Indexed OCR Text

Pages 301-320

فقه البيوع
شاء فسخه، فعلى المشترى أرش العيب الحادث. وإن حدث العيب بفعل البائع
فالظاهر أن البيع يبطل كما إذا تعيّب المبيع فى يد البائع بفعل نفسه، وكان الخيار له
وحده. والله سبحانه أعلم.
أمّا المالكيّة، فقد ذكر القرافيّ رحمه الله تعالى أنّ التعيّب زمنَ الخيار يكون من
ضمان البائع، سواءٌ أكان الخيار اللبائع، أم للمشترى، أم لهما جميعاً، وسواءٌ حصل
التعيّب فى قبض البائع أو المشترى.(١)
ويُفهم من أصل الشافعيّة أنّ التّعيّب فى هذه الصّورة إن حدث فى يد البائع، فإنّه من
ضمانه. أمّا إذا حدث فى يد المشترى، فمقتضى أصلهم أنّ التّعيّب من ضمان مَن
يملك المبيع، وقد مرّ أن المِلك فى صورة اشتراط الخيار لكلٍّ من العاقدين موقوفٌ،
فإن تمّ البيعُ بانَ أنّ ملكَ المبيع للمشترى، وملكَ الثّمن للبائع من حين العقد، وإن
فُسخ البيعُ، فللبائع ملكُ المبيع، وللمشترى ملكُ الثّمن من حين العقد، وكأنّه لم
يخرُج شيئٌ عن مِلك مالكه. والظّاهر أنّ تعيّبَ المبيع فى يد المشترى يقتضى تمامَ
البيع، لأنّ المبيعَ لا يمكن ردُّه معيباً إلى البائع، وبذلك بانَ أنّ المبيعَ كان فى ملك
المشترى من حين العقد، والثّمن كان فى ملك البائع من حينه. والله سبحانه أعلم.
٤١٦- جريان الإرث فى خيار الشّرط
وإن مات مَن له خيارُ الشّرط فى أثناء مدّته بدون أن يفسُخ البيع، هل ينتقل خيارُ
الفسخ إلى ورثته؟ فيه خلاف بين الفقهاء. فقال الشّافعيّة والمالكيّة: ينتقل الخيارُ إلى
ورثته، ويجرى فيه الإرث، كما يجرى فى خيار العيب بالاتّفاق، فله أن يفسُخ البيع.
(١) الذخيرة للقرافي، القسم الثانى من كتاب البيوع ٤٢:٥

المبحث الثامن
وذلك بناءً على أصلهم أنّ الحقوق المتعلّقةَ بالبيع تُورَث.(١) وهناك قولٌ شاذّ
عندالشافعيّة أنّ خیار الشّرط لا يُورث، وهو قول مخرّج من قول مرجوح فی خیار
المجلس أنّه لا يورَث، لكنّ الرّاجح والمنصوصَ من مذهب الإمام الشّافعيّ رحمه الله
تعالى أنّ خيارَ المجلس موروثٌ أيضاً، فالقولُ بأنّ خيارَ الشّرط لا يُورَث بعيد. قال
إمام الحرمين رحمه الله تعالى:
"مذهبُ الشّافعي أنّ خيارَ الشّرط موروث، فإذا شُرط للمتعاقدين، فمات
أحدُهما في مدة الخيار، قام وارثُه مقامَه .... قال صاحبُ التّقريب: إذا حكمنا
بأنّ خيار المجلس لا يورث، فقد خرَّج عليه بعضُ أئمتنا قولاً أن خيار
الشرط لا يورث، فإنه كما اختصّ المجلس بالعاقد، ولم يوجد منه فراقٌ
محسوسٌ، فكذلك الشّرط يختصّ بالعاقد. وهذا بعيدٌ جداً، لم أره لغيره." (٢)
وقال الحنفيّة والحنابلة: لا يُورثُ خيارُ الشّرط، بمعنى أنّ البيعَ صيرُ باّاً بموته، ولا يملِك
الورثةُ فسخَه، بخلاف خيار العيب، حيثُ يورَث بلاخلاف، ويُمارسُه الورثةُ بعد
المورث. وبيّن السّرخسيّ رحمه الله تعالى وجه الفرق بينهما، وقال:
"لأنّ المشروطَ له الخيارُ مُسلّطٌ على الفسخ من جهة صاحبه ... والمسلَّطُ على
التّصرَف فى حقّ الغير لايقومُ وارثُه مقامَه بعد موته، كالوكيل بالبيع إذا مات،
بخلاف خيار العيب، فالمقصودُ هناك هو الفسخ، ولكنّ المطالبةَ بتسليم ما هو
المستحقُّ بالعقد، حتّى إذا تعذّر الرّدُّ بالعيب، رجع بحصّةِ البيع من الثّمن.
(١) المدونة الكبرى، كتاب: البیعین بالخيار ٣: ٢٠٨ و ٢٠٩
(٢) نهاية المطلب في دراية المذهب، باب خيار المتبايعين ٥: ٢٧

٩٢٦
فقه البيوع
والوارثُ يخلُف المُورثَ فيما هو مال."(١)
ولكنّ الحنابلةَ قالوا: إن كان صاحبُ الخيار قد طالب بالفسخ فى مُدَّة الخيار قبل موته، ثمّ
مات يكونُ لورثته الخيار."(٢) وكذلك نسب شمس الدين ابن قدامة هذا القول إلى الإمام
أبى حنيفة أيضاً، (٣) وإن لم أجده فى كتب الحنفيّة. والظّاهرُ أنّه ليس من قبيل جريان
الإرث فى الخيار، لأنّه لمّا طالبَ بالفسخ فى حياته، فقد انفسخ البيع، وما بقيَ إلاَّردُّ المبيع
والثّمن، فصار المبيعُ مملوكاً للبائع، والثّمنُ دَيناً فى ذمّته إن كان قبضه. فإن كان الخيارُ
للمشترى، فإنّ ورثته يستحقّون الثّمنَ لكونه ديناً على البائع، لا لأنّ الخيار انتقل إليهم. وإن
كان الخيارُ للبائع، فإنّ ورثتَه يستحقّون المبيعَ لأَنّه مِلكٌ لمورثهم.(٤)
وإنّ هذا الاختلاف فى وراثة الخيار فيما إذا لم يكن هناك تصريحٌ فى العقد بشأن
الوراثة. أمّا إذا صرّح العاقدان فى العقد بأنّ خيار الشّرط ينتقل إلى الورثة عند موت من
له الخيار، فلم أجد فى ذلك نصًا من الفقهاء، وقد جرى العمل فى العقود اليوم أنها
تصرّح بأنّ العقد كلّه ينتقل إلى ورثة العاقد عند موته، وإن كان العقد يصرّح بذلك،
فالظّاهر أنّ الخيار ينتقل إلى الورثة، والله سبحانه أعلم.
(١) المبسوط للسّرخسي، باب الخيار فى البيع ٤٣:١٣
(٢) شرح منتهى الإرادات، باب الخيار فى البيع ٢: ٤١
(٣) الشرح الكبير على متن المقنع مع المغنى ٤: ٧٧
(٤) ثمّ وجدتُ تأييد ذلك فى كلام الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين رحمه الله تعالى،
حيثُ قال: "لأنّه إذا قال: فسختُ، انفسخ البيع، ولم يبق خيار، وأمّا إذا فُسّرت المطالبة بأنّه قد
قال: أنا على خيارى، فهذه ثابتةٌ وإن لم يقُلها، لأنّه مادام اشترى بشرط الخيار ولم يُسقط الخيار،
فالأصل بقاؤه." (الشرح الممتع على زاد المستقنع، باب الخيار ٢٩٤٠٨)

المبحث الثامن
٤١٧- خيار التّعيين
خيارُ التّعيين حقُّ العاقد فى تعيين أحد الأشياء الّتى وقع العقدُ عليها على سبيل
التّرديد. وذلك أن يختارَ المشترى شيئين، ويعقدَ الشّراءَ على أحدهما، ويشترطَ خيارَ
التّعيين لنفسه إلى مدّةٍ معلومة، فيقول مثلاً: "اشتريتُ منك أحد هذين الثّوبين، وأعيّنه
فى خلال ثلاثة أيّام، ويقبله البائع، أو يقول البائعُ: "بعتُ منك أحد هذين الثّوبين،
وأعێّنه فى خلال ثلاثة أيّام"، ويقبله المشترى.
وهو مشروعٌ عند الحنفيّة والمالكيّة، (١) وممنوعٌ عند الشّافعيّة وجمهورٍ الحنابلة،(٢)
لأنّ المبيعَ مجهول، ففيه غرر. وقال صاحب الهداية:
"والقياسُ أن يفسُد البيعُ فى الكلّ لجهالة المبيع، وهو قول زفر والشّافعىّ. وجهُ
الاستحسان أنّ شَرْعَ الخيارِ للحاجة إلى دفع الغبْن، ليختار ما هو الأرفقُ
والأوفق. والحاجةُ إلى هذا النّوع من البيع متحقّقة، لأَنّه يحتاج إلى اختيار مَن
يثق به، أواختيار مَن يشتريه لأجله، ولا يمكّنه البائعُ من الحمْل إليه إلاّ بالبيع،
فكان فى معنى ما ورد به الشّرِع."(٣)
٤١٨- شروط خيار التعيين
ويشترطُ لجواز العقد بخيار التّعيين شروطٌ آتية:
الأوّل: أن يُشترط الخيارُ فى صُلب العقد. فإن باع إحدى الشّاتين، وافترقا بدون
(١) فتح القدير ٥: ٥٢١ والدسوقى ١٠٦:٣
(٢) المغني لابن قدامة ٤: ٩٩
(٣) الهداية مع فتح القدير ٥٢١:٥

٩٢٨
فقه البيوع
ذكر الخيار بطل البيع.
الثّانى: اشترط الحنفيّةُ أن يكون محلُّ الخيار من القيميّات، أو فى المثليّات المختلفة
الجنس، كما إذا باع مُدّاً واحداً من ثلاثة أمداد، أحدها حنطة، والثّانى شعير، والثّالث
عَدَس، وبيّن ثمن كلٍّ على حدة. (١) فلا يجوز خيارُ التّعيين فى المثليّات المتّحدة
الجنس، وعلّلوا ذلك بأنّه لاحاجةَ فيها إلى خيار التّعيين، لعدم التّفاوت.(٢)
ولكنّ هذه العلّةَ منقوضةٌ بتفاوت الأنواع والأوصاف فى جنسٍ واحد. فلوكان المبيعُ
حنطةً مثلاً، فإنّ فيها جيّداً ووسطاً ورديئاً، وأوصافُها تختلفُ من المزروعة فى بلدٍ إلى
المزروعة فى بلد آخر. وقد يحتاج المشترى إلى التّروّى فى اختيار نوعها ووصفها،
فكيف يُقال: إنّه لاحاجةَ لخيار التّعيين فى جنس واحد، إلاّ إذا أريد باتّحاد الجنسِ التّماثلُ
فى الأنواع والأوصاف. فالظّاهر انّه لامانعَ من اشتراط خيار التّعيين فى متّحد الجنس أيضاً،
إن كان هناك تفاوتٌ فى الأنواع والأوصاف، سواءٌ أكان من القيميّات أم من المثليّات.
وإنّ كثيراً من الأشياء الّتى عدّها الفقهاءُ من القيميّات، أصبحت اليوم من المثليّات،
مثل الأثواب، والمراكب، والمنتجات الّتى تُصنع بالأجهزة الكهربائية، فإنّها لا تختلف
آحادُها من طراز واحد. وتختلف طرازاتُها من جنس واحد، ففائدةُ خيار التّعيين فيها
ثابتةٌ بلا ريب. والله سبحانه أعلم.
٤١٩- توقيت خيار التّعيين
الشّرط الثالث: أن يُحدَّدَ للخيار مدّةٌ معلومة. ثمّ مُعظم الحنفيّة على أنّ مدتَه مدةُ خيار
(١) شرح مجلة الأحكام العدليّة للأتاسي، ٢: ٢٦٠ مادة ٣١٦
(٢) ردالمحتار، مطلب فى خيار التعيين ٣١٨:١٤ و٣١٩ فقره ٢٢٧٦٥ عن البحر الرائق ٣٧:٦

المبحث الثامن
الشّرط، وهيَ ثلاثة أيّام عند الإمام أبى حنيفة، والثّلاث ومازاد عليها عند الصّاحبين بعد أن
يكون معلوماً، وهو قول الكرخىّ والطّحاوىّ.(١) وعليه مشت مجلّةُ الأحكام العدليّة.(٢)
وأمّا المالكيّة، فالظّاهرُ أنّهم يشترطون التّوقيت، ولكنّهم لا يقيّدونه بثلاثة أيّام. قال فى
منح الجليل: "وإن مضت مدّةُ الخيار ولم يختَرْ، ثمّ أراد الاختيارَ بعدها، فإن كان بعيداً
من أيّام الخيار، فليس له ذلك، وإن قرُب منها فذلك له. "(٣) وحكاه عن ابن القاسم
أيضاً. وهذا يدلّ بظاهره أن مدّةَ الخيار لا تتقيّد عندهم بثلاثة أيّام.
ثمّ إن مضت مدّةُ الخيار، ولم يُعيّن مَن له الخيارُ المبيعَ، فحكمُه عند المالكيّة أنّه
يلزمُه النّصفُ من كلّ من الشّيئين. قال الدّردير رحمه الله تعالى: "لأنّ ثوباً قد لزمه،
ولا يُعلم ماهو منهما، فوجب أن يكون فيهما شريكاً. "(٤)
أمّا الحنفيّة، فقد ذهب ابنُ نُجيم رحمه الله تعالى إلى أنّه لو مضت مدّةُ الخيار، ولم
يُعيّن مَن له الخيار أحدَهما، بطل البيعُ فى الكلّ. (8) واعترض عليه ابنُ عابدين رحمه
(١) بدائع الصنائع ٤: ٣٥٧ ولكن الكرخيّ رحمه الله تعالى يجعل خيار التّعيين فى حكم خيار الشّرط
فيهما، فله أن يردّ البيع فى كليهما فى مدة الخياركما ذكر عنه فى المحيط البرهاني، ١٠: ٤١ كتاب
البيوع، فصل ١٢
(٢) شرح المجلّة للأتاسى، المادة ٢٦٢:٢،٣١٧
(٣) منح الجليل لمحمد عليش ٥: ١٤٠
(٤) الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي ٣: ١٠٧
(٥) ومال الزّيلعيّ رحمه الله تعالى إلى أنّ التّأقيت ليس بشرط فى خيار التّعيين، لأنّه لافائدة للتّوقيت.
ولكن قال ابنُ نجيم رحمه الله تعالى فى بيان فائدة التّوقيت: "ارتفاعُ العقد فيهما بمضيّ المدة من غير
تعيين، بخلاف مُضيّها فى خيار الشّرط، فإنّه إجازة، ليكون لكلّ خيار ما يُناسبه. " (البحر الرائق ٤: ٣٧)

٩٣٠
فقه البيوع
الله تعالى بأنّه لم يستند فى ذلك إلى نقل.(١) والّذى يظهر من عامّة كتب الحنفيّة أنّ
البيعَ لا ينفسخ بعدَ انتهاء مدّة خيار التّعيين، بل يُجبر مَن له الخيارُ على التّعيين،
وعلّلوه بأنّ البيعَ قد انبرم فى أحدهما بمجرّد العقد، ومتى انبرم البيع، صار المشترى
بمنزلة الشّريك المختلطِ ماله بمال غيره، فيُجبر على التّعيين، كما يُجبر الشّرِيكُ
على القسمة إن طالب ذلك الشّريكُ الآخر.(٢) وفائدةُ ضرب المُدّة فى خيار التّعيين
أنّ الآخرَ لا يستطيع أن يجبره على التّعيين قبل مُضيّ المدّة، ليتمكّن مَن له الخيارُ مِن
التّروّى فى اختيار أحدهما، وليحصُل المقصودُ الّذى من أجله شُرِع الخيار.(٢)
٤٢٠- هل يجوز خيارُ الّعيين فى أكثر من ثلاثة؟
الشّرطُ الرّابع عند الحنفيّة: أن لا تزيدَ الأفرادُ المختارُ منها على ثلاثة. فلايجوز خيارٌ
التّعيين فى أكثرَ من ثلاثة أفراد. قال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "والحاجةُ تندفع
بالتّحرَى فى ثلاثة، لاقتصار الأشياء على الجيّد والوسط والرّديئ، فيبقى الحكمُ فى
الزيادة مردوداً على أصل القياس، ولأنّ النّاس تعاملوا هذا البيع لحاجتهم إلى
ذلك ... ولا تعامُلَ فيما زاد على الثّلاثة، فبقى الحكمُ فيه على أصل القياس." (٤)
أمّا المالكيّة، فيُجيزون الخيارَ فى أكثر من ثلاثة، إن كانت من صِنْفٍ واحد. جاء فى المدوّنة:
"أرأيتَ إن قال: أنا آخذ منك ثوبين من هذه الأثواب، وهى عشرون ثوباً
(١) رد المحتار، مطلب فى خيار التعيين ٣١٨:١٤ و٣١٩ فقره ٢٢٧٦٥
(٢) فتح القدير ٥: ٥٢٣
(٣) الحواشى السّعديّة على فتح القدير ٥: ٥٢٢ وشرح مجلّة الأحكام للأتاسي، ٢: ٢٦٤ مادة ٣١٧
(٤) بدائع الصنائع ٤: ٣٥٦

المبحث الثامن
بعشرة دراهم، على أنّى بالخيار ثلاثاً، آخذ أحدهما بعشرة دراهم، أيجوز
هذا فى قول مالك أم لا؟ قال: ذلك جائز. قلت: وسواءٌ إن كانا ثوبين، أو
أثواباً كثيرة، فاشترى منها ثوباً يختارُه، وضرب لذلك أجلاً أيّاماً؟ قال: نعم،
هو سواءً عند مالك."(١)
وما ذكرنا عن الكاسانيّ رحمه الله تعالى فى علّة التّقييد بالثّلاث من أنّه لاحاجةً فى
أكثرَ من ثلاث لاشتمالها على الجيّد والرّديئ والوسط، مُقتضاه أن يجوزَ فى أكثر من
ثلاثة، إذا ثبتت الحاجة إليها. وإنّ تنوّعَ المنتَجات اليوم لم يقصُر التّفاوتَ على الجيّد
والرّديئ والوسط، بل هناك ألوانٌ وصناعاتٌ فى كلٍّ من الجيّد والرّديئ والوسط،
والحاجةُ داعيةٌ إلى خيار التّعيين فى أكثر من ثلاثة، لكثرة الأنواع والأوصاف، وقد
جرى التّعامل بذلك، فلا مانعَ من إثبات الخيار فى أكثر من ثلاثة. والله سبحانه أعلم.
ثمّ هل يجوز أن يقع الاختيارُ على واحد، أو يجوز أن يكون الخيارُ فى أخذ أكثرَ من
واحد؟ لم أجد فيه نصّاً من الحنفيّة، ولكن صرّح المالكيّة بجواز ذلك. قال القرافيّ
رحمه الله تعالى: "يجوز شراءُ ثوب من ثوبين بخياره، أوخمسين من مائةٍ إن كانت
جنساً واحداً. "(٢) والظّاهرُ أنّ مذهب الحنفيّة لا يأبى ذلك.
ويجوز اشتراطُ خيار التّعيين فى جانب البائع، كما يجوز فى جانب المشترى، كما فى
(١) المدونة الكبري، آخر كتاب بيع الخيار ٣: ٢٣٤ وراجع أيضا الذخيرة للقرافى ٥: ٣٢ والتاج
والإكليل للمواق بهامش الحطاب ٤: ٣٦٤
(٢) الذخيرة للقرافى ٣٢:٥

٦٫٠١
٢٠٠٫٠٠٠
فقه البيوع
جامع الفصولين.(١) صورتُه أن يقولَ المشتري: اشتريتُ منك أحدَ هذين الثّوبين على أن
تُعطيَني أيَّهما شئت بالثّمن الّذي تَعَيَّن له، فله أن يُلزم المشتري أيَّهما شاء، إلاّ إذا تعيّب
أحدُهما فليس له أن يُلْزِمه المعيْب إلاّ برضاه.(٢)
٤٢١- هل يُشترط خيار الشّرط مع خيار التّعيين؟
ثم اشترط بعضُ الحنفيّة لجواز خيار التّعيين أن يكونَ مقروناً بخيار الشّرط، بمعنى أن
يَشترط مَن له خيارُ التّعيين أنّه يكون على خيار الشّرط بعد التّعيين. ولكن صحّح
فخر الإسلام أنّ ذلك ليس بشرط لجواز خيار التّعيين. وهو الّذى مشى عليه
المتأخّرون.(٣) ولكن يجوز أن يشترط أحدُهما خيارَ الشّرط مع خيار التّعيين، بأن يقول:
لى خيارُ التّعيين فى أحد هذين الشّيئين، ثمّ يكون لى الخيارُ بعد التّعيين أن أفسخ البيعَ
فيه إلى ثلاثة أيّام. فيأخذُ كلُّ واحد من الخيارين حُكمَه، كما يجوزُ أن يشترط لنفسه
خيارَ الشّرط فى أحدهما بغير عينه مع خيار التّعيين، فيُسقطَ خيارَ الشّرط بعد ثلاثة أيّام،
وينبرم البيعُ فى أحدهما، ويكونُ له خيارٌ تعيينه فى ثلاثة أيّامٍ أخرى. (٤)
٤٢٢- هلاك المبيع عند اشتراط خيار التّعيين
ثمّ إن كان خيارُ التّعيين للمشترى، فهلك أحدُهما أو تعيّب، لزم البيعُ فيه بثمنه عند الحنفيّة،
لأنّ المعيبَ ممتنعُ الرّدّ، فتعيّن هُو مبيعاً، لأنّ ردَّه إنّما يكون إذا لم يتعيّن مبيعاً، فإن ادّعى أنّه
(١) جامع الفصولين ١: ٣٣٤
(٢) شرح المجلّة للأتاسى ٢: ٢٦١ مادة ٣١٦
(٣) راجع فتح القدير ٥٢٢:٥ للتفصيل
(٤) فتح القدير ٥٢٣:٥

المبحث الثامن
اختارَ ماهو سالمٌ من الهلاك أو العيب، لم يُقبل قولُه، لأنه فى دعواه ذلك متّهَم، فكان
التعيُّب اختياراً دلالة، وتعيّن الآخرُ للأمانة، حتىّ إذا هلك الآخرُ بعد هلاك الأوّل، أو تعيّب
(بدون تعدٍّ منه) لا يلزم عليه من قيمته شيئ، فإن قيل: قبضُ الآخرِ لا يكونُ أقلّ من
المقبوض على سَوم الشّراء، وهناك تجبُ القيمةُ عند الهلاك، أجيب بأنه أقلُّ من ذلك،
لأنّالمقبوضَ على سوم الشّراء مقبوضٌ على جهة البيع، وهذا ليس كذلك، لأنّه لم يقبض
الآخر لیشتریه، وقد قبضه بإذن المالك، فكان أمانة. ولو هلکا جميعًا معًا فى يد المشترى،
سواء أكان الخيارُ له أم للبائع، يلزم المشترىَ نصفُ ثمن كلّ واحدٍ منهما لشيوع البيع
والأمانة فيهما، وكذا إذا هلكا على التّعاقب ولم يُدْرَ السّابقُ منهما.(١)
أمّا المالكيّة، فعندهم فى ضياع أحدهما قولان: الأوّل: أنّ التّالفَ يكون مشتركاً
بينهما، وكذلك الذى سَلِم من الضّياع يكون مملوكاً لهما على وجه الشّيوع،
والمشترى عليه نصف ثمن كلّ منهما.
والقول الآخر: إنّ المشتريَ يلزمه نصفُ ثمن التّالف، وله ردّ الثّانى.
أمّا إذا تلف كلُّ واحد منهما بيد المشترى، فمنهم من قال إنّه يضمن واحداً ومنهم
من قال: يضمن الإثنين. وفيه أقوال أخرى. (٢)
(١) الهداية مع فتح القدير والعناية ٥: ٥٢٤ وراجع أيضا البحر الرائق ٦: ٣٥
(٢) وليراجع للتفصيل الذّخيرة للقرافيّ ٤٨:٥ والتّسوقيّ ١٠٦:٣

٩٣٤
فقه البيوع
٤٢٣- جريان الإرث فى خيار التّعيين
وخيارُ التّعيين يجرى فيه الإرث عند الحنفيّة والمالكيّة،(١) بخلاف خيار الشّرط على
قول الحنفيّة، ووجه الفرق على قولهم أنّ ما فيه خيارُ التّعيين اختلط بملك المورث،
فصار ميراثاً، ولا يحصل الملك عند خيار الشّرط.(٢) ولكنّ جريان الإرث معناه هنا
أنّ وارثَه يُمارس خيارَ التّعيين، ويؤدّى الثّمنَ من التّركة، لأَنّه دَينّ على المورث. والله
سبحانه وتعالى أعلم.
٤٢٤- خيار النّقد
خيارُ النّقد ما يُعطى البائعَ حقَّ فسخ البيع إن لم ينقُد المشترى الثّمنَ إلى مدّةٍ معيّنةٍ
فى العقد، مثلَ أن يقول المشترى: "إن لم أنقُد الثّمن إلى مدّة كذا، فلا بيعَ بيننا." أو
يقول البائع : "إن لم تنقُد الثّمن فى خلال ثلاثة أيّام، فلا بيعَ بيننا." وجعله بعضُ
الفقهاء نوعاً من خيار الشّرط، ولكنّه يختلف عنه فى أنّ البيعَ ينفسخ بمضيّ المدّة
تلقائيّاً، بخلاف خيار الشّرط، حيثُ يلزم فيه البيعُ بمُضيّها إذالم يُفسخ فيها.
وإنّ هذا الخيارَ مشروعٌ عند الحنفيّة والحنابلة. قال ابنُ قدامة رحمه الله تعالى: "فإن
قال: بعتُك على أن تنقُدنى الثّمن إلى ثلاث، أو مدّة معلومة، وإلاّ فلا بيعَ بيننا، فالبيعُ
صحيح، نُصّ عليه، وبه قال أبو حنيفة، والثّوريّ، وإسحق، ومحمّد بن الحسن."(٣)
ثمّ إنّ خيار النّقد عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى يتقيّد بثلاثة أيّام، كما هو مذهبه فى
(١) الذخيرة للقرافى، القسم الثانى من كتاب البيوع ٥: ٣٥ والهداية مع فتح القدير ٥: ٥١٥
(٢) الهداية مع فتح القدير، باب خيار الشرط ٥: ٥١٥
(٣) المغني لابن قدامة ١١٨:٤

المبحث الثامن
خيار الشّرط. وأمّا الحنابلة ومحمّد بن الحسن رحمهم الله تعالى، فيجوز عندهم إلى
أيّ مدّة معلومة، ولا يتقيّد بثلاثة أيّام، جرياً على أصلهم فى خيار الشّرط. أمّا
أبويوسف رحمه الله تعالى، فيُفرّق بين خيار الشّرط، حيثُ يجوّزه لما فوق ثلاثة
أيّام، وبين خيار النّقد، حيثُ لا يُجوّزه لما فوقها، وبيّن صاحبُ الهداية وجهَ الفرق
عنده أنّه أخذ فى خيار الشّرط بالأثر، (يعنى أثر ابن عمر رضى الله عنهما فى جواز
شرط الخيار إلى أكثر من ثلاثة أيّام) وأخذ فى خيار النّقد بالقياس.(١)
وخيارُ النّقد غيرُ مشروع عند الشّافعيّة حسب مذهبهم الرّاجح. قال النّوويّ رحمه
الله تعالى: " لو اشترى شيئًا بشرط أنّه إن لم ينقُدْه الثّمنَ في ثلاثة أيّام فلا بيعَ
بينهما، أو باع بشرط أنّه إن ردّ الثّمنَ فى ثلاثة أيّام، فلا بيعَ بينهما، فوجهان حكاهما
المتولي وغيرُه: أحدهما: يصحّ العقدُ ويكون تقديرُ الصّورة الأولى أنّ المشتريَ
شرط الخيارَ لنفسه فقط، وفي الثّانية أنّ البائعَ شرطه لنفسه فقط، وهذا قول أبى
اسحق، قال: لأنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أجاز ذلك، والثّانى: وهو الصّحيح
باتّفاقهم وبه قطع الرُّويانيُّ وغيرُه أنّ البيعَ باطلٌ في الصّورتين، لأنّ هذا ليس بشرطِ
خيار، بل هو شرطٌ فاسدٌ مُفسِدٌ للبيع، لأنّه شرَطَ فى العقد شرطًا مطلقًا، فأشبه ما لو
باع بشرطِ أنّه إن قدم زيدٌ القومَ فلا بيعَ بينهما. (٢)
وقد رُويَ عن الإمام مالك رحمه الله تعالى فى هذاالباب ثلاثُ روايات: الأولى: أنّ
البيعَ بهذا الشّرط باطل، كما هو مذهب الشّافعيّ رحمه الله تعالى. والثّانية: أنّ البيعَ
جائزٌ والشّرط نافذ، كما هو مذهب الحنفيّة والحنابلة. والثّالثة: أنّ البيعَ صحيحٌ
(١) الهداية مع فتح القدير ٥: ٥٠٢ و ٥٠٣
(٢) المجموع شرح المهذب ١٩٣:٩

٩٢
فقه البيوع
والشّرط باطل. وهذه الرّواية الثّالثة هيَ الّتى اقتصر عليها فى المدوّنة، ومشى عليه
خليل فى مختصره.
ثمّ قال بعض المالكيّة إنّ معنى بطلان الشّرط أنّ الثّمن يجب حالاً، وقال بعضهم:
إنّه يُعتبر مؤجّلاً إلى المدّة المضروبة، ولكن لايُفسخ البيع إن لم ينقُد الثّمن عند
الأجل، بل لا يزال البائع يُطالبه به. وهو الذى اختاره خليل فى مختصره.(١)
وقد صرّح فقهاء الحنفيّة بأنّه لولم ينقُد المشترى الثّمن إلى الوقت المحدّد، كان البيعُ
فاسداً، وليس مفسوخاً، وفرّعوا عليه أنّ المشتريَ لو أعتق العبدَ المبيعَ بعد المدّة
المحدّدة، نفذ عتقُه إن كان فى يده، وعليه قيمتُه. ولا ينفذ العتق إن كان العبد فى يد
البائع. (٢) وذلك لأنّ البيع فسد بمضيّ المدّة بدون نقد الثّمن، وتصرّف المشترى فى
البيع الفاسد إنّما ينفذ بعد قبضه، لا قبله، لأنّه لا يملكه بدون القبض. وينبغى أن يكون
الحكم كذلك إذا باع المشترى المبيعَ بعد مضيّ المدّة، فإن كان قَبضه، نفذ البيع
ووجب عليه المثل أو القيمة، لكونه فی حکم المقبوض ببيع فاسد.
أمّا إذا باع المشترى المبيعَ خلال المدّة المحدّدة، ولم ينقُد الثّمن، جاز البيع ووجب
عليه الثّمن.(٣)
(١) هذه خلاصة ما فى حاشية الدّسوقيّ على شرح الدّردير ٣: ١٧٥ و١٧٦
(٢) شرح مجلة الأحكام العدلية للأتاسي ٢: ٢٥٨ المادة ٣١٤ عن الخانيّة
(٣) نقل ابن عابدين عن النّهر الفائق: "ثمّ لو باعه المشترى، ولم ينقُد الثّمن فى الثلاث، جاز البيع وكان
عليه الثّمن. " (رد المحتار ١٤: ٢٦٩ فقره ٢٢٦٣٩) والظاهر أنّ قوله: فى الثلاث " متعلق بقوله "باع"
أى "باع فى أثناء الثلاثة أيّام المضروبة للنّقد. أمّا إذا باع بعد مضيّ المدة، فظاهر القول بفساد البيع
بمضيّ المدّة أنّه يجرى عليه أحكام ما اشتراه الرجل ببيع فاسد، فتجب عليه القيمة كما فى الإعتاق.

المبحث الثامن
ولو حدث بالمبيع عيبٌ لا بفعل أحد، ثمّ مضت الأيام، ولم ينقد المشترى الثّمن، خُيّر
البائع: إن شاء أخذه مع النّقصان، ولا شيئً له من الثّمن، وإن شاء تركه وأخذ الثّمن.
ولا يجرى الإرث فى خيار النّقد. فإذا مات المشترى المخيّر بخيار النّقد فى أثناء مدّة
الخيار، بطل البيع.

٤٢٥- الباب الثالث
فى البيع الباطل
اختلف الفقهاء فى تعريف البيع الباطل. وذلك لأنّ الحنفيّة هُم الّذين انفردوا من بين
الأئمّة الأربعة بالتّفريق بين البيع الباطل والبيع الفاسد. أمّا الأئمّة الثّلاثة، فإنّهم لا
يُفرّقون بينهما، فكلٌ بيع فاسد باطلٌ عندهم. وعلى هذا الأساس، عرّفوا البيع الباطلَ
بأنّه مالم يترتّب عليه أثرُهُ، فلم يُثْمِرْ ولم تحصل به فائدتُه من حصول الملك.(١)
أمّا الحنفيّة، فإنّهم يُفرّقون بين البيع الباطل والبيع الفاسد، بأنّ الباطل ما لا يكون
صحيحاً أضلاً ووصفاً. والفاسد هو ما لا يصحّ وصفاً.(٢) والّذى يظهر من كلام الفقهاء
الحنفيّة أنّ البطلان بهذا المعنى إنّما يحصل بخلل فى ركن البيع أو فى محلّه.(٣)
والمرادُ من ركن البيع الإيجاب والقبول، ومن محلّ البيع المبيعُ والثّمن. فالبيعُ الباطل
عند الحنفيّة ينقسم إلى قسمين:
(١) الموسوعة الفقهية الكويتيّة ٩: ٥٢ "البيع الباطل"
(٢) العناية مع فتح القدير ٦: ٤٢
(٣) ردالمحتار،باب البيع الفاسد ١٤: ٥٣٧ و ٥٣٨ فقره ٢٣٢٥٤

المبحث الثامن
٤٢٦- الأوّل: ما بطل بسبب قصور فى الإيجاب أو القبول
وله صوراتية:
١- أن يكون أحدُ العاقدين مجنوناً، أو صبيّاً غير مميّز. وقد فصّلنا مسائلَ ذلك
فى أحكام المتعاقدين.
٢- أن يكون البيع معلّقاً على شرط، أو مُضافاً إلى المستقبل، فإنّ البيع لا يقبل
التّعليق ولا الإضافة. وقد بسطنا الكلامَ على ذلك فى الشّرط الأوّل والثّانى من
الشّروط الَّتى ترجع إلى صُلب العقد. وبما أنّ البيع لا يقبل التّعليق والإضافة، فصار
الإيجابُ كالمعدوم، ومن هذه الجهة دخل البيع فى البيوع الباطلة.(١) وسيأتى فى
البيع الفاسد اختلاف عبارات الحنفيّة فى ذلك.
٣- أن يكون الشّخصُ الواحد عاقداً من الجانبين، فإنّ الواحدَ لايتولَّى طرفي العقد،
وقد فصّلنا مسائلَه فى أحكام المتعاقدين تحت عنوان "تعدّد العاقدين". وإنّما
يدخل هذا القسم فى البيوع الباطلة لما ذكر الفقهاء الحنفيّة تعدّدَ العاقدين من
شروط انعقاد البيع، لا من شروط صحّته أو نفاذه.(٢)
٤- أن لا يكون القبولُ موافقاً للإيجاب، أو كان القبولُ بعد سقوط خيار القبول،
وقد ذكرناه فى مباحث الإيجاب والقبول.
(١) وممّا يدلّ على كونه باطلاً، لافاسداً، قول الدَّرّ المختار: "كل ما كان من التمليكات أو التقييدات،
کرجعة، يبطل تعليقه بالشرط. "(ردالمحتار ٤٥٨:١٥ و ٤٥٩)
(٢) راجع بدائع الصّنائع ٤: ٣٢٢

٩٤
فقه البيوع
٤٢٧- والثّانى: ما بطل بسبب انعدام ماليّة المبيع أو الثّمن شرعاً.
ويدخل فيه صور آتية:
١- بيعُ الخمر أو الخنزير أو الميتة أو الدّم المسفوح أو الحرّ، وكلّ ما لا يُعتبر مالاً فى
الشّرع(١)
أمّا الخمر والخنزير، فالمذهب عند الحنفيّة أنّهما إن تعيّنا مبيعاً، فالبيع باطل، وإن
تعيّنا ثمناً أو أمكن جعلُهما ثمناً كما فى المقايضة، بأن بيعت الثّياب بالخمر أو
الخنزير، فالبيع فاسد. وقد ذكر منلا مسكين فى شرح الكنز ضابطَه بقوله: "إنّ أحد
العوضين إذا لم يكن مالاً فى دين سماويّ، فالبيع باطل، سواء كان مبيعاً أو ثمناً، فبيعُ
الميتة والدّم والحرّ باطل، وكذا البيعُ به. وإن كان فى بعض الأديان مالاً، دون البعض،
إن أمكن اعتباره ثمناً، فالبيع فاسد. فبيع العبد بالخمر، أو الخمر بالعبد فاسد. وإن
تعيّن كونُه مبيعاً، فالبيع باطل. فبيعُ الخمر بالدراهم أو الدّراهم بالخمر باطل."(٢)
والفرق فى الحكم أنّ فى حالة كونهما مبيعاً، لايترتّب على البيع أثر. وفى حالة
كونهما ثمناً، البيعُ فاسدٌ فى المبيع إذا كان مالاً متقوماً شرعاً(٣)فيثبت ملكُ المشترى
فيه بعد القبض، وباطلٌ فى الخمر أو الخنزير، فيجب فسخُه وعلى البائع قيمةُ المبيع.
ووجهُ الفرق بين كون الخمر مبيعاً، وبين كونه ثمناً، حسبما ذكره صاحب الهداية: "أنّ
(١) رد المحتار، باب البيع الفاسد ٥٣٧:١٤ و ٥٣٨
(٢) شرح منلا مسكين، كتاب البيوع، باب البيع الفاسد ص ١٧٦ كما أحال عليه محقق ردالمحتار ٥٣٨:١٤
(٣) قال فى الدرّ المختار: "وإن بيعت بعين، كعرض، بطل فى الخمر وفسد فى العرض، فيملكه
بالقبض بقيمته. "(مع ردالمحتار ٥٥٦:١٤)

المبحث الثامن
الخمر مال، وكذا الخنزير مالٌ عند أهل الذّمّة، إلاّ أنّه غير متقوّم، لما أنّ الشّرع أمر
بإهانته وترك إعزازه، وفى تملّكه بالعقد مقصوداً إعزازٌ له، وهذا لأنّه متى اشتراهما
بالدّراهم، فالدّراهم غير مقصودة، لكونها وسيلة، لما أنّها تجب فى الذّمّة، وإنّما
المقصودُ الخمر، فسقط التقوّم أصلاً، بخلاف ما إذا اشترى الثّوبَ بالخمر، لأنّ
المشتريَ للثّوب إنّما يقصد تملّك الثوب بالخمر، وفيه إعزازٌ للثّوب دون الخمر،
فبقيَ ذكر الخمر معتبراً فى تملّك الثّوب، لافى حقّ نفس الخمر حتّى فسدت التّسمية،
ووجبت قيمةُ الثّوب دون الخمر، وكذا إذا باع الخمرَ بالثّوب، لأَنّه يُعتبر شراءَ الثّوب
بالخمر، لكونه مقايضة."
ووجّهه ابن الهمام بقوله: "والعكسُ (يعنى جعل الخمر مبيعاً والثوب ثمناً) وإن كان
ممكناً، لكن ترجّح هذا الاعتبار لما فيه من الاحتياط، للقرب من تصحيح تصرّف
العقلاء المكلّفين باعتبار الإعزاز للثّوب مثلاً، فيبقى ذكر الخمر معتبراً لإعزاز الثّوب،
لا الثّوب للخمر، فوجبت قيمةُ الثوب لا الخمر."(١)
هذا تفسيرُ ما ذكره أكثر فقهاء الحنفيّة، وهو الذى ذكرناه فى شروط المبيع، ولكن لم
يقبَلْه ابنُ الهمام رحمه الله تعالى، وذهب إلى أنّ البيع باطلٌ فى كلا الوجهين، سواء
أكان الخمر أو الخنزير مبيعاً، أم ثمناً، فقال:
"إلاّ أنّى أقول وبالله التوفيق: مع ذلك إنّ الخمر والخنزير ليسا بمال فى شريعتنا،
فإنّ الشارع أهانهما بكلٌ وجه، حتىّ لعن حاملها ومعتصرها مع أنّها مقصودةٌ
(١) فتح القدير، باب البيع الفاسد ٦: ٤٤

٩٤٢
فقه البيوع
حال الاعتصار، بل الموجود حينئذٍ نيّةُ أن يصيرَ خمراً، وبائعها وآكلَ ثمنها، وهى
مالٌ فى شرع أهل الكتاب على زعمهم، وحيثُ أُمرنا أن نتركهم وما يدينون، فقد
أمرنا باعتبار بيعهم إيّاها وبيعهم بها. فإذا كان أحد العوضين خمراً أو خنزيراً فى
بيع المسلم، فهو باطلٌ لا يُفيد الملك فى البدل الآخر، وإن كان ثمناً. وإن كان فى
!! (١)
بیعھم، فصحیح."(١)
وهذا كلامٌ فى غاية الوجاهة، والله سبحانه أعلم.
وأمّا الميتة والدّم، فقد فصّلنا أحكامهما فى الشّرط الثّانى من شروط المبيع.
٢- ويدخل فى البيع الباطل بيعُ المعدوم، وبيعُ ماليس بمالٍ متقوّم شرعاً، وبيع غير
المملوك، وقد استوفينا الكلام على ذلك فى شروط المبيع والحمد لله تعالى.
٣- وذكر الفقهاءُ من البيع الباطل بيعَ اللّبن فى الضّرع، لأَنّه لايُعلَم أنّه لبنٌ، أو دمٌّ، أو ريحٌ،
فصار مشكوكَ الوجود، فلايكون مالاً (٢) وبه قال الشّافعيّ وأحمد وإسحاق رحمهم الله
تعالى. ونهى عنه ابن عباس وأبوهريرة رضي الله تعالى عنهما. و کرهه طاوس ومجاهد،
وحُكي عن مالك أنّه يجوز أيّاماً معلومةً إذا عرفا حِلابها لسقي الصّبي كلبن الظّئر. وأجازه
الحسن وسعيد بن جبير ومحمّد بن مسلمة. وللمانعين ما روى ابنُ عباس رضى الله تعالى
عنهما من أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى أن يُباعِ صُوفٌ على ظهر، أو لبن فى
(١) فتح القدير٦: ٩٤
(٢) ردالمحتار ١٤: ٥٨٠

٩٤٣
المبحث الثامن
ضرع. رواه الخلاّل بإسناده،(١) ولأنّه مجهول الصّفة والمقدار، فأشبه الحمل، لأنّه بيعُ
عينٍ لم تُخلق، فلم يجُزْ كبيع ما تحمل النّاقة. أمّا لبن الظّئر، فإنّما جاز للحضانة، لأنّه
موضع حاجة. (٢)
٤- وكذلك بيعُ الصّوف على ظهر الغنم أدخله الفقهاء الحنفيّة فى البيوع الباطلة عند
أبى حنيفة ومحمّد رحمهما الله تعالى، لأنّه قبل الجَزِّ ليس بمالٍ متقوّم فى نفسه، لأنّه
بمنزلة وصف الحيوان لقيامه به كسائر أطرافه. ورُوي عن مالك و أبى يوسف
رحمهما الله تعالى جوازه، كما فى الهداية.(٣) واختلفت الرّوايات عن أحمد رحمه
الله تعالى. فرُوي أنّه لا يجوز بيعُه، لما ذكرنا من الحديث، ولأنّه متصلٌ بالحيوان فلم
يجُز إفرادُه بالعقد كأعضاءه، ورُوي عنه أنّه يجوز بشرط جَزّه فى الحال، لأنّه معلومٌ
يُمكن تسليمُه فجاز بيعه، كالرَّطْبة، وفارقَ الأعضاء، فإنّه لايُمكن تسليمُها مع سلامة
الحيوان، والخلافُ فيه كالخلاف فى اللّبن فى الضّرِع.(٤)
وذكر الفقهاء من البيع الباطل بيعَ الْتُّراب، لأَنّه ليس بمال متقوّم، ولكن ذكر ابنُ
(١) قال الزيلعيّ رحمه الله تعالى فى نصب الراية فى هذا الحديث: "روى موقوفا ومرفوعا مسندا ومرسلا."
ثمّ ذكر المرفوع المسند عن الطبرانى والبيهقيّ والدارقطنيّ، كل واحد منهم أخرجه عن ابن عباس
رضى الله تعالى عنهما. وذكرعن البيهقيّ أن الذى تفرد برفعه عمربن فروخ، وليس بالقويّ، ولكن
ذكر الزيلعيّ عن شيخه الذّهبيّ توثيقه عن أبى داود وابن معين وأبى حاتم. وأما طريقه المرسل عن
عكرمة، فأخرجه أبوداود فى المراسيل وابن أبى شيبة فى مصنفه، وطريقه الموقوف على ابن عباس
أخرجه أبو داود فى المراسيل والشافعيّ، وقال البيهقيّ وروى مرفوعا، والصحيح موقوف. (راجع نصب
الراية، كتاب البيوع ١١:٤ و١٢)
(٢) المغني لابن قدامة ٢٧٦:٤
(٣) رد المحتار ١٤: ٥٨١
(٤) المغني لابن قدامة ٢٧٦:٤