Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨٠ فقه البيوع ٢٦٧ - الشرط الرابع: أن يُسلّم نفس المُسلم فيه بدون استبدال والشّرط الرابع لجواز التّسليم عند الجمهور: أن يُسلّم نفسَ المسلم فيه. فلا يجوز استبدالُه بشيئ آخر، ولو برضاربّ السّلم. لأنّ استبداله بشيئ آخر يؤدى إلى بيع المسلم فيه قبل قبضه، وهو لايجوز. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "وأمّا بيعُ المسلَم فيه من بائعه، فهو أن يأخذ غيرَ ما أسلم فيه عوضاً عن المسلَم فيه، فهذا حرام، سواءٌ كان المسلَم فيه موجوداً أو معدوماً، وسواءٌ كان العَرض مثلَ المسلم فيه فى القيمة، أو أقلّ، أو أكثر. وبهذا قال أبو حنيفة والشّافعيّ(١) وحجتهم فى ذلك ما رواه أبوداود عن أبى سعيد الخدريّ رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "من أسلف فى شيئ فلا يصرفْه إلى غيره. "(٢) وسكت عليه أبو داود، وأعلّه المنذريّ وغيره بعطيّة العوفيّ. وقال ابن الهمام رحمه الله تعالى: "رواه الترمذيّ وحسّنه(٣)، وقال: لاأعرفه مرفوعاً إلّ من هذا الوجه ... وعطيّةُ العوفيّ ضعّفه أحمد وغيره، والترمذيّ يُحسّن حديثه. ورواه عبد الرزاق موقوفاً على ابن عمر، قال: أخبرنا معمر عن قتادة عن ابن عمر قال: إذا أسلفت فى شيئ فلا تأخذ إلاّ رأسَ مالك أو الّذى أسلفتَ فيه. "(٤) وبالتّالى، فإنّ أحاديثَ المنع عن البيع قبل القبض، وعن ربح مالم يضمَن، كلُّها تدلّ (١) المغني لابن قدامة ٣٤٢:٤ (٢) سنن أبى داود، باب السلف يُحوّل، حدیث ٣٤٦٨ (٣) يعنى أخرجه فى العلل الكبير، أبواب البيوع، باب ما جاء فى السلف فى الطّعام والتّمر، حديث ٣٤٦ (٤) فتح القدير٦: ٢٣١ المبحث الخامس على ذلك، لأنّ المسلَم فيه فى ذمّة المسلم إليه مالم يقبضه ربُّ السلم، فإن باعه باع مالم یضمن. وكما لا يجوز استبدالُ المسلَم فيه من المسلَم إليه، لا يجوز بيعُ المسلم فيه إلى ثالث قبل التّسلّم بالطّريق الأولى، لأنه بيعٌ قبل القبض. أمّا الإمام مالك رحمه الله تعالى، فعنده تفصيلٌ دقيقٌ فى المسئلة، ولخّصه ابنُ رشد رحمه الله تعالى، فقال: " وأمّا مالك: فإنّه مَنَع شراءَ المسلّم فيه قبل قبضه فى موضعين : أحدهما: إذا كان المسلَم فيه طعاماً، وذلك بناءً على مذهبه فى أنّ الذي يُشترط فى بيعه القبضُ هو الطّعام على ما جاء عليه النصّ في الحديث. "وَالثّاني: إذا لم يكن المسلَمُ فيه طعاماً، فأخَذَ عوضَه المسلِمِ مالاً يجوز أن يُسلِم فيه رأسَ ماله، مثل أن يكون المسلمُ فيه عرضاً، والثّمنُ عرضاً مخالفاً له، فيأخذ المسلِم من المسلَم إليه إذا حان الأجل شيئاً من جنس ذلك العرض الَّذى هو الثّمن، وذلك أنّ هذا يدخُله إمّا سلفٌ وزيادة، إن كان العرضُ المأخوذُ أكثرَ من رأس مال السّلم، وإمّا ضمانٌ وسَلف، إن كان مثلُه أو أقلّ. "وكذلك إن كان رأسُ مال السّلم طعاماً، لم يجُز أن يأخذ فيه طعاماً آخر أكثر، لا من جنسه ولا من غير جنسه. فإن كان مثلَ طعامه في الجنس والكيل والصّفة، فيما حكاه عبد الوهّاب، جاز، لأنّه يحمله على العروض. وكذلك يجوز عنده أن يأخذ من الطّعام المسلّم فيه طعاماً من صفته، وإن كان أقلَّ جودةً، لأنّه عنده من باب البدل فى الدنانير، والإحسان، مثل أن يكون له عليه قمحٌ فيأخذ بمكيلته شعيراً. ٥٨٢ فقه البيوع "وهذا كلُّه من شرطه عند مالك أن لا يتأخّر القبض،(١) لأنّه يدخله الدِّين بالدّين. وإن كان رأسُ مال السّلم عيناً،(٢) وأخذ المسلِم فيه عيناً من جنسه، جاز ما لم يكن أكثرَ منه، ولم يتّهمه على بيع العين بالعين نسيئةً إذا كان مثلَه أو أقلّ، (٣) وإن أخذ دراهمَ فى دنانير، لم يتّهمه على الصَّرف المتأخّر،(٤) وكذلك إن أخذ فيه دنانيرَ من غير صنف الدنانير الّتي هي رأسُ مال السّلم. وأمّا بيعُ السّلم من غير المسلم إليه : فيجوزُ بكلّ شيء يجوز التّبايُع به ما لم يكن طعاماً، لأنّه لا يدخله بيعُ الطّعام قبل قبضه. "(٥) ٢٦٨ - الشرط الخامس: تسليم المسلم فيه حسب الأوصاف المتّفق عليها الشّرط الخامس: أن يقع التّسليمُ حسبَ المواصفات الّتى اتّفق عليها العاقدان فى العقد. فإن سلّم بغير هذه المواصفات، لم يصحّ التّسليم، إلاّ أن يرضى به ربُّ السّلم. فإن كان أرداً ممّا وقع الاتفاق عليه، لا يصحّ التسليم إلاّ برضاربّ السلم اتفاقاً. وأمّا إن كان أجودَ منه فقد صحّ التّسليم، ويُجبر رُّ السّلم على قبوله عند الإمام أبى حنيفة (١) يعنى قبض بدل المسلم فيه عند حلول الأجل، وإلاّ فإنّه يستلزم بيع الدّين بالدّين. (٢) المراد من العين فى الصطلاح المالكيّة النّقود (٣) يعنى أنّ استبدال العرض المسلَم فيه بالنّقد الّذى كان ثمناً يستلزم أن يكون بيع النّقد بالنّقد نسيئة، ولكنّ مالكاً رحمه الله تعالى لم يُدخله فى بيع النّقد بالنّقد نسيئةً، وذلك لأنّ أصل العقد لم يكن فيه بيع النّقد بالنّقد، وإنّما طرأ عليه بالاستبدال وحينئذ لم يكن فيه نسيئة. (٤) يعنى إن كان رأس مال السّلم دنانير، والمُسلمُ فيه عروضاً، ثمّ استبدل بتلك العروض دراهم، فالظّاهر أنّه صار بيع الدراهم بالدنانير وقبض الدّراهم متأخّر عن قبض الدنانير، ولكنّ مالكاً رحمه الله تعالى أجاز ذلك، لأنّ أصل العقد لم يكن فيه بيع الدنانير بالدراهم، وإنّما جاءت الدراهم بدلاً من العروض المسلَم فيه. (٥) بداية المجتهد ٢: ٢٠٥، ٢٠٦ المبحث الخامس وصاحبيه رحمهم الله تعالى. وقال زفر: لا يُجبر على قبوله، لأنّ المسلمَ إليه متبرِّع على ربّ السلم فى إعطاءه الزّيادة، والمتبرَّعُ عليه لا يُجبر على قبول التّبرع، لما فيه من إلزام المنّة، فلایلزمه من غیر التزامه. وحجّةُ الأئمّة الثلاثة أنّ إعطاء الأجود مكانَ الجيّد فى قضاء الدّيون لايُعدّ فضلاً وزيادةً فى العادات، بل يُعدّ من باب الإحسان فى القضاء، ولواحق الإيفاء، فإذا أعطاه الأجود، فقد قضى حقّ صاحب الحقّ وأجملَ فى القضاء، فيُجبر على الأخذ.(١) والظّاهرُ أنّ هذا إذا كان الأجودُ لايفوت به غرضُ ربّ السّلم. أمّا إذا كان الأجودُ بحيثُ يفوتُ به مقصودُه الذى أراده بالعقد، فينبغى أن لايُجبر على قبوله كما قال زفر رحمه الله تعالى، والله سبحانه أعلم. ٢٦٩-السّلم الموازى وقد راج فى بعض المؤسّسات الماليّة اصطلاحُ "السّلم الموازى". والمقصود منه أنّ المسلم إليه بعد التزامِه بتسليم المسلّم فيه إلى ربّ السّلم فى موعدٍ محدّد، قد یعقِد السّلمَ مع جهةٍ أخرى، يكون هُو فيه ربَّ السّلم. مثالُه: أنّ شركة ألف أسلمت مائة وعشرة آلاف فى كمّة محدّدة من القُطن تُسلّم إليها شركةُ ب فى أوّل شهر يناير. * وشركة ب فى هذا العقد مُسلَمٌ إليها. ثمّ تُسلِمُ شركة ب مائةَ ألفٍ إلى أحد زارعى القُطن فى نفس كمّيّة القُطن بالتزام التّسليم فى أوّل شهر يناير. وشركة ب فى هذا (١) بدائع الصنائع ٤: ٤٣٤ وليتنبه أنّ الكاساني رحمه الله تعالى ذكر هذه المسئلة فى استبدال رأس المال بأجود أو أردأ، ثمّ ذكر فى الأخير حكم استبدال المسلم فيه وقال فيه: " وإن أعطى أجود أو أردأُ فحكمه حکم رأس المال وقد ذکرنا." ٥٨٤ فقه البيوع العقد الثّانى ربّةُ السّلم، وزارعُ القُطن هو المسلَمُ إليه. ومقصودُ شركة ب أن تحصُّل على الكمّة المطلوبة من القُطن فى أوّل شهر يناير، لتتمكّن من تسليمها إلى شركة ألف حسبَ العقد الأوّل، وتنتفعَ بالفرق بين رأس مال السَّلَمين. وإنّ هذا العقد الثّانيَ الّذى عقدته شركة ب مع زارع القطن يُسمّى "السّلم الموازى". وإنّ السّلم الموازيَ بهذا الشّكل إنّما يجوزُ إن لم يكن هناك ربطٌ بين العقدين، وأن تكونَ الحقوقُ والالتزاماتُ النّاشئةُ عن السّلم الموازى مستقلّةً عن السّلم الأوّل، بمعنى أنّ زارع القُطن فى المثال المذكور إن أخلّ بالتزاماته فى السّلم الموازى، فإنّ المسلَم إليه فى السّلم الأوّل لا يتحلّل من التزاماته، بل يجبُ عليه أن يُسلّم الكمّيّةَ المطلوبةَ من القُطن إلى ربّ السّلم الأوّل، (الّذى هو شركة ألف فى المثال المذكور) ولو اضطرّ لذلك إلى شراءها من السّوق. ٢٧٠ - توكيل المسلم إليه ببيع المسلم فيه وقد يقع أنّ ربَّ السّلم يوكّل المسلَم إليه ببيع المسلم فيه نيابةً عن ربّ السّلم. فإن كان هذا التّوكيلُ مشروطاً فى عقد السّلم، فالبيع فاسد، لأنّه شرط يُخالف مقتضى العقد. أمّا إن لم يكن التّوكيلُ مشروطاً فى العقد، وقبضَ ربُّ السّلم المسلَم فيه، ثمّ وكّله بالبيع بدون شرطٍ سابق، فإنّه جائز، ولكن يجب أن يكون بعد أن يقبض ربُّ السّلم على المسلَم فيه. فإن باعه المسلَمُ إليه قبل قبض ربّ السّلم، صار البيعُ لنفسه، ولو كان باعه بنيّة النّيابة عن ربّ السّلم. (١) ولا يُقال: إنّه بيع فضوليّ موقوف، لأنّ ربّ السّلم لم يملك المسلم فيه، فإنّه لا يملكه إلاّ بعد القبض، فصار بيع المسلم إليه (١) إمداد الفتاوى ٣: ٧٠ باب بيع السّلم، سؤال ٧٧ المبحث الخامس لنفسه، لأنّه هو المالك. ٢٧١ - الاستصناع ومن البيوع التى يتأخّر فيه التّسليم "الاستصناع". وعرّفه قدرى باشا بقوله: "هو طلبُ عملِ شيئ خاصٍّ على وجهٍ مخصوص مادتُه من الصّانع. "(١) ويمكنُ تعريفُه الاصطلاحيّ بأن نقول: "هو أن يطلُب المشترى من البائع أن يأتيَ له بشيئٍ مصنوعٍ بموادّ من عنده موصوفٍ فى الذّمّة، ويلتزمُ البائعُ بذلك لقاءَ ثمن متّفق عليه." وهو عقدٌ جائزٌ عند الإمام أبى حنيفة وصاحبيه، وغيرُ جائز عند الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة، وفى قول زفر، رحمهم الله تعالى جميعاً، إلاّ أن يكون بطريق السّلم بشروطه المعروفة (٣)، وذلك لأنّه لايصحّ بيعاً، لكونه بيعَ ما ليس عندَ البائع، ولا إجارةً لأنّ الصّانِعَ يصنع فى مِلكه، ولا سَلماً لفوات شُروطه، فلايستقيم تقعيدُه على أحدٍ من العقود المشروعة، فلا يجوز. أمّا الحنفيّة، فقالوا: إنّ ماذكره المانعون هو القياس، غير أنّنا تركنا القياسَ استحساناً المكان التّعامل. قال الإمام برهان الدين رحمه الله تعالى: "وجوّزناه بتعامل النّاس، فإنّ الْنّاسَ يعاملون الاستصناع فى هذه الأشياء من لَدُن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى يومنا هذا من غير نكير وردٍّ من الصّحابة رضى الله عنهم ولا من التّابعين. وتعاملُ النّاس من غير نكيرِ وردٍّ من علماءِ كلّ عصر حجّةٌ يُترك بها القياس، ويُخَصّ بها الأثر. ألا ترى أنّ دخولَ الحمّام بالأجر جائزٌ استحساناً لتعامُل النّاس من غير نكير من علماء كلّ عصر، (١) مرشدالحيران، مادة ٥٥٦ (٢) كشاف القناع ٣: ١٥٤ ومواهب الجليل للحطاب، كتاب السلم ٦: ٥١٧ و٥١٨ وفتح القدير٦: ٢٤٢ ٥٨٦ فقه البيوع وإن كان القياسُ يأبى جوازه، لأنّ مدةً ما يمكُث فى الحمّام وقدرَما يَستعمِل من الماء مجهول."(١) ويُستأنَس لجواز الاستصناع بما صحّ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه استصنع منبراً، فقد أخرج البخاريّ عن سهل بن سعد رضى الله عنه قال: "أرسل رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم إلى فلانة، امرأة من الأنصار، سمّاها سهل: مُرى غلامَك النّجّار أن يعمل لى أعواداً أجلسُ عليهنّ إذا كلّمتُ النّاس. فأمَرَتْه، فعمِلها من طَرْفاء الغابة، ثمّ جاء بها، فأرسلتْ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأمر بها فوُضعت ههنا."(٢) وكذلك رُويَ عن النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم أنّه استصنع خاتماً كما جاء فى كتاب الشّمائل للترمذيّ عن أنس رضى الله تعالى عنه قال: "لمّا أراد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يكتُب إلى العجم، قيل له: إنّ العجم لا يقبلون إلاّ كتاباً عليه خاتَم، فاصطنع خاتماً، فكأنّى أنظر إلى بياضه فى كفّه. "(٣) والظّاهرُ أنّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم لم يصنعه بنفسه، وإنّما استصنع من آخر. وإنّ الحديثين، وإن لم يكونا صريحين فى أنّه كان مواعدةً أو معاقدةً، ولكنّ الظّاهرَ من التّعامل المستمرّ أنّه كان على وجه العقد. والصّحيحُ من مذهب الحنفيّة أنّ الاستصناع معاقدةٌ، لامواعدةٌ محضة، لأنّ الإمام (١) المحيط البرهاني ٣٦٣:١٠ (٢) صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر، حديث ٩١٧ وراجع أيضا الأحاديث برقم ٤٤٨ و ٩١٧ و ٢٠٩٤ و ٢٥٦٩ (٣) الشمائل للترمذيّ، باب ما جاء فى ذكر خاتم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حديث ٩١ وأصل الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما المبحث الخامس محمّدبن الحسن رحمه الله تعالى ذكرفيه القياس والاستحسان، وهما لايجريان فى المواعدة، ولأنّه جوّزه فيمافيه تعاملٌ دونَ ما ليس فيه، ولو كان مواعدةً، جاز فى الكلّ، وسمّاه شراءً، فقال: "إذارآه المستصنع فهو بالخيار، لأَنّه اشترى مالم يَرَه"، ولأنّ الصانعَ يملك الدّراهمَ بقبضها، ولو كانت مواعيدَ لم يملكها. ثمّ اختلفت تعبيراتُ الفقهاء الحنفيّة فى تكييف هذا العقد. فصحّح صاحبُ الهداية أنّه ينعقد بيعاً من البداية، وأنّ المعقودَ عليه هوالعينُ المصنوعُ، دُون العمل، والمعدومُ قد يُعتبر موجوداً حُكماً. وقال ابنُ الهمام تحته: "وحين لزم جوازُه، علمنا أنّ الشّارعِ اعتبر فيها المعدومَ موجوداً، وفى الشّرع كثيرٌ كذلك، كطهارة المستحاضة، وتسمية الذّابح إذا نسِيها، والرّهن بالدّين الموعود، وقراءة المأموم."(١) وذهب آخرون إلى أنّه إجارةٌ ابتداءً، وينعقد بيعاً قُبيل التّسليم. نقله ابن الهمام عن الذّخيرة، وجزم به الإمام برهان الدّين فى المحيط، فقال: "ينعقد إجارةً ابتداءً، ويصيرُ بيعاً انتهاءً متى سلّم قبل التّسليم بساعة، بدليل أنّهم قالوا إنّ الصّانعَ إذا مات قبل تسليم العمل، بطل الاستصناع، ولا يُستوفى المصنوعُ من تركتِه، ولو انعقد بيعاً. ابتداءً وانتهاءً، لكان لا يبطُل بموته، كما فى بيع العين والسّلم، وقال محمّد رحمه الله تعالى: إن أتى به الصّانعُ، كان المستصنِعُ بالخيار، لأَنّه اشترى شيئاً لم يَرَه، ولو انعقد إجارةً ابتداءً وانتهاءً، لم يكن له خيارُ الرّؤية، كما فى الخيّاط والصبّاغ، ولو كان ينعقد بيعاً عند التّسليم، لاقبلَه بساعة، لم يثبت خيارُ الرّؤية، لأنّه يكون مُشترياً ما (١) فتح القدير٦: ٢٤٢ ٥٨٨ فقه البيوع رآه.فعلِمنا أنّها تنعقد إجارةً ابتداءً، وإن كان القياسُ يأباه، لأَنّه إجارةٌ على عملٍ فى مِلك الآجر، ثمّ يصيرُ بيعاً انتهاءً قبل التّسليم بساعة، وإن كان القياسُ يأبى أن يصير الإجارةُ بيعاً، لكنّا تركنا القياسَ فى الكُلّ لمكان التّعامل. والمعنى فى ذلك أنّ المستصنِعَ طلب منه العملَ والعينَ جميعاً، فلا بدّ من اعتبارهما جميعاً. واعتبارُهما جميعاً فى حالة واحدة متعذّرٌ، لأنّ بين الإجارة والبيع تنافياً، فجوّزناها إجارةً ابتداءً، لأنّ عدمَ المعقود عليه لا يمنعُ انعقادَ الإجارة، ويمنعُ انعقادَ البيع، فاعتبرناها إجارةً ابتداءً، وجعلناها بيعاً قبل التّسليم بساعة، توفيراً على الأمرين حظّهما، كما فعلنا هكذا فى الهبة بشرطِ العوض، اعتبرناها تبرّعاً ابتداءً عملاً باللفظ، بيعاً انتهاءً عملاً بالمعنى. "(١) ٢٧٢- هل الاستصناع عقد لازم؟ ثمّ المشهورُ من الفقهاء الحنفيّة أنّ عقدَ الاستصناع عقدٌ غيرُ لازم، بمعنى أنّ لكلّ واحدٍ من المتعاقدين الانفراد بالفسخ، كما فى الشّركة والمضاربة.(٢) ولكن هل يلزم المستصنِعَ قبولُ المصنوع إن جاء به الصّانعُ حسبَ المواصفات المطلوبة؟ فيه خلاف. فقال الإمام أبو حنيفة ومحمّد رحمهما الله تعالى: للمشترى خيارُ الرّؤية، فيحقُّ له أن يردّه، لأَنّه اشترى مالم يرَه، ولاخيارَ للصّانع حسب ظاهر الرّواية، وقال الإمام أبو يوسف رحمه الله تعالى: لاخيارَ لأحدٍ منهما إن جاء الصّانعُ بالمصنوع على الصّفة المشروطة. قال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: (١) المحيط البرهانيّ ١٠: ٣٦٤و ٣٦٥ (٢) المبسوط السرخسي، كتاب البيوع، ١٣٩:١٢ و ١٤٠ المبحث الخامس "وجهُ قول أبى يوسف أنّ الصّانعَ قد أفسد متاعَه وقطعَ جلده وجاء بالعمل على الصّفة المشروطة، فلو كان للمستصنعِ الامتناعُ من أخذِه لكان فيه إضرارٌ بالصّانع، بخلاف ما إذا قطعَ الجلدَ ولم يعملْ، فقال المستصنع: لاأريد، لأَنّا لاندرى أنّ العملَ يقع على الصّفة المشروطة أولا، فلم يكن الامتناځ منه إضراراً بصاحبه، فثبت الخيار." ثمّ رجّح الكاسانيّ رحمه الله تعالى قولَ الطّرفين وقال: " وقولُ أبى يوسف إنّ الصّانِعَ يتضرّر بإثبات الخيار للمستصنع مسلّمٌ، ولكنّ ضررَ المستصنعِ بإبطال الخيار فوقَ ضرر البائع بإثبات الخيار للمستصنع، لأنّ المصنوعَ إذا لم يُلائمْه وطولب بثمنه لا يمكنه بيعُ المصنوعِ من غيره بقيمة مثله، ولا يتعذّر ذلك على الصّانع لكثرة ممارسته، وانتصابه لذلك، ولأنّ المستصنع إذا غرِم ثمنَه ولم تندفعْ حاجتُه، لم يحصل ما شُرع له الاستصناع، وهو اندفاعُ حاجته. "(١) هذا كلُّه على أصل مذهب الحنفيّة من كون الاستصناع عقداً غير لازم. ولكن أفتى بعضُ المتأخّرين من علماء الحنفيّة بلزوم الاستصناع على الجانبين. وعلى هذا مشى التُمرتاشيّ والحصكفيّ رحمهما الله تعالى فى تنوير الأبصار والدّر المختار، فقالا: "(صحّ) الاستصناع (بيعاً، لاعدةً) على الصّحيح، ثمّ فرّع عليه بقوله: (فيُجبر الصّانع علی عمله، ولا يرجع الآمر عنه)" وذكر ابنُ عابدين رحمه الله تحته أنّ المصنّف والشّارح تبعا فى ذلك "الدُّرر (١) بدائع الصنائع، كتاب الاستصناع ٤: ٩٥ و٩٦ ٥٩٠ فقه البيوع والغُرر" و"مختصرَ الوقاية"، ثمّ ذكر أنّه مخالفٌ لما فى عدة كتب الحنفيّة أنّه لاجبرَ فيه، وأوَلَه بأنّه إذا صار الاستصناعُ سلماً بتحديد الأجل بشهر أو أكثر، فيلزمُ على الطّرفين، لأنّ السّلمَ عقدٌ لازم. ولكنّ حملَ العبارة المذكورة على كونه سلماً بعيدٌ جدًّا. ثمّ ذكر لهذا القول وجهاً آخر، وهو أنّه قد صرّح فى الهداية أنّه لاخيارَ للصّانع بعد ما رآه المستصنع، فالظّاهر أنّ هذا منشأُ توهّم المصنّف وغيره.(١) ولكن أخذ مدوّنو مجلّة الأحكام العدليّة بقول الّزوم حسب ما جاء فى تنوير الأبصار وغيره، وبقول أبى يوسف رحمه الله تعالى فى أنّ المستصنِعِ لاخيارَ له بالرّؤية، فقالوا فى مقدّمتها: "وعند الإمام الأعظم أنّ المستصنِعَ له الرجوعُ بعد عقد الاستصناع، وعند الإمام أبى يوسف رحمه الله أنّه إذا وُجد المصنوعُ موافقاً للصّفات التى بُيّنت وقتَ العقد، فليس له الرّجوع. والحالُ أنّه فى هذا الزّمان قد أتُّخذت معاملُ كثيرةٌ تُصنعُ فيها المدافعُ والبواخرُ ونحوُها بالمقاولة، وبذلك صار الاستصناعُ من الأمور الجارية العظيمة. فتخييرُ المستصنع فى إمضاء العقد أو فسخِه يترتّب عليه الإخلال بمصالحَ جسيمة، وحيثُ إنّ الاستصناعَ مستنِدٌ إلى التّعارف، ومقيسٌ على السّلم الشّرعيّ على خلاف القياس بناءً على غُرف النّاس، لزم اختيارُ قول أبى يوسف رحمه الله تعالى فى هذا مراعاةً لمصلحة الوقت. "(٢) (١) راجع الدرالمختار مع ردالمحتار ٤٠٧:١٥ و ٤٠٨ فقره ٢٤٨٥٢ (٢) تقرير أصحاب المجلّة المقدم إلى الصدر الأعظم فى بداية مجلّة الأحكام العدليّة ص١٤ ٥٩١ المبحث الخامس وعلى هذا الأساس نصّت المادة ٣٩٢ من المجلّة ما يأتى: "إذا انعقد الاستصناعُ فليس لأحد العاقدين الرّجوع. وإذالم يكن المصنوعُ على الأوصاف المطلوبة المبيّنة، كان المستصنِعُ مخيّراً." واعتُرض على هذه المادة من المجّة أنّ الأخذَ بقول أبى يوسف فى نفي خيار الرؤية لا يستلزمُ كونَ العقد لازماً، لأنّ الإمام أبايوسف رحمه الله تعالى لايرى العقدَ لازماً، ويجوز عنده أن يفسُخ أحدُ الطّرفين العقدَ قبل إتمام العمل، كما سبق فى عبارة البدائع، حيثُ جوّز أبو يوسف رحمه الله تعالى للمستصنع أن يفسُخ العقد بعد قطع الصّانع جلده، وإنّما يجعله الإمام أبو يوسف لازماً بعد ما رآه المستصنع، وأقرّه بعد إتمام العمل. وجعله أصحابُ المجلّة عقداً لازماً، زعماً منهم بأنّه قولُ أبى یوسف. ولدفع هذا الاعتراض فسّر العلاّمة خالد الأتاسيّ رحمه الله تعالى أوّلَ هذه المادة فى شرح المجلّة بعينِ ما فسّر به ابنُ عابدين قولَ تنوير الأبصار من أنّه إنّما يلزم إن عُقد سلماً. وقال: "ينبغى أن تُحْمَل الفقرةُ الأولى من المادّة على هذا المراد، لموافقته للنّصوص المعتبرة."(١) ولكنّ الذى يظهر أنّ أصحابَ المجلّة جعلوه عقداً لازماً من البداية، وليس بعد إتمام العمل فقط، ووجّهوه بأنّه قولُ أبى يوسف رحمه الله تعالى، لأنّ أبايوسف رحمه الله تعالى رُويت عنه فى لزوم العقد رواياتٌ مختلفة. قال الإمام برهان الدّين رحمه الله تعالى: "الرّواياتُ فى لزوم الاستصناع وعدم اللّزوم مختلفة " ثمّ قال: (١) شرح المجلّة للأتاسي ٢: ٤٠٧ فقه البيوع "قال أبو يوسف أولاً: يُخيّرُ المستصنع دون الصّانع، وهو روايةٌ عن أصحابنا رحمهم الله تعالى. ثم رجع أبو يوسف عن هذا، وقال لاخيارَ لواحدٍ منهما، بل يُجبرُ الصّانعُ على العمل، ويُجبر المصنوع (كذا فى المطبوع، والظاهر أنّ الصّحيح "المستصنع") على القبول. وجهُ ما رُوي عن أبى يوسف أنّه يُجبر كلّ واحدٍ منهما: أمّا الصّانع، فلأنّه ضمِن العمل، فيُجبرُ على العمل. وأمّالمستصنع، فلأنّه لو لم يُجبر على القبول، يتضرّر به الصّانع."(١) فظهر بهذا أنّ كونَ العقد لازماً هو الّذى رجع إليه أبو يوسف رحمه الله تعالى. فلعلّ أصحابَ المجلّة أخذوا بهذا القول نظراً إلى المشاريع الكبيرة الّتى تحتاجُ إلى عقدٍ باتٌ لازم، كما صرّحوا به فى التّقرير المذكور، ونظراً إلى أنّ الصّحيحَ عند الحنفيّة إمّا كونُ الاستصناع بيعاً من البداية، أو إجارةً ابتداءً وبيعاً انتهاءً، كما أسلفنا، وكلٌّ من البيع والإجارة عقدٌ لازم،(٢) وبما أنّ العقدَ إنّما شُرع بالتّعامل، فلو وقع التّعاملُ على لزومه، وخاصّةً فى المشروعات الكبيرة، فليس هناك مانعٌ شرعى. وعلى هذا لاداعيَ لنسبة السّهو والتوهم إلى "تنوير الأبصار" و"الدّرر والغرر" و"مختصر الوقاية"، فإنّ ما نصّوا به يمكن حمله على هذا القول لأبى يوسف رحمه الله تعالى. والله سبحانه وتعالى أعلم. (١) المحيط البرهاني ٣٦٥:١٠ (٢) غير أنّ الإجارة تُفسخ بالأعذار، فيجب على القول بلزوم الاستصناع أن يجوز الفسخ من طرف واحد لعذر كما فى الإجارة، وراجع لتفصيل الأعذار المحيط البرهاني، ١١: ٣٧٠ كتاب الإجارة، فصل ١٨ المبحث الخامس ٢٧٣ - شروط صحة الاستصناع ويجب لصحّة الاستصناع أن تتوافر فيه شروطٌ نذكرها ومايتعلّق بها فيما يلى: الشّرط الأوّل: أن يكونَ المعقودُ عليه ممّا يحتاج إلى صَنعة، فلا يمكن الاستصناعُ فيما لاصنعةَ فيه، مثل الحنطة أو الشّعير أو المنتجات الزّراعيّة الأخرى. ٢٧٤ - والشّرط الثانى: أن يحدّد المعقودُ عليه بمواصفاتٍ منضبطة، فلا يجوز أن يكون محلُّ الاستصناع شيئاً معيّناً بذاته، مثل سيّارة معيّنة. ٢٧٥ -والشّرط الثالث: أن لايُضرب لتسليم المعقود عليه أجلٌ للاستمهال. فإن ضُرب له أجلٌ فيما لا تعامُل فيه، صار سلماً باتفاق أئمّة الحنفيّة. وأمّا إذا ضُرب أجلٌ فى ما فيه تعاملٌ للنّاس بالاستصناع، صار سلَماً عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى. فيُشترط تعجيلُ رأس المال، خلافاً لصاحبيه، فإنّه لا يصيرُ سَلماً عندهما. ولكن ذكر مشايخُ الحنفيّة أنّ هذا الخلافَ فيما إذا كان الأجلُ للاستمهال من الصّانع. أمّا إذا كان للاستعجال، فلا يصير سلماً عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى أيضاً. قال السّرخسيّ رحمه الله تعالی: "وهذا إذا كان ذكرُ المدّة على سبيل الاستمهال. أمّا إذا كان على سبيل الاستعجال، بأن قال: على أن يفرغ منه غداً أو بعد غدٍ، فهذا لا يكون سلماً، لأنّ ذكر المدّة للفراغ من العمل، لالتأخير المطالبة بالتّسليم. ألا ترى أنّه ذكر أدنى مدّة يمكنه الفراغُ فيها من العمل. ويُحكى عن الهندوانيّ قال: إن كان ذكرُ المدّ من قِبَل المستصنع، فهو للاستعجال، ولا يصيرُ به سلماً، وإن كان الصّانعُ هو الّذى ذكر المدّة، فهو سَلَمٌ، لأَنّه يذكر على سبيل الاستمهال. وقيل: إن ذَكَر ٥٩٤ فقه البيوع أدنى مدّة يتمكّنُ فيها من الفراغ من العمل، فهو استصناع، وإن كان أكثرَ من ذلك، فهو سَلَم، لأنّ ذلك يختلف باختلاف الأعمال، فلا يمكن تقديرُه بشيئ (١)n معلوم. وحاصله أنّ مقصودَ المسلَم إليه فى السّلم أن يحصل على نقدٍ حالاً، لينتفعَ به فى حاجاته إلى الأجل المضروب. فمقصودُ ضرب الأجل هو الاستمهال للانتفاع بالنّقود، فإن ضُرب الأجلُ فى الاستصناع لعَينِ هذا المقصودِ صار سلماً. أمّا إذا ضُرب الأجلُ للتّمكن من إعداد المصنوع حسب المواصفات، وليس المقصودُ الانتفاعَ بالنّقود إلى ذلك الأجل، فهذا التّأجيلُ من طبيعة العقد، وهو الذى ذكروا فيه أنّه للاستعجال، لا للاستمهال. وينبغى أن يُراعى فى تحديد مدّة الاستعجال أنّ الصّانعَ عنده طلباتٌ من عدّة مستصنعين، وهو يُعِدّ المصنوعات المطلوبة منهم واحداً تلو الأخرى. فإن حدّد مدّةً يفى بطلب المستصنع بعدَ الإيفاء بطلباتٍ أخرى. والله سبحانه وتعالى أعلم. ٢٧٦ - الشّرط الرّابع: أن يُعقدَ الاستصناعُ فيما فيه تعاملٌ بالاستصناع. فما ليس فيه تعامل، لا يجوزُ فيه الاستصناع. وهذا الشّرطُ ذكره جميعُ فقهاء الحنفيّة،(٢) لأنّ الاستصناعَ إنّما شُرِع على أساس التّعامل، فلو لم يكن هناك تعاملٌ، فُقِد مبرِّرُه، فلم يجُزْ. ولذلك قالوا: لا يجوز الاستصناع لنَسْجِ الثّياب. ثمّ لو وقع الاستصناعُ على ما لا تعاملَ فيه، وذُكر فيه الأجلُ على سبيل الاستعجال، أو (١) المبسوط السرخسي، كتاب البيوع ١٢: ١٤٠ (٢) راجع مثلاً ردالمحتار ٤٠٣:١٥ ٥٩٥ المبحث الخامس لم يُذكر الأجل، اضطربت فيه عباراتُ المتأخّرين. فالمفهومُ من اشتراط التّعامل لصحّة الاستصناع أن لا يصحّ فيما ليس فيه تعاملٌ أصلاً. ولكن جاء فى الدّرّ المختار: "ولم يصحّ فيما لم يُتعامل فيه، كالثّوب إلّ بأجل كمامرّ (يعنى أنّه يكون سلماً) فإن لم يصحّ، فسد إن ذُكرالأجلُ على وجه الاستمهال، وإن للاستعجال، کعلی أن تفرغه غداً، کان صحیحاً." وظاهرُهُ أنّ الاستصناعَ يصحّ فى ما لاتعامُل فيه إن كان الأجلُ للاستعجال، ولهذا قال ابنُ عابدین تحته: "وظاهرُه أنّه لو لم يذكر أجلاً أصلاً فيما لم يَجْرِ فيه تعاملٌ، صحّ، لكنّه خلافُ ما يُفهم من المتن، ولم أره صريحاً، فتأمّل."(١) وكذلك جاء فى المادّة ٣٨٩ من مجلّة الأحكام العدليّة: "كلّ شيئ تعومل استصناعُه، يصحّ فيه الاستصناع على الإطلاق. وأمّا ما لم يُتعامل باستصناعه، إذا بُيّن فيه المدّةُ صار سلَماً، وتُعتبر فيه شرائط السّلم. وإذا لم يُبيّن فيه المدّة، كان من قبيل الاستصناع أيضاً." وظاهرُه أنّ الاستصناعَ جائزٌ فيما لاتعامُلَ فيه إن لم تُذكر المدّةُ فى العقد. وعلى هذا لا يبقى هناك فرقٌ بين ما فيه تعاملٌ وما لا تعاملَ فيه. وقد حلّ العلاّمة خالد الأتاسيّ رحمه الله تعالى هذا الإشكالَ فى شرح المجلّة، فقال: "وإن لم يُبيّن فيه (أى فى الاستصناع) مدّة، فهو استصناعٌ فاسد منهيٌّ عنه، فهو (١) ردالمحتار ٤١١:١٥ فقره ٢٤٨٦٣ ٥٩٦ فقه البيوع وإن كان فاسداً، لكن بعد وقوعه يأخذُ حكمَ الصّحيح، وقد أشارت المجلّة إلى هذا بقولها: "كان من قبيل الاستصناع" أى تجرى فيه أحكامُ الصّحيح، وإن لم يكن استصناعاً مشروعاً. والّذى يظهر للعبد الضّعيف زلّةُ قلم بعض الشرّاح هنا حيثُ ظنّ من عبارة المجلّة "كان من قبيل الاستصناع أيضاً" ومِن أخذِهِ أحكامَ الصّحيح أنّه قولٌ فى المذهب بأنّه صحيح، وأنّ المجلّة اختارته، مع أنّه مصادمٌ لِما أجمعوا عليه من أنّ الاستصناعَ لا يكونُ إلاّ فى ما فيه تعامل. وبعضهم، وهو الفاضل على حيدر آفندى، اعترض عليه وعلى المجلّة ظانّاً أنّه حيثُ كان فاسداً، لايصحّ وقوعُه استصناعاً. وهذا وهمٌ. والحقيقةُ أنّ المجلّة لم تغلط بقولها "كان من قبيل الاستصناع أيضاً" لأنّ من العقود ما یکون فاسداً منھیاً عنه، وبعد وقوعه يأخذ حكم الصحیح، کالمبيع بعقد فاسد يدخل فى ملك المشترى بالقبض، والرهنُ الفاسد بشيوع أو غيره إذا كان سابقاً على الدَّين يأخذ حكمَ الصّحيح بعد وقوعه، حتّى لو نقض الراهنُ العقدَ بحكم الفساد وأراد استردادَ المرهون، كان للمرتهن حقُّ حبسه حتّى يؤدّى إليه الرّاهنُ ما قبض، وإذا مات الرّاهن، وعليه ديونٌ كثيرةٌ، فالمرتهنُ أولى من سائر الغرماء. قال فى التنوير: "كلّ حكم فى الرّهن الصحيح، فهوالحكم فى الرّهن الفاسد" فعلم من هذا أنّه لا يلزم من عدم جواز إيقاع الفاسد أن لا يترتّب عليه حكمٌ بعد وقوعه. يُشير إلى هذا عبارةُ المجلّة: كان من قبيل الخ"(١) (١) شرح المجلّة للأتاسيّ ٢: ٤٠٤ و ٤٠٥ . المبحث الخامس وهذا كلامٌ متينٌ جداً، وبه تنطبق النّصوص الفقهيّة الّتى ذكرناها، والله سبحانه أعلم. ٢٧٧ - المراد من التّعامل فى الاستصناع وممّا ينبغى ذكره تعيينُ المراد بالتّعامل المشروط لصحّة الاستصناع. هل يجب لتحقّق ذلك أن يكون فيه تعاملٌ منذ عهد الصحابة والتّابعين، أم يُعتبر التّعامل الحادث أيضاً؟ لم أرَ فيه تصريحاً من قِبل أصحاب المذهب فى مبحث الاستصناع. ولكن تعرّض له ابنُ عابدين رحمه الله تعالى فى رسالته "نشر العَرف"، فقال: "فإن قلت: إنّ ما قدّمتَه من أنّ العرف العامّ يصلُح مخصِّصا للأثر ويُترك به القياس، إنّما هو فيما إذا كان عاماً من عهد الصّحابة ومن بعدهم، بدليل ما قالوا فى الاستصناع: إنّ القياسَ عدمُ جوازه، لكنّا تركنا القياس بالتّعامل به من غير نكير من أحد الصّحابة، ولا من التّابعين، ولا من علماء كلّ عصر، وهذا حجّةٌ يترك به القياس؛ قلت: مَن نَظرَ إلى فروعهم عَرفَ أنّ المراد به ما هو أعمُّ من ذلك. ألا ترى أنّه نُهيَ عن بيع وشرط، وقد صرّح الفقهاء بأنّ الشّرط المتعارف لا يُفسِد البيعَ، كشراء نعلٍ على أن يحذوها البائع، أى يقطعها. ومنه ما لو شرى ثوبا أو خُفّا خَلِقًا على أن يرقّعه البائع ويخرِزه ويسلّمه، فإنّهم قالوا يصحّ للعرف. فقد خصّصوا الأثرَ بالعُرف، وإنّما يصحّ دعواكَ تخصيصَ العُرف العامّ بما ذكرته إذا ثبت أنّ ما ذُكر من هذه المسائل ٥٩٨ ٥ فقه البيوع ونحوها كان العُرف فيها موجوداً زمنَ المجتهدين من الصّحابة وغيرهم، وإلاّ فيبقى على عمومه مراداً به ما قابلَ العرف الخاصّ ببلدة واحدة، وهو ما تعامله عامّةُ أهل البلاد، سواءٌ كان قديماً أو حديثاً."(١) ومعنى ذلك أنّ العُرفَ الحادثَ معتبرٌ كالعُرف القديم. وعلى هذا جرى به عملُ العلماء فى كلّ زمان، لأنّ ماصرّحوا بجواز الاستصناع فيه بالتّعامل، مثل أوانى الحديد والرّصاص والنّحاس والزّجاج والخِفاف والنّعال ولُجُم الحديد للدوابّ ونصول السيّف والسّكاكين والقِسِيّ والنّبال والسّلاح كلّه والطّشت والقمقمة، (٢) لم يثبت فى كلّ واحدٍ واحدٍ من هذه الأشياء التّعاملُ منذ عهد الصّحابة والتّابعين، وإنّما جرى فيها التّعاملُ شيئاً فشيئاً، وقد حكمَ العلماءُ بالصحّة فى كلّ ما جرى به التّعامل فى عهدهم، ولذلك ذكر أصحابُ المجلّة الاستصناعَ فى ما يُصنع فى المعامل الجسيمة من المدافع والبواخر. وظاهرٌ أنّها لم تكن موجودةً فى عهد الصّحابة والتّابعين. وكذلك جرى العملُ اليوم بالاستصناع فى المبانى الكبيرة وغيرها من غير إنكار العلماء، فظهر أنّ التّعاملَ الحادثَ معتبرٌ فى جواز الاستصناع. وعلى هذا، ماصرّحوا فيه بعدم جواز الاستصناع لفقدِ التّعامل، مثل الثّياب، لو جرى باستصناعها التّعاملُ، ينبغى أن يجوزَ فيها الاستصناع. قال ابنُ عابدين رحمه الله تعالى: "البابُ الثّاني فيما إذا خالف العُرفُ ما هو ظاهرُ الرّواية، فنقول: إعلم أنّ (١) مجموعة رسائل ابن عابدين، رسالة نشر العرف ٢: ١٢٤ و ١٢٥ (٢) بدائع الصنائع ٤: ٩٤ المبحث الخامس المسائل الفقهيّة إمّا أن تكون ثابتةً بصريح النّصّ وهي الفصل الأوّل، وإمّا أن تكون ثابتةً بضرب اجتهاد ورأي، وكثيرٌ منها يبنيه المجتهدُ على ما كان فى عُرف زمانه، بحيثُ لو كان فى زمان العرف الحادث، لقال بخلاف ما قاله أولاً، ولهذا قالوا فى شروط الاجتهاد إنّه لا بدّ فيه من معرفة عادات النّاس، فكثيرٌ من الأحكام تختلف باختلاف الزّمان، لتغيّر عُرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزّمان، بحيثُ لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً للزم منه المشقّة والضّرر بالنّاس، ولخالف قواعدَ الشّريعة المبنيّة على التّخفيف والتّيسير ودفع الضّرر والفساد لبقاء العالم على أتمّ نظام وأحسن إحكام، ولهذا ترى مشايخَ المذهب خالفوا ما نصّ عليه المجتهد فى مواضعَ كثيرة بناها على ما كان فى زمنه، لعِلمهم بأنّه لو كان فى زمنهم، لَقال بما قالوا به أخذاً من قواعد مذهبه."(١) فإن قيل: إنّ التّعامل يحدث شيئاً فشيئاً. فمَن عقدَ الاستصناع لأوّل مرّة فيما لم يجْرِ فيه التّعاملُ حينئذٍ، ينبغى أن لايجوز، وكذلك من تَبعه، فالجواب على ما أسلفنا عن العلاّمة خالد الأتاسيّ رحمه الله تعالى من أنّ من العقودِ ما يكون فاسداً منهيّاً عنه، وبعد وقوعه يأخذُ حكمَ الصّحيح، كالمبيع بعقدٍ فاسدٍ يدخُل فى ملك المشترى بالقبض. فمالم يثبت التّعامل العامُّ يُنهى عنه، ولكنّه بعد وقوعه يأخذُ حُكمَ الصّحيح، إلى أن يثبت فيه التّعامل، فيخرج من قبيل المنهيّات أيضاً. ومقتضى هذا أنّ ماصرّحوا بعدم جواز الاستصناع فيه لعدم التّعامل، كالثّياب، لو (١) مجموعة رسائل ابن عابدين رحمه الله تعالى، رسال "نشر العرف" ١٢٥:٢