Indexed OCR Text
Pages 101-120
٧٢٤ فقه البيوع وهي مختلفةُ الجنس مع الدّراهم ، وإنّما تحرُم النّسيئةُ فى متّفق الجنس إن لم يكن أحدُ العوضين من الأموال الرّبويّة. فلمّا انتفى المحظوران، جاز التّفاضل والنّسيئةُ جميعاً، وجاز السّلمُ أيضاً. وهذا إذا كان رأسُ المال فى السّلم نقودَ الدّراهم أو الدنانير. أمّا إذا أسلم فلوساً فى فلوس، فلا يجوزُ كما أسلفنا من أنّ الجنسَ بانفراده يُحرّم النّسأ عند الحنفيّة. ولم أرَ صراحةً حكمَ ما إذا كانت الفلوسُ من أجناس مختلفة، مثل أن يكون بعضُ الفلوس من النُّحاس، وأخرى من الحديد. فهل يجوز أن يُسلم فلوسَ النُّحاس فى فلوس الحديد؟ الظّاهر الجواز، لأنّ سببَ حُرمة النّسأ ليس كون المبادلة صَرْفاً، بل كونُ العوضين من جنس واحد. فلو تغيّر الجنسُ، ولم يوجَد القدر، جاز فيها التّفاضلُ والنّسيئة جميعاً، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٣٢٢- النّقود الورقيّة هذا الاختلافُ بين الفقهاء فى الفلوس والنّقود كان فى عهدٍ يسودُ فيه الذّهب والفضّة كعيار للأثمان، وتُتداول فيه النّقودُ الذّهبيّة والفضّيّة فى معظم المعاملات التّجاريّة، ولم تكن الفلوسُ تُستعمل إلّ فى مبادلاتٍ بسيطة. وأمّا الآن، فقد فُقِدت النّقود الذّهبيّة والفضيّة، ولا يُوجد منها شيئٌ فى العالم كلّه، واحتلّت النّقودُ الورقيّة مكانَها فى معظم المبادلات. واختلفت وجهات نظر العلماء المعاصرين فى تكييف هذه الأوراق. ٧٢٥ المبحث السابع ٣٢٣- هل هذه الأوراق سنداتٌ لدين؟ قد ذكرتُ فى رسالتى "أحكام الأوراق النّقديّة" تاريخَ رواج هذه الأوراق، ويتلخّصُ منه أنّ هذه الأوراقَ صدرت فى مبدأ الأمر توثيقاً لدين حاملِها فى ذمّة مُصدرها، وكانت تُصدرها البنوك لاعتراف أنّ عليها ديناً تجاهَ حاملها، ويحقّ له أن يُطالبَ منه المبلغَ المكتوبَ على الورق متى شاء. ثمّ إنّ حمَلة هذه الأوراق أصبحوا يشترون بها الأشياء، بأنّهم يُحيلون البائعَ الّذى اشترَوا منه هذه الأشياء على مُصدر هذه الأوراق، ويحقّ لذلك البائع أن يحتلّ محلّ المشترى فى مطالبة ذلك المبلغ من البنك. وهكذا أصبحت هذه الأوراقُ تُستخدم فى البيوع بدلاً من النّقود المعدنيّة. فمن العُلماء من اعتبر هذه الجهة، فقال: إنّ هذه الأوراقَ ليست مالاً، وإنّما هى سنداتُ دَين.(١) ويتَفرّع على ذلك أنّها لا تتأدّى بها الزّكاةُ حتّى يصرفَها الفقيرُ بشراء شيئ بها، ولا يجوز شراءُ الذّهب والفضّة بها، لأنّ القبضَ على الأوراق ليس قبضاً للمبلغ المكتوب عليها، وإنّما هو حوالةُ دَين، ففُقد التّقابضُ الَّذى لا يصحّ الصَّرف بدونه،(٢) (١) هذاما نقله السّاعاتيّ رحمه الله تعالى عن العلامة السيّد أحمد بك الحسيني رحمه الله تعالى فى كتابه : : بهجة المشتاق فى بيان حكم زكاة الأوراق" (بلوغ الأمانى، شرح الفتح الرّانيّ، تبويب مسند أحمد، آخر باب زكاة الذهب والفضّة ٢٥١٠٨) (٢) إمداد الفتاوى للشيخ التهانويّ رحمه الله تعالى ٢: ٥ و٣: ٧٩ سؤال ٩٨ ولكنّ هذه الفتوى أصدرت فى زمنٍ كانت الربّة الهنديّة مسكوكةً بالفضّة، وكانت ورقة الربّة سنداً لتلك الربية الفضية. ولكن بعدما صارت الربية تُصنع من معدن آخر غير الفضّة، مثل الحديد أو النّحاس، لم تبق الربية سنداً للفضة، وإنما صارت سنداً لعملة حديدية أو نحاسيّة، فخرجت من كونها صَرْفاً عند أصحاب هذا القول أيضاً، فيجوز شراء الذّهب أو الفضّة بها، فإن اعتُبر عدديّاً جازت النّسيئة = ٧٢٦ فقه البيوع ومن مقتضى هذا التّكييف أن لا يجوزَ مبادلةُ هذه الأوراق بعضها ببعض، لكونه بيعَ دَينِ بدين، إلاّ بطريق الحوالة. (١) وقال آخرون: إنّ هذه الأوراقَ وإن كانت سنداتٍ دَين، ولكنّها أصبحت أثماناً اصطلاحيّةً بحكم العُرف والقانون، فتأخذ حكمَ الأثمان، فتتأدّى بها الزّكاة، فإن كانت مغطّاةً بالذّهب أو الفضّة، فإنّها تأخذُ حكمَ الذّهب والفضّة، وإن كانت مغطّاةً بالفلوس، تأخذ حكم الفلوس. (٢) والظّاهرُ أنّ كِلا القولين مُصيبٌ بالنّظر إلى أزمنةٍ مختلفة، فلا شكَّ أنّ هذه الأوراقَ كانت = أيضا، لفقدان القدر والجنس، وإن اعتبر وزنيّاً، جاز التفاضل لفقدان الجنس، وحرمت النّسيئة لوجود القدر، والصحيح أنها عدديّة، كما أنّ الفلوس اعتبرت عدديّة، وإن كان أصلها، وهو الحديد والنحاس، وزنيا. (١) فتاوى رشيديه للعلامة الشيخ الكنكوهيّ رحمه الله تعالى ص ٤٩٠ ومن مقتضى تخريجه على أساس الحوالة أنّه إن تويت الحوالة بأن منعت الحكومة التعامل بها، جاز للدائن أن يرجع على المدين الّذى أعطاه ذلك الورق سداداً لدينه، وذلك على أساس قول الحنفيّة فى أنّه لاتوى فى الحوالة، ومثل هذا الرجوع فيه حرجٌ لا يخفى، لأَنّه يستلزم أن لا تفرغ ذمَّةُ أحد نهائيًا، وإن حصل التّوى فى إحدى المعاملات، رجع كلّ ممن تبادل الأوراق على الآخر. (٢) هذا ما ذهب إليه العلامة الشيخ فتح محمّد اللكنويّ رحمه الله تعالى فى كتابه القيّم "عطر هدايه" ص ٧٢ وأيّده ابنه الشيخ المفتى سعيد أحمد اللكنويّ رحمه الله تعالى بكلام مبسوط فى رسالته: "افتقار النّاس إلى رفع الحوائج بسكّة القرطاس" المطبوع مع "عطر هدايه" ص ٢١٧ إلى ٢٢٣ وذكر الشيخ فتح محمّد أنّ هذا القول هو الّذى اختاره الإمام عبدالحيّ اللكنويّ رحمه الله تعالى. وقد ثبت فى فتاواه ما يؤيّد ذلك، فإنّه اعتبر الأوراق النّقديّة ثمناً وأجرى عليها أحكام الثمن الخلقيّ من الذّهب والفضّة (مجموعة فتاوى عبد الحى اللكنويّ ٢: ١٣٦ و١٣٧) وإنّما أجرى عليها أحكام الثمن الخلقيّ لأنّ الأوراق النّقديّة فى زمنه كانت مغطّاةً بالذّهب والفضّة. ٧٢٧ المبحث السابع سنداتٍ دَين فى مبدأ الأمر، ولم تأخذ صفةَ الأثمان قانوناً، وحينئذٍ كان القولُ الأوّلُ هو المتعيّن. أمّا بعد ما اكتسبت هذه الأوراقُ صفةً قانونيّةً بحيثُ يُجبرُ النّاسُ على قبولها فى اقتضاء حقوقهم الماليّة، فالقولُ الثّانى هو الراجح، وقد بيّنتُ دلائله بتفصيل فى رسالتى "أحكام الأوراق النقدية". وقد يُشكِل على ذلك أنّ هذه الأوراقَ تشتمل على وعدٍ من مُصدرها بأنّه سوف يُعطى حاملَها عند طلبه مبلغاً معلوماً، ممّا يدلّ على أنّ هذا الورقَ ليس مبلغاً فى نفسه، وإنّما هو وعدٌ بأداء المبلغ المكتوب. والجوابُ عن ذلك أولاً: أنّ عبارةَ الوعد قد خُذِفت من العملات الورقيّة فى كثير من البلاد، مثل دولارات الولايات المتّحدة، والدّولارات الاستريليّة، واليورو الّتى هى عُملةُ معظم البلاد الأوروبية، والرّيالات السعوديّة. فليس هناك وعدٌ مكتوبٌ على هذه النّقود الورقيّة، وإنّما العبارةُ المكتوبةُ على الدولار هي مايلى: "This note is legal tender for all debts, public and private" "هذا الورق عُملةٌ قانونيّةٌ لأداء جميع الدّيون، شخصيّةً كانت أو حكوميّة" وكذلك الفقرةُ المكتوبة على دراهم الإمارات العربيّة المتّحدة هي: "ورقةٌ نقديّةٌ مضمونةُ القيمة بموجب القانون" وعبارة الريال السّعوديّ: "طُبعت فى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود بموجب المرسوم الملكي رقم کذا" ٧٢٨ فقه البيوع والنّقود الورقيّة الصّادرة فى كثير من البلاد الآن ليس فيها عبارةٌ تدلّ على أنّها سنداتُ دين. فلا إشكالَ فيها من هذه الجهة، فإنّها أثمانٌ اصطلاحيّةٌ مائةً فى مائة. وأمّا البلادُ الّتى لا تزال تكتب مثلَ هذا الوعد على الأوراق، مثل الجنيه الاسترليني، والربّات الباكستانيّة والهنديّة، فإنّ هذا الوعدَ المكتوبَ لا يُعبّر اليوم إلاّ عن ضمان البنك المركزيّ لحامله بالحفاظ على قيمة الورق الاسميّة (Face Value)، فإنّه لوذهب أحدٌ بهذا الورق إلى البنك المركزيّ، فإنّه لايُعطيه ذهباً ولا فضّةً ولانُحاساً، وإنّما يُعطيه عُملةً رمزيّةً، وفى معظم الأحيان ورقاً نقدياً آخر. وبالتّالي، فلو فُرض أنّ هذا الورق سندٌ لدين حتّى الآن، فلا مانعَ للحكومة من أن تجعلَ هذا السّند الورقيّ ثمناً اصطلاحيّاً، فإنّ للحكومة السُّلطةَ المطلقة فى أن يجعلَ أيّ شيئ ثمناً اصطلاحيّاً، سواءً كان نحاساً، أو حديداً، أو جلداً، أو كاغذاً. والمعهودُ من الشّريعة السّمحة فى مثله السّعةُ والسّهولةُ والعملُ بالعُرف العامّ المتفاهم بين النّاس، دون التّدقيق فى أبحاثٍ قد أصبحت اليومَ فلسفةً نظريّةً ليس لها فى الحياة العمليّة أثر، ولا يُسمع لها خبر. وبعد اتّفاق معظم المعاصرين اليومَ على أنّها أثمانٌ حكماً، اختلفت أقوالهم على هذا الأصل، فهناك ثلاثة مواقف نذكرها فيما يلى: ٣٢٤- الموقف الأول الموقف الأوّل أنّها ليست أثماناً خلقيّةً مثل الذّهب والفضّة، بل ثبتت ثمنيتُها بالاصطلاح، فإنّها أثمانٌ اصطلاحيّةٌ مثلُ الفلوس. وقد سبق فى أحكام الفُلوس أنّه يجوز فيها التّفاضلُ عند الشّافعيّة وفى الرّاجح من مذهب الحنابلة، وفى قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى إذا كانا متعيّنين، فأفتى بعضُ النّاس بناءً على المبحث السابع هذه الأقوال بجواز التّفاضل والنّسيئة فى الأوراق النّقديّة، وأنّه لاربا فى مبادلة بعضِها ببعض. وهذه فتوى خطيرةٌ صدرت منهم لأنها فتحت باب الرّبًا بمصراعيه، وأجازت أن تُباع الأوراقُ النّقديّة بالتّفاضل بالغاً مّا بلغ وبالنّسيئة أيضاً.(١) ومعنى ذلك أنّه لا يمكن أن يُتصوّر الرّبا اليوم، فإنّ كلَّ من يُريد أن يُقرض أوراقاً نقديّةً بالرّبا، استعمل كلمةَ "البيع " بدل "القرض"، وباع تلك الأوراقَ بزيادةٍ ونسيئة، وهذا إهدارٌ لأحكام القرآن والسنّة وتشديداتهما فى موضوع الرّبا. ولذلك ردّ على هذا القول فطاحلُ . العلماء فى الدّيار الهنديّة، منهم الإمام عبدالحيّ اللكنويّ رحمه الله تعالى فى فتاواه.(٢) ٣٢٥- الموقف الثّانى ونظراً إلى خُطورة مثل هذه الفتاوى ذهبت جماعةٌ كبيرةٌ من العلماء المعاصرين إلى أنّ هذه الأوراقَ بعد رواجها كأثمان، وبعد فُقدان الأثمان المسكوكة من الذّهب والفضّة، حلّت محلَّ الذّهب والفضّة فى سائر الأحكام، فتجبُ فيها الزّكوةُ وتتأدّى بها، ويجوز أن تكون رأسَ مال فى السّلم، ويجرى فيها الرّبًا، ويُشترط لها أحكامٌ الصَّرف، فيجب فيها التّقابضُ فى المجلس، وما إليها من أحكام. ومعنى ذلك أنّ (١) هذا الموقف اختاره بعض العلماء فى الديار العربيّة، ولكن رُدّ عليه من قبل جمهور العلماء. (راجع بحث فضيلة الشيخ عبد اللطيف الفرفور فى مجلّة مجمع الفقه الإسلاميّ، العدد الثّالث ٣: ١٧٤٥. وممّن أصدر هذه الفتوى الخطيرة فى الدّيار الهنديّة الشيخ أحمد رضا خان البريلويّ رحمه الله تعالی فی رسالته: "كفل الفقیه الفاهم فى أحكام قرطاس الدراهم " ص ٦٢ (٢) مجموعة فتاوى عبدالحيّ ٢: ١٣٦ وليُتنبّه أنّ الإمام عبد الحيّ اللكنويّ رحمه الله تعالى ذكر فى الفتوة، نفسها أنّ الأوراق النّقديّة فى حكم الذّهب والفضّة فى جريان الصَّرف أيضاً، وليست فى حكم الفلوس، وذلك لأنّ الأوراق النّقديّة فى عهده كانت مغطّاةً بالذّهب أو الفضّة، فلا ينطبق قوله على العملة الورقيّة اليوم إذ ليست مغطّاة بالذّهب أو الفضّةً. ٧٣٠ فقه البيوع النّقودَ الورقيّة جنسٌ مستقلٌّ عن الذّهب والفضّة، ولكنّها فى حُكمِها من حيثُ إنّها أثمانٌ حقيقيّةٌ مثلُ الذّهب والفضّة، فإذا بيعت بجنسها، وجب التّماثلُ فى القيمة، ووجب التّقابضُ فى المجلس. أمّا إذا بيعت بغير جنسها، مثل مبادلتها بالذّهب أو الفضّة، جاز التّفاضل، ولكن يجب التّقابضُ فى المجلس. وإنّ هذا الموقف تجاهَ الأوراق النّقديّة مشروحٌ بتفصيلٍ فى قرارٍ للمجمع الفقهيّ الإسلاميّ التّابع لرابطة العالم الإسلاميّ بمكّة المكرّمة، فننقل نصَّ هذا القرار فیمایلی: "إنّ مجلس المجمع الفقهيّ الإسلاميّ قد اطّلع على البحث المقدّم إليه في موضوع العُملة الورقيّة وأحكامها من النّاحية الشرعية، وبعد المناقشة والمداولة بين أعضائه، قرّر ما يلي: أولاً: أنّه بناءً على أنّ الأصل فى النّقد هو الذّهب والفضّة، وبناءً على أنّ علّة جريان الرّبا فيهما هي مطلق الثمنيّة في أصحّ الأقوال عند فقهاء الشريعة. وبما أنّ الثمنيّةَ لا تقتصرُ عند الفقهاء على الذّهب والفضّة، وإن كان معدنُهما هو الأصل. وبما أن العُملة الورقيّةَ قد أصبحت ثمنًا، وقامت مقامَ الذّهب والفضّة في التّعامل بها، وبها تُقوَّم الأشياء في هذا العصر؛ لاختفاء التّعامل بالذّهب والفضة، وتطمئنّ النّفوس بتموّلها وادخارها، ويحصلُ الوفاء والإبراء العامّ بها، رغمَ أنّ قيمتَها ليست فى ذاتها، وإنّما فى أمر خارج عنها، وهو حصولُ الثّقة بها، كوسيطٍ في التّداول والتبادل، وذلك هو سرُّ مناطها بالثّمنية. المبحث السابع وحيثُ إنّ التّحقيق فى علّة جريان الرّبًا فى الذّهب والفضّة هو مطلقُ الثّمنيّة، وهي متحقّقةٌ فى العُملة الورقيّة ، لذلك كلّه فإنّ مجلسَ المجمع الفقهيّ الإسلاميّ يُقرّر أنّ العُملةَ الورقيّةَ نقدٌ قائمٌ بذاته، له حكمُ النّقدين من الذّهب والفضّة، فتجبُ الزّكاة فيها، ويجري الرّبا عليها بنوعيه، فضلاً ونسيًا، كما يجرى ذلك فى النّقدين من الذّهب والفضّة تمامًا؛ باعتبار الثمنيّة فى العملة الورقيّة قياساً عليهما. وبذلك تأخذ العُملةُ الورقيّة أحكامَ النّقود فى كلّ الالتزامات الّتي تفرضها الشّريعة فيها. ثانياً: يُعتبر الورق النقديّ نقدًا قائمًا بذاته، كقيام النّقديّة فى الذّهب والفضّة وغيرهما من الأثمان، كما يُعتبر الورق النقديّ أجناسًا مختلفة، تتعدّد بتعدّد جهات الإصدار فى البلدان المختلفة، بمعنى أنّ الورقَ النقديّ السعوديّ جنس، وأنّ الورقَ النقديّ الأمريكيّ جنس، وهكذا كلُّ عُملة ورقيّة جنسٌ مستقلٌ بذاته، وبذلك يجري فيها الرّبا بنوعيه فضلاً ونسیًا، كما يجرى الرّبا بنوعيه فى النّقدين الذّهب والفضّة، وفى غيرها من الأثمان. وهذا كلّه يقتضي ما يلي : (أ) لا يجوز بيعُ الورق النّقديّ بعضِه ببعض، أو بغيره من الأجناس النّقديّة الأخرى، من ذهب أو فضّةٍ أو غيرهما، نسيئةً مطلقًا، فلا يجوزُ مثلاً بيع ريال سعودي بعملة أخری متفاضلاً نسیئةً بدون تقابض. (ب) لا يجوز بيعُ الجنس الواحد من العملة الورقيّة بعضِه ببعض متفاضلاً، سواءٌ كان ذلك نسيئةً، أو يدًا بيد، فلا يجوزُ مثلاً بيعُ عشرة ريالات سعودية ٧٣٢ فقه البيوع ورقًّا، بأحد عشر ريالاً سعوديّاً ورقًا، نسيئةً أو يداً بيد. (جـ) يجوز بيعُ بعضه ببعض من غير جنسه مطلقًا، إذا كان ذلك يدًا بيد، فيجوز بيعُ اللّيرة السّوريّة أو اللّبنانيّة بريالٍ سعودي، ورقًا كان أو فضّة، أو أقلّ من ذلك أو أكثر، وبيعُ الدّولار الأمريكيّ بثلاث ريالات سعودية، أو أقلّ من ذلك أو أكثر، إذا كان ذلك يداً بيد، ومثلُ ذلك فى الجواز بيعُ الرّيال السعوديّ الفضّة بثلاث ريالات سعوديّة وَرَق، أو أقلّ من ذلك أو أكثر ، يداً بيد؛ لأن ذلك يعتبرُ بيعُ جنس بغير جنسه، ولا أثرَ لمجرد الاشتراك فى الاسم مع الاختلاف فى الحقيقة. ثالثًا: وجوبَ زكاة الأوراق النّقديّة إذا بلغت قيمتها أدنى النّصابين من ذهب أو فضة، أو كانت تُكمِل النّصابَ مع غيرها من الأثمان والعروض المعَدّة للتّجارة. رابعًا : جوازَ جعل الأوراق النّقدية رأسَ مالٍ فى بيع السّلم والشّركات، والله أعلم، وبالله التّوفيق، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.(١) (١) قرارات المجمع الفقهيّ الإسلاميّ، الدورة الخامسة، القرار السّادس ص ١٠٠ إلى ١٠٢ وإنّ هذا القرار قد صدر باتفاق أعضاء المجمع، وكان ممّن وقّع عليه أصحاب الفضيلة الشّيوخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ومصطفى أحمد الزّرقاء، وعبدالله بن حُميد، ومحمّد بن عبدالله السّبيّل، وحسنين محمّد مخلوف، ومحمّد سالم عدّود، وصالح العثيمين، ومحمّد الشاذليّ النّيفر، ومحمّد محمود الصّوّف، وأبو الحسن علىّ النّدويّ وغيرهم. المبحث السابع ٣٢٦- الموقف الثالث وهناك موقفٌ ثالثٌ تجاه النّقود الورقيّة، مبنيٌّ على قول الإمام محمّد رحمه الله تعالی من الحنفيّة. وحاصلُه أنّها أثمانٌ عُرفيّة أو اصطلاحيّةٌ، مثل الفلوس النّافقة.(١) وعُملةُ كلِّ بلدٍ جنسٌ مستقلّ. فتجبُ فيها الزّكاةُ، وتتأدّى بها، ويجوز أن تكونَ رأس مال فى السّلم، ويجرى فيها الرّبا، فإن بيعت بجنسها، وجب فيها التّماثلُ بالقيمة، ووجب التّقابضُ فى المجلس، لا لأنّه صَرْفٌ، بل لأنّ الجنسَ بانفراده يُحرّم النّسيئة على قول الحنفيّة، كما سبق فى حُكم الفلوس، ولكن لا يجرى عليها أحكامُ الصَّرف، بمعنى أنّه لا يجبُ فيها التّقابضُ فى المجلس، ويجوز فيها النّسيئة إن وقعت المبادلةُ بغير جنسها، مثل أن تُباعِ الدُّولاراتُ الأمريكيّةُ بالربّات الباكستانيّة، بشرطِ أن تكون المبادلةُ بسِعْر يومِ المبادلة، حتّى لا تكونَ ذريعةً للرّبًا. وحجّةُ هذا القول أنّ هناك فرقاً كبيراً بين الذّهب والفضّة وبين النّقود الورقيّة، من حيثُ إنّ الذّهب والفضّة تُعتبر أثماناً منذُ أوّل نشأتها حتّى الآن، ولذلك قيل: إنّها أثمانٌ خلقيّة، وإنّ صفةَ الثّمنيّة فيها لاتبطُل بالعُرف والاصطلاح. أمّا النّقود الورقيّة، فإنّها صارت أثماناً بالاصطلاح، وثمنيّتُها ليست دائمةً، فيمكن فى أيّ حين أن تبطُل ثمنيتُها بمحض إصدار حُكمٍ من الحكومة أنّها لم تعُد عُملةً قانونيّة. ومن هذه الجهة، فإنّها أشبهُ بالفلوس منها بالدّراهم الفضّية أو الدّنانير الذّهبيّة. ولكن لوأجرينا عليها أحكامَ الفلوس على مذهب الشافعيّة والحنابلة أوعلى مذهب أبى (١) وكونها فى حكم الفلوس النافقة رأي للعلامة الشيخ أحمد الزرقاء والد الشيخ مصطفى الزرقاء رحمهما الله تعالى أيضا، وذلك فى شرح القواعد الفقهية ص ١٢١ كما سيأتى ٧٣٤ فقه البيوع حنيفة وأبى يوسف رحمهم الله تعالى، لانفتح بابُ الرّبا بمصراعيه، فإنّ الفلوسَ فى زمنهم كانت تُستعمل فى معاملاتٍ بسيطة. أمّا النّقودُ الورقيّة اليوم، فأصبحت هى العُملةَ الوحيدةَ الرّائجةَ فى معظم المعاملات. فالحلُّ الوحيدُ إذن فى قول الإمام محمّد رحمه الله تعالى الذى لايُجوّز التّفاضلَ فى بيع الفُلوس بعضها ببعض. والذى يغلبُ على الظّنّ أنّ هؤلاء الفقهاء لو كانوا أحياءً فى هذا الزّمان، وشاهدوا من تغيّر أحوال النّقود ما نشاهده، لأَفْتَوا بحرمة التفاضل فى الأثمان الاصطلاحيّة، وقد رأينا ذلك فعلاً من بعض الفقهاء المتقدّمين، إذ حرّم مشايخُ ما وراء النّهر التّفاضلَ فى العدالىّ والغطارفة، وهي النّقودُ الّتى كان يغلبُ عليها الغِشَّ، ولم تكن فيها فضّةٌ إلاّ بنسبة مغلوبة، وكان أصلُ مذهب الحنفيّة فى مثل هذه النّقود جوازَ التّفاضُل، صَرْفاً للجنس إلى خلاف الجنس، ولكنّ مشايخَ ما وراء النّهر أفتَوا بحرمة التّفاضل فيها، وعلّلوا ذلك بقولهم: "إنّها أعزُّ الأموال فى ديارنا، فلو أُبيحَ التّفاضلُ فيه ينفتح بابُ الرّباء " وقال ابن الهُمام تحته: "فإنّ النّاس حينئذٍ يعتادون التّفاضل فى الأموال النّفيسة، فيتدرّجون إلى ذلك فى النّقود الخالصة، فمُنِع ذلك حسماً لمادة الفساد."(١) وصدرت هذه الفتوى فى زمن راجت فيه العداليّ والغطارفة فى تعاملاتٍ كثيرة، ولكن كانت الدّراهم الفضيّة والدنانير الذّهبيّة رائجةً معها. أمّا الآن، فقد فُقِدت النّقودُ الفضّية والذّهبيّة بتاتاً، فلَأَن يصدُر مثلُ هذه الفتوى فى الأثمان الاصطلاحيّة أولى. ثمّ إنّ قول الإمامِ محمدٍ رحمه الله تعالى يبدُو راجحاً من حيثُ الدّليلُ أيضاً، إذا قورن بمذهب شيخيه الإمامين أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى، لأنَّ (١) راجع الهداية مع فتح القدير، باب الصرف ٦: ٢٧٥ ورد المحتار ١٥: ٥٤٧ فقره ٢٥١٩٢ 0 المبحث السابع إبطالَ ثمنيّة الفلوس لا يُتصوّر له مقصودٌ صحيحٌ، فقلّما يوجد من يطمع فى خُصوص مادّة الفلوس من حيث كونُها قطعاتِ صُفر أو حديد، وإنّما يُرغَب فيها من حيث ثمنيتُها، فلو تصالحا على إبطال ثمنيّتها، لا يكون ذلك إلاّ حيلةً مصطنَعَةً لتحليل التّفاضل، ولا سيّما فى زماننا، حيث لا يُتصوَّر الرّبا إلَّا فى النّقود الرّمزيّة، لنَفاد النّقود الخِلْقِية، وفُقدانها من العالم كلِّه. نعم! يمكن أن يُتصوّر قولُ الشّيخين فى الفلوس الّتى يُقصد اقتناتُها من حيث موادُّها وصنعتُها، ولا يُقصد التّبادلُ بها، كما هو معتادٌ عند بعض النّاس فى عصرنا من اقتناء عُملاتِ شتّى البلاد، وشتّى الأنواع، لتكون ذكرى تاريخيّة، ففى مثل هذه الفلوس يمكن أن يُتصوّر ما قاله الشّيخان رحمهما الله تعالى، ويبدو أنّ فى التّفاضل فى مثل هذه الفلوس سعةً على قولهما. وأمّا الفلوس التی یُقصد بها التبادلُ، دون خصوص المادّة، فلا ينبغى المساهلةُ فى أمرها، فإنّها من أقوى الذّرائع إلى الرّبا، والله سبحانه وتعالى أعلم. فالصحيحُ الرّاجحُ فى زماننا أنّ مبادلةَ الأوراق النّقديّة الصّادرة من دولةٍ واحدةٍ إنّما تجوز بشرط تماثُلِها، ولا يجوز التّفاضلُ فيها. ثُمّ التّماثلُ ههنا لا يكون بعدد الأوراق، بل بالعدد الاعتباريّ للأوراق الذى تمثّله قيمةُ. الأوراق الاسميّة، فيجوز بيعُ وَرَق واحدٍ قيمتُه الاسميّة خمسون رُبيّة، بخمسة أوراق القيمةُ الاسميّةُ لكلّ واحدٍ منها عشرُ رُبيّاتٍ، لأنّ مجموع قيمة هذه الخمسة تُساوى خمسين رُبيّةَ، وليس هذا اعتباراً للقيمة فى التّماثل، بل المقصودُ هو التّماثل فى العدد، لأنها أثمانٌ اعتباريّة، والثّمنُ الاعتباريّ حقيقةٌ تثبت بالعُرف والاعتبار، وإنّ فقه البيوع العُرفَ فى هذه الأوراق جعل ورقَ العشرة مساوياً فى العدد لعشرة أوراق، فالقيمةُ الاسميّة عبارةٌ عن هذا العدد الاعتباريّ. فيجبُ التّساوى فى ذلك العدد الاعتباري، وهذا لايُنافى ما سيأتى أنّ الاعتبارَ فى الأموال الرّبويّة للتّماثل فى الوزن، أو الكيل، أو العدد، وليس لقيمتها، فإنّ المراد بالقيمة هناك القيمةُ السّوقيّة الّتى تتعرّض للتغيّر. أمّا القيمة الاسميّة المكتوبةُ على الأوراق، فإنها ثابتةٌ دائماً بنسبة لا تتغيّر فى العُملات المحلّيّة أبداً، وإنّما هى عبارةٌ عن العدد الاعتباريّ لتلك العملة. وهذا كما جعل الفقهاءُ الفلوسَ عدديّةً، مع أنّ أصلَها من معدِن موزون. وما ذلك إلّا لأنّ المقصودَ منها ليس ذواتَها، وإنّما المقصودُ هو القيمةُ الاعتباريّةُ الّتى تمثّلها هذه الفلوسُ، فلو كانت قطعةٌ منها تساوى عشرةَ فلوس، فإنّه يباحُ بيعُها بعشر قطعاتٍ قيمةُ كلٍّ منها الاسميّة فلسٌ واحدٌ، حتّى عند من يُحرّم بيعَ الفلس بالفلسين، لأنّها متساويةٌ فى العدد الاعتباريّ، أو لأنّ قطعةَ العشرة، وإن كانت واحدةً فى العدد، ولكنّها عشرُ قِطَعِ حكماً، فتُساوى عشرَ قطعاتٍ، فكذلك الأوراقُ النّقديّةُ، لا يُعتبر فيها عددُها الظَّاهِرُ، بل عَدَدُها الحكميُّ الّذى يظهرُ من قيمتها الاسميّة. والله سبحانه أعلم. ٣٢٧- مبادلة عملات الدول المختلفة ثمّ الذي يظهر أنّ عُملةَ الدّولة الواحدة الرمزيّةَ كلَّها جنسٌ واحدٌ، وعُملاتِ الدَُّل المختلفة أجناسٌ مختلفةٌ، كما قرّره المجمع الفقهيّ لرابطة العالم الإسلاميّ، وقد سبق نصُّه. وذلك لأنّ العُملةَ اليومَ لا يُقصد بها مادتُها، وإنّما هي عبارةٌ عن عيارِ مخصوص لقُوّة الشّراء، وإنّ ذلك العيارَ يختلف باختلاف البلاد، كالرّبّيّة فى باكستان، والرّيال فى المملكة العربيّة السعوديّة، والدّولار فى الولايات المتّحدة ٧٣٧ المبحث السابع الأمريكيّة، وما إلى ذلك، وإنّ عيارَ كلّ دولةٍ يُبنى على أحوالها الاقتصاديّة، وقدْر إيرادها وإصدارها، وليس هناك شيءٌ مادّيِّ تُنْبِئُ عن نسبةٍ ثابتةٍ بين هذه العِيارات، وإنّما تختلف تلك النّسبةُ كلَّ يومٍ، بل كلَّ ساعةٍ، بناءً على تغيّر الظّروف الاقتصاديّة فى شتّى البلاد، ولذلك لا يوجد بين عُملات البلاد المختلفة علاقةٌ ثابتةٌ تجعلُ هذه العُملاتِ جنساً واحداً، بخلاف عُملة الدّولة الواحدة، فإنّ أنواعَها المختلفةَ مرتبطةٌ بينها بنسبةٍ ثابتةٍ لا تتغيّر، كالرَبيّة والبيسة فى باكستان، والريال والهللة فى السّعوديّة، بينهما نسبةُ الواحد والمئة، وإنّها نسبةٌ ثابتةٌ لا تتأثّر بتغيّر أسعار الرَّبيّة، وأمّا الرَّبيّة الباكستانيّة والرّيال السّعوديّ، فليس بينهما نسبةٌ ثابتة، بل إنّها تتغيّر كلّ حين بتغيّر أسعار هذا أو ذاك. فتبيّن أنّ عُملاتِ الدُّل المختلفة أجناسٌ مختلفة، ولذلك تختلف أسماؤُها، وموازينُها، ووحداتُها المتشعّبة منها. ولمّا كانت عُملات الدّول أجناساً مختلفة، جاز بيعُها بالتّفاضل بالإجماع. أماً عند الشّافعيّ رحمه الله، فلأنّه يجوّز بيعَ الفلْس بالفلسين فى عُملةٍ واحدة، ففى العُملات المختلفة أولى، وهو رأيّ فى مذهب الحنابلة كما قدّمنا، وأمّا عند مالك رحمه الله تعالى، فلأنّه يجعل هذه العُملات من الأموال الرّبويّة، فإذا اختلفت أجناسُها جاز التّفاضل، وأمّا عند أبى حنيفة وأصحابه، فلأنّ تحريمَ بيع الفلس بالفلسين مبنيٌّ عندهم على كون الفلوس أمثالاً متساويةً قَطْعاً، فيبقى عند التّفاضل فضْلٌ خالٍ عن العوض، ولكنّ عُملاتِ البلاد المختلفة لماً كانت أجناساً مختلفةً، لم تكن أمثالاً متساويةً، فلا يُتصوّر الفضلُ الخالى عن العوض. ٧٣٨ فقه البيوع فيجوز إذن أن يُباعَ الرّيال السعوديّ مثلاً بعددٍ أكثر من الرّبّات الباكستانيّة. ثمّ إنّ أسعارَ هذه العُملات بالنّسبة إلى العملات الأخرى ربّما تُعيَّن من قبل الحكومات، فهل يجوز بيعُها بأقلَّ أو أكثرَ من ذلك السّعر المحدّد؟ والجواب عندى أنّالبيعَ بخلاف هذا السّعر الرّسميّ لا يُعتبرُ ربًّا، لما قدّمنا من أنّها أجناسٌ مختلفة، ولا خلافَ فى جواز التّفاضل عند اختلاف الجنسين، وليس للفضل الجائز حدٍّ مقرّرٌ شرعًا، وإنّما هو یتبَعُ رضاءً العاقدين. فإن كان قانونُ البلد يسمحُ بتعيين سعر المبادلة برضا الطّرفين رغم أنّ السّعر الحكوميّ متعيّن، فلا إشكالَ فى مخالفة السّعر الحكوميّ برضا الطَّرفين، ولا يدخل ذلك فی الربا. أمّا إذا ألزم القانونُ النّاس بسعر مخصوص للتّبادل بين العملات المختلفة، فإنّه تجرى عليه أحكامُ التّسعير، فمَنْ جوّز التّسعير فى العروض، جاز عنده هذا التّسعير أيضاً، ولا ينبغي مُخالفةُ هذا السّعر، إمّا لأنّ طاعةَ الإمام فيما ليس بمعصية واجب(١)، وإمّا لأنّ كلّ من يسكُن دولةً، فإنّه يلتزم قولاً أو عملاً، أنّه يتّبع قوانينَها، وحينئذٍ يجب عليه اتّباعُ أحكامها ما دامت تلك القوانينُ لا تجبره على معصية دينيّة. (٢) نعم! لا يُقال فى ذلك إنّه تعامل ربويٌّ. ٣٢٨- النّسيئة فى تبادل العملات بغير جنسها أمّا النّسيئةُ فى تبادل العُملات المتجانسة، فقد ذكرنا أنّها لا تجوز باتفاق الأئمّة الحنفيّة، (١) هذه القاعدة صرح بها الفقهاء؛ راجع مثلا شرح السّير الكبير للسّرخسي ١: ١٦٨، ورد المحتار، باب العيدين ٣: ١٨٣، وباب الاستسقاء ٣: ١٨٥، وكتاب الحظر والإباحة ٥: ٤٠٧ (٢) راجع أحكام القرآن للشيخ المفتى محمد شفيع رحمه الله ٤٣:٥ ٧٣٩ المبحث السابع لالكونه صَرْفاً، بل لأنّ الجنسَ بانفراده يُحرّم النّسيئة، وإن لم يوجد القدر. أمّا تبادلُ العملات المختلفة الجنس، مثل الرّبّية الباكستانيّة بالريال السعوديّ، فقياسُ قول الإمام محمّد رحمه الله تعالى أن تجوز فيه النّسيئة أيضاً، لأنّ الفلوسَ (وهى الأثمان الاصطلاحيّة) لو بيعت بخلاف جنسها من الأثمان، مثل الدّراهم، فيجوز فيها التّفاضلُ والنّسيئةُ جميعاً، بشرط أن يُقبضَ أحد البدلين فى المجلس، لئلاّ يؤدّيَ إلى الافتراق عن دین بدین. وعلى هذا، فإنّه لا فرقَ بين الموقف الثّانى والثّالث فى موضوع العُملات الورقيّة أنّها يجرى فيها الرّبا، وتجب فيها الزّكاة، وتتأدّى بها، ويجوزُ أن تُصبح رأسَ مالٍ فى السّلم. ولكنّ الفرقَ بين الموقفين إنّما يتمحّض فى جواز النّسيئة وعدمه، فلاتجوز النّسيئةُ فى الموقف الثّانى، وتجوزُ فى الموقف الثّالث، بشرطِ أن تكون بسِعِرِ يومٍ العقد. وهذا الموقف الثّالث هو الذى اخترتُه فى رسالتى "أحكام الأوراق النّقديّة." وإنّ هذا الموقفَ مبنيٌّ على قول الإمام محمّد رحمه الله تعالى. ويظهر لى قوّتُه لأسباب آتية: ١- إنّه يَعترف الفرقَ البديهيَّ بين الأثمان الحقيقيّة الأبديّة أو الخلقيّة، من الذّهب والفضّة، وبين الأثمان الاصطلاحيّة، ولا يجعلها سواءً فى كلّ حال. وقد ذكر الشّيخ أحمد الزّرقاء رحمه الله تعالى أنّ النّقود الورقيّة فى حكم الفلوس النّافقة. قال رحمه الله تعالی: "والذى يظهر أنّ الورق النّقديّ الآن بالورق السّوريّ الرّائج فى بلادنا الآن، ٧٤٠ فقه البيوع ونظيره الرّائج فى البلاد الأخرى، هُو معتبرٌ من الفلوس النّافقة، وما قيل فيها من الأحكام السّابقة يُقال فيه، لأنّ الفلوس النّافقة هيَ ما كان متّخَذاً من غير النّقدين الذّهب والفضّة، وجرى الاصطلاحُ على استعماله استعمالَ النّقدين، والورقُ المذكورُ من هذا القبيل. ومَن يدّعى تخصيصَ الفُلوس النّافقة بالمتّخذ من المعادن، فعلیه البیان."(١) وإنّ مَوسوعة فتاوى المعاملات الماليّة الّتى صدرت حديثاً من مركز الدّراسات الفقهيّة والاقتصاديّة بمصر قد ذكرت جميع الآراء المعاصرة فى النّقود الورقيّة، ثمّ رجّحت كونها فى حكم الفلوس النّافقة، وقالت: "وأمّا القول الثّالث الّذى يُعطى النّقودَ الورقيّة حكمَ الفلوس، فهو قريب من الصّواب. ذلك لأوجه الشّبه الكبيرة بين الفلوس والنّقود الورقيّة. وأهمها أنّهما نقدان اصطلاحيّان. ولكن مع ذلك يبقى هناك أوجُه اختلاف بينهما يمنع إعطاءَهما نفسَ الحكم، ومنها أنّ للفلوس قيمةً ذاتيّةً، غير القيمة النّقديّة، وأمّا النّقود الورقيّة، فليس لها قيمةٌ ذاتيّة " (٢) وإنّ هذا الفرق بين الفلوس وبين النقود الورقيّة كان من طبيعته أن تكون النّقود الورقيّة أدنى حالاً من الفلوس فى أنّها ليست لها قيمةٌ ذاتيّة، ولكن مَشت الموسوعة بعد ذلك على أن تجريَ عليها جميع أحكام الذّهب والفضّة بما فيها وجوب التّقابض. (١) شرح القواعد الفقهيّة للشيخ أحمد الزرقاء، القاعدة الثامنة عشر لاضرر ولاضرار ص ١٢١ طبع دار الغرب الإسلامي ١٤٠٣ (٢) موسوعة الفتاوى الماليّة للمصارف والمؤسسات الماليّة الإسلاميّة ١١: ٦٨ طبع دار السلام ٧٤١ المبحث السابع ٢- لو قُلنا بأنّ الأوراق النّقديّة (الّتى ليست مغطّاةً بالذّهب أو الفضة) فى حُكم الذّهب والفضّة فى كلّ حال، فمعنى ذلك أنّ النّصوصَ الّتى قصرت أحكام الصَّرْف على الذّهب والفضّة قد أضفْنا إليها شيئاً جديداً، وهو الأوراقُ النّقديّة، وليس لهذه الإضافة أساسٌ إلاّ أن تُعتبرَ الثمنيّةُ الشّاملةُ للفلوس علّةً للنّصوص، كما هو مذهبٌ الإمام مالك رحمه الله تعالى. وحينئذٍ ينبغى أن تجريَ أحكامُ الصَّرف على الفُلوس أيضاً، وهو خلاف مذهب الجمهور. ٣- إن جرتْ أحكامُ الصَّرْف على الأوراق النّقديّة والذّهب والفضّة جميعاً، فمعناهُ أنّ شراءَ الذّهب والفضّة بالأوراق النّقديّة صَرْف، ويُستغرَب فى مثل هذه الحالة أنّ مبادلةَ الذّهب أو الفضّة بالدّراهم التى يغلبُ عليها الغشُّ لا يكونُ صَرْفاً إلاّ بمقدار الفضّة فيها، والأوراقُ الّتى لافضّةَ فيها أصلاً، يُعتبر صَرْفاً. ٤- إنّ الذين جعلوه صَرْفاً واشترطوا التّقابضَ فى مبادلة عملتين مختلفتين، اضطرّوا إلى تسامحٍ وتأويلٍ فى تفسير التّقابض فى بعض الحالات، فجعلوا من التّقابض ما ليس تقابُضاً فى الحقيقة، إلّ بتكلّف. وذلك إذا وقعت المبادلةُ بين العُملتين فى بلدين مختلفين لا يمكن فيه حضورُ المتعاملين وتقابضُهما الحقيقيّ، وإنّما يُمكن أن يدفع زيدٌ مثلاً ألفَ ريال سعوديّ إلى عمروٍ بشرط أن يدفع عمروٌ بدلها ربّياتٍ مساويةَ القيمة إلى خالد فى باكستان، ولا يُمكنُ فى هذه الحالةِ التّقابض. وهذه أمورٌ قد عمّت بها البلوى فى جميع البلاد، فإنّ كثيراً من النّاس يشتغلون فى غير أوطانهم، ويكسِبون الأموال لأُسرهم المقيمين فى أوطانهم، ويُريدون أن يبعثوا معظمَ أكسابهم إلى أوطانهم بهذا الطّريق. ولا يُمكن تخريجُه على أساس الاستقراض، فإنّه على كونه سُفتجة، ٧٤٢ فقه البيوع لا يجوز الاشتراطُ فى القرض أن يُقضى بغير العُملة الّتى ثبت بها القرض. ٣٢٩- هل القبض على الشّيك يُعتبر قبضاً فى الصَّرف؟ فاضطُرّ أصحاب الموقف الثّانى إلى أن يقولوا إنّه يُمكن أن يدفع عمرو إلى زيدٍ شيكاً شخصيّاً بالرّبيات الباكستانيّة، فيقعُ بهذا تقابضُ البدلين. ثمّ إنّ زيداً يبعثُ بهذا الشّيك إلى خالدٍ فى باكستان. وهذا، على ما فيه من الصّعوبة عملاً، مبنيٌّ على تحقّق القبض بتسلّم الشّيك الشّخصيّ، وفيه كلامٌ ذكرتُه فى مبحث "تسليم الثّمن بطريق الحوالة" من هذا الكتاب. وقد استدلّ بعضُ المعاصرين على جواز ذلك بما أخرجه البيهقيّ عن عطاء بن أبى رباح: "أنّ عبد الله بن الزّبير رضى الله تعالى عنهما كان يأخذ من قومٍ بمكّةَ دراهم، ثم يكتبُ بها إلى مُصعب بن الزّبير بالعراق، فيأخذونها منه، فسُئل ابن عبّاس عن ذلك، فلم يرَ به بأساً، فقيل له: إن أخذوا أفضلَ من دراهمهم، قال: لابأس إذا أخذوا بوزن ١١ دراهمهم. فاستدلّ به بعضُ العلماء المعاصرين بأنّ الورقةَ الّتى كان يكتبها عبد الله بن الزّبير رضى الله تعالى عنه كان تسليماً للدّراهم من جانبه، وقبضاً لها ممّن أعطاه الدّراهم.(١) والحقيقةُ أنّ الورقةَ لم تكُن إلاّ حوالةً، ولوجاز مثلُ هذا التّعامل بالشّرط، لجازت النّسيئةُ فى الدّراهم بالدّراهم، ولم يقُلْ بجوازه أحد. ولذلك حينما أخرجه البيهقيّ عقّب عليه بقوله: (١) مجلّة مجمع الفقه الإسلاميّ الدّوليّ، العدد الثالث، الجزء الثالث، بحث فضيلة الدكتور على السالوس حفظه الله تعالى ص ١٨٨٥ و ١٨٨٦ ٧٤٣ المبحث السابع "ورُويَ فى ذلك أيضاً عن عليّ. فإن صحّ ذلك عنه وعن ابن عبّاس رضى الله تعالى عنهما، فإنّما أرادا، والله أعلم، إذا كان بغير شرط. "(١) ومعنى قول البيهقيّ رحمه الله تعالى أنّه لم يكن بيعاً، وإنّما كان استقراضاً، ولم يُشترط فيه أنّ القرضَ سيُقضى بالعراق، ولكنّهم كانوا يقضُونه بالعراق من دون شرط. ولذلك أخرجه عبد الرزاق رحمه الله تعالى فى مصنّفه بلفظ: "كان ابنُ الزّبير يَسْتَلِف من التجّار أموالاً، ثمّ يكتب لهم إلى العُمَّال. "(٢) أمّا المسئلةُ الّتى نحنُ فيها، فهناك شرطان ظاهران: الأوّل: أنّ المبلغَ سيُدفع فى باكستان، والثّانى أنّه سيُدفع بغير جنسه، يعنى بالرّبيات الباكستانيّة، ولا يمكن أحدٌ من الشّرطين فى الاستقراض، فلا يُمكن أن ينعقد إلاّ بيعاً للرّيالات السّعوديّة بالربّيات الباكستانيّة، فلايُمكن أن يُقاس الشّيكُ الشّخصيّ على الورقة الّتى كان يكتبها عبدُالله بن الزّبير رضى الله تعالى عنهما. نعم! يُمكن ذلك فى الشّيك المصرفيّ والشّيك المصدَّق، لأنّه قبضّ بطريق الوكالة، ويكونُ البنك الحاجز للمبلغ وكيلاً للمستفيد، كما ذكرتُه فى مبحث قبض الثّمن عن طريق الشّيك المصرفيّ. ولكنّ العاملين فى البلاد المختلفة يصعُب لهم أن يقصروا تعاملَهم على الشّيكات المصرفيّة. وكذلك اضطُرّ أصحاب هذا القول إلى التّسامح فى شرط التّقابض عند التّحويل المصرفيّ (Bank Transfer) فيما إذا وقعت المبادلةُ بين شخصين بأن حوّل زيدٌ (١) السنن الكبرى للبيهقي، باب ما جاء فى السفاتج ٥: ٣٥٢ (٢) مصنف عبد الرزاق، كتاب البيوع، باب السفتجة ١٤٠:٨