السكوت عن الثمن، كما فى البحر الرائق ٨٣:٦
(٢) فتح القدير٦: ٥٥

٩٥٦
فقه البيوع
فاسد، وإن لم يكن مملوكاً له، فالبيع باطلٌ لعدم الملك.(١)
ومنه بيعُ المزابنة خَرْصاً، لأنّ قدرَ ما على الشّجر غيرُ معلوم، وفيها شبهةُ الرّبًا،
وقدبيّنّاه فى مبحث الرّبا تحت عنوان "المجازفة فى الأموال الرّبويّة".
٢ - أن يكونَ المبيعُ غيرَ مقدور التّسليم، فإن لم يكن مملوكاً للبائع، فالبيعُ باطل، مثل أن
يبيعَ طائراً فى الهواء لايملكه. أمّا إن كان مملوكاً له، وطارفى الهواء، فإن كان من عادتِه
الرّجوع، جاز البيعُ عند أكثر المشايخ، فإنّهم قاسُوه على المبيع الغائب فى مكان بعيد. وإن
لم يكن من عادته الرّجوع، فالبيع فاسد.(٢) وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى:
"ولا فرق بين كون الطّائر يألَف الرجوع أو لا يألَفه، لأنّه لا يقدرُ على تسليمه
الآن، وإنّما يقدِر علیه إذا عاد."
وفرّق بينه وبين المبيع الغائب فى مكان بعيد أنّ الإتيان به فى مُكنة البائع، بخلاف
الطّائر، فإنّ رجوعَه ليس بيد البائع، وإنّما هو بفعل الطّائر بنفسه.(٣)
ولورجع وسلّمه البائع إلى المشترى، لا يعود البيعُ إلى الجواز عند مشايخ بلخ، لأنّهم
أدرجوه فى البيع الباطل، كأنّه بعدَ ما طار فى الهواء خرج عن ملكه، فصار بيعُه باطلاً،
وارتفاعُ المبطل لا يُعيد البيعَ صحيحاً، لأنّ البيعَ لم يكن قائماً بصفة البطلان، بل معدوماً.
وعلى قول الكرخيّ والطّحاويّ يعود البيع إلى الجواز.(٤) وهو الذى رجّحه ابنُ الهمام
(١) ردالمحتار ٥٨٦:١٤ و ٥٨٧
(٢) الدر المختار مع رد المحتار ١٤: ٥٧٥ و ٥٧٦
(٣) المغني لابن قدامة ٤: ٢٧٢
(٤) الدر المختار مع رد المحتار ١٤: ٥٧٥ و ٥٧٦

٩٥٧
المبحث الثامن
رحمه الله تعالى، لأنّ عدم القدرة على التّسليم بعد كونه مملوكاً مفسدٌ للبيع لا مُبطل، فلمّا
قدَر على ذلك، زال المانع. (١)
ومثلُه بيعُ السّمك فى الماء. فإن لم يكن مملوكاً للبائع، فالبيعُ باطل. وإن كان مملوكاً،
مثلَ أن تكون فى بِركةٍ مملوكةٍ للبائع، فإن لم يُمكن الأخذُ منها إلاّ بحيلة، فالبيع
فاسد. وإن أمكن بدونها، فالبيع جائز، وللمشترى خيارُ الرؤية، ولا يُعتدّ برؤيته فى
الماء، لأنّه يتفاوت فى الماء وخارجه.(٢)
وقال ابن قدامة: "لايجوز بيعُه فى الماء إلاّ أن تجتمع ثلاثة شروط: أحدُها أن يكون
مملوكاً، الثّانى: أن يكون الماءُ رقيقاً لا يمنعُ مشاهدتَه ومعرفته. الثالث: أن يمكنَ
اصطيادُه وإمساكه. فإن اجتمعت هذه الشّروط جاز بيعُه، لأنّه مملوكٌ معلومٌ مقدورٌ
على تسليمه، فجاز بيعُه، كالموضوع فى الطّست. وإن اختلّ شرطٌ ممّا ذكرنا، لم يجز
بيعُه لذلك "(٣)
وبهذا يتميّز الفقهُ الإسلاميّ عن بعض القوانين الغربيّة، حيثُ إنّها تُجيز كثيراً من
التّعاملات الّتى فيها تعليقٌ للتّمليك على الخطر، فلا يُشترط فى تلك القوانين أن يكونَ
المبيعُ مقدورَ التّسليم للبائع. وبرّروا ذلك على أساس أنّ الرجل العاقلَ له أن يشتريَ ما
فيه خطر. يقول أحد الشّرّاح لقانون بيع المال الإنكليزيّ:
The contrary view, however, is preferable in view of the plain
language of ss4(2) and 6(2) of the Act, and the buyer may
have to pay in any event, for 'a man may buy the chance of
(١) فتح القدير٦: ٥٩ و ٦٠
(٢) ردالمحتار ١٤: ٥٧١
(٣) المغني لابن قدامة ٤: ٢٧٢

٩٥٨
فقه البيوع
obtaining goods'(1), and 'if a man should be foolish enough to
make a purchase of a chance, he must perhaps abide by the
consequence of his rashness (2),
یعنی:
"النظريّة الأخري راجحةٌ بالنّظر إلى عبارة المادة ٤(٢) و ٦ (٢) للقانون، و
المشترى يجبُ عليه أن يدفع الثّمن فى كلّ حال، لأنّه يحقّ لرجل أن
يشتريَ فُرصةً للحصول على بضاعة، وإنّ المرأ إن كان سفيهاً إلى حدّ أن
يشتريَ خَطراً، فإنّه يجب عليه أن يتحمّل نتائج استهتاره."
أمّا الشّريعة الإسلاميّة، فإنّها تهتمّ بمراعاة حقوق كلّ واحد من طرفي العقد، ولا
تُمكّنُ أحداً من استغلال الطّرف الآخر، كما أنّها تهتمّ بأن تكون العقودُ مبنيّةً على
مصلحة الجانبين ومصلحة المجتمع كلّه. وإنّ مثل هذه العقود الّتى تتعلّق على الأ
خطار تُعرقل السِّير الطّبيعيّ لقوّات السُّوق، وتُفسد النّظام الاقتصاديّ بأسره، كما
وقع فعلاً فى النّظام الرأسماليّ السّائد اليوم.
٣- أن يكون المبيعُ غيرَ مقبوضٍ للبائع، بحيثُ إنّه لم ينتقل إليه ضمانُه، فمَن باع ما
لم يقبضه، فبيعُه فاسد. وقد فصّلنا مسائلَه فى الشّرط السّابع من شروط المبيع،
والحمد لله تعالى.
(1) Buddle v. Green (1857) 27 LJ Ex 33, p.34, 114- RR
(Y) Pollock & Mulla, On Sale of Goods Act, Section 6 p.98, cf Hitchcock v
Giddings (1817) 4 Price 135, 18 RR 725, per Richards, CB.

٩٥٩
المبحث الثامن
٤٣٩- الثالث: أن يكون الفسادُ لمعنىً فى العقد.
وهو أن يُشترط فى العقد شرطٌ لا يقتضيه العقد. وقد فصّلنا مسائلَه فى الشّرط الثّالث من
الشّروط الّتى ترجع إلى صُلب العقد. وكذلك البيعُ المعلّق على شرط، أو المضاف إلى
المستقبل، فاسد. واضطربت عباراتُ الفقهاء الحنفيّة فى البيع المعلّق والمضاف، فقد
استخدموا للبيع المعلّق أو المضاف كلمةَ "البطلان" فى بعض المواضع، وكلمةَ "الفساد"
فى مواضع أخرى. والظّاهر أنّهم أدخلوه فى البيع الفاسد دون الباطل، وحيثُ ذُكر البطلان،
فإنّ المرادَ منه الفساد، لأنّهم ذكروا حكمَ التّعليق مقروناً بالشّرط الفاسد، والشّرطُ الفاسد
يُفسِد العقد ولا يُبطله، ولأَنّهم علّلوا عدمَ صحّة التّعليق والإضافة بكونهما تمليكاً على
الخطر، وإنّه مفسدٌ للعقد. ولذلك حينما شرحَ ابنُ عابدين رحمه الله تعالى قولهم:
"لا يصحّ تعليقه" قال: "ليس المراد به بطلانَ نفس التّعليق مع صحّة المعلَّق، لأنّ ما كان
من التّمليكات يفسُد بالتّعليق، بل المراد أنّه لا يقبلُ التّعليق بمعنى أنّه يفسُد به."(١)
وذكر الحمويّ رحمه الله تعالى احتمالاً أن يكون هناك فرقٌ بين البيع المقرون بالشّرط
الفاسد، حيثُ يفسُد، وبين البيع المعلّق، حيثُ يبطل. (٢) ولعلّ القولَ ببطلان البيع
المعلّق أو المضاف مبنيٌّ على أنّ تعليقَ الإيجاب أو القبول على خطر يُورث خللاً فى
ركن البيع، لأنّ طبيعةَ الإيجاب أو القبول تقتضى كونَهما جازمين، والتّعليقُ يُبطل الجزم،
(١) رد المحتار ١٥: ٤٥٨ فقره ٢٥٠٠٠
(٢) فإنه اعترض على قول الأشباه حيث استعمل كلمة يبطل " للمعلق والمقرون بالشرط جميعا، فقال:
"فيه أنّ البيع المقرون بالشّرط الفاسد فاسد، لا باطل ... ومعلوم أن الفاسد غير الباطل عندنا، اللهم إلاّ
أن يُحمل على ما إذا ذُكر بحرف الشّرط كما إذا قال: بعتُ إن كنت تُعطينى كذا. أمّا إذا قال: بعتُ
على أن تُعطينى كذا، ففاسد لا باطل، كما فى المنتقى. "(شرح الأشباه والنظائر، الفنّ الثالث ١٧٧:٣)

٩٦٠
فقه البيوع
وقد مرّ أنّ ما أورث خللاً فى ركن البيع فإنّه مبطلٌ له، والله سبحانه وتعالى أعلم.
٤٤٠- حكمُ البيع الفاسد
وأمّا حكمُ البيع الفاسد عند الحنفيّة الّذين يُفرّقون بينه وبين الباطل أنّ الفاسدَ من
البيع يجب على المتعاقدين فسخُه، ولكنّه يُفيد ملكاً خبيثاً بعد قبض المشترى
المبيع، ويتفرّع عليه أمورٌ آتية:
١- إنّ الدخولَ فى مثل هذا البيع غير جائز لكونه بطريق غير مشروع.
ء
٢- إن لم يقبض المشترى المبيعَ ببيعٍ فاسد، فإنّه لايملكُه، ولا ينفذ تصرّفُه فيه، إلاّ
التّصرّف الذى هو فى حكم القبض كما سيأتى، ويجب عليهما الامتناع عن تنفيذ البيع.
٣- إن قبضَه المشترى قبضاً حقيقياً أو حكميّاً، فإنّه يجبُ على المتعاقدين فسخُ البيع.
٤- إن قبَضَ المشترى المبيعَ، فإنّه يملكُه ملكاً خبيثاً لا يجوز له الانتفاع به بالأكل أو
الشّرب أو اللّبس، أو التّصرّف فيه، إلاّ إذا عَقَده من جديد بإزالة المفسد.
٥- وبما أنّه يملكُه، ولو ملكاً خبيثاً، فإنّه ينفذ فيه تصرّفُه، مثل أن يبيعَه إلى ثالث،
ولكن لا يطِيبُ له الرّبح، بل يجب عليه أن يتصدّق به.
٦- إن لم يبقَ المبيعُ فى يد المشترى، بأن هلك فى يده، أو تصرّف فيه تصرّفاً يمنع
الرّدّ، فإنّه يضمن للبائع مثلَه أو قيمتَه، ويستردّ الثّمن.
ولنتكلّم على كلّ واحدٍ من هذه النّقاط بشيئ من التّفصيل:

٥
المبحث الثامن
٤٤١- عدم جواز البيع الفاسد
أمّا النّقطة الأولى، من كون البيع غير جائز شرعاً، فلأنّه عُقِد بغير طريق مشروع.
٤٤٢- كونه لايُفيد الملك قبل القبض
وأمّا النّقطة الثانية، من أنّه لايُفيد الملكَ قبل القبض، ويجب على المتبايعين الامتناعُ
عن التّنفيذ، فوجّهه صاحب الهداية بقوله: "وإنّما لا يثبت الملكُ قبل القبض كى
لا يؤدّيَ إلى تقرير الفساد المجاور، إذ هو واجبُ الرّفع بالاسترداد، فبالامتناع عن
المطالبة أولى، ولأنّ السبب (يعنى سبب الملك) قد ضعف لمكان اقترانه بالقبيح. "(١)
٤٤٣- وجوب فسخ البيع الفاسد
وأمّا النّقطة الثّالثة، من أنّه يجب عليهما فسخ البيع، ولو قبضه المشترى، فلأنّ البيع اقترن به
محظورٌ يجب التّوبةُ منه، والتّوبةُ هُنا بأن يفسُخا البيع. ولكلّ واحدٍ منهما فسخُه قبل قبض
المشترى بالاتّفاق. أمّا بعد قبض المشترى، فكذلك عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما
الله تعالى فى جميع الأحوال. وقال محمّد رحمه الله تعالى: إن كان الفسادُ لشرطٍ زائد،
كالبيع إلى أجل مجهول، أو بشرطٍ فيه نفعٌ لأحدهما، فإنّ حقَّالفسخ لمن له منفعةُ الشّرط.
أمّا مَن عليه منفعةُ الشّرط، فإنّه يفسُخ برضا الآخر أو بالقضاء. واقتصر فى الهداية على قول
محمّد رحمه الله تعالى، ولم يذكر خلافاً(٢) ومعناه أنّه إن امتنع مَن له الفسخ، جاز للفريق
الآخر أن يجبره على ذلك بطريق القضاء.
(١) الهداية مع فتح القدير٦: ٩٤ و ٩٥
(٢) ردالمحتار ١٤: ٦٨١ فقره ٢٣٦٢٢

٩٦٢
فقه البيوع
٤٤٤- كونه يُفيد الملك الخبيث بعد القبض
وأمّا النقطة الرابعة من أنّ البيع الفاسد يُفيد الملك بعد القبض، فيُشترط له أن يكون
القبضُ بإذن البائع صراحةً أو دلالةً، بأن قبضه فى مجلس العقد بحضرته، ولم ينْهَه. وأمّا
بعد المجلس، فلابد من صريح الإذن، إلاّ إذا قبض البائعُ الثّمنَ وهو ممّا يُملك به (١)،
فإنّه يكون إذناً بالقبض دلالةً (٢) وهل تنوبُ التّخلية عن القبض فى هذه المسئلة؟ فيه
قولان لفقهاء الحنفيّة، وصحّح فى "الخانيّة" و"الخلاصة" و"البحر" و"النّهر" أنّه فى
حكم القبض. (٣) وكما يجوز أن يكون القبضُ بالبراجم حقيقةً، يجوزُ أن يكون خُكميّاً،
وذلك بطريق الوكالة، حتّى قالوا: لوأمر المشترى البائعَ بطَحْن الحنطة المشتراةِ بيعاً
فاسداً، أو بذَبح الشّاةِ المشتراةِ كذلك، فإنّ المشتريَ يُعتبر قابضاً اقتضاءً. (٤)
وقدّمنا أنّ هذا الحكم مختصِّ بالحنفيّة. أمّا الشّافعيّة وغيرهم، فلافرقَ عندهم بين
البيع الفاسد والباطل، فالفاسدُ على اصطلاح الحنفيّة باطلٌ عندهم، فلا يُفيد الملك
حتىّ بالقبض، لأنّه محظور، فلا يُنالُ منه نعمةُ الملك، وهذا مبنيٌّ على مسئلةٍ أصوليّة
من أنّ النّهي عن الأفعال الشّرعيّة لايُفيد تحقّقَ الفعل عندهم، بل يقتضى بطلانه.
وموقف الحنفيّة أنّ النّهى يُقرّر المشروعيّة لاقتضاءه التّصوّر، وإنّ ركنَ البيع ههنا قد
(١) احترازعما إذا كان الثمن خمرا أو خنزيرا، فإنهما ممّا لا يُملك، فلو قبضهما البائع لايُعدّ إذنا
دلالة، وإنما يُشترط إذن صريح. وهذا مبنيّ على القول المشهور من أن الخمر والخنزير إن كانا
ثمنا، فالبيع فاسد لا باطل، وقدمنا عن ابن الهمام رحمه الله تعالى أنّ البيع باطل فى كلا الوجهين،
سواء كان الخمر والخنزير مبيعا أو ثمنا.
(٢) ردّالمحتار مع الدر المختار ١٤: ٦٧٢
(٣) ردالمحتار ١٤: ٦٧١ فقره ٢٣٥٨٨
(٤) الدر المختار مع رد المحتار ١٤: ٦٨٩

٩٦٣
المبحث الثامن
صدر من أهله فى محلّه، فوجب القولُ بانعقاده. فنفسُ البيع مشروع، وبه تُنال نعمةُ
الملك، وإنّما المحظور ما يُجاوره، كما فى البيع وقت النّداء.(١) وبسبب هذا
المحظور قلنا إنّه يجب الامتناعُ عن تنفيذه قبل القبض، وفسخُ البيع بعده.
وأمّا أنّه ملكٌ خبيثٌ، فلأنّه حصل بطريق غير مشروع، فلايحلّ له الانتفاع به بأكل
أوشرب أو لُبس، ولا يجوز للمشترى التّصرّف فيه.
وبالرّغم من أنّ غيرَ الحنفيّة لم يُفرّقوا بين اصطلاح "البيع الباطل" و"البيع الفاسد"
من حيثُ المبدأ، ولكنّهم رتّبوا بعض الآثار فى العقد الفاسد، كما سيأتى فى النّقطة
الآتية إن شاء الله تعالى.
٤٤٥- نفاذ تصرفات المشترى فى المقبوض بيعاً فاسداً
وأمّا النّقطة الخامسة، من أنّه تنفُذ فيه تصرّفاتُه، ويثبت له أحكامُ الملك، بأنّه يكون
خصماً لمن يدعیه، لأنّه يملك رقبته. نص علیه محمد رحمه الله تعالى. ولو باعه كان
الثّمنُ له، ولو أعتقه صحٌ، والولاءُ له، ولو أعتقه البائعُ لم يعتق، ولو بيعت دارٌ إلى
جنبها، فالشُّفعة للمشترى.(٢) وإنّما نفّذ الحنفيّة هذه التّصرفاتِ مع كونها غيرَ جائزة
(١) الهداية مع فتح القدير٦: ٩٢ إلى ٩٤. وزادفى الكفاية أنّ القياس على البيع وقت النّداء فى أنّ
النّهى لا يقتضى البطلان، غير أنّ المنهيّ عنه فى البيع الفاسد متصل به وصفا، فأثر فى الفساد، وفى
البيع وقت النداء مجاورله، فأثر فى الكراهة دون الفساد.
(٢) ردّالمحتار ١٤: ٦٧٧ ولكن لا يعنى ذلك أنّ هذه التصرفات جائزة له، بل صرّح فقهاء الحنفيّة أنّه
يأثم بهذه التّصرفات. قال ابن عابدين رحمه الله تعالى: "الواجب عليه كان هو التوبة بالفسخ
والاسترداد، وبتأخيره إلى وجود هذه التصرفات التى تعلّق بها حقّ عبد، يكون قدفوّت مكنته من
الاسترداد، فتعيّن لزوم القيمة، ومقتضاه أنّ المعصية تقرّرت عليه فلا يخرج عن عهدتها إلاّ
بالتّوبة، وأنّ الفسخ قبل هذه التّصرفات توبة. (ردالمحتار ١٤: ٦٩٢ فقر٢٣٦٥٥٥)