Indexed OCR Text

Pages 221-240

٨٤٤
فقه البيوع
٣٨١- شرط البراءة من العيب عند الحنفيّة
هل يجوز للبائع أن يشترط البراءة من العيب؟ قد اختلف فيه الفقهاءُ، فأمّا الحنفيّةُ
فقالوا: إذا شرط البائعُ البراءةَ من العيب، يعتبرُ هذا الشّرطُ، فلا يَثْبُتُ للمشترى الرّدُّ
بالعيب. والبراءةُ من العيوب عند الحنفيّة على قسمين: الأول: أن يشترط البائعُ البراءةَ
من عيبٍ بعينه، فإنّ البراءةَ تقتصر على ذلك العيب المشروط البراءةُ منه فقط، ولا
تتعدّى إلى غيره. فمثلاً إن شرط البائعُ البراءةَ من كون الفَرس جَموحًا، فاطّلع
المشترى على داءٍ به، يثبت له خيارُ الرّدّ؛ لأنّ البراءةَ من كون الفرس جموحاً لم
تتضمّن هذا الدّاء.
والثّانى: أن يُطلِقَ البائعُ البراءةَ بأنّه بريئٌ من جميع العيوب، وهذا جائزٌ أيضاً، ولا
يثبت للمشترى الخيارُ باطّلاعه على أيّ عيب.
وإنّ هذه البراءة المطلقةَ من كلّ عيبٍ تثبت بأيّ تعبير يدلّ على البراءة المطلقة عُرفاً،
فمنها التّصريحُ بالبراءة من كلّ عيب، وذكرابن عابدين رحمه الله تعالى ما تُعُورف
فى زمانه فى بيع الدّار: "بعتُك هذه الدَّارَ على أنّها كُومُ تُراب"، وفى بيع الدّابّة:
مكسّرة محطّمةً، وفى نحو الثّوب: "حرّاق على الزِّناد (١)"، ويريدون بذلك أنّه
مشتمِلٌ على جميع العيوب، فإذا رضيَه المشترى، لا خيارَ له. لأَنّه قَبله بكلّ عيبٍ
يظهر فيه، وكذلك قولُهم: "بعتُه على أنّه حاضرٌ حلالٌ"، ويُراد بيعُ هذا الحاضرِ بما
فيه من أيّ عيبٍ كان سوى عيب الاستحقاق، أي: لو ظهر غيرَ حلالٍ، أي مسروقًا أو
(١) الزَّناد جمع زَنْد وهو العود الذى يقدح به النّار. (ليراجع تاج العروس، مادة زند)

٨٤٥
المبحث الثامن
مغصوبًا يرجع عليه المشترى، فهذا كلُّه بمعنى البراءة من كلّ عيبٍ. (١)
والمعروف فى زماننا أنّ البائع يقول: بعتك هذا الشيئ على أساس أنّه يُباع "كماهو"
(as is) وهو فى عُرف التجّار يُعتبرُ براءةً من كلّ عيب، فيُعتبر.
ثمّ هذا الكلامُ فى العيوبِ الموجودةِ فى المبيعِ عند العقد. أمّا العيوبُ الحادثةُ فيه بعد
العقد وقبل القبض، هل تدخل فى البراءة أم لا؟ فيه تفصيل، فإنّ هذه المسئلة لها
صُور ثلاثة:
الأول: أن يُقيّد البائعُ البراءةَ من كلّ عيبٍ موجودٍ عند العقد فقط. وفيه قال الكاسانيّ رحمه
الله تعالى: "فإن قيّد (أي البراءة) بعيبٍ قائم حالةَ العقد، لا يتناولُ العيبَ الحادثَ بعد البيع
قبل القبض بلا خلافٍ، سواءً كانت البراءةُ عامّةً، بأن قال أبرأتُك من كلّ عيبٍ به، أو
خاصّةً، بأن قال أبرأتُك ممّا به من عيبٍ كذا."(٢)
الصّورة الثّانية: أن يُطلِقِ البائعُ البراءةَ ولا يقيّدها بالعيوب الموجودة، فهل تتضمّن هذه
البراءةُ العيوبَ الحادثةَ بعد العقد وقبل قبض المشترى؟ اختلف فيه الفقهاءُ الحنفيّةُ؟
فمذهبُ الإمام أبى يوسف رحمه الله تعالى أنّ هذه البراءةَ المطلقة تشمل العيوبَ الحادثةَ
بعد العقد وقبل القبض أيضًا، ودليلُه حسبما ذكره ابن الهُمام رحمه الله تعالى: " أنّ
الملاحَظ هو المعنى والغرض، ومعلومٌ أنّ الغرضَ من هذا الشّرط إلزامُ العقد بإسقاط
المشترى حقَّه عن وصف السّلامة، ليلزَم على كلّ حالٍ، ولا يُطالَب البائعُ بحالٍ، وذلك
(١) رد المحتار ١٤: ٥١٠
(٢) بدائع الصّنائع ٤: ٥٤٨

٨٤٦
فقه البيوع
بالبراءة عن كلّ عيب يوجب للمشترى الرَّّ، والحادثُ بعد العقد كذلك، فاقتضى الغرضُ
المعلومُ دخولَه."(١)
أمّا الإمام محمّد، فيقول (وهو قول الإمام زفر رحمهما الله تعالى أيضاً)(٢) إنّ البراءةَ لا
تتضمّن إلّا العيوبَ الموجودةَ وقتَ العقد؛ قال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "وجه قول
محمّد (رحمه الله تعالى): أنّ الإبراءَ عن العيب يقتضى وجود العيب، لأنّ الإبراءَ عن
المعدوم لا يُتصوّر، والحادثُ لم يكن موجوداً عند البيع، فلا يدخل تحت الإبراء، فلو
دخل، إنّما يدخل بالإضافة إلى حالةِ الحدوث، والإبراءُ لا يحتمل الإضافة، لأنّ فيه معنی
التّمليك، حتّى يرتدَ بالرَدَ."(٣)
ورجّح الكاسانيّ قول أبى يوسف رحمهما الله تعالى، وأطال فى الجواب عن دليل
محمّد رحمه الله تعالى، وحاصلُه أنّه ليس إبراءً مضافاً إلى المستقبل، لأنّ العيبَ
الحادثَ قبل القبض كالموجود عند العقد، ولهذا يثبتُ حقُّ الرّدّ به كما يثبت
بالموجود عند العقد، ولما ذكرنا أنّ القبضَ حكم العقد، فكان هذا إبراءً عن حقٍّ
ثابت تقديراً." (٤)
وهذا الاختلاف بين أبى يوسف ومحمّد رحمهما الله تعالى واضحٌ فيما إذا أطلق
(١) الهداية مع فتح القدير ٦: ٤٠
(٢) الهداية مع فتح القدير ٦: ٤٠ وقال ابن الهُمام رحمه الله تعالى تحته: "(وقال محمد لا يدخل فيه
الحادث وهو قول زُفر) والحسن بن زياد والشافعيّ ومالك ورواية عن أبى يوسف.
(٣) بدائع الصنائع ٥٤٨:٤
(٤) بدائع الصّنائع ٥٤٨:٤

٨٤٧
المبحث الثامن
البائعُ البراءةَ، أمّا إذا أضاف البائعُ البراءةَ صريحًا إلى العيب الحادثِ بعد العقد،
فاختلفت عبارات الكُتب فى بيان مذهب الإمام أبى يوسف رحمه الله تعالى فى هذه
الصّورة. فذكر السّرخسيّ رحمه الله تعالى أنّه لا روايةَ من الإمام أبى يوسف فى هذه
الصّورة.(١) وذكر الكاسانيّ رحمه الله تعالى أنّ هذا الشّرطَ فاسد عندنا (يعنى
الحنفيّة)،(٢) ولم يذكر فيه خلاف أبى يوسف رحمه الله تعالى ممّا يدلّ على أنّه
يوافق محمّداً فى هذه الصّورة، وهو مُفاد كلام للطّحاويّ أيضاً، كما حكى عنه ابن
الهمام رحمهما الله تعالى. (٣)
ولكنّ الإمام برهان الدين ابن مازه رحمه الله تعالى قد جزم بأنّ قولَ الإمام أبى
يوسف رحمه الله تعالى هو صحّةُ شرط البراءة مضافةً إلى العيب الحادث صريحاً.
قال رحمه الله تعالى فى المحيط: "ويدخل فى هذه البراءة (أي المطلقة) العيب
الموجودُ والحادثُ قبل القبض فى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى، وقال محمّد: لا
يدخلُ فيه الحادث، وهذا بناءً على أنّه إذا باع بشرط البراءة عن كلّ عيب يحدُث بعد
(١) قال رحمه الله تعالى: "ولا رواية عن أبي يوسف فيما إذا نصّ على البراءة عن العيب الحادث.
وقيل: ذلك صحيح عندنا باعتبار أنه يقيم السبب وهو العقد مقام نفس العقدْ الموجب للرّدّ فى
صحّة الإسقاط. " (المبسوط ١٣: ٩٤ باب العيوب فى البيوع)
(٢) بدائع الصنائع ٤: ٥٤٩
(٣) قال ابن الهمام رحمه الله تعالى: "ذكر فى شرح الطحاويّ أنّه لو صرّح بالبراءة من العيب الحادث
لم يصحّ بالإجماع. " (فتح القدير ٦: ٤٠) أي والإجماع على عدم صحّة هذا الشّرط يقتضى أنّ
الإمام أبا يوسف رحمه الله تعالى أيضا يقول بعدم صحّة إضافة البراءة إلى العيب الحادث
صریحا.
.

٨٤٨
فقه البيوع
البيع قبل القبض، هل يصحّ هذا الشّرط؟ عند أبى يوسف رحمه الله تعالى: يصحّ،
وعند محمّد: لا يصح، وإذا كان من مذهب محمّد أنّ البراءةَ عن العيب الحادث لا
يصحّ لو نصّ عليه، فعند الإطلاق أولى، وعند أبى يوسف لما صحّت البراءةُ عنه
حالةَ التّنصيص عليه، فكذا حالة الإطلاق.(١)
ويظهر من صنيع الإمام ابن الهُمام والإمام السرخسيّ رحمهما الله تعالى أنّهما مائلان
إلى مذهب الإمام أبى يوسف وإلى أنّ قياسَ قوله فى البراءة المطلقة ما ذكر عنه فى
المحيط البرهانيّ(٢) والله سبحانه أعلم.
٣٨٢- مذهب الأئمّة الثّلاثة فى شرط البراءة من العيب
أمّا الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة، فالأصلُ على مشهور مذهبهم أنّ اشتراطَ البراءة عن
العيوب لا يجوز، غيرأنّ عندهم فى ذلك مستثنيات، على اختلاف بينهم فى ذلك.(٣)
واستدلّوا على ذلك بأنّ ثبوتَ خيار الرّدّ بالعيب من مقتضيات العقد، لما أنّ وصفَ
السّلامة فى المبيع ممّا يحصّل به رضا المشترى الّذى هو من أركان العقد، فإذا اختلّ
وصفُ السّلامة فى المبيع، اختلّ رضا المشترى، وذلك يوجب الخيارَ بالردّ، لأنّ الرّضا
(١) المحيط البرهانىّ ١٠: ١٥٦ كتاب البيوع، الفصل ١٤
(٢) فتح القدير ٦: ٤٠
(٣) ليراجع لمذهب الشّافعيّة: الحاوى الكبير للعلّامة الماوردي ٥: ٢٧١ وما بعدها، وتكملة المجموع
للعلامة السبكيّ رحمهما الله تعالى ١٢: ٣٥٥ إلى ٣٦٢، ولمذهب المالكية: المدونة ٣:٣٦٧، والشرح
الكبير مع حاشية الدّسوقي ٣: ١١٩ والاستذكار ١٩: ٤٦ والبيان والتحصيل ٧: ٣١٧ و ٣١٨، ولمذهب
الحنابلة: المقنع مع الإنصاف والشرح الكبير، باب الشّروط فى البيع، ٤: ٣٥٩

المبحث الثامن
إن فُقِد من أصله، لا يتحقّق البيعُ شرعاً، وإن اختلّ رضا المشترى بسبب العيب، فإنّه
يوجبُ الخيارَ فيه، إثباتاً للحكم على قدر الدليل. (١) فشرطُ البراءة إذن شرطٌ يخالف ما
يقتضيه العقد من إثبات خيار الرّدّ بسبب العيب للمشترى، كما أنّهم قالوا: إنّ خيارَ
العيب خيارٌ ثابتٌ بالشّرع، فلا ينتفى بالشّرط، كسائر مقتضيات العقد.(٢)
واستثنَوا من ذلك ما إذا أعلمَ البائعُ المشتريَ بالعيوب، وقبل المشترى المبيعَ
كذلك، لأنّ ما ظُنّ من اختلال رضاه بسبب ذلك العيب قد انجبر بتصريحه برضاه به.
وذلك يقتضى أن لا يجوزَ البراءة المطلقةُ بدون الإفصاح عن تفصيل العيوب، لأنّ
فيه جهالة، والإبراءُ من المجهول لا يصحّ، لما فيه من معنى التّمليك الّذى لا يجوز
فی المجهول.(٣)
وكذلك استثنى الشّافعيّةُ البراءةَ من العيب فى الحيوان، فإنّها تُبرئُ البائعَ من كلّ عيبٍ إلاّ
عيباً كتَمه البائعُ من المشترى وقد عَلِمِه، فإن قال: لم أعلمْ، وقد باع بالبراءة، فالقولُ قولُه مع
يمينه: "مَا عَلِمَ عيباً فَكَتمه. "(٤) واستثنى المالكيّةُ البراءةَ من العيب فى الرّقيق خاصّةً، لا فى
كلّ حيوان، حسبَ تفصيل عندهم. (6) واستدلّ الإمام الشّافعيّ رحمه الله تعالى على ذلك
بما رواه الإمام مالك رحمه الله تعالى عن سالم بن عبد الله:
"أنّ عبد الله بن عمر باع غلاماً له بثمانى مائة درهم، فباعه بالبراءة، فقال الّذى
(١) بدائع الصنائع ٤: ٥٤٤
(٢) تكملة المجموع ٣٦٣:١٢
(٣) المصدر السّابق
(٤) كتاب الأمّ، كتاب الحدود، مسائل متفرقة، بيع البراءة ٧: ٤٨٠
(٥) التّسوقيّ ١١٩:٣

فقه البيوع
ابتاعه لعبد الله بن عُمر: بالغلام داءٌ لم تُسَمِّه لى، فاختصما إلى عثمان بن عفّان،
فقال الرّجل: باعني عبداً وبه داءٌ لم يُسَمِّه لى، وقال عبدُ الله: "بعتُه بالبراءة"،
فقضى عثمانُ بنُ عفّان على عبدِ الله بن عمر أن يحلف له: لقد باعه العبد وما به
داءٌ يعلمُه، فأبى عبدُ الله أن يحلف، وارتجع العبدَ، فصحّ عنده، فباعه عبدُ الله
بعد ذلك بألفٍ وخمسمائة درهم."(١)
ووجه استدلال الشّافعيّ به أنّ عثمان بن عفّان أمر عبد الله بن عمر رضى الله تعالى
عنهم بالحلف أنّه لم يعلَم العيب. فظهر أنّه لوكان يعلمُ العيبَ، لم تصحّ البراءةُ، ولو
ثبتَ بيمينه أنّه لم يعلَمْه، صحّت البراءةُ. فلمّا نكل عبدُالله بن عمر رضي الله تعالى
عنهما، لم يثبت أنّه لم يعلَمْه، فلم تصحّ البراءة.
ووجهُ التّفرقة بين الحيوان وغيره ما نقل الشّيرازيّ من قول الإمام الشّافعيّ رحمهما
الله تعالى: "ولأنّ الحيوانَ يُفارق ما سواه، لأَنّه يغتذى بالصّحّة والسّقم وتحوّل
طبائعه، وقلّما يبرأ من عيبٍ يظهرُ أو يخفى، فدعتِ الحاجةُ إلى التّبرَى من العيب
الباطنِ فيه، لأَنّه لا سبيلَ إلى معرفته وتوقيف المشترى عليه، وهذا المعنى لا يوجدُ
فى العيب الظّاهر، ولا فى العيب الباطن فى غير الحيوان، فلم يجز التّبرّى منه مع
الجهالة."(٢)
وأجاب صاحبُ الهداية رحمه الله تعالى عن أدلّة المانعين بقوله: "ولنا أنّ الجهالةَ فى
الإسقاط لا تُفضى إلى المنازعة، وإن كان فى ضِمنه التّمليك، لعدم الحاجة إلى التّسليم،
(١) موطأ الإمام مالك رحمه الله تعالی، کتاب البيوع، ص ٥٧١
(٢) تكملة المجموع ٣٥٥:١٢

فلا تكونُ مفسدة. " وقال ابنُ الهمام رحمه الله تعالى تحته: "بخلاف التّمليك، فإنّ
جهالةَ المملَّك فيه تمنعُ من التّسليم، فلا تترتّب فائدةُ التّصرّف عليه. أمّا الإسقاط، فإنّ
السّاقطَ يتلاشى، فلا يحتاجُ إلى تسليم، فظهر أنّ المُبطلَ لتمليك المجهول ليس الجهالة،
بل عدمُ القدرة على التّسليم."(١)
واستدلّ الحنفيّة على جواز هذه البراءة المطلقة بالنّصوص الّتى دلّت على جواز
الصُّلح عن الحقوق المجهولة. قال ابن الهمام رحمه الله تعالى:
"ويدلّ على ما قلنا حديثُ عليّ رضي الله عنه حين بعثه النّبيُّ صلى الله عليه
وسلم ليُصلح بين بني خزيمة (٢)، وذلك أنّه صلّى الله عليه وسلم بعث أوّلاً
خالدَ بنَ الوليد، فقَتَل منهم قتلى بعد ما اعتصموا بالسّجود، فدفع صلّى الله
عليه وسلّم إلى عليّ مالًا فوداهم حتى ميلغة (٣) الكلب، وبقي في يده مالٌ،
فقال: هذا لكم ممّا لا تَعلمون ولا يعلمُه صلّى الله عليه وسلّم، فبلغ ذلك
رسول الله صلى الله عليه وسلم فسُرّبه."
وهو دليلُ جواز الصّلح عن الحقوق المجهولة. لأنّ مابقيَ من المال أعطاه عليّ رضيَ
(١) الهداية مع فتح القدير ٦: ٣٩
(٢) كذا فى المطبوع من فتح القدير. والصّحيح "جذيمة" كما جاء فى سيرة ابن هشام المجلد ٢: ٤٢٨ وما
بعدها، ودلائل النبوة للبيهقيّ ١١٣:٥ وما بعدها، وتاريخ الطبري رحمهم الله تعالى ٦٦:٣ وما بعدها.
(٣) فى النّهاية لابن الأثير رحمه الله تعالى: "هي الإناء الذي يلغ فيه الكلب، يعني أعطاهم قيمة كل ما
ذهب لهم، حتى قيمة المیلغة."

فقه البيوع
الله تعالى عنه إيّاهم إزاءَ حقوقٍ مجهولة لا يعلمونها ولا يعلمُها رسولُ الله صلّى الله
عليه وسلّم. فكان صُلحاً عن حقوقٍ مجهولة.
وأخرج الإمام أحمد فى مسنده عن أمّ سلمة رضى الله تعالى عنها قالت:
"جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم -
فى مواريثَ بينهما قد دَرَسَتْ، ليس بينهما بيّنةٌ، فقال رسولُ الله صلّى الله عليه
وسلم: إنّكم تختصمون إليَّ وإنّما أنا بشرٌ، ولعلّ بعضَكم ألحنُ بحجته، أو قد
قال: لحجّته، من بعض، فإنّى أقضى بينكم على نحو ما أسمع. فمن قضيتُ له
من حقّ أخيه شيئاً، فلا يأخُذْه، فإنّما أقطع له قطعةً من النّار يأتى بها إسطاماً (١)
فى عنقه يوم القيامة. فبكى الرّجلان، وقال كلُّ واحدٍ منهما: "حقّى لأخى".
فقال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: "أمّا إذا قلتما، فاذهبا، فاقتسِما، ثمّ تواخَيا
الحقَّ، ثمّ اسْتَهما،(٢) ثمّ لْیُحلِلْ كلُّ واحدٍ منکما صاحبه. "(٣)
وفيه إجماعٌ عمليٌّ للمسلمين؛ لأنّ من حضره الموتُ فى كافّة الأعصار استحلّ من
(١) وهو الحديدة التى تُحرَّك به النّار وتُسعّر، كما فى النّهاية
(٢) قال الساعاتي معناه اقترعا، والاستهام: الاقتراع ... والمعنى: ليأخذ كلّ واحد منكما ما تُخرجه
القرعة فى القسمة، ليتميّز سهم كلّ واحد منكما عن الآخر، وقوله "ثمّ ليُحلل" أى ليسأل كلّ
واحد منكما صاحبه أن يجعله فى حلّ من قبله بإبراء ذمته. " (الفتح الربّاني ١٥: ١٠٨)
(٣) أخرجه الإمام أحمد رحمه الله بهذا اللفظ فى مسنده، حديث أم سلمة رضي الله عنها، حديث ٢٦٧١٧
وليراجع أيضا سنن أبى داود، كتاب القضاء رقم ٣٥٨٤ والدارقطني، كتاب الأقضية، حديث ٤٥٨٠ إلى ٤٥٨٢

المبحث الثامن
!! (١)
مُعامِليه من غير نكير.
وبما أنّ اشتراطَ البراءةِ من العيوب يُحتاج إليها فى تجارات اليوم، فإنّ المجلسَ .
الشّرعيّ لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسّسات الماليّة الإسلاميّة، أخذ بمذهب
الحنفيّة فى هذا الباب.(٢)
٣٨٣- مقتضى خيار العيب
ثمّ مقتضى خيار الرّدّ أنّ المشتريَ له أن يُرُدّ المبيعَ إلى البائع، ويُطالبَه بردّ الثمن. وهل يجوز
له أن يُمْسِك المبيعَ ويُطالبَه ببعض الثّمن ضماناً للنّقصان (الأرش)؟ اختلف فيه الفقهاء.
فمذهب الحنفيّة والشّافعيّة أنّه لا يحِقُّ له أن يجبُر البائعَ على ذلك، وإنما حقُّه فى فسخ البيع
واسترداد المبيع، أو إمساكِه بدون مطالبة الأرش. وكذلك لا يجوز للبائع أن يجبُر المشتري
على إمساك المبيع مع قبول ضمان النّقصان.(٣) وعلّله صاحب الهداية بقوله: "لأنّالأوصافَ
لا يُقابلها شيئٌّ من الثّمن فى مجرّد العقد، ولأنه لم يرضَ بزواله عن ملكه بأقلَّ من المسمّى،
فیتضرّر به. ودفع الضرر عن المشتری ممكن بالرّدبدون تضرّره."
(١) فتح القدير ٦: ٣٩
(٢) المعيار الشّرعيّ رقم ٨ بشأن المرابحة للآمر بالشراء، بند ٤\٩
(٣) قال فى الهداية: "وليس له (أى للمشترى) أن يُمسكه ويأخذ النّقصان. " (الهداية مع فتح القدير
٦: ٣) وقال الشيرازيّ فى المهذّب: "وإن قال البائع: "أمسِك المبيع وأنا أعطيك أرش العيب لم
يُجبر المشترى على قبوله ... وإن قال المشترى أعطنى الأرش لأمسك المبيع لم يُجبر البائع على
دفع الأرش." (المجموع شرح المهذّب ١٦٧:١٢)

فقه البيوع
أمّا إذا رضيَ المتبايعان على الأرْش بطريق الصُّلح، جرت عليه أحكامُ الصُّلح عند
الحنفيّة. قال ابن الهمام رحمه الله تعالى: "ولو وجد به عيباً، فاصطلحا على أن يدفع
أو يخُطّ ديناراً جاز، ولو دفعه المشترى ليرُدّ لم يجُز، لأنّه رباً. وزوالُ العيب يُبطل
الصُّلح، فيرُدّ على البائع ما بذل أو حطّ إذا زال، ولو زال بعد خروجه عن ملكه لا
یرُدّه. ولو صالحه بعد الشراء من کلّ عیپٍ بدرهم، جاز وإن لم يجد به عیباً، ولو قال
اشتریت منك العیوب، لم یُز."(١)
أمّا عند الشّافعيّة، ففيه وجهان: أحدهما أنّ المصالحة على الأرش يجوز، والثّانى: لا يجوز،
وذكر الشّيرازيّ أنّه المذهب، ولكن رجّح السّبكيّ رحمه الله تعالى جواز ذلك.(٢)
ومذهبُ الحنابلة أنّ مقتضى خيار العيب أنّ المشتريَ مخيّرٌ بين أن يُرُدّ المبيع، أو
يُمسكه ويُطالب بالأرش، وهو قول إسحاق بن راهويه أيضاً.(٣)
وأمّا المالكيّة، فإنّ عندهم تفصيلاً فى أقسام العيوب. وقسّموها على ثلاثة أقسام:
الأوّل: أن يكون العيبُ يسيراً لا يحُطّ من الثّمن ليسارته، أو لأنّ المبيعَ لا ينفكّ عنه،
فإنّه لايُثبت الخيار. ومثلُه لايُعدّعيباً عند غيرهم من الفقهاء أيضاً.
والثّانى: أن يكون العيبُ يسيراً بحيث يخُطّ من ثمن المبيع مادون الثُّلث. وحكمُه
عندهم يختلف باختلاف نوعيّة المبيع. فإن كان المبيعُ من الأصول (والمراد من
الأصول فى الظّاهر غيرُ المنقولات، مثل البناء أو الشّجر) فليس للمشترى خيارُ الرّدّ،
(١) فتح القدير ٦: ٤٠، ٤١
(٢) تكملة المجموع شرح المهذب ١٦٨:١٢ و١٦٩
(٣) المغني لابن قدامة ٤: ٢٤٠

المبحث الثامن
وإن كان المبيعُ قائماً على حاله، بل يثبتُ به الرّجوع بقيمة العيب، وذلك كالصَّدْع فى
جدار دارٍ فى غيرواجهتها. وإن كان المبيعُ عروضاً، فظاهرُ الرّوايات فى المدوّنة
وغيرها أنّه يوجبُ الردّ، وقيل: إنّ حكمه حكمُ الأصول أيضاً. ورجّح ابنُ رشد رحمه
الله تعالى أنّه لافرقَ بين الأصول والعروض، فالعيبُ اليسيرُ لا يُثبت خيارَ الرّدّ فى شيئ
منها، بل يُثبت الأرش.
والثّالث: أن يكون العيبُ كثيراً، بأن ينقُص من قيمة المبيع بقدر الثّلث أو مافوقه، فإنّ
قولهم فى ذلك مثلُ قول الحنفيّة والشّافعيّة من أنّ حقّ المشترى ينحصر فى الردّ أو
إمساك المبيع دون مطالبة الأرش. (١)
٣٨٤- عَرْضُ البائع على المشترى أن يُزيلَ العيب
وكثيراً ما يحدُث أنّ البائعَ يعرض على المشترى بعد ثبوت خيار العيب له أنّه سيُزيل
ذلك العيب. وهذا يمكن بطريقين:
الأوّل: أن يُبدل المبيعَ بعينٍ جديدة سالمةٍ من العيب، مثل أن يبيع سيّارةً فيجد
المشترى بها عيباً، فيقولُ المشترى: أنا آتيك بسيّارةِ أخرى سليمةٍ من العيب بنفس
المواصفات. وإنّ هذا العرض من قِبل البائع لا يُسقِط خيار المشترى، بل يجوز له أن
يرفُض هذا العرض. وذلك لأنّ السيّارة الجديدة غيرُ ما اشتراه المشترى، فلا يحقُّ
للبائع أن يجبره على قبولها. ولئن قَبِلها، فإنّه إقالةٌ للبيع السّابق، وبيعٌ جديد للسيّارة
-
(١) هذه خلاصة ما فى المقدمات الممهدات ٢: ١٠٠ و١٠١ والشرح الصغير مع حاشية الصاوى
١٥٨:٣ و ١٥٩

فقه البيوع
الأخرى، فيحتاجُ إلى تراضى الطّرفين.
والطّريق الثانى: أن يُزيلَ ذلك العيبَ إمّا بإصلاحه أو بتغيير بعض أجزائه. ولم أجدْ
فى ذلك نصّاً عند الحنفيّة إلاّ ما ذكره السّرخسيّ رحمه الله تعالى، قال: "وإذا اشترى
عبداً عليه دينٌ لم يعلَمْ به، ثمّ علم بذلك، فله أن يُرُدّه، لأنّ قيامَ الدّين عليه ممّا يعُدّه
التّجّار عيباً.إلاّ أن يقضيَ عنه البائعُ دَينه، أو يُبرئَه الغرماء منه، فبذلك يزول العيب،
وزوالُ العيب قبل الخصومة يُسقط حقَّ المشترى فى الرّدّ. " (١) وهذا يدلّ على أنّ
للبائع أن يُزيل العيب قبل الخصومة، فيسقُط به خيارُ الرّدّ.
أمّا الشّافعيّة، فالظّاهر من كلامهم أنّ البائع إن التزم إزالةَ العيب فى زمن يسير، فإنّ
ذلك يُسقط خيارَ المشترى، والزّمن اليسيرُ عندهم ما لا أجرةَ لمثلها. فإن اقتضى إزالةَ
العيب فى مدّة لها أجرٌ فى عادة التجّار، فلا يسقُط به خيار المشترى. قال الشّيرازيّ
رحمه الله تعالى: "وإن قال البائع: أنا أزيلُ العيب، مثل أن يبيعَ أرضاً فيها حجارةٌ
مدفونةٌ يضُرّ تركُها بالأرض، فقال البائع: أنا أُقلع ذلك فى مدّةٍ لاأجرةَ لمثلها، سقط
حقُّ المشترى من الردّ، لأنّ ضررَ العيب يزول من غير إضرار." وقال النّوويّ رحمه
الله تعالى فى شرحه: "إنّ الرّافعيّ وغيره قاسُوا ذلك على ما لو اشترى داراً يلحق
سْفَها خللٌ يسير يمكن تداركُه فى الحال، أو كانت منسدّةَ البالوعة، فقال البائع: أنا
أصلحه وأبيعُها، لاخيارَ للمشترى."(٢)
والظّاهرُ أنّ مذهبَ الحنابلة مثلُه، لما ذكروا من أنّ البائعَ إن باع أرضاً كان قد بذر فيها
(١) المبسوط السرخسي ١١٣:١٣.
(٢) المجموع شرح المهذّب ١٦٦:١٢ وفى مسئلة الحجارة تفصيل ذكره النوويّ رحمه الله تعالى فى
روضة الطالبين ٣: ٥٣٩ ومابعده وراجع أيضاً فتاوى ابن جر الهيثمي، باب الخیار ص ٢٤٠

المبحث الثامن
الزّرع، ولم يعلم المشترى ذلك، فإنّ له الخيار. وقال ابنُ قدامة رحمه الله تعالى: "لأَنّه
عيبٌ فى حقّه، لما يفوتُ عليه من نفع الأرض. فإن قال البائع: أنا أحوّله على وجهٍ
لایضُرّ، وفعل، سقط الخیارُ لزوال العيب."(١)
وإنّ المالكيّة والحنفيّة، وإن لم أجد منهم نصّاً فى مثل هذه المسائل، ولكنّ الظّاهرَ أنّ
ماذكره الشّافعيّة لايُخالف قواعدهم أيضاً، غير أنّ الزّمن اليسير الذى اشترطوه لإزالة العيب
ينبغى أن يختلف من عيبٍ إلى عيبٍ آخر. والله سبحانه وتعالى أعلم.
٣٨٥- موانع الرّدّ بخيار العيب
الأصل فى خيار العيب إذا ثبت بشروطه أنّ المشتريَ يحِقّ له أن يُرُدّ المبيع إلى البائع،
ويُطالبه بردّ الثّمن كلّه. ولكن قد تحدث فى المبيع حالاتٌ يتعذّر بسببها ردُّ المبيع إلى
البائع، وتُسمّى "موانع الردّ". والأصلُ فى حالة حدوث مانع من موانع الردّ الآتية أنّ
المشتريَ لايحقّ له ردُّ المبيع إلى البائع، ولكن يجوز له أن يُطالبه بفَرْق القيمة بين
المعيب وغير المعيب. وهذا الفرقُ يُسمّى فى اصطلاح الفقهاء "أرشاً" أو "ضمان
النّقصان". وفيما يلى خلاصةُ هذه الموانع، وأحكامِها على المذاهب المختلفة.
٣٨٦- هلاك المبيع
المانعُ الأوّل: هلاكُ المبيع. فإن هلك المبيعُ بيد البائع قبل التّسليم، امتنع الردّ لفوات
المحلّ، وانفسخ العقد، وليس للبائع أن يُطالِب المشترىَ بالثّمن، ويجب عليه ردّه إن
كان قبضَه، لأنّ الهلاك إنّما وقع فى حينٍ كان المبيعُ فيه فى ضمان البائع.
(١) الكافى لابن قدامة ٧٣:٢

فقه البيوع
وأمّا إذا هلك المبيعُ بعد قبض المشترى، فإنّ له صُوراً آتية:
الأولى: أن يقعَ الهلاك بسببٍ سماويّ، مثل أن يموت الحيوان المبيع، فإنّه مانعٌ للرّدّ
بداهةٌ، ولكن يحقُّ للمشترى أن يرجع إلى البائع بالأرش. وهذا الأمرُ متّفَق عليه بين
الفقهاء فيما إذا لم يكن هناك تدليسٌ من البائع، ولم يكن العيبُ سبباً للهلاك.
أمّا إذا هلك المبيعُ بسبب العيب الّذى يُثبت الخيار، ففيه خلاف. فقال المالكيّة: إن
كان البائعُ دلّس ذلك العيبَ على المشترى، (ومثّلوه بأن يكون عبداً آبقاً أوسارقاً،
فدلّس البائع، فهلك بسبب الإباق أو السّرقة،) فلا شيئَ على المشترى ويرجعُ
بجميع الثّمن(١)
وأمّا الحنابلة، فأداروا الحكم على التّدليس، فإن كان البائعُ دّسَ على المشترى عيباً،
فسواءٌ هلك المبيعُ بذلك العيب أو بغيره، له أن يُطالبَه بجميع الثّمن.(٢)
أمّا الحنفيّة، فالظّاهرُ من كلامهم أنّهم لا يُفرَقون بين أسباب الهلاك، بل يمتنعُ الردّ
ويجب ضمانُ النّقصان (الأرش) فى جميع صُورِ الهلاك بآفة سماويّة، سواءٌ وقع
الهلاكُ بسبب العيب (٣) أو بسببٍ غيره، مادام ذلك السّببُ خارجاً عن اختيار العبد.(١)
(١) الشّرح الكبير للدّردير على مختصر خليل مع حاشية الدّسوقيّ ١٢٨:٣
(٢) المغني لابن قدامة ٤: ٢٤٣
(٣) وهناك صورةٌ من الهلاك بسبب العيب ذهب فيها الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى إلى أنّه يرجع
فيها المشترى بجميع الثّمن. وهي ما إذا اشترى عبداً قد سرق، ولم يعلم به، فقُطع عند المشترى،
أو قتل عنده بسبب وُجد فى يدالبائع، مثل قتل عمد أو ردّة، فللمشترى أن يردّه ويأخذ جميع
الثّمن. وذلك لأنّ الإمام أباحنيفة رحمه الله تعالى اعتبر القطع أو القتل فى حكم الاستحقاق، فكما
أنّ المبيع إن استُحقّ، فإنّ المشتريَ يردّه ويأخذ جميع الثّمن، فكذلك فى القطع والقتل. وخالفه =

الثامن
الثّانية: أن يقعَ الهلاكُ باستعمال المشترى المبيع، مثل أن يكون طعاماً فيأكله، فلو
أكله مع علمه بالعيب، فإنّه رضاً بالمعيب، وهو يُسقط الخيار كما تقدّم. أمّا إذا لم
يعلم بالعیب عند الأكل، وعلِم بالعیب بعده، أو کان ثوباً فتخرّق باستعماله، ثمّ علِم
بالعيب بعد تخرّقه، ففيه خلافٌ بين الفقهاء. فقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى:
ليس للمشترى أن يُطالِب البائعَ بشيئ، لأنّه أتلفه بفعل مضمونٍ منه لو وجد فی غیر
ملكه،(٢) غيرأنّه سقط الضّمانُ عنه لملكه، فاستفاد البراءةَ من الضّمان، فكان
کالمستفید به عوضاً.
وقال أبو يوسف ومحمّد ومالك والشّافعيّ وأحمد رحمهم الله تعالى: إنّه يرجعُ إلى
البائع بالأرش (ضمان النّقصان)،(٣) لأَنّه صنعَ فى المبيع ما يُقصد بشراءه، ويُعتاد فعلُه
فيه، فلم يوجَدْ منه الإتلاف ولا الرّضا، فيستحِقّ ضمانَ النّقصان. وذكرابنُ الهمام عن
الخلاصة أنّ الفتوى على قول الصّاحبين، وبه أخذ الطّحاويّ. (٤)
= صاحباه، واعتبراه عيباً، فجريا على أصلهم فى العيب من أنّ الهلاك بغير فعل المشترى يمنع الردّ
ويوجب ضمان النقصان. (هذه خلاصة ما فى الهداية وفتح القدير٦: ٣٤ و٣٥) فظهر أنّ
استحقاق المشترى جميع الثّمن فى صورة القتل بسبب جنايته، ليس لأنّ الإمام أباحنيفة يوجب
جميع الثّمن إن وقع الهلاك بسبب العيب، بل لأنّه يُدخله فى حكم الاستحقاق.
(١) جاء فى الهداية: "من اشترى عبداً فأعتقه، أو مات عنده، ثمّ اطّلع على عيب، رجع بنقصانه."
(الهداية مع فتح القدير٦: ١٤) والإعتاق وإن كان بفعل المشترى، فإن الحنفيّة اعتبروه فى حكم
الهلاك، لأنه إنهاء للملك. راجع لتفصيله الهداية وشروحها.
(٢) يعنى: لولم يكن الطّعام فى ملكه، وأكله، لضمن قيمته.
(٣) فتح القدير٦: ١٦ والمغنى لابن قدامة ٤: ٢٤٩ وهو الظاهر من مذهب المالكيّة، وراجع الدّسوقيّ ٣: ١٢٤
(٤) فتح القدير٦: ١٦

فقه البيوع
الثّالثة: أن يستهلِكه المشترى بغير استعماله العاديّ، مثل أن يكون إناءً فيكسره، فإنّه
مانعٌ للرّدّ، ولا يحقُّ للمشترى أن يُطالِب بالنقصان عند الحنفيّة، (١) لأنّ مانعَ الردّ إنّما
وُجد بتعدٍّ منه، وبهذا التّعدّى فوّت على البائع حقَّ استرداد المبيع، فلا يستحقّ منه
الأرش. ولكنّ الظّاهر أنّه يستحقّ الأرش عند الحنابلة. وذلك لما قال ابنُ قدامة رحمه
الله تعالى فى تعليل المسئلة السّابقة: "ولنا أنّه ما استدرك ظلامتَه، ولا رضيَ بالعيب،
فلم يسقط حقّه من الأرش، كما لو تلِف بفعل الله تعالى." (٢) ويبدو أنّ هذا أوفق
بالعدل، والله سبحانه وتعالى أعلم.
٣٨٧- العيب الحادث عند المشترى
إن حدث فى المبيع المعيب عيبٌ جديدٌ عند المشترى بغير فعل من البائع، ففيه مذهبان:
المذهب الأوّل: أنّه مانعٌ للرّدّ، فلايحقّ للمشترى أن يُرُدّه، ولكن من حقّه أن
يُطالِب البائعَ بأرش العيب القديم، وهو مذهبُ الحنفيّة،. قال صاحبُ الهداية:
"لأنّ فى الرّدّ إضراراً بالبائع، لأنّه خرج عن ملكِه سالماً، ويعود مَعيباً فامتنع،
ولابدَّ من دفع الضَّررِ عنه، فتعيّن الرّجوعُ بالنُّقصان، إلاّ أن يرضىَ البائعُ أن يأخذه
بعيبه. " (٣) وهو مذهب أحمد فى روايةٍ، ورُوي ذلك عن ابن سيرين والزُّهريّ
والشَّعبيّ رحمهم الله تعالى.(٤)
(١) قال ابن عابدين نقلاً عن البحر: "فإنّه إذا استهلكه فلا رجوع مطلقاً إلاّ فى الأكل عندهما."
(ردالمحتار ٤٤٤:١٤ فقره ٢٣٠٤٨)
(٢) المغنى لابن قدامة ٤: ٢٤٩
(٣) فتح القدير٦: ١١
(٤) المغني لابن قدامة ٤: ٢٤١

المبحث الثامن
٣٨٨- والمذهب الثّانى: أنّ المشتريَ له الخيار، إمّا أن يُمسِك المبيعَ ويُطالِبَ
البائعَ بالأرش، وإمّا أن يُرُدَّ المبيع ويرُدَّ معه أرشَ العيب الجديد الحادثِ عنده. وهو
مذهبُ المالكيّة (١) وهو الرّاجحُ من مذهب الحنابلة.(٢) وقال الشّافعيّة مثلَ ذلك، إلاّ
أنّهم قالوا: يُختارُ أحدُ الأمرين بتراضى الطّرفين. فإن لم يتّفقا، فالأصحُّ إجابةُ مَن
طََّب الإمساك، يعنى مَن طلب أن يُمسِك المشترى المبيعَ ويُطالِبَ البائعَ بالأرش،
سواءٌ أكان طالبُ الإمساك هو البائع أم المشتري، لأنّ فيه تقريراً للعقد.(٣)
واتّفق الجميعُ على أنّه إن رضيَ البائعُ بقَبول المبيع معيباً، وردّ جميع الثّمن،
فله ذلك.
٣٨٩- الزّيادةُ فى المبيع عند المشترى
إن حدثت فى المبيع زيادةٌ بعد البيع، واطّلع على عيبٍ كان فيه عند العقد، ففيه صورٌآتية:
الأولى: أن تكون الزّيادةُ متّصلةً بالمبيع متولّدةً منه، مثلُ الزّيادة فى سِمَن الحيوان، أو
ثَمر الشّجرة قبل التّأبير. فإن حدثت الزّيادةُ قبل أن يقبض المشترى المبيع، فلا
خلافَ فى أنّ مثلَ هذه الزّيادة لا تمنع الرّدّ، بل يجوز للمشترى أن يرُدّ المبيعَ مع هذه
الزّيادة بخيار العيب، وليس له أن يُطالب عوضاً على هذه الزّيادة. أمّا إذا حدثت
الزّيادةُ بعد قبض المشترى، فلا تمنعُ الردّ أيضاً، ولكن إن أراد المشترى أن يُمسِكِه
(١) الشرح الكبير للدردير مع الدّسوقيّ ١٢٦:٣
(٢) المغني لابن قدامة ٢٤١:٤
(٣) مغنى المحتاج ٢: ٧٧و ٧٨

فقه البيوع
ويُطالِبَ البائعَ بأرش نقصان العيب، فله ذلك عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما
الله تعالى، ولا يجوزُ للبائع أن يأبى. وقال محمّد رحمه الله تعالى: لايجوز للمشترى
أن يجبُّر البائعَ على الأرش إن أبى البائعُ ذلك، بشرط أن يسترِدّ المبيعَ ويُرُدّ جميعَ
الثّمن.(١) وهو قولُ الشّافعيّ رحمه الله تعالى.(٢)
وفى مذهب المالكيّة قولان: أحدهما مثلُ قول الشّيخين، وآخرُ مثلُ قول محمّد
والشّافعيّ رحمهم الله تعالى جميعاً.(٣)
أمّا الحنابلة، فمذهبُهم أنّ الزّيادة المتّصلة المتولّدة لا تمنعُ الردّ، سواءٌ أحدثت الزّيادةُ
قبل قبض المشترى، أم بعده. (٤) ولكن ذكرنا فيما قبلُ عن ابن قدامة رحمه الله تعالى
أنّ فى جميعِ ما فيه خيارٌ العيب للمشترى، يحقُّ له أن يُمسك المبيعَ ويُطالب البائعَ
بالأرش. وذكر أنّه قولُ إسحاق أيضاً.(٥) ومقتضى ذلك أنّه يجوز له أن يُطالبَ البائع
بأرش النّقصان ويُمسك المبيع.
(١) راجع بدائع الصّنائع ٤: ٥٦٠لما قبل القبض و ٥٦٢ لما بعده. وقد وقع هناك تسامح فى الموسوعة
الفقهيّة الكويتيّة ٢٠: ١٤٠ حيث عمّم الحكم فيما قبل القبض وفيما بعده، وكذلك ذكر فى
حاشيته أن عبارة ابن الهمام موهمة لعكس الحكم فى الزيادة المتصلة المتولدة، مع أنّ تلك
العبارة تتعلق بالمنفصلة المتولدة، وليس بالمتصلة المتولّدة، فليُتنبه.
(٢) راجع المجموع شرح المهذّب ١٢: ١٩٦ حيث ذكر فى حكم الزّيادة المتّصلة الردّ فقط، وقارنه
بعبارة المهذّب ١٦٧:١٢ حيث ذكر أنّه لا يحقّ للبائع أو المشترى أن يجبر الآخر على الإمساك
والآرش.
(٣) المقدمات الممهدات لابن رشد ١٠٣:٢
(٤) قال ابن قدامة: "فإنّه يردّه بنمائها، لأنّه يتبع فى العقود والفسوخ. " (٢٣٩:٤)
(٥) المغنى لابن قدامة ٤: ٢٤٠

المبحث الثامن
الثّانية: أن تكون الزّيادةُ الحادثةُ بعد قبض الشترى منفصلةً عن المبيع، غيرَ متولّدة منه، كما
إذا اشترى سيّارةً، وآجرها فكسب أجرةً، واطّلع على العيب بعد ذلك. ولاخلاف فى هذه
الصّورة أنّ هذا الكسبَ لا يمنع الرّدّ، وأنّالمشتريَ يُرُدّ السيّارة، ويُمسِك ما كسب من مال.
وهذا الكسبُ حلالٌ طَيّب له، لأَنّه حصل له والسّرةُ فى ضمانه. وهذا الأصلُ مبنيٌّ على ما
رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت:
"إنّ رجلاً ابتاعَ غلاماً، فأقام عنده ما شاء الله أن يُقيم، ثمّ وجد به عيباً، فخاصمه
إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فردّه عليه، فقال الرّجل: يا رسول الله! قد استغلّ
غُلامى، فقال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم: "الخَرَاجُ بالضَّمان"(١)
ومعنى هذا الحديث أنّ العبدَ حين كسب المال، كان فى ضمانِ المشترى، بحيثُ إن
هلك، هلك من ماله، فيستحقُّ كسبَه بسبب هذا الضّمان.
وهذا الحكمُ مجمعٌ عليه بين الفقهاء بسبب هذا الحديث إن حدثت الزّيادةُ بعد
قبض المشترى للمبيع. (٢)
فأمّا إذا اشترى سيّارةً مثلاً، ولم يقبضْها، وبقِيتْ عند البائع، وآخرها البائع، وحصل
على أجرة، ثمّ سلّم السّيارةَ إلى المشترى، فوجد بها عيباً، ففيه خلافٌ بين فقهاء
(١) سنن أبى داود، باب فيمن اشترى عبداً فاستعمله ثمّ وجد به عيباً، حديث ٣٥١٠ وأخرجه أيضا
الحاكم فى المستدرك (١٨:٢) ولفظه: "الغلّة بالضمان"، وقال "هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه،" وأقره الذهبيّ فى التلخيص بقوله: "صحیح"
(٢) قال ابن قدامة: وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ، ولانعلم عن غيرهم خلافهم. (المغنى ٤: ٢٣٩)
وقال السبكيّ: "ويردّالمبيع وحده ويسترجع جميع الثّمن قولاً واحدا لاخلاف فى ذلك
للحديث. (تكملة المجموع ١٢: ٢٠٠)