Indexed OCR Text

Pages 161-180

٧٨٤
فقه البيوع
وفسّروه بالمبيع الحاضر المتعيّن، وأنّه من ضمان المبتاع. ويمكنُ أن يُفسّره الّذين
يشترطون القبضَ لانتقال الضّمان بأنّ قوله "من المبتاع" أو "من مال المبتاع" (كما
وقع فى رواية الطّحاويّ والدّارقطنيّ) دالٌّ على انتقال الملك دون الضّمان، والله
سبحانه أعلم.
٣٤٨- مسألة وضع الجائحة فى بيع الثّمار على الأشجار
وكذلك اختلف الفقهاء فى انتقال الضّمان إذا كان المبيعُ ثماراً على رؤوس الأشجار.
وضمانُها على نوعين: الأوّل: ضمانُ الهلاك أو النقصان بسبب الجائحة، والثّانى:
ضمانُه بسبب غير الجائحة، مثل الغصب أو السّرقة. فأمّا الحنفيّة والشّافعيّة، فلا فرقَ
عندهم بين النّوعين، فينتقل ضمانُ الثّمار إلى المشترى بالقبض أو التّخلية فى جميع
الأحوال. أمّا عند المالكيّة، فينتقل ضمانُ غير الجائحة بمجرّد العقد،(١) ولعلّ ذلك
من أجل أنّ الثّمار حاضرةٌ بيعت مجازفةً، فلم يتعلّق بها حقُّ التّوفية، فانتقل الضّمانُ
بمجرد العقد على أصلهم الّذی بیّاه من قبل.
ومقتضى ذلك أن يكون الحكمُ عند الحنابلة مثلَه، لأنّ قولهم فى ما لا يتعلّق به حقُّ
التّوفية مثلُ قول المالكيّة، فينبغى أن ينتقل ضمانُ الغصب وغيره إلى المشترى
بمجرّد العقد، وهوقولٌ ذكره المرداويّ رحمه الله تعالى عن عدّة علماء الحنابلة،
ولكن ذكر أنّ المذهبَ فيه أنّ المشتريَ يُخيّر بين فسخ العقد أو الإمضاء ومطالبة
المتلف، كإتلاف المبيع المكيل أو الموزون.
أمّا النّوعِ الأوّل من الضّمان، وهو ضمانُ الجائحة، فإنّه ينتقل من البائع إلى المشترى
(١) الشرح الصغير مع حاشية الصاوى عليه ٣: ١٩٩

٧٨٥
المبحث الثامن
إذا صارت الثّمارُ بحيث يُؤْمَن عليها من الجائحة عند المالكيّة (١) أو حان أوانُ
جزازها عند الحنابلة.(٢) فمدارُ انتقال الضّمان عندهم على زوال وقت الجائحة،
وليس على القبض أو العقد. فإن أصابتها الجائحةُ فى هذه المدّة، فإنّها من ضمان
البائع. وتُوضَعُ عن المشترى بشروطها المختلفة فى المذهبين، كما سيأتى. وإن
أصابت بعدها كانت من ضمان المشترى.(٣)
وإنّ اختلاف المالكيّة والحنابلة عن الحنفيّة والشافعيّة فى الجوائح إنّما يتأتّى فيما
إذا بيعت الثّمار بعد بدو الصّلاح لا بشرط القطع. وعلى هذا، فمسئلةُ ضمان الجوائح
لها صورٌآتية:
١- الأولى: أن يبيعَها قبل بُدُوِّ صلاحها بشرط التّبقية على الأشجار، ثمّ يصيبُها آفةٌ،
فالحكمُ فيها أنّ الآفةَ من ضمان البائع بالإجماع، ولا يُطالِب المشتريَ بالثّمن؛ لأنّ
هذا النّوعَ من البيع فاسدٌ إتّفاقاً فى القول المشهور بين الأئمة الأربعة. أمّا على ما أفتى
به بعضُ المتأخّرين من الحنفيّة من جواز هذا الشّرط لكونه شرطاً معروفاً، كما بيّنّاه
(١) وفسر الدردير رحمه الله تعالى الأمن بقوله: "الأمن يكون بتمام طيبها "الشرح الصغير للدردير مع
حاشية الصاوى ٣: ١٩٩
(٢) كما يظهر من قول ابن قدامة رحمه الله تعالى: "فإن بلغت الثمرة أوان الجزاز فلم يجزّها حتّى
اجتيحت فقال القاضى عندى لا يوضع عنه لأنّه مفرط بترك النّقل فى وقته مع قدرته فكان
الضّمان عليه. " (المغني لابن قدامة ٤: ٢١٧)
(٣) فمثلا يشترط عند المالكيّة أن تُهلك الجائحة ثلثَ الثمر فأكثر لوضعها عن المشترى فإن أتلفت
أقل من الثّلث لا توضع عن المشترى عندهم بينما الصحيح من مذهب الحنابلة أن المدار على
العرف فى وضع الجائحة، فما جرى العرف بوضعها قليلة كانت الجائحة أو كثيرة، توضع عن
المشترى والقدر الّذي لم يجر العرف بوضعه لا يوضع عن المشترى. (المغنى ٢١٦:٤)

٧٨٦
فقه البيوع
فى الشّرط الثالث من شروط المبيع، فالظّاهر أنّه إن كان هذا الشّرطُ من المشترى
بعد أن كان البائعُ راضياً بالتّخلية، وصرّح بذلك، فضمانُه على المشترى، وإن لم يكن
البائعُ رضيَ بالتّخلية، فينبغى أن يكونَ ضمانُ الجائحة عليه عند الحنفيّة، لأنّ مدارَ
انتقال الضّمان عندهم على التّخلية، والله سبحانه أعلم.
٢- الثّانية: أن يبيعَها قبل بدوّ الصّلاح أو بعده بشرط القطع، ولا يُخلّى بينها وبين
المشترى، ولا يقبضُها المشترى، حتّى تصيبَها آفةٌ فَتَهْلِكَ. فالضّمانُ ههنا أيضًا على
البائع بالإجماع. ولو خلّى بينها وبين المشترى، واشتَرَط القطعَ، ثمّ لم يقطعِ
المشترى، فهو من ضمان المشترى بالإجماع.(١)
٣- الثّالثة: أن يبيعَها قبل بدوّ الصّلاح أو بعده من غير اشتراط شيئ، ثمّ يحينُ الجذاذُ،
وتصيبُها آفةٌ قبل أن يجُذَّها المشترى. فالآفةُ من ضمان المشترى بالإجماع،
ولاخلافَ أنّ البائع يُطالِبُه بالثّمن.
٤- الرّابعة: أن يبيعَها بعد بدوّ الصّلاح لا بشرط القطع، ويُخَلَّى بينها وبين المشترى،
ثمّ تصيبُها آَفَةٌ فَتَهْلِكُ. وهذا موضعُ خلافٍ بين الفُقهاءِ، واختلفوا فيه على أقوال:
الأوّل: أنّه من ضمان المشترى مطلقًا، وهو مذهب أبى حنيفة، واللّثِ بنِ سعد،
والشّافعيِّ فى الجديد، وأبى جعفر الطّبريّ، وداودَ، والثّوريّ وجُمهور السّلف، كما
فى عمدة القاري.(٢)
(١) قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: " ولو اشترى ثمرةً قبل بدو صلاحها بشرط القطع فأمكنه قطعها
فلم يقطعها حتّى تلفت فهي من ضمانه، لأنّ تلفها بتفريطه وإن تلفت قبل إمكان قطعها فهى من
ضمان بائعها. (المغنى ٢١٧:٤)
(٢) عمدة القاري: ٥: ٥٥٤، فتح الباري ٣٣٣:٤

٧٨٧
المبحث الثامن
الثّانى: أنّ ما تَلِف من ذلك إلى الثُّلث، فهو من مال المشترى، فإن كان الثُّلثَ فصاعدًا
فهو من مال البائع، وهو مذهبُ مالكٍ ويحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ وسائرِ أهلِ
المدينة، كما فى الحُجّة للإمام محمّد والمغنى لابن قدامة. (١) ثمّ هذا الثُّلثُ يُعتبر عند
ابن القاسم بالكيل، وعند أشهبَ بالقيمة، وراجع لتفصيله بداية المجتهد.(٢)
الثالث: أنّ القدرَ التّالفَ بالجائحة كلَّه من ضمان البائع، قلَّ ذلك أو كثُر، إلّا ما جرت
العادةُ بتَلَفِ مثلِه، كالشّيء اليسير الّذى لا ينضبط، وهو قول أحمدَ بنِ حنبلٍ وأبى
عبيدٍ والشافعيِّ فى قوله القديم رحمهم الله تعالى جميعا. كذا فى المغنى لابن قدامة
والإنصاف للمرداويّ والمحلّى لابن حزم. (٣)
استدلّ الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله بإطلاق حديث مسلم، حيث قال فيه صلّى
الله عليه وسلّم: "فأصابته جائحةٌ، فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئاً" (٤) ولا فرقَ بين
القليل والكثير، ولا بين الثُّلث وما دونه.
وأمّا مالكٌ رحمه الله، فقد استدلّ بذلك الحديث أيضًا، غيرَ أنّه استَثْنَى منه الثُّلثَ لقّته.
وقال ابن رشد فى بداية المجتهد: "والمالكيّةُ يحتجّون فى مصيرهم إلى التّقدیر فی وضع
الجوائح، وإن كان الحديثُ الواردُ فيها مطلقًا، بأنّ القليلَ فى هذا معلومٌ من حكم العادة أنّه
يُخالِف الكثيرَ، إذ كان معلومًا أنّ القليلَ يَذْهَبُ من كلِّ ثمر، فكأنّ المشتريَ دخل على هذا
الشّرط بالعادة، وإن لم يَدْخُل بالنُّطْق. وإذا وجب الفرقُ، وجب أن يُعتبر فيه الثُّلُثُ، إذقد
(١) الحجّة على أهل المدينة ٢: ٥٥٦، والمغنى لابن قدامة ٤: ١٠٤
(٢) بداية المجتهد ٢: ١٨٦، شرح الأتي ٤: ٢٣٢
(٣) المغني لابن قدامة ١٠٦:٤، والإنصاف للمرادويّ ٥: ٧٤، المحلّى لابن حزم ٣٨٤:٨
(٤) صحيح مسلم، باب وضع الجوائح، حدیث ٣٩٤٨

٧٨٨
فقه البيوع
اعتبره الشَّرِعُ فى مواضعَ كثيرة. " وقد مثّل له ابنُ قدامةَ فى المغنى(١) بالوصيّة وعطايا
المريض، وبتساوى جراحِ المرأة جراحَ الرّجل إلى الثُّلُث، ولأنّ الثُّلُثَ فى حدّالكثرة، وما
دونه فى حدّ القلّة، بدليل قولِ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فى الوصيّة: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ
کثیرٌ "(٢)،فیدلّ هذا على أنّه آخرُ حدًّالکثرة،فلهذا قدّر به."
وأمّا الحنفيّةُ والشّافعيّةُ فاستدلّوا بدلائلَ آتيةٍ:
١- أخرج مالك فى باب الجائحة فى بيع الثّمار والزّروع عن عَمرة بنت عبد الرحمن:
"ابتاع رجل تمر حائطٍ فی زمان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فعالجه وقام فيه، حتّی
تبيّن له النقصانُ، فسأل ربَ الحائط أن يَضَعَ له أو أن يُقيلَه، فحلف أن لا يفعل، فَذَهَبَتْ أمُّ
المشترى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَذَكَرَتْ ذلك له، فقال رسولُ الله صلّى الله
عليه وسلّم: "تَأَلَى أن لا يفعلَ خيرًاً. "(٣)
ووجه الاستدلال به أنّ وضعَ الجائحة لو كان واجبًا لأجبره عليه، ولكن النّبيّ صلّى الله
عليه وسلّم لم يَجْبُرْهُ على ذلك، وإنّما لامَه على ترك الإحسان، وقد أخرج الشّيخان
هذه القصّةَ، ولفظُهُما: "أين المتأَلَّى على الله لا يفعل المعروف؟" وأخرجه البخاريّ
فى الصُّلح، وترجم عليه "باب هل يشيرُ الإِمامُ بالصّلح؟"، فلفظ "المعروف"
و "الخير" يدلّان على أنّ هذا الوضعَ كان من قبيل الإحسان، لا من قبيل الوجوب،
ولذلك ذكره البخاريُّ فى الصُّلح، ومسلمٌ فى استحباب وضع الدّين، وكلا الشّيخين
(١) المغنى ٤: ١٠٦، وبداية المجتهد ١٨٨:٢
(٢) صحيح البخاري، باب الوصية بالثلث، حدیث ٢٧٤٣
(٣) أخر جه مالك ص ٥٧٥ و ٥٧٦

المبحث الثامن
قد أعقب هذا الحديثَ بقصّة كعب وابن أبى حَدْرَدٍ، والأمرُ بوضع الدّين هناك
ء
للاستحباب بالإجماع.
٢- استدلّ الإمام محمّدٌ رحمه الله فى كتابه "الحُجّة على أهل المدينة" بما أخرجه
هو بسنده إلى سليمانَ بنِ يسار عن سعدِ بْنِ أبى وقّاصٍ:
"أنّه باع(١) من عبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنه عِنَبًا له بالعقيق، فجاء بالبيّنة
أنّه كان باعه على أنّه كان أصابه الجرادُ، فأذهبه أو أكثرَه، فاختصما إلى عثمان بن
عفّان رضي الله عنه، فَقَضَى بالثّمن وافيًّا على عبد الرّحمن، بردّ الثّمن إلى سعدٍ،
وقال: هو من مال الله،مَنَّ على هذا وابتلاك به."
وفى إسناد هذا الأثر موسى بنُ محمد بن إبراهيمَ بنِ الحارثِ التيميُّ، ضعّفه أكثرُ
المحدّثين، وقال الواقديّ؛ كان فقيهًا محدثًا، وكذلك قال يعقوبُ بنُ شيبة، وقال
ابنُ سعدٍ: كان كثيرَ الحديث، وله أحاديثُ مُنْكَرَةٌ، (٢) وأمّا أبوه الّذي روى عنه هذا
الأثرَ فهو محمّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التّيميُّ، وهو من ثقات التّابعين، وقد أخرج
(١) وليُتَنبّه أنّه وقع فى النسخة المطبوعة بلاهور من كتاب الحجّة (٢: ٥٥٩): "ابتاع" مكان "باع"
ولكن ذكر محقّقُها الشّيخُ مهدى حسن أنّه كان فى الأصل "باع"، ولكن غيّره الشّيخ مهدى
حسن فجعله "ابتاع"، اعتمادًا على ما وقع فى رواية ابن حزم لهذا الأثر فى المحلّى: ٣٨٦٨،
ولكن لم يتنبّه الشّيخُ رحمه الله على أنّ محمّدا رحمه الله إنّما يذكر هذا الأثر فى معرض استدلاله
به على عدم وضع الجائحة عن المشترى، فلو كان سعدٌ مشتريًا لما صحّ استدلاله به، فالظاهر أنّه
كان فى رواية محمّد رحمه الله "باع" كما وقع فى الأصل، ولا يصحّ تغيير رواية محمّدٍ إلى ما
رواه ابن حزم، فلذلك ذكرتُ الأثرَ على ما وقع فى أصل كتاب الحجّة. والله أعلم.
(٢) التهذيب ٣٦٨:١٠

٧٩٠
فقه البيوع
له الشّيخان، كما فى التّهذيب.(١)
وبالجملة، فاستدلال مجتهدٍ مثلِ الإمام محمّدٍ بهذا الأثرِ دليلٌ على ثبوته عنده،
وحسّن شيخُنا العُثمانيّ إسنادَه فى إعلاءِ السُّنن.(٢)
ثمّ إنّ مذهبَ الحنفيّة والشّافعيّة موافقٌ للأصول الثّابتة؛ لأنّ المبيعَ إذا خُلِّي بينه وبين
المشترى صار فى ضمان المشترى، ولا فرق بين الثّمار والثّياب وغيرها. وعلى قول
المالكيّة والحنابلة توضعُ جوائحُ الثّمار، ولا توضع آفاتُ غيرها من المبيعات.
وأمّا حديث جابر : "أنّ النّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أَمَر بِوَضع الجَوَائح. "(٣) فَيُمْكِنُ
تأويلُه على وجوهٍ ثلاثة:
الأوّلُ: أن يكون الأمرُ بوَضْع الجوائح للنُّدب، لا للوجوب، كما وقع فى حديث عمرةَ
بنتِ عبد الرّحمن: "تَأَلَى أن لا يفعلَ خيرًا."
الثّانى: أن يكون الأمرُ للوجوب، ويكونَ محمولاً على ما بيع قبل بدو الصلاح
وأصابته الجائحةُ قبل قبض المشترى؛ فإنَّ الجائحةَ حينئذٍ تكون من مال البائع
بالإجماع، وممّا يؤيّدُه أنَّ الشَّافعيَّ رحمه الله أخرجه فى الأُمَّ (٤) عن سفيانَ عن حميدِ
بنِ قيسٍ عن سليمانَ بنِ عتيقِ عن جابرٍ: "أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم نَهَى عن بيع
السّنين، وأمر بوضع الجوائح" ممّا يَدُلُّ على أنّ السّياق فى بيع السّنين، وفيه لا
يتحقَّقُ قبضُ المشترى. وكذلك ما ورد فى حديث أنس رضى الله تعالى عنه: "نهى
(١) التهذيب ٦:٩
(٢) إعلاء السنن ١٤: ٣٤٦
(٣) صحيح مسلم، باب وضع الجوائح، حديث ٣٩٥٣
(٤) الأمّ للشافعيّ ١١٦:٤

المبحث الثامن
عن بيع ثمر النّخل حتّى تزهو. " ثمّ قال: "أرأيتَك إن منع الله الثّمرة، بم تستحلُّ مالَ
أخيك؟" وهذا عينُ ما قال فى آخر حديث جابر: "بمَ تَأْخُذُ مالَ أخيك بغير
حقٍّ"(١) فظهر أنّ سياقَ حديثٍ جابرٍ فى ما لم يَبْدُ صلاحُه، ولم يَقْبضْه المشترى.
٣٤٩- بقاء المبيع فى ضمان البائع بعد قبض المشترى (العُهْدة)
وهناك مسئلةٌ أخرى اختصّ بها المالكيّة فى موضوع انتقال الضّمان، وهي مسألة
"العُهدة". والمراد منها أنّه يبقى المبيعُ فى ضمان البائع إلى مدّة معلومة بعد قبض
المشترى. وهوروايةٌ مرجوحةٌ فى مذهب الحنابلة أيضاً، ولكنّها غيرُ معمول بها
عندهم، حتّى قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "لا يصحّ فيه حديثٌ"(٢).
قال الدّردير رحمه الله تعالى: "العُهدة لغةً من العهد، وهو الإلزام والالتزام،
واصطلاحاً: تعلّقُ المبيع بضمان البائع مدّةً معيّنة، "(٣) والعُهدة إنّما تُعتبرُ فى الرّقيق
عند المالكيّة، جاء فى المدوّنة:
"قال ابن وهب: قال لى مالك: لا عهدة عندنا إلاّ فى الرّقيق."(٤)
ومعناه: أنّ ضماناً مخصوصاً يستمرُّ على البائع بعد قبض المشترى للرّقيق المبيع.
(١) صحيح مسلم، باب وضع الجوائح، حديث ٣٩٥٠
(٢) قال المرداويّ رحمه الله تعالى: "وعنه عهدة الحيوان ثلاثة أيام. وعنه ستة. وقال في المبهج:
وبعد الستة. والمذهب: لا عهدة. قال الإمام أحمد: لا يصح فيه حديث." (الإنصاف مع المقنع
والشرح الكبير ٤: ٤١٥) وليراجع أيضا المغنى ٤: ٢٤٢
(٣) الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي ٣: ١٤١
(٤) المدوّنة الكبرى، آخر فصل "ما جاء فى عهدة الثلاث" من "كتاب التدليس"٣٦٦:٣

٧٩٢
فقه البيوع
والعُهدة عندهم قسمان: الأوّل: عُهدة الثّلاث، وهي أن يستمرَّ ضمانُ البائع فى
الرَقيق المبيع لثلاثةِ أيّامٍ كاملةٍ بعد يوم البيع، (١) فللمشترى أن يُرُدّ الرّقيقَ بكلّ عيب
معتبر حدَث فيه فى هذه المدّة، وعلى البائع نفقتُه وكسوتُه، كما أن المعوّل عليه عند
المالكيّة أنّ الغلّةَ الحاصلةَ للرّقيق فى هذه المدّة للبائع.(٢)
والقسم الثّانى للعهدة: هُو عُهدة السَّنة، وهي أن يستمرَّ ضمانُ البائع فى الرَقيق المبيع
للأمراض الثّلاثة: البرص والجُذام والجنون سنةً كاملةً بعد قبض المشترى له، فإن
حدث شيئٌ من هذه الأمراض عند المشترى فى السَّنَة الّتى تلى عقدَ البيع واستمرّ
إلى انقضائها، أو لم يستمرّ لكن قال أهلُ المعرفة بعوده، فللمشترى ردُّه إلى البائع. (٣)
والنّفقةُ والضّمانُ فى عُهدة السّنة من المشترى إلاَّ فى الأمراض الثّلاثة: البرص
والجُذام والجنون. (٤)
ثمّ المالكيّة اختلفوا فى أنّ العهدة هل تثبت بالشّرط فى العقد أو العُرف، أو تثبُت
مطلقًا بدون الشّرط والعرف. قال الدّردير رحمه الله تعالى:
"ومحلُّ العمل بالعهدتين (إن شرطا) عند العقد، ولو بحملِ السّلطانِ النّاسَ
عليهما (أو اعتيدا) أي جرت العادةُ بهما. " وقال الدّسوقيُّ رحمه الله تعالى
تحته: " (قوله إن شرطا، أو اعتيدا) فإن انتفيا لم يُعمل بهما فى الرّدّ بحادث،
واعلم أنّ رواية المصريّين أنّه لا يُقضَى بالعهدة فى الرّقيق إلّا بشرطٍ، أو
(١) مواهب الجليل ٤: ٤٧٤ والشرح الصغير للدردير رحمه الله تعالى (مع حاشية الصاوى) ٣: ١٩٥
(٢) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣: ١٤١ و ١٤٢
(٣) حاشية الدسوقي ٣: ١٤٢
(٤) بداية المجتهد ١٧٦:٢

المبحث الثامن
عادةٍ، أو حمل السُّلطان النّاسَ عليها، فإن انتفى ما ذُكر، لم يُعمل بها فى الرّدّ
بحادثٍ .. وروى المدنيّون أنّه يُقضى بها فى كلّ بلدٍ، وإن لم يكن شرطٌ ولا
عادة. وفى البيان قولٌ ثالثٌ لابن القاسم فى الموازية لا يُحكم بينهم بها، وإن
اشترطوها."(١)
وكذلك عندهم تفصيلٌ فى مسألة العُهدة إذا تبرّأ البائع من العيب. (٢)
وعُمدةُ المالكيّة فى اعتبار العهدة عملُ أهل المدينة، وفتاوى الفقهاء السّبعة
وغيرهم،(٣) واحتجّ المتأخّرون من المالكيّة بحديثٍ رواه الحسن رحمه الله عن عُقبة
بن عامر وسمرة بن جندب رضي الله تعالى عنهما عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلم قال:
"عهدةُ الرَقيق ثلاثة أيّام "(٤) وروي "لا عهدةَ بعد أربع "(٥) لكنّ الاستدلال بهذا
الحديث غيرُ مرضيٍّ عند أهل العلم، حتّى عند بعض المالكيّة لكونه غير محتجّ به(٦)
(١) الشرح الكبير وحاشية الدّسوقي ١٤٢:٣
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدّسوقي ٣: ١٤١
(٣) بداية المجتهد ٢: ١٧٦ و ١٧٧
(٤) أخرجه الإمام أبو داود فى السنن "عن الحسن عن عقبة بن عامر" رضي الله تعالى عنهما، باب
فى عهدة الرقيق، حديث ٣٥٠٦ وأخرجه الإمام ابن ماجه فى السنن عن "عن الحسن إن شاء الله
عن سمرة بن جندب " رضي الله تعالى عنهما، باب عهدة الرقيق، حدیث ٢٢٤٤
(٥) أخرجه ابن ماجه فى السنن، "عن الحسن عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه" باب عهدة
الرقیق، حدیث ٢٢٤٥
(٦) قال العلّامة ابن رشد رحمه الله تعالى: "كلا الحديثين عند أهل العلم معلول، فإنهم اختلفوا في
سماع الحسن، عن سمرة، وإن كان الترمذي قد صححه. وأما سائر فقهاء الأمصار: فلم يصح
عندهم في العهدة أثر." (بداية المجتهد ٢: ١٧٧)، وقال العلّامة ابن قدامة رحمه الله تعالى :=

٧٩٤
فقه البيوع
فالتّعويل عندهم فى عهدة الرّقيق على عمل أهل المدينة. ثمّ حمله بعضُهم على أنّ
تعامل أهل المدينة حجّةٌ مستقلّة عندهم، فیثبت به الحكم لسائر البلاد، حتىّ جعله
بعضهم بمنزلة الخبر المتواتر(١). ولكن روى ابن عبدالبرّ رحمه الله تعالى عن الإمام
مالك أنّ هذا الحكم متوقّفٌ على العُرف، حيث نقل قوله: "لاأرى أن يُقضى بعهدة
الرقيق إلّ بالمدينة خاصّةً، أو عندقومٍ يعرفونها بغير المدينة فيشترطونها، فتلزَم."(٢)
ثمّ إنّ المالكيّة إنما يقولون بالعُهدة فى الرّقيق فقط، ولا يجوّزون ذلك فى غير الرّقيق،
ولايُجوّزون القياسَ على ذلك.(٣)
٣٥٠- حكم هلاك المبيع قبل قبض المشترى
وإن هلك المبيعُ قبل أن يقبضه المشترى بآفةٍ سماويّة، انفسخ البيعُ بالإجماع،
ويجبُ على البائع أن يُرُدّ الثّمن إن كان قبضه. وإن هلك بفعل المشترى لا ينفسخ
البيع، وعليه الثّمن، لأنّه بالإتلاف صار قابضاً، سواءٌ أكان البيع باتّاً أم بشرط الخيار
للمشترى.
وإن هلك بفعل أجنبيّ، فعليه ضمانُه بالمثل إن كان مثليّاً، أو بالقيمة إن كان من
ذوات القِيم، والمشترى بالخيار إن شاء فسخ العقد، فيعود المبيعُ إلى ملك البائع،
= "وحديثهم لا يثبت، قال الإمام أحمد: ليس فيه حديث صحيح، وقال ابن المنذر: لا يثبت فى
العهدة حديث صحيح، والحسن لم يلق عقبة. " (المغنى لابن قدامة ٢٤٢:٤)
(١) حاشية الدّسوقي ٣: ٩١
(٢) الاستذكار لابن عبدالبر، كتاب البيوع، باب ما جاء فى العهدة ٣٨:١٩
(٣) الاستذكار ٤١:١٩ و٤٢

٧٩٥
المبحث الثامن
فيتّبعُ الجانىَ بالضّمان، وإن شاء اختار البيع، فاتّبع هُو الجانىَ بالضّمان، واتّبعه البائعُ
بالثّمن. وهذا متّفقٌ عليه بين الفقهاء.(١) وزاد الحنفيّة أنّ ضمانَ الأجنبيّ إن كان من
جنس الثّمن، وكان فيه فضلٌ على الثّمن، لا يطيبُ للآخذ الفضلُ، سواء أكان الآخذُ
بائعاً أم مشترياً، لأَنّه ربحُ مالم يضمَنْ، وفيه شبهةُ الرّبًا. أمّا إذا كان الضّمانُ بخلاف
جنس الثّمن، فإنّه يطيب الفضلُ للآخذ، لأنّ الرّبا لا يتحقّق عند خلاف الجنس.
أمّا إذا هلك المبيعُ بفعل من البائع، فالحكمُ عند الحنفيّة والشّافعيّة مثلُ الحكم فى هلاك
المبيع بآفة سماويّة، وهو أنّالبيعَ ينفسخ، ويجب على البائع ردُّالثّمن.(٢)
وقال الحنابلة: حكمه حكمُ إتلاف الأجنبيّ. قال ابن قُدامة رحمه الله تعالى: "وإن
أتلفه البائع، فقال أصحابنا: الحكمُ فيه كما لوأتلفه أجنبيّ، لأنّه أتلفه مَن يلزمُه
ضمانُه، فأشبه ما لو أتلفه أجنبيّ. " ومعنى ذلك أنّ المشتري بالخيار، إن شاء فسخ
العقد ورجع بالثّمن، وإن شاء ضمّن البائعَ بالقيمة أو المثل.
وقال المالكيّة: إنّ جنايةَ البائع عمداً أو خطأً توجبُ غُرمَ القيمة أو المثل للمشترى،
ولاخيارَ للمشترى فى فسخ العقد واسترداد الثّمن. هذا ما صحّحه الدّسوقيّ من
(١) قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "ولا أعلم فيه مخالفاً" (المغنى ٤: ٢١٨) وراجع أيضاً بدائع
الصنائع ٤٩٠:٤
(٢) راجع لمذهب الحنفيّة بدائع الصنائع ٤: ٤٩٠ ولمذهب الشّافعيّة الحاوى الكبير للماورديّ ١٣٦:٥
حيث قال: "إذا تلفت السّلعة المبيعة فى يد بائعها قبل قبض المشترى لها بطل البيع وكانت من
ضمان البائع واستحقّ المشترى استرجاع الثّمن. " وليُتنبه أنّ الكاسانيّ رحمه الله تعالى نقل
مذهب الشّافعيّة بخلاف ذلك أنّ البائع ضامن بالمثل أو القيمة، ولعلّه اشتبه عليه مذهب الشّافعيّة
بمذهب الحنابلة. ونقل ابن قدامة مذهب الشافغيّة بمثل مذهب الحنفيّة وهو الصحيح.

٧٩٦
فقه البيوع
مذهب المالكيّة على أساس ما فى المدونة. (١)
ودليلُ من يُضمّن البائعَ بالمثل أو القيمة، حسبما ذكره الكاسانيّ رحمه الله تعالى، أنّه
أتلف مالاً مملوكاً للغير بغير إذنه، فيجبُ عليه ضمانُ المثل أو القيمة، كما لو أتلفه
بعد القبض. ولافرقَ سوى أنّ المبيعَ قبل القبض فى يده، وهذا لا يمنعُ وجوبَ
الضّمان، كالمرتهن إذا أتلف المرهونَ فى يده. ودليلُ من يضمّنه بالثّمن أنّ المبيعَ فى
يد البائع مضمونٌ بالثّمن بالاتّفاق إن هلك المبيعُ بآفة سماويّة، فلا يكون مضموناً
بضمانٍ آخر، إذ المحلّ الواحدُ لا يقبل الضّمانين، بخلاف الرّهن، فإنّ المضمونَ
بالرّهن على المرتهن معنى المرهون لاعينُه، بل عينُه أمانة، فإيجابُ ضمان القيمة
لا يؤدّى إلى كون المحلّ الواحد مضموناً بضمانين لاختلاف محلّ الضّمان.
٣٥١- هلاك جزءٍ من المبيع أو تعيّبه
هذا إذا هلك كلُّ المبيع. أمّا إذا هلك بعضُه قبلَ قبض المشترى بآفة سماويّة، فإن
كان النّقصانُ فى القدر، يعنى الكيلَ أو الوزن أو العدد، ينفسخُ العقد بقدر الهالك،
ويسقط ما يقابله من الثّمن، ويكونُ المشترى بالخيار، إن شاء أخذ الباقيَ بحصّته من
الثّمن، وإن شاء فسخَ البيع، لأنّ الصّفقة تفرَقت عليه. وإن كان النّقصانُ فى الوصف،
فلا يسقطُ شيئٌ من الثمن، لأنّ الأوصافَ لاحصّةَ لها من الثّمن، وللمشترى الخيار،
إن شاء أخذه بكلّ الثّمن، وإن شاء فسخ البيع، لتعيّب المبيع قبل القبض. (٢)
(١) حاشية الدّسوقيّ على شرح مختصر خليل ٣: ١٥٠
(٢) بدائع الصنائع ٤: ٤٩٢ والمغنى لابن قدامة ٢١٩:٤ والدسوقيّ ١٤٨:٣

0
المبحث الثامن
٣٥٢- انتقال الضمان فى القانون الوضعي
كلّ ما ذكرنا من أحكام انتقال الضّمان ملخّصّ للأحكام الشّرعيّة، وبه يتبيّن دقّةُ الفقهاء
فى هذا الموضوع. أمّا القوانينُ الوضعيّة، فإنّها لا تذكر القبض أو التّخلية من شروط
انتقال الضّمان، بل الأصلُ عندهم أنّ ضمان المبيع يتبع انتقالَ الملك، فینتقل ضمانُ
المبيع إلى المشترى فورَ انتقال ملك المبيع إليه. وهذا ما صرّحت به المادة ٢٦ من قانون
بيع المال السّائد فى بلادنا والمبنيّ على القانون الإنكليزيّ. ولكن تسمح المادةُ نفسُها
بأن يتّفق المتعاقدان على خلاف ذلك.
وهناك حالاتٌ بخلاف هذا الأصل ينتقل فيها الضّمانُ قبل انتقال الملك. وذلك لأنّ
انتقالَ الملك عندهم يتوقّف على تعيين المبيع وتمييزه عن غير المبيع، فإن بيعت
كمّيّةٌ من مخزنٍ فيه كمّيّةٌ كبيرةٌ لم تدخل فى البيع، فإنّ المشتريَ يُعتبر شريكاً فيها
على الشّيوع، فيتحمّل خَطر الهلاك بحصّته فى تلك الكمّة الكبيرة، مع أنّ المِلك
(Property)، كما يفهمه القانون، وهو الملك المتميّز، لم ينتقل إلى المشترى.(١) أمّا
فى الفقه الإسلاميّ، فالملكُ كما يكون متميّزاً، يُمكن أن يكون مُشاعاً، أو مملوكاً
لاعلى التّعيين، مثل البيع بخيارِ التّعيين. ولكن لا يحصل القبضُ فى تلك الصّورة إلاّ
بتمييز المبيع من غيره، فلا ينتقل الضّمان من هذه الجهة قبل التّمييز، إلاّ إذا وقع البيع
على حصّة مشاعة، وأراد المتعاقدان أن يكونا شريكين بحصص مشاعة، فحينئذٍ
ينتقل الضمانُ إلى المشترى بحصّته.
(١) راجع للتفصيل Pollock & Mulla: On Sale of Goods Act,sec.18,P.177- 178and
Sec 26,P.226

٧٩٨
فقه البيوع
وكذلك مقتضى القانون الوضعيّ المذكور أنّ زيداً لو اشترى من عمرو كمّيّةً معيّنةً
من القمح، ولكن لم يحصُّل التّسليم والتّسلّم بين المتعاقدين، وضاعت الكمّيةُ كلُّها
فى يد البائع، فإنّ المشتريَ هو الذى يضمنُ الهلاك.(١) أمّا من النّاحية الشّرعيّة، فإنّ
المشتريّ لا يضمن فى هذه الصّورة، إلاّ إذا وقعت التّخليةُ من البائع، بأن يقولَ له:
"خُذْه متى شئت، وهو ميسّرٌ لك فى أيّ وقت. " وحينئذٍ، لو هلك المبيعُ فى يد
البائع، هلك من مال المشترى. وفيه عدالةٌ ظاهرةٌ لا تحتاج إلی دلیل.
والذى يظهر لى بمراجعة القضايا القانونيّة فى هذا المجال أنّها تفترض (بدون نصّ
صريح على ذلك) أنّ تَسلَّمَ المبيع من البائع هُو من واجبات المشترى، (إلاّ إذا كان
الاتّفاقُ فى العقد على خلاف ذلك كما هو مفاد المادة ٣٦ من قانون بيع المال) فلو
لم يتسلّم المشترى المبيعَ بعد انتقال الملك، فهو تقصيرٌ منه. (ولم تشترط فيه أن تقع
التّخليةُ من قبل البائع). وبناءً على تقصير المشترى، حُكم فى كثير من القضايا بأنّه لو
هلك المبيعُ من غير تقصير البائع، هلك من مال المشترى.
وكذلك تنصّ المادّة ٣٠ من قانون بيع المال أنّ المبيع لو بقيَ فى يد البائع بعد البيع،
وباعه البائع من رجل ثالث، أو رهنه لديه، فى حين أنّ المشتريَ الثّانيَ أو المرتهن لا
يعلم البيع السّابق، فإنّ هذا البيع الثّانيَ أو الرّهن صحيح، وينتقل به الملكُ إلى المشترى
الجديد، ولم يُفرّق القانون بين حالة التّخلية وغيرها. فالبيعُ الجديد من البائع نافذ فى
هذه الحالة، وإن لم يقع منه التّخليةُ للمشترى الأوّل. ولعلّ ذلك مبنيٌّأيضاً على أنّ تسلُم
المبيع من البائع مسئوليّةُ المشترى. فإن قصّر فى هذه المسؤوليّة، فإنّه يُمكن أن يُحرم
(1) Pollock & Mulla, Sec. 26, P. 226- 227

المبحث الثامن
ممّا اشتراه، بأن يبيعه البائع إلى الآخر، فينفذ هذا البيعُ الثّانى، إن كان المشترى الثّاني
لايعلم البيعَ الأوّل.
ولكن بسبب عدم اشتراط التّخلية فى القانون، اختلفت وتشعبت قضايا المحاكم فى
صُور متعدّدة لا تنضبط بضابط، بل تختلف القضايا فى صُور مختلفة، وخاصّةً بسبب
أنّه بالرّغم من قولهم إنّ الضمان يتبع الملك، لاالقبض، فإنّ هناك مستثنياتٍ كثيرةً
من هذا الأصل. فقد ينتقلُ الضّمان ولا ينتقل الملك، وقد ينتقل الملك ولا ينتقل
الضمان.
أمّا فى الفقه الإسلاميّ، فتسليم المبيع إلى المشترى هو من واجبات البائع، فلولم
يُسلّم، أو لم يُتِح للمشترى أن يتسلّم من البائع بالتّخلية، فإنّه هو المسئول، وهو الذى
يتحمّل تبعة الهلاك، ولا يحقّ له أن يبيعه إلى ثالث، ولئن باع فى هذه الحالة، فإنّ
بيعَه غير نافذ. وهذا موافقٌ للعدل العامّ فى جانب، وينضبط فى جانب آخر بضابط
يطّرد فى جميع الحالات.
٣٥٣- مايدخل فى البيع وما لايدخل
مسائلُ هذا الباب متفرّعةٌ على أصول آتية:
الأوّل: أنّ كلّ ماهو متناول اسم المبيع بأن يُعتبر من أجزائه عُرفاً يدخل فى البيع، وإن
لم يُذكر فى العقد صراحةً. وهذا مثلُ من باع داراً أو شُقّةً، فإنّه يدخلُ فيه جميعُ غُرِفه،
ومطبخُه، وبَهْؤُهُ، و دورة المياه فيه، فإنّ اسمَ الدّار يتناول الجميعَ عُرفاً، ولكن
لا يدخلُ فيه عِلوُه إلاّ بالتّصريح، لأنّ لفظ الدّار لايتناوله دائماً، بخلاف ما إذا باع فِلّة،
فهو شاملٌ فى العُرف للعلو والسّفل، فيدخلان فى البيع، إلاّ إذا استثنى أحدُهما.

فقه البيوع
الثّاني: كلّ ما كان متّصلاً بالمبيع اتّصالَ قرار، كان تابعاً للمبيع وداخلاً فى البيع بدون
تصريح بذلك. وعرّفوا اتّصالَ قرار بأنّ ما وُضع لأن يفصِله البشرُ فى الأخير ليس
باتّصال قرار، ومالم يوضعْ للفصل، فهو اتّصالُ قرار. فقالوا: لو باعَ أرضاً فيها أشجار،
فإنّ الأشجارَ داخلةٌ فى البيع، لأَنّها متّصلةٌ بالأرض اتّصالَ قرار، بخلاف الزّرع، فإنّه
لا يدخلُ فى بيع الأرض إلاّ بالتّصريح، لأنّ الزّرع وُضع لرفعه من الأرض.
وعلى هذا، فإنّ مواسيرَ المياه تدخلُ فى بيع البيت، لأنّها متّصلةٌ بالبيت اتّصالَ قرار
بالمعنى المذكور، وكذلك أسلاك الكهرباء والهواتف، ولكن لا تدخلُ المراوح،
والمكيّفات، والدّافئات، والهواتف، وأثاثُ البيت الموجود فيه وقتَ البيع إلاّ
بالتّصريح.
الثّالث: كلّ ما كان من توابع المبيع عُرفاً، فإنّه يدخلُ فى البيع، ومثّله الفقهاء بالمفتاح
فى بيع القُفل، وبالخِطام فى بيع البعير. وعلى هذا، إذا باع سيّارةً، فإنّه يدخل فيها
الكفْرةُ الزّائدة، ورفّاعة السّيّارة والآلات المتعلّقة بتغيير الكفْرة، إلاّ أن يُستثنى من
البيع صراحةً. ويدخلُ فى بيع الهاتف المتحرّك البطّريّة وماتُشحن به البطّاريّة.
الرّابع: كلٌّ ما كان من مرافق المبيع ومنافعه فهو داخلٌ فى البيع، مثل حقّ المرور
وحقّ الشّرب.
والحقيقةُ أنّ هذه الأمور كلَّها ترجع إلى العرف، وهو يختلف باختلاف الزّمان
والمكان، فيمكن أن يكون الشّيئ داخلاً فى البيع بحُكم العرف فى محلٍّ واحد،

٥
المبحث الثامن
ولا يدخل فيه فى محلّ آخر.(١)
وروى البخاريّ وغيره عن عبدالله بن عمر رضى الله تعالى عنهما أنّ رسول الله صلّى الله
عليه وسلّم قال: "من باع نخلاً قد أبرت فثمرتُها للبائع، إلاّ أن يشترط المبتاع."(٣) ومعناه
أنّ الثّمرة لاتدخل فى بيع النّخل بعد التّأبير إلاّ بأن يشترط المشترى دخولها فى البيع.
والصحيحُ أنّ المراد من التّأبير فى الحديث هو ظهور الثّمرة، كما نقلتُه فى "تكملة فتح
الملهم"عن عدّة من العلماء،(٣) فالحاصل أنّه متى كانت الثّمرة ظاهرةً، فإنّها لا تدخل فى
بيع النّخل إلاّ بالاشتراط.
وهل تجرى فيه القاعدة المعروفة: "المعروف عُرفاً كالمشروط شرطاً"؟ بحيثُ إذا
حدث عرفٌ ظاهرٌ بدخول الثّمرة فى بيع النّخل، فهل يُحكم بذلك العرف، وتدخل
الثّمرة فى البيع؟ لم أره فى كلام الفقهاء صريحاً، ولكن إن قيل بدخولها فى البيع فإنّه
لا يتعارضُ مع النّصّ، لأنّ النّصّ استثنى من حكمه أن يشترطَ المبتاعُ دخولها فى
البيع. والاشتراطُ كما يكون بالتّصريح، قد يكون بحكم العرف أيضاً، فإن كان العرف
كذلك، فإنّه داخلٌ فى معنى الاستثناء المنصوص، والله سبحانه وتعالى أعلم.
٣٥٤- الزّيادات الحادثة فى المبيع قبل القبض
أمّا الزّيادات التى تحدث فى المبيع بعد العقد وقبل قبض المشترى، مثل أن يُباع
(١) راجع للأمثلة ردالمحتار ١٤: ١٧٢، فصل فيما يدخل فى البيع، وشرح المجلة للأتاسي٢ّ: ١٣٨
مادة ٢٣٠ والمغنى لابن قدامة ٤: ١٩٨
(٢) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب من باع نخلاالخ، حدیث ٢٢٠٤
(٣) تكملة فتح الملهم ١: ٢٧٣ طبع دار القلم

٨
فقه البيوع
شجرٌ لم تظهر ثمرتُه، وتظهرُ بعد البيع، وقبل قبض المشترى، أويُباع حيوانٌ غيرُ
حامل، فيظهرُ حمله، فقد اتّفق الفقهاءُ أنّها ملكٌ للمشترى، لأنّها حدثت بعد ما
تملّك المشترى الأصل. ولكن هناك خلافٌ فى توجيه هذا الملك. وبيانُه حسبما
ذكره الكاسانيّ رحمه الله تعالى أنّ هذه الزّوائدَ، سواءً كانت متّصلة أو منفصلة،
متولّدة أو غير متولّدة، هي داخلةٌ فى البيع كسائر أجزاء المبيع عند الحنفيّة، فيملكُها
المشترى بحكم البيع السّابق، لأنّ تملّكَ المشترى للزّوائد إنّما حصل بواسطة ملك
الأصل مضافاً إلى البيع السّابق، فكانت الزّيادةُ مبيعةً، ولكن تبعاً لثبوت الحكم
الأصليّ فيها تبعاً.
أمّا الشّافعيّ رحمه الله تعالى، فيقول: إنّما يملكُها المشترى لأنّه مالكٌ للأصل،
وحدثتِ الزّياداتُ على ملكه، ولاعلاقة لها بالبيع السّابق على حدوثها، لأنّه لم تقع
إضافةُ البیع إليها.
وظهرت ثمرةُ هذا الخلاف فى مسائل كثيرة:
منها: أنّ للبائع حقَّ حبس الزّوائد لاستيفاء الثّمن عند الحنفيّة، كما أنّ له حقَّ
حبس الأصل، وعند الشّافعيّ رحمه الله تعالى لا يحقُّ له أن يحبس الزّوائد
لاستيفاء الثمن.(١)
(١) كذا ذكره الكاسانيّ رحمه الله تعالى فى بدائع الصنائع ٤: ٥١٧ ومثله يتلخص من كلام طويل فى
المجموع شرح المهذّب ١٢: ٢١٤ ولكن تقدّم أنّ الشافعيّ رحمه الله تعالى لا يقول بحقّ حبس
المبيع لاستيفاء الثمن إلاّ إذا خاف البائع تفويت الثّمن، فكأنّ مراد الكاسانيّ رحمه الله تعالى من
نسبة هذا القول إلى الشّافعيّ رحمه الله تعالى أنّ فى حالة خوف التّفويت لا يحقّ للبائع إلاّ حبس
الأصل، ولا يحقّ له حبس الزّوائد، والله تعالى أعلم.

المبحث الثامن
ومنها: أنّ الزّيادةَ عند الحنفيّة جزءٌ من المبيع، فيقابلُه قسطٌ من الثّمن، مثلَ أن يبيع شجرةً
ليس فيها ثمرٌ بمائة، وظهر فيها الثّمرُ قبل أن يقبِضها المشترى، فكأنّ البائعَ باعَ الشّجرَ مع
الثّمر بمائة، فلو كانت قيمةُ الشّجر مع الثّمر زائدةً على قيمةِ الشّجر بدون الثّمر بقدر العُشر،
فالعشرةُ منها مقابلٌ للثّمر. فلو أتلف البائعُ الثّمر، سقطت حصّتُها من الثّمن، فلا يجب عليه
إلّ تسعون، كما لو أتلفَ العُشر من المبيع.
أمّا عند الشّافعيّة، فإنّها ليست جزءً من المبيع، فلا يُقابلُها شيئٌ من الثّمن، فلو أتلفها البائعُ
لا يسقُط شيئٌ من الثّمن، وعليه ضمانُها بالمثل أو القيمة كما لو أتلفها أجنبيّ(١)
ولو هلكت الزّيادة بآفة سماويّة، لا يسقط شيئٌ من الثّمن بالإجماع، وإن كانت مبيعةً
عند الحنفيّة، لأَنّها مبيعةٌ تبعاً بمنزلة أطراف الأمّ، (٢) لامقصوداً، والأطرافُ كالأوصاف
لا يُقابلها شيئٌ من الثّمن، إلاّ أن تكونَ مقصودةً بالفعل من القبض أو الجناية، ولم
يوجد. ولاخيارَ للمشترى، لأنّ الصّفقةَ لم تتفرّقْ عليه، لأنّ العقدَ ما أُضيف إليها. وإنّما
یثبُت حکم العقد فيها تبعاً، فلا يثبت الخيار.
ومنها: أنّ المشتريَ إذا قبضَ الزّوائد، يصيرُ لها عند الحنفيّة حصّةٌ من الثّمن بالقبض،
فيُقسَّم الثّمنُ على قيمة الأصل يومَ العقد، وعلى قيمة الزّيادة يوم القبض،(٣) حتّى لو
(١) وقد صرّح النّوويّ رحمه الله تعالى أنّ الأصحّ عند الشّافعيّة أنّ الزّيادات كلّها أمانة بيد البائع، ولو
هلكت والأصل باق بحاله فلا خيارَ للمشترى. (روضة الطالبين، كتاب البيع، باب حكم المبيع قبل
القبض وبعده ٣: ١٦١) ومن ضرورة كونها أمانةً أنّه لايضمن إذا تلفت بغير تعدّ منه، وأن يضمن
بالإتلاف.
(٢) يعنى إن باع جارية، فإنّ أعضاءها تدخل فى البيع تبعاً، وليس لها حصّةٌ من الثّمن.
(٣) ومعناه أنّه إن زادت قيمة المبيع بسبب هذه الزّيادة بقدر العُشرمثلاً، فإنّ الزّيادة تكون مقابل عُشر
الثمن.