Indexed OCR Text
Pages 501-520
فقه البيوع باع شاتين بصفقة واحدة. وإنّ العرفَ يقضى على الجهالة أيضاً، لكون التجّار يعرفون فرقَ السّعر بين البيع المشروط فيه المنفعة، وبين غير المشروط فيه، فلا يقع النزاع عند الإخلال بالشّرط، فإن اشترط مشترى النّعل أن يحذُوه البائع ، فإنّ الفرقَ بين قيمة المحذوّ وغير المحذوّ معروفٌ بين التجّار. ثمّ إنّ الحنفيّة ذكروا صوراً أخرى للشّرط المتعارَف غير شرط حذو النّعل، فقال ابنُ الهمام رحمه الله تعالى: "ومثلُه فى ديارنا شراءُ القبقاب على هذا الوجه، أى على أن يُسمّر له سيراً .. ومن أنواعه شراءُ الصّوف المنسوج على أن يجعله البائعُ قلنسوةً، وبشرط أن يبطّن لها البائع بطانةً من عنده."(١) وجاء فى البزازية: "اشترى ثوباً أو خُفّا خلِقا على أن يُرقّعه البائع ويُسلّمه صحّ. "(٢) وقال ابن عابدين رحمه الله تعالى: "وتدلّ عبارةُ البزّازيّة والخانيّة، وكذا مسألة القبقاب على اعتبار العُرف الحادث. ومقتضى هذا أنّه لوحدث عرفٌ فى شرطٍ غير الشّرط فى النّعل والثوب والقبقاب أن يكون معتبراً، إذا لم يُؤدّ إلى المنازعة."(٣) (١) فتح القدير ٦: ٨٥ (٢) البزازية على هامش الهندية ٤: ٤٢٩ (٣) ردالمحتار، باب البيع الفاسد ١٤: ٦٦٩ المبحث الرابع ٢٢٩ - الصور المتعارفة لاشتراط الشروط فى البيع وقد كثُرت فى عهدنا أنواعُ الشّروط في البيوع والإجارات وغيرها، مثل أن يُباع الهاتف الجوّال بشرط أن يُوفّر البائعُ معها منفعةَ استخدام شبكة معيّنة لدقائق معلومة، أو يُباع جهازٌ بشرط أن يستخلص البائعُ رخصةً لصالح المشترى باستعمال ذلك الجهاز. وكذلك ما تُعورف في العالمَ كلّه أنّ مشترىَ الثلاجات، والدافئات، والمكيّفات، والأجهزة الكهربائيّة الأخرى يشترط على البائع القيامَ بتصليحها كلّما عرضَها فساد في حُدود مدّة معلومة، كالسّنة أو السّنتين مثلاً، فإنّ هذا الشّرط جائزٌ الشيوع التّعامل به. ٢٣٠ - الضمان الممدّد (Extended Warranty) ولكن هناك التزامٌ آخر رائجٌ فى السّوق اليومَ باسم "الضّمان الممدّد" Extended (Warranty) وهو أنّ يُمدّد البائعُ مدّة تصليح الجهاز من قِبَله فوق المدّة المشروطة فى العقد لقاءَ عوض مالىّ زائد، فمثلاً: لوكانت المدةُ المشروطةُ فى العقد لتصليح الجهاز من قِبل البائع سنةً، فإنّ البائع يقول: "ادفع لى كذا، فأمدَّدُ المدّةَ إلى سنة أخرى. " فهذا ليس ممّا نحن فيه الآن من مسألة البيع بالشّرط، وإنّما هو عقدٌ مستقلّ من عقود الصيانة. وموضعه كتاب الإجارة. وليُتنبّه أنّ العثمانيّين قد أدخلوا تعديلاً في مجلّة الأحكام العدليّة، بإضافة مادّة جديدة على الوجه الآتي: "البيع بشرطٍ يعود نفعُه على أحد العاقدين صحيح، والشراء معتبر، فإذا باع ٥٠٢ فقه البيوع فرساً على أن يركبها مدّة كذا، أو اشترى المشترى شيئاً مقابلَ سكنى داره المعلومة، فذلك البيع صحيح، والشرط معتبر". وجاء في المذكّرة التفسيرية لهذه المادّة: "إنّ تقييدَ البيع بشرطٍ ب "على"، كما أنّه لا يجوز عند الحنفيّة، كذلك لم تُجزْه المالكيّة (؟) والشّافعيّة. وفي زماننا هذا نرى أنّ البيوعَ تُعقد خلافاً لهذه المذاهب الثّلاثة، فوجب القولُ بما تقول به الحنابلةُ لتقريب أعمال النّاس إلى الجواز، ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً ." نقله الدكتور عبد الرزّاق السنهوريّ فى كتابه "مصادر الحقّ فى الفقه الإسلاميّ".(١) والّذى يبدو أنّ تعميمَ حكم الجواز لجميع الشّروط فى البيع ربّما يؤدّى إلى مفاسد، والظّاهر أنّ ما ذهب إليه الحنفيّة من جواز الشّرط المتعارف يُغطّى الحاجة الّتى ذكرتها هذه المذكّرةُ. والله سبحانه وتعالى أعلم، وعلمه أتمّ وأحكم. ٢٣١ - شرط عدم المنافسة وقد راجت فى بعض القوانين الوضعيّة شروطٌ تعسّفيّة لاعهدَ بها فى الشّرع، مثلُ شرط "عدم المنافسة" (Restraint on competition) وذلك أنّ مَن اشترى محلاً تجارياً من آخر، فإنّه يَشترط على البائع أنّه لا يفتح محلاً تجارياً مثلَه لمدّة معلومة فى دائرة محدّدة. وإنّ مثلَ هذا الشّرط لانرى جوازَه، لأَنّه حَجْرٌ على البائع وتقييدٌ لحرّيته فى التّجارة، وليس للمشترى أن يمنعه من أيّ نوع من التّجارة المباحة شرعاً. ثمّ إنّ مثلَ هذا الشّرط (١) مصادر الحق في الفقه الإسلامي ٣: ١٧٦ طبع ثالث ١٩٦٧ م المبحث الرابع يعوق دون منافسة حرّة فى السّوق، ويتبيّن من عدّة أحكام الشّريعة فى التّجارات أنّها تُشجّع المنافسة التّجاريّة، فإنّها تضمنُ القيمةَ العادلةَ للمستهلكين، دونَ أن يتحكّم فيها واحدٌ أو قلّةٌ قليلةٌ من التّجّار الأثرياء. وإنّ مثلَ هذا الشّرط مخالفٌ لهذا المقصود. نعم! إن اشتُريَ المحلُّ التّجاريّ مع اسمه الّذى له سُمعة، وزيدَ الثّمن من أجله، فيجوز أن يُشترط على البائع أن لا يستخدمَ هذا الاسمَ التّجاريّ، وتنطبق عليه الأحكام والشّروط الّتى ذكرناها فى مسئلة بيع الاسم التّجاريّ، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٢٣٢ - شرط عدم نقل الملكيّة وقد أُجيزَ فى بعض القوانين الوضعيّة أن يَشترط البائعُ عدمَ نقل الملكيّة إلى المشترى إلى أن يُسدّد كلَّ الثّمن. وهذا الشّرطُ له معنيان: الأوّل: أن لاتُنقلَ الملكيّةُ الحقيقيّة إلى المشترى، بحيثُ لا يزالُ البائعُ مالكاً للمبيع، فهذا الشّرطُ إن كان فى "اتفاقيّة البيع" (Agreement to sell) التى حقّقنا فيها أنّها مواعدةٌ للبيع فى المستقبل، وليس بيعاً، فإنّ حاصلَ هذا الشّرط أنّ الوعد بإنجاز البيع مشروط بذلك الشّرط. وهذا لا بأس به، لأنّ البيع لم يتمّ بعد. وبما أنّ القوانين الوضعيّة لا تعترف بالبيع إلّ بانتقال الملك، فينبغى أن يُحمل إجازةُ الشّرط بهذا المعنى. (١) أمّا إذا تجاوزت مرحلةُ الوعد، وأنجز البيعُ، ثمّ اشترط أنّ الملك لاينتقل إلى المشترى إلّ بتوافر شروط، فإنّه شرطٌ مناقضٌ لعقد البيع، يفسُد به البيع بالإجماع، لأنّه لامعنى للبيع إلّ نقلُ ملك المبيع إلى المشترى، وإنّ ذلك يتمّ فورَ تمام الإيجاب (١) وليراجع المادة ١٩ من قانون بيع المال مقارناً بالمادة ٤ ٥٠٤ فقه البيوع والقبول. واشتراطُ عدم نقل الملك معناه أن يُعقد البيع بشرط عدم البيع. وهو تناقضٌ ظاهر. وإن قيل: إنّ الملكَ يحدُث بتسديد الثّمن تلقائيّاً، فهو بيعٌ معلّق، وقد سبق أنّ البيع لا يقبل التّعليق. والمعنى الثّانى لهذا الشّرط أنّ المرادَ من نقل الملكيّة تسجيلُ المبيع باسم المشترى فى الجهات الرّسميّة، فيشترط بائعُ السيّارة مثلاً أنّه لا يُسجّلها فى الجهات الرّسميّة باسم المشترى إلاّ بعد تسديد الثّمن بكامله، وكذلك بائعُ البيت يشترط مثلَ هذا الشّرط، وإن كان المشترى يملكُه حقيقةً، ويتصرّف فيه تصرّف الملاّك. وهذا لامانعَ منه شَرْعاً، لأنّ التّسجيلَ فى الجهات الرّسميّة أمرٌ إجرائيّ زائدٌ على الملكيّة الحقيقيّة والعرفيّة، وقد يُعترف به فى القانون أيضاً باسم "ملكيّة المنفعة" (Beneficial Ownership) فالامتناعُ من التّسجيل لايُنافى نقلَ الملكيّة الحقيقيّة والعُرفيّة. وقد سبق منّا فى مبحث بيع التّلجئة والعقود الصّوريّة أنّه يمكن أن يكونَ التّسجيلُ باسم غيرِ المالك الحقيقيّ: ٢٣٣- البيع بشرط وجود من يشتريه من المشترى وهناك طريقٌ متّبَعٌ فى الأسواق أنّ مَن يُريد أن يبيعَ أشياءَ إلى تاجر تلك الأشياء، فإنّ التّاجرَ لا يقبل أن يشتريَ منه فوراً، بل يقول له: إنّى أقبل أن تضعها عندى على أنّى إن وجدتُ مشترياً لها، اشتريتُها منك. ولواعتُبر العقد بينهما عقدَ بيع مشروطٍ بأن يجدَ المشترى مشترياً آخر منه، ففيه عدةُ محظورات من النّاحية الشّرعيّة. منها أنّه بيعٌ بشرطٍ مخالف لمقتضى العقد، أو بيعٌ معلّقٌ على شرط. ولكن هناك طريقان للوصول إلى هذا الغرض: الأوّل: أن يُعيرَ تلك الأشياءَ إلى المبحث الرابع التّاجر، ويجعلَه سمساراً لبيعها إلى المشترين لقاءَ عمولة يدفعُها إلى التّاجر. والثّانى: أن بشتريَ التّاجرُ منه تلك الأشياء بخيار شرطٍ إلى مدّة متّفق عليها. فإن وجد مشترياً، باعها إليه، وينفُذ به البيعُ الأوّل. وإن لم يجد مشترياً خلالَ المدّة، ردّها إلى البائع الأوّل بخيار الشّرط. ٢٣٤ - صفقة فى صفقة ومن قبيلِ زيادة الشّرط فى البيع ما يُسمّى "صفقة فى صفقة" وهو أن يُشترط فى العقد عقدٌ آخر، مثلَ أن يقول البائع: "بعتُك دارى بكذا على أن تبيعَنى سيّارتَك بكذا" وقد اتّفق العلماءُ على كونه ممنوعاً شرعاً. والأصلُ فى ذلك ما رُوي عن عبدالله بن مسعود رضى الله تعالى عنه قال: "نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن صفقتين فى صفقة واحدة" أخرجه أحمد والبزّار (١) من طريق شريك، عن سماك، عن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود، عنه. وقال الهيثميّ: "رجال أحمد ثقات" ولكن فى إسناده شريك " النخعىّ، تكلّم المحدثون فى حفظه، وله أوهام معروفة. وأخرجه الطبرانى والبزّار وابنُ خزيمة وابنُ حِبّان (٢) موقوفاً عن عبدالرحمن عن أبيه أنه قال: "لا يصلُح صفقتان فى صفقة. " وقال ابن الهمام رحمه الله تعالى: "رواه البزارفى مسنده عن (١) مسند أحمد٦: ٣٢٤ حديث ٣٧٨٣ ومسند البزار٥: ٣٨٤ حديث ٢٠١٧ (٢) المعجم الكبير للطبرانى ٩: ٣٧٤ حديث ٩٦٠٩ وصحيح ابن خزيمة ١: ٩٠ حديث ١٧٦ وصحيح ابن حبان ٢: ١٩٥ حدیث ١٠٥٠ ٥٠٦ فقه البيوع أسودبن عامر، وأعلّ بعضَ طُرقه ورجّح وقفه، وبالوقف رواه أبونعيم وأبوعبيد القاسم بن سلام. "(١) وهناك حديثٌ آخر أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيعتين فى بيعة. أخرجه الترمذىّ والنّسائيّ عن أبى هريرة رضى الله عنه (٢). وقال الترمذيّ: "حديث حسن صحيح". ورواه مالك بلاغاً. وغلّط ابنُ الهمام رحمه الله تعالى مَن زعم أنّ الحديثين بمعنى واحد، وقال: "هذا (يعنى حديث بيعتين فى بيعة) أخصُّ منه، فإنّه فى خصوصٍ من الصّفْقات وهو البيع. " بخلاف حديث الصّفقتين فإنّه عامّ لكلّ صفقة، سواءٌ كان بيعاً، أوإجارةً ونحوها." ثمّ إنّ كُلاّ من الحديثين فُسّر بتفسيرين: ففسترسماك الحديثَ الأوّل بقوله: "الرّجل يبيع البيعَ فيقول: هو بنَسَا بكذا وكذا، وهو بنقدٍ بكذا وكذا "(٣) وكذلك فستره أبوعبيد القاسم بن سلام بقوله: "بأن يقول الرّجل للرّجل: أبيعك هذا نقداً بكذا، ونسيئةً بكذا، ويفترقان عليه." (٤) والتّفسير الآخر للحديثين هو ماذكرنا من أن يُشترط عقدٌ بعقدٍ آخر. وهو الذى اختاره صاحب الهداية، ورجّحه ابن الهمام رحمهما الله تعالى، كمافى فتح القدیر . . (١) فتح القدير٦: ٨١ (٢) سنن النسائي، كتاب البيوع، باب ٧٣ حديث ٤٦٣٦ وجامع الترمذى، كتاب البيوع، باب ١٨ حديث ١٢٣١ (٣) مسند أحمد٦: ٣٢٥ (٤) فتح القدير٦: ٨١ المبحث الرابع وأمّا الحديثُ الثّانى، فقال فيه الإمام الترمذىّ رحمه الله تعالى بعد إخراجه: "قال الشافعىّ ومِن معنى ما نهى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن بَيْعتين فى بيعة أن يقول: أبيعك دارى هذه بكذا على أن تبيعَنى غلامَك بكذا، فإذا وجب لى غلامك، وجبت لك دارى. وهذا يُفارقُ عن بيع بغير ثمن معلوم، ولا يدری كلَّ واحدٍ منهما على ما وقعت علیه صفقته." وعلى أساس هذا الحديث ذهب جمهور العلماء إلى أنّ اشتراط صفقة فى صفقة أخرى لا يجوز. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "وهكذا كلُّ مافى معنى هذا، مثل أن يقول: بعتُك دارى هذه على أن أبيعَك داريَ الأخرى بكذا، أوعلى أن تبيعَنى دارَك، أو على أن أوجرَك، أو على أن تؤجرنى كذا، أو على أن تُزوّجنى ابنتك، أو على أن أزوّجك ابنتى، أو نحوَ هذا، فهذا كلُّه لا يصحّ. قال ابنُ مسعود: الصّفقتان فى صفقة رباً.(١) وهذا قول أبى حنيفة والشافعيّ وجمهور العلماء." (٢) أمّا الإمام مالك رحمه الله تعالى، فقد فرّق بين عقودٍ مختلفة، فمنعَ اجتماعَ بعض العقود فى صفقة واحدة، وأجاز ذلك فى بعض العقود. فمثلاً، جوّز الإمام مالك رحمه الله تعالى اجتماعَ الإجارة والبيع فى صفقة واحدة. قال الخُرشیّ: (١) مصنف عبدالرزاق ١٣٩:٨ كتاب البيوع، حديث ١٤٦٣٦ والمعجم الكبير للطبراني ٩: ٣٧٤ حديث ٩٦٠٩ وصحيح ابن خزيمة، كتاب الوضوء، ١: ٩٠ حديث ١٧٦ وترتيب صحيح ابن حبان، كتاب الوضوء ٢: ١٩٥ حديث ١٠٥٠ وسيأتى الكلام عليه إن شاء الله تعالى (٢) المغنى لابن قدامة ٤: ٢٩٠ ٥٠٨ ٥ فقه البيوع "لا يجوز اجتماعُ بيع الأعيان مع الجُعل فى صفقة واحدة للعلّة المذكورة، (أى لتنافر الأحكام بين البيع والجعالة) بخلاف اجتماع الإجارة مع البيع فى صَفْقة واحدة، فيجوز، سواءً كانت الإجارة فى نفس المبيع، كما لو باع جلوداً على أن يخرزها البائعُ للمشترى نِعالاً، أوكانت الإجارةُ فى غير المبيع، كما لوباع له ثوباً بدراهمَ معلومة على أن ينسج له ثوباً آخر، وما أشبه "(١) ذلك على المشهور. وقد صرّح الإمام مالك رحمه الله تعالى فى مسائلَ كثيرة من المدوّنة أنّ الجمعَ بين البيع والإجارة فى صفقة واحدة جائزٌ عنده.(٢) فكأنّه رحمه الله تعالى حَصَر منع الصّفقتين فى الصفقة فى عقودٍ خاصّة جمعها بعضُهم فی بیتین: نكاحٌ، شركةٌ، صَرفٌ، وقرضٌ مُساقاةٌ، قِراضٌ بيعُ، جُعلَّ فجَمْعُ اثنين منها: الحَظُر فيه فكُنْ فَطِناً، فإنّ الحفظَ سهل(٣) والظّاهر أنّ ما سوى هذه العقود يجوز جمعُها عنده فى صفقة واحدة. وقد بيّن الإمام القرافيّ رحمه الله تعالى الأساسَ الذى بنى عليها الإمام مالك رحمهما الله تعالى الفرقَ بين العقود المختلفة، فقال: "اعلم أنّ الفقهاءَ جمعوا أسماءَ العقود الّتى لا يجوزُ اجتماعُها مع البيع فى قولك: "جص مشنق"، فالجيمُ للجعالة، والصّادُ للصَّرف، والميمُ للمساقاة، (١) الخرشى على مختصر خليل، كتاب الإجارة ٧: ٤ (٢) المدوّنة الكبري، أول كتاب الجعل والإجارة ٣: ٤١٥ (٣) الدسوقى على شرح مختصر خليل، باب المساقاة ٣: ٥٤٩ DI المبحث الرابع والشّين للشّركة، والنّون للنّكاح، والقافُ للقِراض. والسّرُّ فى الفرق أنّ العقود أسبابٌ لاشتمالها على تحصيل حكمتها فى مسبّباتها بطريق المناسبة، والشّيءُ الواحد بالاعتبار الواحد لا يُناسب المتضادَّين، فكلُّ عقدين بينهما تضادٌّ لا يجمعُهما عقدٌ واحد. فلذلك اختصّت العقودُ الّتى يجوز اجتماعُها مع البيع كالإجارة، بخلاف الجعالة، للزوم الجهالة فى عمل الجعالة، وذلك يُنافى البيع؛ والإجازةُ مبنيّة على نفي الغرر والجهالة له، وذلك موفقٌ للبيع. ولا يجتمع النّكاحُ والبيعُ لتضادّهما في المكايسة فى العوض والمعوّض بالمسامحة في النّكاح، والمشاخّة في البيع، فحصل التّضادّ. والصَّرفُ مبنيّ على التّشديد(١) وامتناعِ الخيار والتّأخير، وأمور كثيرة لا تُشترط في البيع، فضادَّ البيعُ الصَّرفَ، والمساقاةُ والقِراض فيهما الغرر والجهالة كالجعالة، وذلك مضادٌّ للبيع. والشّركةُ فيها صَرْف أحدِ النّقدين بالآخر من غير قبض، فهو صَرفٌ غيرُ ناجز، وفى الشّركة مخالفةُ الأصول، والبيعُ على وفق الأصول، فهما متضادان. وما لا تضادّ فيه يجوز جمعُه مع (١) وربما يُشكل عليه أنّه أجاز الصّرف مع البيع فى جزئية ذكرها ابن قدامة رحمه الله تعالى، وهى: إذا باع شيئا بدنانير بشرط أن يصرفها المشترى دراهم بسعر معلوم، فإنّه غير جائز عند الجمهور، وجائز عنده. قال ابن قدامة فى تعليل قول الجمهور: "لأنه شرط فى العقد أن يُصارفه بالثمن الذى وقع العقد به، والمصارفة عقد بيع، فيكون بيعتان فى بيعة ... وجوّزه مالك، وقال لاألتفت إلى اللّفظ الفاسد إذا كان معلوماً حلالاً، فكأنه باع السلعة بالدراهم التى ذكر أنه يأ خذها بالدنانير." (المغنى ٤: ٢٩٠) والجواب أنه لم يُجز البيع والصرف فى صفقة واحدة، وإنما نظر إلى هذه الجزئيّة بخصوصها إلى مآل العقد دون صورته، حيثُ يجب على المشترى أن يُعطيه الدراهم ثمنا للمبيع، فكأنه عقد البيع بالدراهم، وليس بالدنانير، فالصرفُ الظّاهر صورةً لا يُعتبر، ولهذا قال: "لاألتفت إلى اللفظ الفاسد" ومعناه أنه لو اعتبر اللّفظ، لحكم بعدم جوازه لكونه بيعا وصرفا فى صفقة واحدة. هذا ما ظهر لى، والله سبحانه أعلم. ٥١٠ فقه البيوع البیع. فهذا وجه الفرق."(١) فظهر أنّ العلّةَ فى منع الصّفقتين فى صفقة عند مالك رحمه الله تعالى ليس الجمع بين العقود فی حدّذاته، وإنما هو الجمعُ بین المتضادین، فلو لم یکن هناك تضادٌ بينهما جاز اجتماعُهما فى صفقة واحدة. وأمّا الجمهور الّذين يمنعون الجمْعَ بين الصَّفقتين فى سائر العقود، فالظّاهرُ أنّ عّة المنع عندهم البيعُ بشرطٍ يُخالف مقتضى العقد، وقد مرّ أنّ بعضَ الفقهاء عّلوه بأنّه يستلزم الرّبا، وبعضُهم علّلوه بإفضاءه إلى النزاع، وقد سبق أنّ التعليلَ الثّنى هو الرّاجح. وربّما يتأيّد التعليلُ الأوّل بقول عبدالله بن مسعود رضى الله تعالى عنه: "الصّفقتان فى صفقة رباً. "(٢) ولكن يمكن حملُه على كونه عقداً فاسداً، لأنّ لفظ "الرّبًا" كان كثيراً مّا يُطلق فى عهد السّلف على كلّ عقدٍ ممنوع شرعاً. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "ويُطلق الرّبا على كلّ بيع محرّم. "(٣) بل قد أطلق هذا اللّفظُ على كلّ عمل محرّم، كما فى قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إنّ من أربى الرّبا الاستطالةُ فى عِرض المسلم بغير حقّ." أخرجه أبوداود (٤) ووجب حملُ قول ابن مسعود رضى الله عنه على ذلك، لأنّه لا يصدق عليه المعنى المصطلح للرّبا كما أسلفنا فى مبحث البيع بالشّرط، بل عدمُ صدقِه على الصَّفقتين (١) الفروق للقرافيّ رحمه الله تعالى، الفرق ١٥٦ بين قاعدة ما يجوز اجتماعه مع البيع إلخ: ١٤٢:٣ (٢) مصنف عبدالرزاق ٨ ١٣٩ كتاب البيوع، حديث ١٤٦٣٦ والمعجم الكبير للطبراني ٩: ٣٧٤ حديث ٩٦٠٩ وصحيح ابن خزيمة، كتاب الوضوء، ١: ٩٠ حديث ١٧٦ وترتيب صحيح ابن حبان، کتاب الوضوء ١٩٥:٢ حديث ١٠٥٠ (٣) فتح الباري، كتاب البيوع، باب قول الله عزوجل: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة، ٣١٣:٤ (٤) سنن أبى داود، كتاب الأدب، حديث ٤٨٧٦ المبحث الرابع فى الصَّفقة بالطّريق الأولى، لأنّه إذا اجتمعت الصّفقتان، فالّذى يحصُل عموماً أنّ كلَّ واحدٍ منهما له عوضٌ مستقلٌّ معلوم، فلا يتأتّى فيه معنى الزّيادة بغير عوض. فالظّاهر أنّه أراد به عقداً ممنوعاً، وليس رباً بالمعنى المصطلح، والله سبحانه وتعالى أعلم. وبما أنّ الصّفقتين فى صفقة نوعٌ من البيع بشرطٍ زائد، فإنّه يجوز عند الحنفيّة إذا جرى به العُرف، لأنّ الشّرط فى البيع إن كان معروفاً فإنّه يجوز عندهم. وأجاز الفقهاء الحنفيّة بيعَ النّعل بشرط أن يحذُوَه البائع، قالوا: إنّه لا يجوزُ فى القياس لكونه بيعاً بشرط الإجارة، ولكن جازاستحساناً لمكان العرف. قال السّرخسيّ رحمه الله تعالی: "وإذا اشترى نعلاً بدرهم، وشراكاً معها على أن يحذُوها البائع، فهو جائزٌ استحساناً لكونه متعارفاً بين النّاس، وإذا كان أصلُ العقد يجوز للعرف، فالشّرط في العقد إذا كان متعارفاً للجواز أولى. وإن اشترى ثوباً على أن يخيطه البائعُ بعشرة فهو فاسد، لأَنّه بيعٌ شُرِط فيه إجارة، فإنّه إن كان بعضُ البدل بمقابلة الخياطة، فهي إجارةٌ مشروطةٌ فى بيع، وإن لم يكن بمقابلتها شيءٌ من البدل، فهي إعانةٌ مشروطةٌ في البيع، وذلك مفسدٌ للعقد. وهذا ومسألة النّعل في القياس سواء، غير أنّ هناك استحساناً للعرف، ولا عُرفَ "(١) هنا، فيؤخذ به بالقياس. فتبيّن أنّه إذا جرى العُرفُ بالجمع بين الصَّفقتين، فإنّه يجوز. وعلى هذا تفرّعت عدّةُ جزئياتٍ فى كتب الفقه، ومنها ما جاء فى المحيط البرهانيّ: (١) المبسوط السرخسي - كتاب الإجارة (١٠٢/١٥) فقه البيوع "إذا دفع الرّجلُ جدداً إلى الإسكاف، واستأجره بأجر مسمّىّ على أن يخْرِز له خُفّين، وسمّى له المقدارَ والصّفة على أن ينعل الإسكاف، ويبطّنه من عنده، ووصف له البطانةَ والنّعل، فهو جائزٌ استحساناً. والقياسُ أن لا يجوز. ووجهُ القياس فى ذلك أنّ هذا إجارةٌ شُرط فيها شراء، فتفسُد، كما لو استأجر داراً، وشرط فيها شراءً، ولأنّه صار مشترياً ما ليس عنده لا على وجه السّلم، وشراءُ ما ليس عند الإنسان لا يجوزُ إلاّ سَلماً، وكان بمنزلة ما لو دفع ثوباً إلى خيّاطٍ ليخيط له جُبّةً على أن يحشُوه ويُبطنه من عنده بأجرٍ مسمّى، فإنّه لا يجوز لما ذكرنا، فكذلك هذا. ذكر محمّد رحمه الله مسألة الجبّة فى الأصل على هذا الوجه، إلاّ أنّه تُرك هذا القياس في باب الخُفِ للتّعامل، ولا تعاملَ فى فصل الخيّاط،(١) فيُردّ فصلُ الخيّاط إلى ما يقتضيه القياس. "(٢) وكذلك إن سلّم رجلٌ غَزْلاً إلى حائكٍ لينسِجه، وأمره أن يَزيد فى الغزل رطلاً من غزله، فقد أجازه الفقهاء، سواءٌ أكان الغزلُ الزّائد قرضاً، أم بيعاً، مع أنّه إجارةٌ مشروطٌ فيها القرضُ أو البيع، ولكنّه جوّز استحساناً، وقالوا: "فإذا كان كلا الأمرين متعارفاً فيما بين الناس، تُرك القياس فيهما، وخُصّ به الأثر."(٣) ٢٣٥ - الصّور المتعارفة للجمع بين صفقات وممّا تعورف فى عصرنا أنّ النّاس يلتزمون تقديمَ مجموعة من الخدمات فى صفقة (١) والظاهر أن التعامل اليوم على جوازه فى الجبّة أيضا، والله سبحانه أعلم. (٢) المحيط البرهاني، كتاب الإجارة، الفصل ٣٣ (١٠٥:١٢) (٣) المحيط البرهاني، كتاب الإجارة، فصل ٣٣ (١٠١:١٢) المبحث الرابع واحدة، بعضُها ترجع إلى الإجارات، وبعضُها ترجع إلى البيوع، فؤُكلاء السّفر يُقدّمون خدمات الحج والعمرة مثلاً، فيلتزمون جمیعَ حاجات المسافر فى صفقة واحدة، بما فيها الحصولُ على التّأشيرة، وإكمالُ الإجراءات القانونيّة، وتذاكرُ عدّة من الأسفار الجوّة والبرّيّة، والإقامةُ فى فنادق، أو فى الخيام فى مواضع متعددة، وثلاثُ وجباتٍ للأكل يوميًا، مع جهالة نوعِها ومقدارها، ويتقاضون لهذه المجموعة أجراً مقطوعاً. فهذه مجموعةُ عدّة عقودٍ بعضُها إجارات، وبعضُها بيوع، وكلُّ واحدٍ منها مشروطٌ بالعقود الأخرى. وكذلك أجرُ الإقامة فى بعض الفنادق تشْمُل الفطور، أو الوجباتِ الثّلاثة مع الجهالة فى نوعها وقدرها. فظاهرُ القياس أن لا يجوز، لأنّه اشتراطُ صفقاتٍ فى صفقة واحدة، مع الجهالةِ فيما هو مبيع، ولكن جرى به التّعاملُ من غير نكير، والجهالةُ غيرُ مُفضية إلى النّزاع، فصار هذا المجموعُ جائزاً. ٢٣٦ - البيع بالوفاء ومن قبيل الشّرط الزائد فى البيع ما يُسمّى "البيع بالوفاء". وهو على ما عرّفه الحصكفيّ فى الدّر المختار: "أن يبيعه العينَ بألفٍ على أنّه إذا ردَّ عليه الثّمنَ رَدّ عليه العين. " وعرّفه ابنُ نُجيم بقوله: " أن يقول البائعُ للمشترى: بعتُ منك هذا العينَ بدَينِ لك عليّ، على أنّى متى قضيتُ الدّينَ فهو لى، أو يقولَ البائع: بعتُك هذا بكذا على أنّى متى دفعتُ لك الثّمن، تدفعُ العينَ إليّ. "(١) ووجهُ تسميته بالوفاء أنّ فيه (١) البحر الرائق ١١:٦ فقه البيوع عهداً بالوفاء من المشترى بأن يُرُدّ المبيعَ على البائع حين يُرُدّ الثّمن. وبعضُ الفقهاء يُسمّيه "البيع الجائز"، ولعلّه مبنيٌّ على القول بجواز البيع كما سيأتى، وبعضُهم يُسمّيه "بيع المعاملة". وسمّاه الشّافعيّة "الرّهنَ المعاد"، (١) والمالكيّة "بيع الثّنايا".(٢) واختلف الفقهاءُ فى حكمه اختلافاً شديداً، فذكروا فيه أقوالاً كثيرةً من أهمها ما يأتى: الأوّل: أنّه رهنٌ حقيقةً، وذُكر فى جامع الفصولين عن فتاوى النّسفيّ قال: "البيع الذى تعارفه أهلُ زماننا احتيالاً للرّبا، وسمَّوه بيعَ الوفاء هو رهنٌ فى الحقيقة، لا يملِكُه ولا ينتفع به إلاّ بإذن مالكه، وهو ضامنٌ لما أكل من ثمره، أو أتلف من شجره، ويسقُط الدِّينُ بهلاكه لوبقي، ولا يضمَن الزّيادة، وللبائع استردادُه إذا قضى دينَه، لافرق بينه وبين الرّهن فى حكم من الأحكام."(٣) وبه جزم الإمام أبو الحسن الماتريديّ وكثيرٌ من الفقهاء. وبهذا صدر قرارٌ من مجمع الفقه الإسلاميّ الدّوليّ. وهذا نصّه: "وحقيقتُه: "بيع المال بشرط أنّ البائعَ متى ردّ الثَّمَنَ يَرُدّ المشترى إليه المبيع ".قرّر: ١- إنّ حقيقة هذا البيع "قرض" جرّ نفعًا" فهو تحايُلٌ على الرّبًا، وبعدم صحّته قال جمهور العلماء. (١) الدر المختار مع ردّالمحتار ١٥: ٥٧٩ (٢) تحرير الكلام فى مسائل الالتزام للحطاب ص ٢٣٣ (٣) جامع الفصولين، الفصل الثامن عشر١: ١٦٩ المبحث الرابع ٢ - يَرَى المجمعُ أنّ هذا العقد غيرُ جائز شرعًا. "(١) الثّانى: أنّه بيعٌ صحيحٌ بشرطه للعُرف، وهو الذى اختاره الزّيلعيّ رحمه الله تعالى، فقال: "الفتوى على أنّه بيعٌ جائزٌ مفيدٌ لبعض أحكامه، من حلّ الانتفاع به، إلاّ أنّه لا يملك بيعَه للغير. وذكر الحصكفيّ عن النّهاية أنّ عليه الفتوى. وذكر ابنُ عابدين عن النّهر: "والعملُ فى ديارنا على ما رجّحه الزّيلعيّ"(٣) ولعلّ هذا القولَ مبنيٌّ غلى جواز الشّرط المتعارف فى البيع. الثّالث: ما سمَّوه "القول الجامع": وهو أنّه فاسدٌ فى حقّ بعض الأحكام، حتّى مَلَك كلٌّ منهما الفسخ، صحيحٌ فى حقّ بعض الأحكام، كحِلّ الأنزال ومنافع المبيع، ورهنٌ فى حقّ البعض، حتّى لم يملك المشترى بيعَه من آخر، ولا رهنَه، وسقط الدّينُ بهلاكه. فهو مركَّبٌ من العقود الثّلاثة، كالزّرافة فيها صفةُ البعير، والبقر، والنّمِر، جُوَّز لحاجة النّاس إليه، بشرط سلامة البدلين لصاحبهما. قال فى البحر: " وينبغى أن لايُعدل فى الإفتاء عن القول الجامع. "(٣) وهو الذى اختاره أصحابُ مجلّة الأحكام العدليّة فى مادة ١١٨ حيث قالوا: "بيعُ الوفاء هو البيعُ بشرط أنّ البائع متى ردّ الثمن يردّ المشترى إليه المبيع، وهو فى حكم البيع الجائز بالنّظر إلى انتفاع المشترى به، وفى حكم البيع الفاسد بالنظر إلى كون كلّ من الطّرفين مقتدراً على الفسخ، وفى حكم الرّهن بالنّظر (١) قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم ٦٦ بشأن بيع الوفاء (٢) ردالمحتار، باب الصرف ٥٨١:١٥ (٣) البحر الرائق ٦: ١٣ باب خيار الشرط فقه البيوع إلى أنّ المشتري لايقدر على بيعه إلى الغير." وعلى هذا الأساس فرّعت المجلّةُ عدَّةَ أحكام جزئيّة لبيع الوفاء فى المواد ٣٩٦ إلى ٤٠٣ القول الثّالث: أنّ شرطَ الوفاء إن كان فى صُلب العقد، فإنّه يُفسِد البيع، ويصيرُ رهناً تجرى عليه جميعُ أحكام الرّهن، من أنّه يحرم على المشترى أن ينتفع به، لأَنّه مرتهنٌ فى الحقيقة. أمّا إذا كان صُلبُ العقد خالياً من شرط الوفاء، ثمّ وعدَ المشترى بأنّ البائعَ كلّما جاء بالثّمن، فإنّه يبيعُ إليه المبيعَ ببيعٍ جديد، فهو بيعٌ جائزٌ يُحِلّ للمشترى الانتفاعَ بالمبيع، ويكونُ الوعدُ مُلزِماً للمشترى. قال القاضى خان رحمه الله تعالی: "وإن ذُكر البيعُ من غير شرطٍ، ثم ذُكر الشّرطُ على وجه المواعدة جاز البيع، ويلزمه الوفاءُ بالوعد، لأنّ المواعدةَ قد تكونُ لازمةٌ، فَتُجعلُ لازمةٌ لحاجة النّاس."(١) قال الحصكفيّ رحمه الله تعالى بعد نقل هذا القول: "وهو الصّحيح، كما فى الكافى والخانيّة، وأقرّه خسرو هُنا، والمصنّفُ فى باب الإكراه، وابنُ الملك فى باب الإقالة. "وهذا ما اختاره بعضُ مشايخنا فى شبه القارة الهندية للفتوى. (٢) وهذا القول مبنيٌّ على قول الصّاحبين بأنّ الشّرط بعد العقد لا يلتحق بأصل العقد. (١) فتاوى قاضى خان بهامش الهندية ٢: ١٦٥ فصل فى الشروط المفسدة للبيع (٢) راجع إمدادالفتاوى ٣: ١٠٨ و ١٠٩:٣ مسألة ١٣٥ المبحث الرابع وذكر ابنُ عابدين رحمه الله تعالى أنّ الشّرط الفاسدَ لو التحق بعد العقد، ففى التحاقِه بالعقد روايتان عن أبى حنيفة، والصّحيحُ أنّه يلتحق عنده لاعندهما، ورجّح المشايخُ قول الصّاحبين.(١) وكذلك المالكيّةُ صرّحوا بمثل ذلك فى بيع الوفاء الّذى يُسمّونه "بيع التُّنيا" أو "الثّنايا"، فإنّه لا يجوزُ عندهم بالشّرط فى صُلب البيع. قال الإمام مالك رحمه الله تعالى فى المدوّنة: " ومن ابتاع سلعةً على أنّ البائعَ متى ردّ الثّمن فالسّلعةُ له، لم يجُزْ لأَنّه بيعٌ وسلف. قال سُحنون: بل سَلفِ جرّ منفعة.اهـ"(٢) ولكن إذا وقع البيع مطلقاً عن هذا الشّرط، ثمّ وعد المشترى البائعَ بأنّه سوف يبيعُه إن جاءه بالثّمن، فإنّ هذا الوعد صحيحٌ لازمٌّ على البائع، قال الحطّاب رحمه الله: "قال فى معين الحكّام: ويجوز للمشترى أن يتطوّعَ للبائع بعد العقد بأنّه إن جاء بالثّمن إلى أجل كذا، فالمبيعُ له. ويلزمُ المشتريَ متى جاء بالثّمن فى خلال الأجل، أو عند انقضاءه، أو بعده على القُرب منه، ولا يكونُ للمشترى تفويتٌ(٣) فى خلال الأجل، فإن فعل ببيع أو هبة أو شبه ذلك، نُقِض إن أراده البائع، ورُدّ إليه ... وإن لم يضربا لذلك أجلاً، فللبائع أخذُه متى جاءه بالثّمن فى قُرب الزّمان أوبعده، مالم يُفوّتْه المبتاع. فإن فوّته فلا سبيل له إليه . فإن (١) راجع رد المحتار ١٤: ٦٥٥ باب البيع الفاسد (٢) تحرير الكلام فى مسائل الالتزام للعلامة الحطاب رحمه الله ص ٢٣٣ (٣) التّفويت فى اصطلاح المالكيّة أيّ تصرّف مانع للرّد. ٥١٨ فقه البيوع قام عليه حين أراد التّفويت، فله منعُه بالسُّلطان إذا كان مالُه حاضراً. فإن باعه بعد منع السّلطان له رُدّ البيع، وإن باعه قبل أن يمنعه السُّلطان نفذ بيعُه"(١) أمّا إذا كان الوعدُ بالوفاء قبل البيع، ثمّ عقدا البيعَ بغير شرطٍ، فقد اختلفت فيه أقوالُ المتأخّرين من الحنفيّة. فقال ابنُ قاضى سماوة فى جامع الفصولين: "ولو تواضعا (أى التّلجئة) قبل البيع، ثمّ تبايعا بلاذكر شرطٍ، جاز البيعُ عند ح رحمه الله، إلاّ إذا تصادقا أنّهما تبايعا على تلك المواضَعة. وكذا لو تواضعا الوفاءَ قبل البيع، ثمّ عقدا بلا شرط الوفاء، فالعقدُ جائزٌ، ولا عبرةَ للمواضعة السّابقة. "(٢) ومعناه أنّ المواضعةَ السّابقة للوفاء لا تلتحق بأصل العقد، فيجوزُ البيع، كما جاز فى المواضعة اللاحقة. واعترض عليه ابنُ عابدين رحمه الله تعالى بأنّه ينبغى الفساد لواتّفقا على بناءِ العقد عليه. وتعقّبه الأتاسيّ رحمه الله تعالى بأنّه بحثٌ مخالفٌ للمنقول.(٣) ولكن يبدو أنّ النّزاعَ لفظىَ، لأنّ صاحبَ جامع الفصولين صرّح بالاستثناء من الجواز ما إذا تصادقا أنهما تبايعا على تلك المواضعة، ومعناه أنّهما إذا بنيا العقد على المواضعة السّابقة بتصريح أنّه مشروطٌ بتلك المواضعة، تبيّن أنّ الشرطَ فى صُلب العقد، وهو مفسد. والذى جوزه فى جامع الفصولين أن تكون المواضعةُ ليس لها ذكرٌ فى العقد، وليس هناك تصادُقٌ بأنّهما (١) تحریر الكلام ص٢٣٩ (٢) جامع الفصولين، فصل ١٨ ج ١ ص ٢٣٧ (٣) شرح المجلة للأتاسي ٢: ٦١ المبحث الرابع بنيا العقدَ عليها. وحينئذٍ لاوجه لعدم الجواز. وبجوازه أفتى شيخُ مشايحنا التّهانويّ رحمه الله تعالى.(١) وربّما يقع ههنا إشكال، وهو أنّ المواضعةَ إذا وقعت قبلَ العقد، فالظّاهر أنّها ملحوظةٌ عند العقد لدى الفريقين، ولولم يتلفّظا بها صراحةً عند الإيجاب والقبول، وإنهما لا يبنيان العقدَ المطلق إلاّ على أساس ذلك الوعد السّابق. فلم يبق هناك فرقٌ بين هذا العقد المطلق الذى سبقته مواضعةٌ من الفريقين، وبين العقد الذى شُرط فيه العقدُ الآخر صراحةً، وينبغى أن يكون الحكم دائراً على حقيقة المعاملة دون صورتها، وأن تكون المواضعةُ السّابقةُ فى حكم الشّرط فى البيع فى عدم الجواز. والجواب عن هذا الإشكال على ما ظهر لى- والله سبحانه أعلم - أنّ الفرقَ بين المسألتين ليس فى الصّورة فحسب، بل هناك فرقٌ دقيق فى الحقيقة أيضاً. وذلك أنّ العقد الواحد إن كان مشروطاً بالعقد الآخر صراحةً، والّذى يُعبّر عنه بالصّفقة فى الصّفقة، لا يكونُ عقداً باتًّا، وإنّما يتوقّف على عقدٍ آخر بحيثُ لا يتمّ العقد الأوّلُ إلّ به، فكان فى حكم العقد المتردّد. فإذا قال البائعُ للمشترى: بعتُك هذه الدّار على أن تؤجرَ الدّارَ الفلانيّة لى بأجرة كذا، فمعناه: أنّ تمامَ البيع موقوفٌ على الإجارة اللاحقة، ومتى توقّف العقدُ على واقعٍ لاحق، خرج من حيّز كونه باتًا، وصار فى حكم العقد المتردّد، ولو حكَمْنا بمقتضى هذا العقد، وامتنع المشترى من الإجارة، فإنّ ذلك يستلزم أن يثبت للمشترى خيارُ الفسخ، لأَنّه لم يرضَ بالعقد إلاّ بشرط الإجارة اللاحقة، وعند فوات الشّرط يفوتُ المشروط. وهو الذى صرّح به الفقهاءُ الّذين (١) إمداد الفتاوى ٣: ١٠٨ و٣: ١٠٩ مسألة ١٣٥