Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨٠ فقه البيوع بجواز هذا البيع، بل سئل عن ذلك عمربن الخطاب رضى الله تعالى عنه، فمنعه من ذلك. فليس فيه حجّةٌ لجواز البيع المعلّق. ولهذا لم يؤخذ به فى المذاهب الأربعة. وأمّا الحاجة، فتندفع بشرط الخيار فى البيع، كما سيأتى. ٢١٨ - شرط التّوقّف (Suspensive Condition) وكذلك ما يُسمّى فى القوانين الوضعية "شرط التّوقّف" (Suspensive Condition) وهو أن يُنصَّ فى العقد أنّ البيع يظَلُّ موقوفاً على أمر فى المستقبل غير محقَّق الوقوع، فإن تمّ وقوعُه انعقد البيع تلقائياً بأثر رجعيّ. مثاله: أن يقول المشترى: "اشتريتُ منك هذا الشّيئَ بشرط أن أحصل على رخصة من الحكومة للمتاجرة فيه خلال ثلاثين يوماً من وقت العقد"، فإن لم يحصل على الرخصة، انفسخَ البيع، وإن حصل عليه، اعتُبر البيع منعقداً منذ يوم العقد. فإن كان هذا الشّرط فى عقد البيع، فإنّه من قبيل البيع المعلّق، فلا يجوز. ولكنّ الطّريقَ المشروعَ لهذا الغرض أن يشتريَ المشترى المبيعَ بشرط الخيار، فينعقد البيعُ ناجزاً، ولكن يكونُ له الخيارُ فى مدّة الخيار على اختلافٍ فى تحديدها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى فى موضعه. فإن وقع ما يتوقّعه، مثلُ الحصول على الرّخصة، أُنجز البيعُ من وقت العقد، وإن لم يحصُل، = مأثماً؟ قال: بل أرجو لك فيه أجراً، وسألت عبدةَ بنَ أبي لبابة، فقال: هذا فرج سوء، وقال الأوزاعيّ: وحدثني يحيى بنُ أبي كثير عن الحسن قال: البيع جائز والشّرط باطل، وسألت الزّهريّ، فأخبرني أنّ ابنَ مسعود كتب إلى عمر يسأله عن ابتياعه من امرأته جاريةً على إن باعها فهي أحقُّ بها بالثّمن، فقال عمر: "لا تطأ فرجاً وفيه شرطٌ لغيرك. "(سنن سعيد بن منصور، كتاب الطلاق، باب جامع الطلاق ٢: ١٣٤) المبحث الرابع فُسخ العقد بحكم الخيار. أمّا إذا اشترطت مثلُ هذه الشّروط فى اتّفاقيّة البيع الّتى ليست بحكم إنجاز البيع، بل هي فى حكم المواعدة فقط، فلا يكون بيعاً معلّقاً، بل هيَ مواعدةٌ مشروطةٌ بشروط. والظّاهر أنّه لابأس بذلك، بشرط أن يُعقد البيعُ عند وجود الشّرط بإيجاب وقبول. وقد فصّلنا الفرق بين اتّفاقيّة البيع وبين البيع فى مبحث الوعد والمواعدة، وأنّ الأصل فيهما أنّهما غير لازمين فى القضاء، ولكن يُمكن القول بلزومهما فى حالات الحاجة الحقيقيّة فقط، وليس بصفته أصلاً عاماً. وكذلك ما يُسمّى "شرط الإنهاء" (Resolutive Condition) وهو شرطٌ فى عقد البيع أنّ العقد ينفسخ تلقائياً إن وُجد أمرٌ مخصوص.(١) مثل أن يشترط المشترى أنّ البيع يُفسخ إن فُرض على مشترى ذلك المبيع ضريبةٌ من الحكومة، فإنّه تعليقٌ لفسخ البيع على أمر لا يتحقّق وجوده. ولكنّالطّريق المشروع له أن يُعقد البيعُ بخيار الشّرط. فإن فُرضت الضّريبة على المشترى فى مدّة الخيار بسبب الشّراء، فسخه المشترى بخيار الشرط. ٢١٩ - التّعليق على أمر كائن والتّعليقُ على ما عرَفه الحَمَوىّ رحمه الله تعالى: "ترتيبُ أمر لم يُوجد على أمرٍ لم يُوجد ب ((إن)) أو إحدى أخواتها. "(٢) وخرج بهذا التعريف التّعليقُ على أمرٍ كائن، أى على أمر وُجدَ عند العقد، ولهذا قيّد ابنُ نُجيم بُطلانَ البيع المعلّق بالمعلّق (1) Pollock & Mulla: On Sale of Goods Act, Sec. 4, Para 11. (٢) غمزعيون البصائر، شرح الأشباه والنظائر ٣: ١٧٦ الفنّ الثالث: القول فى الشرط والتعليق. ٤٨٢ فقه البيوع بالشّرط المحض، وقال ابنُ عابدين: "والظاهر أنّه احترازٌ عن التّعليق بشرطٍ كائن، فإنّه تنجيزٌ، كمافى جامع الفصولين، قال: ألاترى أنّه لوقال لامرأته: أنتِ طالقٌ إن كانت السّماءُ فوقَنا والأرضُ تحتَنا، تُطلّق للحال. ولو علّق البراءةَ بشرطٍ كائنِ يصح:"(١) وظاهره أنّ تعليقَ البيع على أمرٍ كائنٍ يصحُّ بشرط أن يعلم المتبايعان وقوعَه، لأنّ النَّظيرَ الذى ذُكر فى جامع الفصولين لصحّة الإبراء المعلّق على شرطٍ كائن، هو أن يقول الزّوجِ: "أنتِ طالق إن كانت السّماءُ فوقنا والأرضُ تحتَنا." وهذا ما يعلمُه كلّ أحد. وحينئذٍ هو تنجيزٌ حقيقةً. أمّا إذا لم يعلم المتبايعان وقوعَ ذلك الأمر، مثلَ أن يقولَ البائع: "بعتُك هذا القلم، إن كان ابنى اشترى مثلَه" ولا يعرفُ المتبايعان هل اشترى ابنُه مثلَه أم لا، فالظّاهر أنّه تعليق، لا تنجيز، فينبغى أن لاينعقد به البيعُ إن علما بعد ذلك أنّ ابنَه اشترى مثله، فيحتاجان إلى عقدٍ فى ذلك الحين، لأنّ عدم معرفتهما بالشّرط الذى عّقا عليه البيعَ أخرج البيع من كونه جازماً، وهو المحظور الّذى يُبطل البيع، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٢٢٠ - البيع بشرط رضا غير العاقدين والّذى يُستثنى من بُطلان البيع المعلّق عند الحنفيّة أن يُعلّقه العاقدُ برضا أحدٍ غيره. قال ابنُ قاضى سماوه رحمه الله تعالى: "ولوقال بعتُه بكذا إن رضيَ فلان، جاز البيع (١) رد المحتار ١٥: ٤٥٩ ما يبطل بالشرط الفاسد. وعبارة جامع الفصولين فى الفصل السادس والعشرين ٢:٢ باختلاف يسير فى اللفظ. ٤٨ المبحث الرابع والشّرطُ جميعاً."(١) وإنّما أجيز ذلك على أنّه من قبيل خيار الشّرط. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "وإنّ شرطَ الخيار لأجنبىِّ صحّ، وكان اشتراطاً لنفسه وتوكيلاً لغيره، وهذا قولُ أبى حنيفة ومالك. وللشّافعى فيه قولان، أحدهما لا يصحّ، وكذلك قال القاضى: إذا أطلق الخيارَ لفلان أو قال لفلان دونى، لم يصحَ "ثمّ رجّح ابنُ قدامة القول الأوّل، (٢) لكن صرّح البهوتيّ من الحنابلة بعدم انعقاد البيع به أيضاً. قال: "مالا ينعقد معه بيعٌ كبعتُك أواشتريتُ إن جئتَنى أو رضيَ زيدٌ بكذا."(٣) والظّاهرُ أنّه ليس هناك مانعٌ من شرطِ الخيار لغير المتعاقد، لأنّ خيار الشّرط إنّما شُرع ليتمكن صاحبُ الخيار من التّروّى، ومن استشارة ذوى البصيرة فى الأمر، فإن كان يجوز له أن يستشير غيره، ينبغى أن يُفوّض خيارَه إلى آخر يثق به أكثرَ ممّا يثق بنفسه. ٢٢١-الشرط الثانى: أن يكون البيع معقوداً فى الحال ومن شروط انعقاد البيع أن يُعقد فى الحال، فلاينعقد البيعُ إن أضيف إلى مستقبل، مثل أن يقول: بعتُك هذا الشّيئ بكذا لتاريخ كذا. وإنّه فى حكم التّعليق فى عدم صحّة البيع بالاتّفاق، ولكنّ الظّهر من عبارات الحنابلة والشّافعيّة أنّهم يُدخلون الإضافة فى التعليق (٤) ويجعله الحنفيّة قسماً مستقلاً عن التّعليق، لفرق دقيق بنهما، (١) جامع الفصولين ٢: ٣ فصل ٢٦ (٢) المغني لابن قدامة ٤: ١٠٠ (٣) شرح منتهى الإرادات ٢: ١٦٤ (٤) "كقوله بعتُك إن جئتنى بكذا ... فلا يصحّ البيع لأَنّه علّق البيع على شرط مستقبل، فلم يصحّ، كما إذا قال: بعتُك إذا جاء رأس الشّهر" (الشرح الكبير على المقنع لشمس الدين بن قدامة ٤: ٥٨" = فقه البيوع وإن كان حكمُهما فى فساد البيع واحداً. قال العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى: "ثُمّ الفرقُ بين التّعليق والإضافة هو: أنّ التّعليق يمنع المعلَّق عن السّبيّة للحكم، فإنّ نحو "أنتِ طالق " سببٌ للطّلاق في الحال، فإذا قال: "أنتٍ طالق إن دخلتِ الدّار" منعَ انعقادَه سبباً للحال، وجعلَه متأخّراً إلى وجود الشّرط. فعند وجوده ينعقد سبباً مُفضياً إلى حكمه، وهو الطّلاق. وأمّا الإيجابُ المضاف، مثلُ "أنتِ طالقٌ غداً" فإنّه ينعقد سبباً للحال، لانتفاء التّعليق المانع من انعقاد السّبيّة، لكن يتأخّرُ حكمُه إلى الوقت المضاف إليه، فالإضافةُ لا تُخرِجُه عن السّبيّة، بل تُؤْخِّر حكمَه، بخلاف التّعليق، فإذا قال: "إن جاء غدٌ فللّه عليّ أن أتصدّق بكذا" لا يجوز له التّصدّق قبلَ الغد، لأَنّه تعجيلٌ قبل السّبب، ولو قال: "الله عليّ أن أتصدَّق بكذا غداً" له التّعجيلُ قبلَه، لأنّه بعد السّبب، لأنّ الإضافة دَخَلتْ على الحكم لا السّبب، فهو تعجيلٌ للمؤجّل. وتفرّع عليه ما لو حلف لا يطلّق امرأته، فأضاف الطّلاق إلى الغد، حَنِث، وإن علَّقه لم يحنث، هذا حاصلُ ما ذكروه في كتب الأصول."(١) وبالجملة، فالبيعُ من العقود التى لا تقبل الإضافة إلى المستقبل، وعلّله فى الدّ المختار بأنّها تمليكاتٌ للحال، فلاتُضاف إلى الاستقبال، كما لاتُعلّق بالشّرط، لمافيه = وجاء فى البيان فى المذهب الشّافعي "ولا يجوز تعليق البيع على شرط مستقبل بأن يقول: إذا جاء رأس الشّهر، أو إذا طلعت الشّمس فقد بعتُك عبدى." (١١٤:٥) (١) رد المحتار، كتاب البيوع، باب المتفرقات ٥١٢:١٥، ٥١٣ المبحث الرابع من القمار." وقال ابن عابدين رحمه الله تعالى: "حاصله أنّه تمليكٌ على سبيل المخاطرة، ولمّا كانت هذه تمليكاتٍ للحال، لم يصحّ تعليقُها بالخطر لوجودمعنى القمار." وهذا بخلاف الإجارة، فإنّها تقبل الإضافة. قال الزيلعيّ رحمه الله تعالى: "لأنّ الإجارةَ وما شاكلها لا يُمكن تمليكُه للحال. " وقال ابنُ عابدين بعد نقله: "ويظهر من هذا ... أنّ الإضافة تصحّ فيما لا يمكن تمليكُه فى الحال، وفيما كان من الإطلاقات، والإسقاطات، والالتزامات، والولايات، ولا تصحّ فى كلّ ما أمكن تمليكُه للحال. "(١) (١) ردالمحتار ٥١٦:١٥ الباب الثانى فى الشرط الفاسد أو الاستثناء فى البيع ٢٢٢-١ لشرط الفاسد ويُشترط لصحّة البيع أن لايكون مشروطاً بشرط فاسد. والشّروط الفاسدةُ على نوعين: الأوّل: أن يُشترط فى المبيع وصفٌ فى وجوده غرر. وسنذكر مسائلَه إن شاء الله تعالى فى مبحث خيار فوات الوصف. والثّانى: أن يكون العقدُ مشروطاً بشرطٍ لا يقتضيه العقد. فإن اشتُرط فيه مثلُ هذا الشّرط، فسد العقد. والفرقُ بين الشّرط والتّعليق أن التّعليق ترتيب أمر لم يوجد على أمر لم يوجد، ء والشّرطُ التزامُ أمر لم يوجد فى أمر وُجد بصيغة مخصوصةٍ(١) والأصلُ فى هذا مارُويَ عن عبد الله بن عمرو رضى الله تعالى عنهما أنّ النبيّ صلّى (١) غمزعيون البصائر للحموى، ناقلا عن الزركشى ٤: ٤١ الفن الثالث، القول فى الشرط والتعليق المبحث الرابع الله عليه وسلّم نهى عن الشّرط فى البيع. رواه أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه.(١) وأخرجه الترمذىّ عنه بلفظ: "لايحلّ سلفٌ وبيعٌ، ولاشرطان فى بيع. "(٢) وإنّ الأئمة الأربعة اختلفوا فى تفسير هذا الحكم. ونحتاج فى بيان كل مذهب إلى تفصيل نُلخّصه فيما يأتى بتوفيق الله سبحانه وتعالى: ٢٢٣ - المذهب الحنفي خلاصةُ مذهب الحنفيّة أنّه إن كان المشروطُ فى البيع شرطاً يقتضيه العقد، أو يلائمُ العقد، أو شرطاً جرى به العرفُ فيما بين النّاس، فهو جائزٌ، ولا يفسُد به البيع. ومثالُ الشّرط الذى يقتضيه العقد: ما إذا باع بشرط أن يحبس المبيعَ إلى قبض الثّمن، أو اشترى دابّةً بشرط أن يركبها المشترى، أو اشترى حنطةً فى سُنبلها، وشَرط الحصادَ على البائع. والحقُّ أنّ هذا النّوع من الشّروط ليس من الشّرط المبحوث فيه، لأنّه لا يفيد إلاّ تأكيدَ ما وجب بنفس العقد، ولا يُضيف إليه شيئاً. ومثالُ الشرط الذى يلائمُ العقد، كما فى البدائع، ما إذا باع على أن يُعطيه المشترى بالثّمن رهناً أو كفيلاً، والرّهنُ معلوم، والكفيل حاضر، فقبل، فإنّه جائز، وكذلك شرطُ الحوالة شرطٌ يُلائم العقد، فيجوز.(٣) ولعلّ من الشّروط الملائمة فى عصرنا أنّ البائعَ يُسجّل ملك المشترى للمبيع فى الجهات الرّسميّة. (١) جامع المسانيد ٢٢:٢ (٢) جامع الترمذى، کتاب البيوع، باب ١٩، حدیث ١٢٣٤ (٣) بدائع الصنائع ٥: ١٧١، والمبسوط ١٩:١٣، وفتح القدير ٢١٥:٥ فقه البيوع ومثالُ الشّرط الّذي جرى به العُرف، ما إذا اشترى نعلاً على أن يحذُوه البائع، أو جراباً على أن يخْرزه له خُفًا. قال السّرخسيّ رحمه الله فى المبسوط: "وإن كان شرطاً لا يقتضيه العقد، وفيه عُرفٌ ظاهر، فذلك جائزٌ أيضاً، كما لو اشترى نعلاً وشراكاً بشرط أن يحذُوه البائع، لأن الثّابت بالعرف ثابتٌ بدليل شرعىّ، ولأنّ فى النّزع عن العادة الظّاهرة حرجاً بيناً." وقال الكاسانيّ فى البدائع: "والقياسُ أن لا يجوز، وهو قول زفر رحمه الله. وجهُ القياس أنّ هذا الشّرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعةٌ لأحد المتعاقدين، وإنّه مُفسد .... ولنا أنّ النّاسَ تعاملوا هذا الشّرط فى البيع، كما تعاملوا الاستصناع، فسقط القياسُ بتعامُل النّاس، كما سقط فى الاستصناع."(١) وأمّا الشّروط الأخرى الّتى لا تدخُل فى واحدٍ من هذه الثّلاثة، فإن كان فيها منفعةٌ لأحد العاقدين، أو للمعقود عليه، فإنّها فاسدة، ويفسُد بها البيع، مثل أن يشتريَ الحنطة على أن يطْحَنها البائع، أو يتركَه فى داره شهراً، أو ثوباً على أن يخيطَه، فالبيعُ فاسد كما في فتح القدير(٢) وغيره. وإن كان الشّرطُ بحيثُ لا منفعةَ فيه لأحد العاقدين، ولا للمعقود عليه، فالشّرطُ باطل، والعقدُ صحيح، نحو ما إذا اشترى دابّةً أو ثوباً بشرط أن لا يبيع، كذا فى المبسوط(٣). وعلّله فى البدائع بقوله: "لأنّ هذا شرطٌ لا منفعةً فيه لأحد، فلا يوجب (١) بدائع الصنائع ٥: ١٧٢ (٢) فتح القدير ٥: ٢١٥ (٣) المبسوط ١٥:١٣ المبحث الرابع الفساد، وهذا لأنّ فسادَ البيع فى مثل هذه الشّروط، لتضمّنها الربا،(١) وذلك بزيادة منفعة مشروطة فى العقد لا يُقابلها عوض، ولم يوجد فى هذا الشّرط، لأَنّه لا منفعةً فيه لأحد، إلاّ أنه شرطٌ فاسد فى نفسه، لكنه لا يؤثّر فى العقد، فالعقد جائزٌ والشّرطُ باطل." ٢٢٤ - المذهب الشافعيّ مذهب الشّافعيّة قريبٌ من مذهب الحنفيّة. فالشّرط الّذي يقتضيه العقد صحیحٌ عندهم بداهةً، لأنّه ملحوظٌ من غير حاجة إلى أن يُذكر. وأمّا الشّرط الذى يُلائم العقد، فيُسمّى فى المذهب الشافعيّ بالشّرط الّذى فيه "مصلحة العقد"، أو الشّرط الذى تدعو إليه الحاجة، وهو جائزٌ عندهم بهذا التّعبير، فقد ذكر الشّيرازىّ فى المهذّب: "فإنّ شرطَ ما لا يقتضيه العقد، ولكن فيه مصلحة، كالخيار، والأجل، والرّهن، والضّمين، لم يُبطل العقد، لأنّ الشّرع ورد بذلك على ما نبيّنه فى مواضعه إن شاء الله، وبه الثّقة، ولأنّ الحاجة تدعو إليه، فلم يفسد العقد."(٢) وإنّ تعبير "المصلحة" أو "الحاجة " ظاهرُه العمومُ فى كلِّ مصلحة، وكلِّ حاجة، ولكنّهم (١) وسيأتى قريبا الكلام على تنقيح علّة فساد البيع بشرط فاسد، وأنّ كونه يتضمن الربوا علّة مرجوحة. وذلك تحت عنوان "علة فساد البيع بالشرط الفاسد" (٢) المهذّب ٢٦٨:١ ٤٩٠ فقه البيوع لا يُريدون ذلك العموم، وإنّما استثنَوا بهذا التّعبير صوراً مخصوصة، ذكرها الرملّيّ فى نهاية المحتاج والخطيب الشّربينى فى مُغنى المحتاج.(١) وأمّا الشّرط الّذي جرى به التّعامل، فليس مستثنىَّ من النّهي عند الشّافعيّة، كما هو مستثنىَّ عند الحنفيّة، غيرَ أنّهم يجوّزون بيعَ العبد بشرط إعتاقه لتشوّف الشّارع إلى العتق، ولحديث بريرة رضى الله عنها، وهذا خلاف القياس عندهم. وأمّا الشّرطُ الّذي لا غرضَ فيه، ولا منفعةَ منه لأحد، فإنّه يلغو عند الشافعيّة، ولا يفسُد به العقد، كما عند الحنفيّة سواءً بسواء.(٢) فالفرق الحقيقىّ بين المذهبين أنّ الحنفيّة يجوّزون الشّرط الذي جرى به التّعامل، ولا يجوّزه الشّافعيّة. ٢٢٥ - المذهب المالكىّ وإنّ المذهب المالكيّ من أدقّ المذاهب، وأكثرها تفصيلاً في مسئلة الشّرط. والفرقُ بينه وبين المذهبين السّابقين أنّ الأصلَ فيهما عدمُ جواز الشّرط، وللإباحة صُوَرٌ مُستثناة. والأصل في المذهب المالكيّ، علي العكس من ذلك: إباحةُ الشّرط، ولعدم الجواز صُوَرٌ مستثناة، فلا يكون الشّرطُ فى هذا المذهب فاسداً إلاّ في موضعين: الأوّل: إذا كان الشّرط يُناقض مقتضى العقد، كما إذا اشترط البائع على المشتري ألاّ يتصرّف فى المبيع. (١) نهاية المحتاج ٣: ٤٣٥، ومغنى المحتاج ٣٢:٢ (٢) نهاية المحتاج ٣: ٤٣٥، ومغنی المحتاج ٣٢:٢ المبحث الرابع والثّاني: إذا كان الشّرط يُخِلّ بالثّمن، بأن يزيدَه أو ينقصه إلى قدر غير معلوم. وهذا كبيعِ اشْتُرط فيه قرضٌ ووجهُ فساد الشّرط فى هذا، كما يقول الخُرشيّ رحمه الله تعالى، أنّ الشّرط: "يعود جهلُه فى الثّمن إمّا بزيادة، إن كان الشّرطُ من المشتري، أو بنَقص، إن كان من البائع. " يعنى أنّه إذا اشترط البائعُ أن يُقْرِضه المشترى، فكأنّ جُزءً من المبيع مقابلٌ للإقراض، فإن لم يُقرِضْه وجب أن يزيدَ المشترى فى الثّمن مُقابلَ الجزء الذى كان الإقراضُ مقابلَه، وهذا الجزءُ من الثّمن مجهول، وإذا اشترط المشترى أن يُقرضه البائع، فكأنّ جزءً من الثّمن مقابلٌ للإقراض، فإن لم يُقرضْه البائع وجب أن يُرُدّ بعضَ الثّمن الّذى كان مقابلَ الإقراض، وقدرُه مجهول، فاختلٌ الثمن. والشّرط الفاسد عندهم يبطُل في جميع الأحوال، ولا يُعمل به، وأمّا أثره في العقد، فينقسم إلى أقسام ثلاثة: ١.إنّ الشّرط الفاسدَ يُبطل العقدَ، وذلك إنّما يقع عادةً إذا كان الشّرطُ يُناقض مقتضى العقد، بحيث إذا أُعمل لزم أن يختلّ العقد، فيبطُل الشرط والعقد كلاهما، كما إذا . اشترط البائعُ على المشترى أن لا يتصرّف في المبيع، أو اشترط الواهب على الموهوب له أن لا يقبض الهبة. ٢. إنّ الشّرط الفاسد يبطُل وحده، ويبقى العقدُ جائزاً، ويبدو أنّ ذلك يقعُ فيما إذا ناقض الشّرطُ مقتضى العقد، ولكنّ العقد لا يختلّ إذا أُعمل الشّرط، كما إذا اشترطت الزّوجة على زوجها أن لا يتزوّج عليها، أو ألاّ يطلّقها، فحينئذٍ يبطُل الشّرط ويصحّ العقد. وذكر ابنُ رشد من هذا القبيل أن يشترط البائعُ شيئاً بعد انقضاء ملك المشترى، مثل أن يبيعَ ٤٩٢ فقه البيوع العبد، ويشترطَ أنّه متى أعتقه المشترى، فإنّ الولاء يرجعُ إلى البائع، كما فى حديث بريرة، حيث يصحُّ البيع ويفسُد الشّرط. ٣.إنّ الشّرط الفاسدَ يُبطل العقد إلاّ إذا نزل عنه المشترط، فيسقُط الشّرطُ ويبقى العقد، وهذا فيما إذا كان الشّرطُ يُخلّ بالثمن، كما في بيع الوفاء وغيره. وما سوى هذه الصّور من الشّروط، جائزٌ عند مالك رحمه الله تعالى، فيجوز فى مذهب المالكيّة أن يشترط البائع على المشتري أن يُعتِق العبدَ المبيع، أو يقف الأرضَ المبيعة، ممّا يتضمّن إيقاعَ معنىٌ فى المبيع هُو من معانى البرّ، وكذلك يجوز عنده أن يبيعَ الدّار، ويشترطَ البائعُ سُكناها مدّةً معقولة، أو الدَابّة، ويشترطَ ركوبَها إلى مدّة معلومة، أو مكان معلوم، أو الثّوب، ويشترطَ عليه المشترى أن يخيطه، أو ء الحنطة، ويشترطَ عليه أن يطحنها، وغير ذلك من الشّروط الّتى فيها مصلحةٌ معقولةٌ لأحد المتعاقدين. هذه خلاصةُ ما في بداية المجتهد، ومواهب الجليل للحطّاب، والخُرَشيّ(١). ويقول ابن رشد فى بداية المجتهد: "ويرى أصحابُه أنّ مذهبَه هو أولى المذاهب، إذ بمذهبه تجتمع الأحاديث كُلُها، والجمعُ عندهم أحسنُ من التّرجيح". ٢٢٦ - المذهب الحنبليّ أمّا المذهب الحنبليّ، فيقول: إنّ الشّرطَ إذا كان أكثرَ من الواحد، يُنظر: إن كانا من مصلحة العقد جاز العقد والشّرطان جميعاً، مثل أن يبيعه بشرط الخيار، والتّأجيل، (١) بداية المجتهد ٢: ١٦١ و١٦٢، ومواهب الجليل للخطاب ٣٧٣:٤و ٣٧٥، والخرشي ٥: ٨٠ و ٨١ المبحث الرابع والرّهن، والضّمين. أمّا إن لم يكُن الشّرطان من مصلحة العقد، فسد الشّرطان والعقدُ جميعاً على الإطلاق، مثلَ أن يشتريَ ثوباً بشرط أن يخيطَه البائع ويغْسِله، فهذان شرطان، ويفسد به العقد. وأمّا إذا كان الشرطُ واحداً، فإن كان اشتراطَ عقدٍ فى عقد، نحو أن يبيعَه شيئاً بشرط أن يبيعَه المشترى شيئاً آخر، فهذا شرطٌ فاسدٌ يُفسد البيع. وإن كان اشتراطَ منفعة للبائع فى المبيع، مثلَ أن يبيعَ الدابّةَ ويشترط ركوبَه، أوداراً، ويشترطَ سُكناها مدّةً معلومة، أو اشتراطَ منفعة للمشترى، مثلَ أن يشتريَ ثوباً ويشترطَ على البائع خياطتَه، ء فالشّرط جائزٌ والعقدُ جائز. وإن كان الشّرطُ مخالفاً لمقتضى العقد ولكن فيه معنى البرّ، مثلَ أن يشترط بائعُ العبد أن يُعتقه المشترى بعد الشّراء، فهو جائزٌ فى رواية، وفاسدٌ فى أخرى. أمّا الشّروط الأخرى التى تُنافى مقتضى العقد، مثل أن لا يبيع، أو لا يهَب، أو لا يعتق، أو أن يبيع أو يهب، فهذه شروطٌ فاسدةٌ لاتجوز، ولكن هل يفسد بها البيع؟ فيه روايتان، وذكر القاضى أنّ المنصوصَ عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنّها لاتُفسِد البيع، فالبيع صحيح. وهذا ملخّص مافى المغنى لابن قدامة (١). ٢٢٧ - الأحاديث الواردة في الباب وأمّا الأحاديث الواردة في الباب فثلاثة، وقد جَمَعَتْها قصّةُ عبد الوارث بن سعيد، فنوردها بتمامها، لما فيها من فوائد: أخرج ابن حزم في المحلى (٣) والحاكم في معرفة علوم الحديث(١) عن عبد الوارث (١) المغنى ٢٨٦:٤ (٢) المحلی ٤١٥:٨ ٤٩٤ فقه البيوع بن سعيد، قال: "قدمتُ مكّة، فوجدتُ بها أبا حنيفة، وابنَ أبى ليلى، وابنَ شُبْرُمة، فسألت أبا حنيفة عمّن باع بيعاً، واشترط شرطاً، فقال: البيعُ باطل، والشّرطُ باطل. ثمّ سألت ابنَ أبى ليلى عن ذلك، فقال: البيعُ جائز، والشّرطُ باطل. ثمّ سألتُ ابنَ شُبرمة عن ذلك، فقال: البيعُ جائز، والشّرطُ جائز. فرجعتُ إلى أبى حنيفة، فأخبرتُه بما قالا، فقال: لا أدرى ما قالا، حدثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: أنّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيعٍ وشرط. البيع باطل، والشّرط باطل. فأتيتُ ابن أبي ليلى، فأخبرتُه بما قالا، فقال: لا أدرى ما قالا، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أمّ المؤمنين: أنّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم قال: اشترى بريرة، واشترطى لهم الولاء. البيع جائز، والشّرط باطل. فأتيتُ ابنَ شُبرمة، فأخبرته بما قالا، فقال: لا أدرى ما قالا، حدثنا مسعر بن كِدام، عن مُحارب بن دثار، عن جابر بن عبد الله: أنّه باع من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جملاً، واشترط ظَهْره إلى المدينة. البيعُ جائز، والشّرط جائز." فهذه هي الأحاديثُ الثّلاثة الّتى يدورُ عليها الكلامُ فى مسئلة الباب. فأمّا حديث بريرة رضي الله تعالى عنها، فإنّ شرطَ الولاءِ للبائِعِين شرطٌ لم يكن فى اختيار العبد وفاءُه، لأنّ استحقاقَ الولاء حكمٌ شرعىّ لا يتغيّر بالاشتراط. والشّرطُ الَّذى يُبطل البيعَ ماكان وفاءُه فى اختيار العبد، فصار كأن يقول: بعتُك هذه الأرض بشرط أن لا يرثَك فيها بنوك. فمثلُ هذا الشّرط كالمعدوم، فلا يُبطل البيع. وقد فصّلنا الكلام على = (١) معرفة علوم الحديث(ص.١٢٨) المبحث الرابع حديث بريرة رضى الله عنها فى كتاب العتاق من تكملة فتح الملهم.(١) أمّا حديث النّهي عن بيع و شرط، فقد رُوي بطريقين: الأول: ما أخرجه الترمذيّ فى باب كراهية بيع ما ليس عنده من طريق أيوب، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو رضى الله تعالى عنهما: أنّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "لا يحلّ سلفٌ وبيع، ولا شرطان في بيع " وقال التّرمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح. واستدلّ به أحمد وإسحاق رحمهما الله تعالى على جواز الشّرط الواحد في البيع، ومنع الشّرطين. والثاني: ما رواه أبو حنيفة رحمه الله، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن الشّرط في البيع، كما في جامع المسانيد(٢)، واستدلّ به أبو حنيفة والشّافعيّ رحمهما الله تعالى على أن الأصل في الشّرط عدمُ الجواز، سواءٌ أكان واحدا، أم أكثر. وقال شيخُنا العثمانيّ التّهانويّ رحمه الله تعالى فى إعلاء السنن: "یمکن أن یکون عمرو بن شعيب يروي عن أبيه عن جدّە کلتا الرّوایتین، فروى عنه أبو حنيفة رواية، وروى عنه آخرون رواية أخرى. والثّاني أن يقال: إنّ أصل الرواية كان أنّه نهى عن شرطين في بيع، إلا أنّ أبا حنيفة رواه بالمعنى، لأنّ معنى الشّرطين في البيع: هو البيع والشّرط، لأن البيعَ نفسه شرط، فإذا شُرط فى البيع شرطٌ آخر اجتمع فيه شرطان، كذا قاله الطّحاويّ في معانى الآثار .... وأيضاً لا (١) تكملة فتح الملهم، طبع دار القلم ١: ١٨٥ (٢) جامع المسانيد ٢٢:٢ ٤٩٨ فقه البيوع وجه لجواز الشّرط وعدم جواز الشّرطين، وأيضاً: كلّ شرط متضمن لشرطين: شرط الوجود، وشرط العدم، فلا يخلو بيعٌ بالشّرط عن شرطين، فلا يجوز لوجود الشّرطين."(١) وأمّا حديث جابر رضي الله تعالى عنه، فإنّه باع جَمَله من النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على أن يركبه إلى المدينة، فخلاصةُ الكلام فى هذا الحديث أنّ هذه القصّة قد رُويَت بألفاظ مختلفة، يدلّ بعضُها على أنّ الرّكوب كان شرطاً فى العقد، كما فى صحيح مسلم: "واستثنيتُ عليه حُملاَه إلى أهلى"، ويدلّ بعضُها على أنّه لم يكن مشروطاً فى العقد، ووقع البيعُ مطلقاً، ثمّ تبرّع به النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم. ومن أصرح ما يدلّ على ذلك ما أخرجه أحمد فى طريق نُبيح العنْزىّ بسندٍ رجاله ثقات: "فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: قد أخذتُه بوقيّة، قال: فَنَزلتُ عن الرّحل إلى الأرض، قال: ما شأنك؟ قال : قلتُ جملَك! قال: قال لى: اركب جملَك، قال: قلت: ما هُو بجملي، ولكنّه جملك، قال: كنا نراجعُه مرّتین فی الأمر إذا أمرنا به، فإذا أمَرنا الثّالثة لم نُراجعه، قال: فركبتُ الجمل."(٢) فإنّ هذا السّياق صريحٌ فى أنّ جابراً رضي الله تعالى عنه قد سلّم الجملَ إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولم يرْضَ بالرّكوب عليه، إلاّ بأمرِ متكرّر من النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فضلاً عن أن يكون قد شرطه فى العقد. وقد ذكر البخاريّ رحمه الله تعالى فى كتاب الشّروط أنّ الرّوايات التى وردت (١) إعلاء السنن ١١٢:١٢ (٢) ٢٣ : ١٥٠ (برقم ١٤٨٦٤) ٥ المبحث الرابع بألفاظ الاشتراط أكثرُ وأصحّ. وتعقّبه شيخُنا العثمانيّ رحمه الله تعالى فى إعلاء السنن (١) بأنّ رُواة عدم الاشتراط أكثرُ و أقوى، فساق جميعَ الرّوايات، وتكلّم عليها متناً واسناداً. ولو سُلّم قول البخاري رحمه الله تعالى، فإنّه يُمكن أن تكونَ صيغُ الاشتراط من تصرّف الرّواة، وأن يكون الرّواة عبّروا عنه بصيغ الشّرط، لما أنّ التّبرّع قد وقع بعد البيع متّصلاً، بخلاف سياق ما أسلفنا من رواية أحمد، فإنّها صريحةٌ فى كون الركوب تبرّعاً، ولا يمكنُ حملُها على الاشتراط، وهو الذى يطمئنّ إليه القلب نظراً إلى جُود النّبيّ صلّى الله عليه وسلم، وثقة الصّحابة به، فلا يُظَنّ بجابر أن يخاف عند البيع أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يتركه راجلاً فى الصّحراء، حتىّ يشترط ركوبَه فى صُلب العقد معه صلّى الله عليه وسلّم. والظّاهر من مثله أن يكون قد عقد البيع مطلقاً عن شرط، ثقةً بجود النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد صدَّق النّبيّ صلّى الله عليه وسلم ثقته بعد البيع فعلاً، فأمره بالركوب، فيُمكن أن يكون بعضُ الرّواة قد عبّروا ثقته هذا بصيغ الاشتراط، وذكر الآخرون حقيقة الأمر، فلم يعبّروا عنه بالاشتراط. ثمّ هناك ناحيةٌ أخرى، توجّه إليها الطّحاويّ رحمه الله تعالى فى شرح معاني الآثار، وهي أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يكن فى هذه القصّة قَصَد البيع أصلاً، وإنّما كان يريد أن يُحسن إلى جابر رضي الله تعالى عنه بإيصال ثمن الجمل إليه، وتوصّل إلى ذلك بصورة عقْد البيع، ولهذا رَدّ الجملَ إلى جابر رضي الله عنه بعد الوصول إلى المدينة، ولم يُمسكه بنفسه. ويدلّ عليه قولُه عليه الصلوة والسّلام فى صحيح (١) إعلاء السنن ١٠٩:١٢ ١٤٩٨ فقه البيوع مسلم: "أترانى ماكستُك لآخذ جملك ودراهمك؟ فهو لك. " ووقع فى طريق نُبيح العنزىّ عند أحمد أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعد ما وفّى أوقية إلى جابر، قال له: "خُذْ جملك" فقال جابر: "ماهو جملى، إنّماهو جملُك يا رسول الله!" قال: "خذجملك." قال جابر: "فأخذتُه". فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: "العمرى! مانفعناك لِنُنْزلك عنه."(١) فمن هذه الجهة لا يستقيم الاستدلال بهذه القصّة على أحكام البيوع المقصودة. وقد وردت آثارٌ فى تأييد من يمنع الاشتراط: فمنها ما أخرجه الطحاويّ في شرح معانى الآثار عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود أنّها باعت عبدَ الله جاريةً، واشترطتْ خدمتَها، فذكر ذلك لعمر، فقال: لا يقربنّها، ولا أجدُ فيها مئوية.(٢) ومنها ما أخرجه الطّحاويّ أيضاً عن ابن عمر قال: " لا يحلّ فرجٌ، إلاّ فرجٌ إن شاء صاحبه باعه، وإن شاء وهبه، وإن شاء أمسكه، لا شرط فیه." وبالجملة، فالمسئلة مجتهدٌ فيها منذ عهد الصّحابة والتابعين، وإنّ مذاهبهم المختلفة مرويّةٌ عند عبد الرّزاق في مصنفه(٣). ٢٢٨ - علّة فساد البيع بالشرط الفاسد ثمّ اختلفت عباراتُ الفقهاء الحنفيّة فى تعليل فساد البيع بالشّرط. فقد مرّ عن البدائع (١) مسند أحمد بتحقيق الشيخ شعيب أرنوط، برقم ١٤٨٦٤. ج ٢٣ ص ١٥٠ (٢) شرح معاني الآثار ٢: ١٨٢ (٣) مصنف عبد الرزاق ٥٦٠٨ إلى ٦٠ المبحث الرابع أنّ فساد البيع فى مثل هذه الشّروط، لتضمّنها الرّبًا، وذلك بزيادة منفعة مشروطة فى العقد لا يقابلها عوض. وقال ابن عابدين رحمه الله تعالى: إنّه معلَّل بإفضاءه إلى النّزاع، فقال معلّلا لجواز الشّرط المعروف: "لأنّ الحديثَ معلولٌ بوقوع النّزاع المُخرج للعقد عن المقصودبه، وهو قطعُ المنازعة، والعُرف ينفى النّزاع، فكان موافقاً لمعنی الحدیث."(١) والظّاهر أنّ تعليلَ ابن عابدين رحمه الله تعالى هو الرَّاجح، وذلك لأمرين. الأمرُ الأوّل: أنّ الفقهاء الحنفيّة أجازوا الشّروط الّتى جرى التّعاملُ بها بحكم العُرف، ولو كان الفسادُ معلولاً بكون العقد يتضمّن الرِّبًا، لما جاز الشّرطُ بحال، حتىّ لوكان متعارفاً، لأنّ الرّبا لا يحلّ بالعُرف والتّعامل. والأمر الثّانى: أنّ تعليلَه بأنّه زيادةٌ من غير عوض ويلزم منه الرّبا، غيرُ واضح، لأَنّه إذا اشترط المشترى منفعةً، فإنّ تلك المنفعةَ صارت جزءً من المبيع، وصار جزءً من الثّمن مقابلاً لها، وإن اشترط البائعُ منفعةً، صارت تلك المنفعةُ جزءً من الثّمن، وصار جزءً من المبيع مقابلاً لها، فليس هناك زيادةٌ بغير عوض. نعم! يلزم منه صفقةٌ فى صفقة، على أنّ جزءَ المبيع المقابل للمنفعة فى الصّورة الأولى، وجزءَ الثّمن المقابل للمنفعة فى الصّورة الثانية غيرُ معلوم، فجاء الفسادُ من هذه الجهة، وهو الّذى عبّر عنه المالكيّة بأنه يُخلّ بالثمن، كما أسلفنا فى مذهبهم. فتبيّن أن العلّة هى الجهالةُ المفضية إلى النّزاع، وليس أنّه زيادةٌ من غير عوض. أمّا إذا كان الشّرطُ متعارفاً، فالعُرف يقضى على أنّه ليس صفقةً فى صفقة، لأنّ مجموع ما عُقد غليه الأمر أصبح بحكم الغرف كأنّه شيئ واحد، فصار كما (١) رسائل ابن عابدين ٢: ١٢١: رسالة نشر العرف