Indexed OCR Text

Pages 361-380

فقه البيوع
أنّهن صالَحْن عن حقٍّ مجهول القدر، لأنّ قدر الأوسق المصروفة إليهنّ طوال
حياتهنّ لم يكن معلوما، وكذلك أجرة التّقاعد مجهولة القدر. ولا يدخُل فى "ضع
وتعجّل"، لأنّ محلّه إذاكان الدّينُ المؤجّلُ معلوماً، فإنّ الدّين إن كان مجهولاً،
لا يُمكن أن يُقال إنّ الدائن وضعه مقابل التّعجيل. والصُّلح عن حقّ مجهول جائز فى
النّقود أيضاً، مثل ما إذا كان على رجل دينُ نقود، ولا يعرف أحد من الدائن والمدين
قدره وأجله، فيجوز أن يتصالحا على قدر بتراضيهما. وذكر ابن عابدين رحمه الله
تعالى عن غاية البيان عن شرح الكافى:
"ولوكان لرجل على رجل دراهم لا يعرفان وزنها، فصالحه منها على ثوب
أو غيره فهو جائز، لأنّ جهالة المصالَح عنه لا تمنع من صحّة الصّلح، وإن
صالحه على دراهم، فهو فاسد فى القياس، لأنّه يحتمل أن بدل الصّلح أكثر
منه، ولكنّى أستحسن أن أجيزه، لأنّ الظّاهر أنّه كان أقلّ ممّا عليه، لأنّ مبنى
الصّلح على الحطّ والإغماض، فكان تقديرهما بدل الصّلح بشيئ دلالة
ظاهرة على أنهما عرفاه أقلّ ممّا عليه، وإن كان قدر ما عليه بنفسه."(١)
ويدلّ على جواز الصلح بحقوق مجهولة حديثُ عليّ رضي الله عنه حين بعثه النّبيُّ
صلى الله عليه وسلم ليُصلح بين بني خزيمة(٣)، وذلك أنّه صلّى الله عليه وسلم بعث أولاً
خالدَ بنَ الوليد، فقَتَل منهم قتلى بعد ما اعتصموا بالسّجود، فدفع صلّى الله عليه وسلّم
(١) ردالمحتار، کتاب الصلح، فصل فى دعوى الدين ٥: ٦٣٩
(٢) كذا فى المطبوع من فتح القدير ٦: ٣٩، والصّحيح "جذيمة" كما جاء فى سيرة ابن هشام ٢: ٤٢٨ وما
بعدها، ودلائل النبوة للبيهقيّ ٥: ١١٣ وما بعدها، وتاريخ الطبري رحمهم الله تعالى ٣: ٦٦ وما بعدها.

المبحث الثالث
إلى عليّ مالًا فوداهم حتى ميلغة(١) الكلب، وبقي في يده مالٌ، فقال: هذا لكم ممّا لا
تَعلمون ولا يعلمُه صلّى الله عليه وسلّم، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فسُرَ
به." والله سبحانه أعلم.
١٥٨ - بيع الذَّين تبعاً
قد راج فى عصرنا أنّ تاجرًا من التجّار يبيع مَتْجَره بكلّ ماله وماعليه بثمنٍ إجمالىّ.
ويحِقّ للمشترى أن يتسلّم الدّيونَ الآجلةَ فى ذمّة العُملاء عند حلول آجالها، وتكونُ
له، ولا يردُّها إلى البائع. وهذا يتضمّن بيعَ تلك الدّيون تَبَعالأعيان المتجر. ومثلُ ذلك
يقع عندما يقتسم شركاءُ تجارة واحدة، فتشمل القسمةُ الدّونَ أيضاً. وقد يكونُ
ذلك فى مصلحة المتعاقدين، فإنّهما يُريدان أن يفرُغا من البيع أو القسمة مرّة
واحدة، دون أن يُتابعا تحصيلَ الدّون إلى مدّة حلولها الّتى قد تكون طويلةً. فهل
يجوز ذلك شرعاً؟
ولاشكّ أنّ الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك، لاسيَّما فى المتاجر والشّركات الكبيرة، وخاصّةً فى
المؤسّسات التّجاريّة الّتى تعملُ كشخصيّة معنويّة، فإنّ الدائنَ فيها تلك الشّخصيّة .
المعنويّة، وإنّ الملّك القُدامى للمؤسّسة لايتمكّنون من تقاضى الدُّيون بأسماءهم
الشّخصيّة، كمالا يتمكّنون من التّقاضى باسم الشّخصيّة المعنويّة، لأنّها خرجت من
أيديهم، بخلاف الملاّك الجُدُد، فإنّهم يتمكّنون من ذلك. وبالتّالي، فإنّ الدّونَ قابلةً
التّحصيل فى هذه المؤسّسات الكبيرة رُبّما تكون كثيرةً وطويلةَ الآجال، ومتابعتُها من
(١) فى النّهاية لابن الأثير رحمه الله تعالى: "هي الإناء الذي يلغ فيه الكلب، يعني أعطاهم قيمة كل ما
ذهب لهم، حتی قیمة المیلغة."

فقه البيوع
١
قبل الجهة البائعة من الصّعوبة بمكان.
وهناك ملاحظُ مختلفةٌ لمعالجة هذه القضيّة أعرضها فيما يلى ليتأمّل فيها العلماء
المعاصرون، والله سبحانه وتعالى هو الموفّق:
١ - حينما تُباعُ مؤسّسةٌ تجاريّة لها ديونٌ على الآخرين، فالأحسنُ أن يكون الثّمنُ
النّقدُ مقابلَ الأعيان والنّقود الحاضرة فقط، بشرط أن يكون الثّمنُ أكثرَ من النّقود
الحاضرة، على أصل مسئلة مُدّ عجوة عند الحنفيّة. ثمّ يبيعُ المشترى إلى البائع عيناً
أو أعياناً بثمنٍ يساوى مبلغَ الدُّيون، ويُحِيلُه على غُرماءه. فبهذا يحِقُّ لمشترى
المؤسّسة أن يتسلّم الدّونَ من الغرماء، وتكونُ له، دونَ أن يحتاجَ بائعُ المؤسّسة إلى
متابعتها. وهذا طريقٌ لاغُبار عليه من النّاحية الفقهيّة. وهو مثلُ ماذكره الفقهاء فى
تخارج الورثة إن كان فى التّركة دين. جاء فى الفتاوى الهنديّة:
"فإن طلبوا أن يجوزَ هذا الصُّلح على أن يكون نصيبُها (أى المرأة المتخارجة من
الميراث) من الدَّين للوارث، فطريقُ ذلك أن تشتريَ المرأةُ (المصالحة) عينًا من
أعيان الوارث بمقدار نصيبها من الدِّين، ثمّ تُحيلُ الوارثَ على غريم الميّت
بحصّتها من الدّين، ثمّ يعقدون عقدَ الصُّلح بينهم، مِن غير أن يكون ذلك شرطاً فى
الصُّلح. كذا فى الظهيرية."(١)
وجاء فى متن الهداية:
"وإذا كان فى التَّركة دينٌ على النّاس، فأدخلوه فى الصُّلح على أن يُخرجوا
المصالِحِ عنه ويكونَ الدِّين لهم، فالصُّلحُ باطل."
(١) الفتاوی الھندیّة، کتاب الصلح، باب ١٥ ج ٤ ص ٢٦٩

المبحث الثالث
ثم ذكر صاحب الهداية حيلتين للجواز، ثمّ قال:
" والأوجهُ أن يُقرضوا المُصالِحَ مقدارَ نصيبه، ويُصالحوا عمّا وراءَ الدِّين،
ويُحيلُهم على استيفاء نصيبه من الغرماء."(١)
ولكن ينبغى أن تطبق عليه أحكام الحوالة، ومنها عند الحنفيّة الرّجوعُ على المحيل
فى حالة توى الحوالة.
٢ - الطّريق الثّانى: أن يقع البيعُ على الأعيان فقط. أمّا الدّيونُ القابلة للتّحصيل، فيَهَبُها
البائعُ من المشترى، ويُسلّطه على قبضها. وهبةُ الدّين من غير المديون لايجوز عند
الحنابلة وعند الشّافعيّة.(٢) وذكر فقهاء الحنفيّة مثل ذلك، إلاّ أنّهم قالوا: إنّ هبةَ الدَّين
من غير مَن هو عليه يجوزُ بشرط أن يُسلّطَ الدائنُ المشتريَ على قبضه، فيصيرُ
الموهوبُ له مالكاً لها بعد القبض. جاء فى الدّرّالمختار:
" تمليكُ الدَّين ممّن ليس عليه الدَّينُ باطلٌ إلاّ فى ثلاث: حوالة، ووصيّة،
وإذا سلّطه أى سلّط المملّك غيرَ المديون على قبضه، أى الدَّين، فيصحّ
حينئذ."(٣)
وإنّ الفقهاء استعملوا هُنا كلمة "التّسليط"، دون التّوكيل، والظّاهرُ فى الفرق بينهما أنّ
الوكالة عقدٌ ثُنائىٌّ لايتِمّ إلاّ بالإيجاب والقبول من الطَّرَفين، ويجب أن يتِمّا فى مجلس
(١) الهداية مع فتح القدير، كتاب الصلح، فصل فى التخارج ٧: ٤١٠
(٢) المغنى لابن قدامة، كتاب الهبة ٦: ٢٥٧ والمجموع شرح المهذب، كتاب الهبات ٣٧٦:١٥
(٣) ردالمحتار، كتاب الهبة ٧٠٨:٥

٣٦٤
فقه البيوع
العقد. أمّا التّسليط، فهو التّمكينُ بالإذن، ويمكنُ أن يتمّ من طرفٍ واحدٍ فقط. ولذلك عبّر
عنه فى جامع الفصولين بالإذن. ونصُّه: "هبةُ الدّين ممّن ليس عليه لم تجُز إلاّ إذا وهبه،
وأذن له بقبضه. "(١) وقال فى البحر عن المحيط:
"ولووهب ديناً له على رجل، وأمره أن يقبضه، فقَبَضه، جازت الهبةُ
استحساناً، فيصير قابضاً للواهب بحكم النّيابة، ثمّ يصيرُ قابضاً لنفسه بحكم
الهبة. وإن لم يأذن له بالقبض، لم يجُزْ. "(٢)
وقال الرّافعىّ رحمه الله تعالى:
"الظّاهرُ من عباراتهم عدمُ التّوقف على الإذن فى المجلس، فإنّهم إنّما شرطوا
لصحّة الهبة الإذنَ، ولم يشترطوا أن يكون فى المجلس."(٣)
فعلى كلٍّ، إنّما تتمّ الهبةُ بعدما يقبضُ المشترى مبلغَ الدّين من المديون. وذكر ابنُ
عابدين رحمه الله تعالى أنّ مقتضاه أنّ للواهب عزلَ الموهوب له عن التّسليط قبلَ
القبض. ولكن ذكر فى الأشباه عن الواقعات الحُساميّة: أنّه يجوز له أن يقبضَ الدّنانيرَ
مكانَ الدّراهم، لأنّ الحقَّ صارله، وأنّ مقتضاه عدمُ صحّة الرّجوع عن التّسليط.(٤)
وقال الرّافعىّ: "وهو أيضاً مُنافٍ لكونه وكيلاً قابضًا للموكّل، ثمّ لنفسه. "(٥)
(١) جامع الفصولين ٢: ٢١٦ فصل ٣٤
(٢) نقله ابن عابدين فى ردالمحتار، أول كتاب الهبة ٥: ٦٨٧
(٣) التحرير المختار ٥: ٢٥٠
(٤) الأشباه والنظائر مع شرح الحموىّ، الفنّ الثالث، أحكام الديون ٣: ١٥٤
(٥) التحریر المختار ٥: ٢٥٥

المبحث الثالث
وهذا على مذهب الحنفيّة. أماً المالكيّة، فيجوز عندهم هبةُ الدَّين من غيرِ المدين
مطلقاً. قال المواق رحمه الله تعالى:
"من المدوّنة. ولو كان دينُه على غيرك فوهبه لك، فإن أشهد بذلك، وجمَعَ
بينك وبين غريمه، ودفع إليك ذِكرَ الحقّ إن كان عنده، فهو قبض. وإن لم
يكن كتب عليك ذِكرَ الحقّ وأشهد لك، وأحالك عليه، كان ذلك قبضاً.
وكذلك إن أحالك به عليه فى غَيْبَته، وأشهد لك وقبضتَ ذِكْرَ الحقّ، كان
ذلك قبضاً، لأنّ الدَّين هكذا يُقبَض. ليس هو شيئاً بعينه .. وقال ابن شاس:
هبةُ الدّين تصحُّ كما يصحّ رهنُه. ثمّ قبضُك قبضُه فى الرّهن، مع إعلام
المديان بالهبة."(١)
٣_الملحظ الثّالث: أنّ بيعَ الدُّيون فى هذه الحالة ليس مقصوداً، وإنّما دخلت فى البيع
تبعاً، وقد يجوز تبعاً مالا يجوز أصلاً. قال الإمام الكرخىّ رحمه الله تعالى:
"الأصلُ أنّه قد يثبت الشّيئُ تبعاً وحكماً، وإن كان يبطُل قصداً. من مسائله ...
لو باع عبداً، دخل أطرافُه فى المبيع تبعاً، وكذا هواءُ الدّار فى بيع الدَّار، وكذا
الشَّربُ فى بيع الأرض. ولو باع الأطرافَ قصداً، والهواء، والشّرب، لم يصحّ.
ونظائرها كثيرة. " (٢)
ومن أبرز أمثلته ما قدّمناه فى مسئلة بيع الثّمار من أنّه إذا بيعت جميعُ أثمار الشّجر أو
البُستان حين ظهر بعضُها ولم يظهر بعضُها، فإنّه لا يجوز البيعُ إلاّ فيما ظهر فى مذهب
(١) التاج والإكليل للمواق بهامش الحطاب، كتاب الوقف والهبة ٥٢:٦
(٢) أصول الكرخىّ مع تأسيس النظر للدبوسى ص ٦٢ طبع كراتشى

فقه البيوع
الشافعية والحنابلة، وفى ظاهر مذهب الحنفيّة، لأنّ مالم يخرُج معدوم. ولكن أفتى
شمس الأئمة الحلوانىّ رحمه الله تعالى بأنّه لو كان الخارجُ أكثر، جاز البيع فى
الجميع، وبه أفتى الإمام الفضلىّ، بل يظهر من عبارته أنّه لا يشترط كونَ الخارج أكثر،
بل يجعل الموجود أصلاً فى البيع ومايحدث بعدذلك تبعاً له. وبه أفتى ابنُ نُجيم
رحمه الله تعالى فى فتاواه. (١) وقال ابنُ الهمام بعدذكر فتوى الفضلىّ: "وقدرأيتُ
روايةً فى نحو هذا عن محمّد رحمه الله تعالى، وهو بيع الورد على الأشجار، فإنّ
الورد متلاحق، ثمّ جوّز البيع فى الكلّ بهذا الطّريق، وهو قول مالك رحمه الله."(٢)
فجُوّ البيعُ هُنا فى المعدوم تبعاً للموجود. فإن كان المعدومُ يصلُح أن يكون تبعاً
للموجود، فما كان فى ذمّة المدين المقرّ أولى أن يكون تبعاً للمبيع الحاضر عند الحاجة.
ولكن يجب على قول الحنفيّة أن يكون الثّمنُ أكثرَ من قيمة الديون، قياساً على مسئلة
مُدّ عجوة، حتىّلا يستلزمَ التّفاضلَ فى النّقود بالنّقود.
وربّما يُشكل عليه أن التّابع إنما يلحق بالأصل إن لم يستلزم الرّبا أو شُبهتَه. فلو كان
ثمنُ الدِّين مساوياً لمبلغ الدّين عند العقد، فلا يُدرى قدرُ الدّين الَّذى سوف يُستوفى
فعلاً، فلو هلك بعضُ الدَّين، فات التّساوى بين الثّمن ومبلغ الدَّين. ولا يجوز
المجازفة فيما لا يجوز فيه التّفاضل. ولذلك اشترط المالكيّة لجواز بيع الدّين أن
يكون الثّمنُ من غير جنس الدّين، وممّا لا يُشترط فيه التّقابض. ولذلك لم يُجوّزوا
(١) فتاوى ابن نجيم بهامش الفتاوى الغيائية، ص ١١٣
(٢) فتح القدير ٤٩٢:٥

المبحث الثالث
التّخَارُجَ ممّا يَستلزم بيعَ النّقد بالنّقد إلى أجل.(١) نعم! يجوز هذا الوجهُ إن كان الثّمنُ
من غير جنس الدّين عند المالكيّة ممّا لا يُشترط فيه التّقابض. وصورتُه أن يُعتبر بيعُ
أعيان المتجر بالنّقود، وبيعُ ديونه تبعاً بعين من الأعيان.
٤_الملحَظ الرّابع: أنّ المؤسّساتِ التّجاريّةَ اليومَ تُعتَبر شخصيّةً معنويّة، ونظيرُ بيعها
بيعُ العبد وله مال. وقد ثبت عن الرّسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال:
"من ابتاع عبداً، فماله للّذى باعه إلاّ أن يشترط المبتاع."(٢)
وقد أخذ به المالكيّة على إطلاقه. فقال الإمام مالك رحمه الله تعالى:
"الأمر المجتمعُ عليه عندنا: أنّ المبتاعَ إن اشترط مالَ العبد فهو له، نقداً كان،
أوديناً، أو عرضاً، يعلم أو لا يعلم، وإن كان للعبد من المال أكثرُ ممّا اشتُريّ
به، كان ثمنُه نقداً أوديناً أو عرضاً. "(٣)
ولكنّ هذا مبنىٌّ على مذهبه أنّ العبدَ يملك المال، ولو كان من حقّ المولى أن ينتزعَه
منه. قال الباجى رحمه الله تعالى:
"يُريد أنّ اشتراطَ المبتاع هذا المالَ لايُفسد العقد، بأن يكونَ المالُ المشترَطُ
عيناً أكثرَ ممّا اشتُريَ به من العين، أو يكون ديناً مؤجلا فيُشترى بالدّين، أو
بالنّقد، أو يكونَ المشترَط من المال مجهولاً عند المتبايعين، أو أحدِهما، لأنّ
(١) المدوّنة الكبرى، كتاب الصلح، رسم من مصالحة المرأة من مَورثها من زوجها ٣٧٨:٣
(٢) أخرجه الشيخان عن ابن عمر، وهذا لفظ مسلم. رقم ٣٨٧٩
(٣) موطأ الإمام مالك، كتاب البيوع، باب مال المملوك إذا بيع.، مع الاستذكار لابن عبد البر ٣٢:١٩

٣٦٨
فقه البيوع
ما اشتُرط من ذلك ليس بعوض فى البيع، فيؤثّرَ فيه الفسادُ بشيئ ممّا ذكرناه،
لأنّ المبتاعَ لم يشترطه لنفسه، وإنّما اشترطَ بقاءَه على مِلك العبد، فليس
بعوض فى البيع."(١)
وعلى هذا، فإنّ مسئلتنا لا تدخل فى بيع العبد وله مال على مذهب المالكيّة، ولكن
يُمكن تخريجُه على مذهب الحنابلة إذا قصد المشترى شراءَ العبد دون المال،
واشترط المال تبعاً. يقول ابن قدامة رحمه الله تعالى:
"ومعناه أنّه لا يقصد بالبيع شراء مال العبد، إنّما يقصد بقاء المال لعبده،
وإقراره فى يده. فمتى كان كذلك، صحّ اشتراطُه ودخل فى البيع به، سواءٌ
كان المال معلوماً أو مجهولاً، من جنس الثّمن أو من غيره، عيناً كان أو
ديناً، وسواءً كان مثل الثّمن، او أقلّ، أو أكثر. قال البتّيّ: إذا باع عبدا بألف
درهم ومعه ألف درهم فالبيع جائز إذا كان رغبةُ المبتاع فى العبد لا فى
الدراهم، وذاك لأنه دخل فى البيع تبعا غير مقصود ... فأما إن كان المال
مقصودا بالشراء جاز اشتراطه إذا وجدت فيه شرائط البيع من العلم به وأن
لا یکون بینه وبین الثّمن ربا. "(٢)
والظّاهر عند بيع مَتجر أنّ المقصود بالشّراء هو المتجر ومافيه من الأعيان والمنافع،
وليس المقصودُ الدّيونَ. فينطبق عليه هذا الشّرط، ويجوز أن يؤخذ بمذهب الحنابلة
فى ذلك، فإنّه أيسرُ وأوفى لحاجات التّجار فى مثل هذه البيوع، وقد وقع التّصريح
(١) المنتقى للباجىّ، كتاب البيوع، باب ماجاء فى مال المملوك ٣: ٣٦٠
(٢) المغنى لابن قدامة، باب المصراة ٤: ٢٥٥

٣٦٩٠
المبحث الثالث
فى عبارة ابن قدامة السابقة بأنّ مال العبد إن كان ديناً، فإنّه يدخل فى البيع تبعاً. والله
سبحانه وتعالى أعلم.
أمّا على مذهب الحنفيّة والشّافعيّة، فإنّ إدخالَ مال العبد فى بيع العبد يخضع عندهم
لجميع شروط البيع، ومنها أن لا يلزم منه الرّبا وبيعُ الدَّين من غير مَن هو عليه.(١)
وسيأتى تفصيل الكلام على ذلك فى باب الربوا ومسائل مدّ عجوة إن شاء الله تعالى.
١٥٩- الشّرط السادس
أن يكون المبيعُ معلوماً
والشّرط السّادس المتعلّق بالمبيع أن يكونَ متعيّناً معلومًا. وهذا شرطٌ لصحّة البيع، لا
لانعقاده. فيفسُد بيعُ المجهول جهالةً مفضيةً إلى المنازعة، لأنّه داخلٌ فى بيع الغرر كما
قدّمناه فى الشّرط الخامس. فإن زالت الجهالةُ فى المجلس، عاد البيعُ صحيحاً،
والجهالةُ قد تكون فى جنس المبيع، وقد تكونُ فی تعیینه.
١٦٠ - الجهالة فى جنس المبيع
أمّا الجهالة فى الجنس، فمثلُ بيع الحصاة الّذى نهى عنه النّبيّ الكريم صلّى الله عليه
وسلّم،(٢) وفسّره ابنُ الأثير بقوله: "قيل: هو أن يقول: بعتُك من السّلع ما تقع عليه
حصاتُك إذارميتَ. "(٣) فالسّلعةُ غيرُ معلوم جنسُها، فضلاً عن تعيينها.
(١) فتح الباري، كتاب المساقاة، ٥: ٥٠ و٥١ والاستذكار لابن عبدالبر ١٩: ٣٥ وتكملة فتح الملهم ،
باب من باع نخلا علیھا ثمر ١: ٢٧٥
(٢) عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة
وعن بيع الغرر أخرجه مسلم، كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحصاة، رقم ٣٧٨٣
(٣) جامع الأصول لابن الأثير، ٥٢٨:١

٣٧٠
فقه البيوع
١٦١ - الجهالة فى تعيين المبيع
وأمّا الجَهالة فى التّعيين، فإنمّا تمنع صحّةَ البيع إن كان المبيعُ تتفاوتُ آحادُه، مثل أن
يقول البائع: "بعتُك شاةً من هذا القطيع " فإنّ الشّاةَ غيرُ متعيّنة، مع التّفاوت الفاحش
بين شاة وشاة، فلا يصحّ البيع. أمّا إذا كان المبيعُ ممّا لاتتفاوت آحادُه تفاوتاً مُفضياً
إلى النّزاع، فلا يجبُ تعيينُه، مثل أن يقول البائع: "بعتُك قفيزاً من هذه الصُّرة من
الحنطة" جاز البيع.(١) وللمشترى الخيارُ فى أخذ أيّ قفيز من الصُّرة.(٢) ومعنى
جواز البيع فى هذه الصورة أنّ البيعَ لزم فى قفيز واحد، وانتقل ملكُه إلى المشترى
لاعلى التّعيين، ويتعيّن المبيعُ المملوكُ بتعيينه، كما هو الحُكم فى خيار التّعيين،
ولكن لا ينتقل ضمانُه إلى المشترى إلاّ بعد تعيينه وقبضه.(٣) فإذا هلك فى يد البائع
قبل التّعيين، بطل البيع، لهلاك محلّ العقد.
وعند بعض الشافعيّة يُحمل هذا البيعُ على حصّة مُشاعة من الصُّبرة. فإذا علما أنّها
عشرةُ أَصُع، فالمبيعُ عُشرُها. فلو تلِف بعضُها، تلِف بقَدْره من المبيع. وعندهم
قولٌ آخر، وهو كقول الحنفيّة، أنّ المبيعَ صاعٌ منها، أىُّ صاعٍ كان، فيبقى البيعُ مابقيَ
صاعٌ واحد.(٤) يعنى: إن هلك من الصُبرة شيئٌ، يهلِك من مال البائع، ويجبُ عليه
أن يُعطيَ المشتريَ صاعاً ممّا بقي. ولو هلك الكلُّ قبل التّسليم فسد البيع، ولا شيئً
على المشترى.
(١) بدائع الصنائع ٤: ٣٥٩ ورد المحتار ١٤: ١٤٦ فقره ٢٢٣٧٥ والمغني لابن قدامة ٤: ٩٣ و٩٤
والدّسوقي ١٧:٣
(٢) الهداية مع فتح القدير ٥: ٤٧٣ و٤٧٤
(٣) وكون المشترى يضمن عند هلاك المبيع بيده فى خيار التعيين لكونه مقبوضاً له.
(٤) شرح المحلى على المنهاج مع حاشية القليوبى ٢: ١٦١

٣٧١
0
المبحث الثالث
وعلى هذا، ظهر أنّ المشتريَ لو اشترى كمّيّةً غيرَ معيّنة من مخزن يحتوى على كمّيّة
أكثرَ منها ممّا لاتتفاوت آحادُه، صحّ البيعُ، ولكن لا يتمّ القبضُ إلاّ بعد التّعيين، ولو أتاحَ
البائعُ للمشترى أن يقبضَ على الكمّية المشتراة متى شاء.
ثمّ إنّ عدمَ التّعيين فى المبيعات المتفاوتة إنّما يُفسد البيع إن لم يكن مقروناً بخيار
التّعيين. فإن كان البيعُ شُرط فيه خيارُ التّعيين، مثلَ أن يقول البائع: "بعتُك شاةً من
هذه الثّلاثة على أنّ لك الخيارَ فى تعيينها خلالَ ثلاثة أيّام. " جاز البيعُ عند الحنفيّة
والمالكيّة، ولصاحب الخيار الحقُّ فى تعيينه. وسيجيئ تفصيلُ أحكام هذا الخيار فى
مبحث الخيارات إن شاء الله تعالى.
١٦٢ -الجهالة فى قدر المبيع
أمّا معرفةُ مقدار المبيع، فشرطٌ لصحّة البيع إن كان البيعُ بمقدار، بأن يقعَ البيعُ كيلاً، أووزناً،
أو عدداً. فيجبُ أن يُعرف مقدارُ المبيع. أمّا إذا وقع البيعُ بالإشارة أو بالتّعيين، فلا يجب
معرفة المقدار. مثالُ الإشارة أن يقول البائع: "بعتُ منك هذا القطيعَ من الغنم، أوهذه
الصُّبرةَ من الطّعام بكذا" ولا يُعرَف عددُ الغنم فى الأوّل، وكيلُ الطّعام أووزنُه فى الثّانى،
جاز البيع، وهو ما يُسمّى "البيع مجازفة" ويجوز بشرط أن لا يكون مبادلةً بين الرّبويّات،
لأنّ المجازفة فيها لاتجوز. وسيجيئ تعيين الربويّات فى باب ربا البيع إن شاء الله تعالى.
ومثالُ التّعيين أن يقول البائع: "بعتُ منك أرضيَ الفُلانيّة" ولا يعرف المشترى
ذَرْعها، جاز البيع. جاء فى الفتاوى البزّزيّة:
"اشترى أرضاً، وذكر حدودها، لا ذَرْعَها طُولاً وعرضاً جاز ... وإن لم يذكر

٣٧٢
فقه البيوع
!! (١)
الحدود ولم يعرفه المشترى جاز البيع إذا لم يقع بينهما تجاحد.
والظّاهرُ أنّه فيما إذا كانت الأرضُ معروفةً بأنهّا للبائع فى منطقة معروفة، وإلاّ فالجهالةُ
فاحشةٌ تمنع صحّة البيع. وقد ذكر ابنُ عابدين رحمه الله تعالى أنّ الجهالةَ الفاحشةَ فى
قدرِ المبيع مُفسدة. فلو باعه جميع ما فى هذه القرية، أو هذه الدّار، والمشترى لا يعلم ما
فيها، لا يصحُّ لفحش الجهالة. أمّا لو باعه جميعَ ما فى هذا البيت، أو الصُّندوق،
أو الجُوالق، فإنّه يصحّ، لأنّ الجهالة يسيرة. هذا إذا كان المبيعُ يحتاج إلى التَّسْليم
والتَّسلُم. أمّا إذا كان لا يحتاج إلى ذلك، فإنّه يصحّ بدون معرفة قدر المبيع، كمن أقرّ أنّ
فى يده متاعَ فلانٍ غصباً أو وديعةً، ثمّ اشتراه من مالكه، جاز وإن لم يعرف مقداره.(٢)
١٦٣ - البيع على البَرْنامِج
وقد ذكر الفقهاءُ بيعاً يُسمّى "البيع على البرنامج". والبرنامج بفتح الباء وكسر الميم،
وقيل: بفتحها، معرّبٌ من الكلمة الفارسيّة: "برنامه"، وهو دفترٌ مكتوبٌ فيه أو صافٌ
ما فى العِدل من الثّياب المبيعة، لتُشترى على تلك الصّفة بدون حَلّ العدل. وقد
أجازه الفقهاء بالرّغْم من أنّ المبيعَ غيرُ مُشاهَد، وكمّيّةُ الثّياب غير معلومة، وقد عقد
الإمام مالك رحمه الله تعالى لذلك باباً فى موطأه. وذكر الدّردير رحمه الله تعالى أنّه
إنّما أجيز للضّرورة. وقال الدسوقىّ تحته:
"أى لمِافى حَلّ العِدْل من الحرج والمشقة على البائع من تلويثه، ومؤنة
(١) الفتاوى البزازيّة بهامش الهنديّة ٤: ٣٧٢
(٢) ردالمحتار، كتاب البيوع، ١٤: ١٠٤ فقره ٢٢٣١٤

المبحث الثالث
شَدَّه، إن لم يرضَه المشترى، فأُقيمت الصّفةُ مقامَ الرُّؤية."(١)
وقد ذكر الإمام محمّد رحمه الله تعالى جوازه فى سياق جواز البيع مجازفةً، فقال:
"أرأيتم رجلاً انتهى إلى رجل، ومعه عِدْلُ ثياب، فقال صاحبُ العدل: ماأدرى
كم فيه ثوباً، وإن فتحتُه فعددتُه، أضرَّ ذلك بعدل، وقد هلك البرنامج، أما ينبغى أن
يجوز بيعُ هذا أبداً حتّى يُفتح ويُعدّ؟ فهذاجائز."(٢)
ولكنّ البيع إنما يلزم عند الجمهور إذا وُجد المبيعُ موافقاً للصّفات المذكورة فى
البرنامج. قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "ذلك لازمٌ لهم إذا كان المتاعُ موافقاً
للبرنامج الذى باعهم عليه. وهذا الأمر الّذى لم يزل عليه النّاس عندنا يُجيزونه بينهم
إذا كان المتاعُ موافقاً للبرنامج، ولم يكن مخالفاً له."(٣)
فإن وُجد المبيعُ مخالفاً للصّفات المذكورة فى البرنامج، فللمشترى الخيارُ
بالإجماع، ويُسمّى "خيار الخُلف". أمّا إذا وُجد المبيع موافقاً للصّفات المذكورة،
فلا خيارَ للمشترى، ولزمه البيع عند مالك والجمهور. وقياسُ قول الإمام أبى حنيفة
فى بيع الغائب أن يكون له خيارُ الرُّؤية.
١٦٤ - بيع العُلَب المعبّأة
وعلى هذا يُخرّج بيع العُلَب المعبّأة فى عصرنا، فإنّ المبيعَ المقصودَ من البيع غيرُ
(١) الدسوقى على الشرح الكبير للدردير ٣: ٢٤
(٢) الحجة على أهل المدينة للإمام محمد ٢: ٧٣٠
(٣) موطأ الإمام مالك، البيع على البرنامج، مع أوجز المسالك ٣١٥:١١ و ٣١٦

٣٧٤
فقه البيوع
مشاهَد فيها، وإنّما يشتريها المشترى اعتماداً على ما كُتب عليه، أوعلى ما بيّنه
المشترى شفاهاً. وكذلك البضائعُ المعبّأةُ فى الكراتين لاتُشاهَد عند البيع، ولكن
يُعرف نوعُها ووصفُها، إمّا بالإفصاح عنها بالكتابة على الكرتون، وإمّا بكون اسمها أو
علامتِها التّجاريّة تُنبئ عن هذه الأوصاف. فالظّاهرُ أنّ حكمَه مثلُ البيع على البرنامج.
فإن وجد المشترى ما فى العُلبة أو الكرتون مخالفاً للصّفات مخالفةً جوهريّةً، فله
الخيارُ بالإجماع. أمّا إذا وجده موافقاً للصّفات، فالبيع لازمٌ عليه عند المالكيّة والحنابلة
والشّافعيّة فى وجه، وهو قول محمّد بن سيرين، وأيّوب، والعنبريّ، وإسحاق، وأبى
ثور. وقياسُ أصل الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى أن يثبت له خيار الرؤية، وهو وجهٌ
عند الشافعيّة أيضاً.(١)
ولكنّ إثبات خيار الرؤية فى بيعِ العُلَب المعبّأة، بالرّغم من كون المبيع موافقاً
للصّفات التى اتّفق عليها المتبايعان فيه ضررٌ شديد للبائع، لأنّه لايُمكنه بيعُ ذلك
الشّيئ إلى آخر بعد فتح العلبة، وتعبئتُه مرّةً أخرى من الصّعوبة والتكلفة بمكان،
ومثلُ هذا الحَرج مرفوعٌ فى الشّريعة الغرّاء. وفى مثل هذا أفتى علماءُ مجلّة الأحكام
العدليّة بإلغاء خيار الرؤية فى الاستصناع إن أتى الصّانع بالمصنوع موافقاً للصّفات
المتّفق عليها(٢) فالظّاهر أنّ التّعليل الذى ألجأ فقهاءَ المجلّة إلى نفي خيار الرؤية فى
الاستصناع ينطبق تماماً على مثل هذا البيع، والله سبحانه أعلم.
(١) راجع لهذه المذاهب المغنى لابن قدامة، صحة البيع بالصفة ٤: ٨٣
(٢) راجع المادة ٣٩٢ من مجلّة الأحكام العدليّة، وتعليله فى مقدمة المجلّة.

٣٧٥
المبحث الثالث
١٦٥ - بيع المشاع
وكون المبيع مُشاعاً لايُنافى معلوميّتَه، فيجوز بيعُ حصّة مُشاعة من بناءٍ، أو أرضٍ،
أوعروض، بشرط أن لا يستلزمَ ضرراً على الشّريك الذى لم يبعْ حصّتَه. وهذا ممّا
اتّفق عليه المذاهبُ الأربعة. قال الحافظ ابنُ تيميّة رحمه الله تعالى: "يجوز بيعُ
المشاع باتّفاق المسلمين، كما مضت بذلك سنّةُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، مثل
قوله الَّذى فى صحيح مسلم: "أيُّمارجل كان له شِرْكٌ فى عَرْض أورَبعة أو حائط،
فلايحلّ له أن يبيعه حتى يُؤدِن شریکَه"(١)
وجاء فى المادّة ٢١٥ من مجلّة الأحكام العدليّة:
"يصحّ بيع الحصّة المعلومة الشّائعة بدون إذن الشّریك."
وقال العلامة خالد الأتاسیّ رحمه الله تعالی فی شرحه:
"ثمّ إنّ هذه المادةَ ليست على إطلاقها، بل يُستثنى منها فصلان: الأوّل: بيعُ
أحد الشّريكين حصّتَه من مال مشتركٍ بينهما بسبب الخلط، فإنّه من
الأجنبيّ لا يجوز إلاّ بإذن الشّريك، وذلك بأن يخْلِط رجلان بفعلهما
مالَيهما، فيتعذّر تمييزُ أحدهما عن الآخر، كحنطة بحنطة، أو جوز بجوز، أو
لوز بلوز، أو يتعسّر كحنطة بشعير، لأنّ كلَّ حبّة تكونُ مملوكةً لأحدهما
بجميع أجزاءها ليس للآخر منها شيء، فإذا باع نصيبه من غير الشّريك، لا
يقدرُ على تسليمِه إلاّ مخلوطاً بنصيب الشّريك، فيتوقّف على إذنه، بخلاف
(١) مجموع الفتاوى ٢٣٣:٢٩

٣٧٦
فقه البيوع
بيعِه من الشّريك للقدرة على التسلّم والتّسليم. ومثلُه الاختلاط بلا صُنعٍ من
أحدهما، بأن انشقّ الكِيسان، فاختلط ما فيهما. وهذا بخلاف ما إذا كان
الخلطُ بفعل أحدهما بدون إذن الآخر، فإنّ الخالطَ يملك مالَ الآخر،
ويكونُ مضموناً عليه بالمثل للتّعدّي، وبخلاف ما إذا كان الشّركةُ بينهما
ابتداءً بأن اشتريا حنطةً، أو ورثاها، فإنّ كلَّ حبّة تكونُ مشتركةً بينهما، فبيعُ
كلٍّ منهما نصيبَه شائعاً جائز، ولو من الأجنبيّ بلا إذن الشّريك اهـ ملخّصاً
من الفتح والبحر والدّرّ المختار وحواشيه."(١)
ولقد توسّع الفقهاءُ فى جزئيّات بيع المشاع، حتىّ أنّه عُدّ من مشكلات المسائل، وقد
ذكر الأتاسيّ رحمه الله تعالى جملةً من هذه الجزئيّات. والمناطُ فيها، كما قال
هو بنفسه، حصولُ الضّرر للبائع، أو المشترى، أو الشّريك، ويظهر ذلك من عباراتهم
صراحةً أودلالة. وعليه فما أُمِن فيه من الضّرر جاز بيعُه، وإلاّ فلا. وليُراجَع شرحٌ
المجلّة للتّفصيل.
١٦٦ - بيع قطعة غير معيّنة من الأرض
وقد تُباع قطعةٌ من الأرض مقدّرة بالخطوات أو الأمتار، ولكن يُترك تعيينُها للمستقبل.
وهذا يكون عادةً فى أرض واسعة تشتريها شركة، ثمّ تبيع قطعاتها لعامّة النّاس تُقدّر
بالخطوات أو الأمتار. فمثلاً: كلّ قطعة منها بقدر خمسمائة متر، ولكن لايتعيّن محلّ تلك
الخمسمائة عند الشّراء. وإنّما يتعيّن حسب التّصميم الّذى تعمله الشّركة فيما بعد.
فالسؤال: هل يصحّ هذا البيع على أنّه بيع حصّة مشاعة من تلك الأرض الواسعة؟ وهل
(١) شرح المجلة للعلامة خالد الأتاسي رحمه الله تعالى، ج٢ ص ١٠٩

:٥: ٣٧٧
المبحث الثالث
يجوز لمن يشتريها أن يبيعها إلى آخر؟
وتُخرَج هذه المسئلة على ما ذكره الفقهاء الحنفيّة من أنّ من باع عشرة أذرع غير
معيّنة من دار، فإنّ هذا البيع فاسد عند الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى، لجهالة القدر
المبيع، فإنّ جوانب الدّار مختلفة الجودة، فتقع المنازعة فى تعيين المبيع. وقال
صاحباه: يجوز ذلك على أساس أنّه بيعٌ لحصّة مُشاعة من الدّار، وبيع المشاع جائز.
ثمّ فسّر بعضُ الفقهاء قولهما بأنّه يصحّ البيع عندهم على أساس الشّيوع بشرط أن
يُعلم مقدارُ جملة الدّار. ولكن قال آخرون: قولهما لا يقتصر على تلك الصّورة، بل
الصّحيح أنّه يجوز البيع عندهما، وإن لم يكن مقدارُ الكلّ معلوماً، لأنّ هذه جهالةٌ
بيدهما إزالتُها (١)
وعلى هذا، فإنّ بيع قطعة غير معيّنة من جملة القطعات لا يجوز عند الإمام أبى
حنيفة رحمه الله تعالى، ويجوز عند صاحبيه. والظّاهرُ أنّه إن كانت جهالة التعيين
تُفضى إلى المنازعة، فالأخذ بقول الإمام أبى حنيفة أولى، وإن لم تكن مفضيةً إلى
المنازعة، فقول الصّاحبين أولى بالأخذ.
وينبغى أن يكون قول الشّافعيّة مثل قول الصاحبين فيما إذا عُلم مقدار الكلّ، لأنّ
عندهم قولاً فى بيع ما لاتتفاوت آحاده، مثل الحنطة، أنّه إن اشترى قفيزاً واحداً من
الصُّبرة، فإنّ الشّراء يُعتبر لحصّة مُشاعَة من الصُّرة. قال جلال الدين المحلّيّ رحمه
الله تعالى فى شرح المنهاج:
(١) البحر الرائق، كتاب البيوع، قبيل فصل يدخل البناء والمفاتيح فى بيع الدار ٥: ٤٨٧ و٤٨٨

٣٧٨
فقه البيوع
"ويصحّ بيعُ صاعٍ من صُبرةٍ تُعلم صيعانُها للمتعاقدين، وينزل على الإشاعة.
فإذا علما أنّها عشرةُ آصُع، فالمبيعُ عُشرها، فلو تلِف بعضُها، تلِف بقدره من
!! (١)
المبيع.
ولكن هل تُعتبر قطعات الأرض بمختلف جوانبها ممّا لايتفاوت آحاده، فيه نظر.
والظاهر أنّه حينما تُباع قطعةٌ من الأرض فى الصّورة المذكورة، فإنّها تُقوّم على
أساس محلّ وقوعها، فإنّ القطعة الواقعة على شارع عامّ ثمنُها مختلف عن القطعة
الّتى ليست على شارع عامّ، وكذلك القطعةُ الّتى هيَ فى أحد طرفي المجمّع قيمتُها
أعلى من ثمن القطعة الّتى هيَ فى وسطه. فإن تعيّن محلّ وقوعها وثمنُها بهذا
الطّريق، فإنّه يُمكن أن تُعتبر ممّا لايتفاوت آحاده، فيجوز هذا البيع على قول
الشّافعيّة والصّاحبين، وكذلك ينبغى أن يجوز لمَن اشتراه أن يبيعه إلى آخر على
قول أبى يوسف رحمه الله تعالى، لأنّه يُجوّز بيع العقار قبل قبضه. والله سبحانه
وتعالى أعلم.
١٦٧ - بيع أسهم الشّركات
ومن قبيل بيع المشاع بيعُ أسهم الشّركات المساهمة (Joint Stock Companies).
والطّريقُ المتّبَع فى إنشاء الشّركات المساهمة أنّ المنشئين للشّركة، بعد الحصول
على رُخصة من الجهات الرّسميّة المعنيّة، يُصدِرون نَشرةً (Prospectus) يذكرون
فيها مقاصدَ الشّركة المقترَحة، ونوعَ النّشاطات التّجاريّة الّتى يُريدون الدّخولَ فيها،
(١) شرح المنهاج للمحلّيّ مع القليوبى وعميرة ٢: ١٦١

المبحث الثالث
وإنّ هذه النّشرةَ تدعو النّاس إلى أن يُساهموا فى إنشاء هذه الشّركة. وذلك بأنّهم
يُقسّمون رأسَ مال الشّركة فى أسهم، كلُّ واحدٍ منها له قيمةٌ اسميّةٌ بمبلغٍ معيّن، مثل
عشر روبيات. فإذا كان رأسُ المال المُصدَر (Issued Capital) عشرة ملايين مثلاً،
فإنّ الشّركةَ تُصدر مليونَ سهم. ويحقُّ للمساهمين أن يُقدّموا طلباً للمساهمة بما
يشاؤون من أموال، فإن كانت الطّلباتُ أكثرَ من رأس المال المُصدَر، فيُعطى كلُّ واحد
من طالبى المساهمة قدرٌ من الأسهم، إمّا بالاقتراع، وإمّا بالنّسبة والتّناسُب. فيكونُ
لبعضهم ألفُ سهم، ولبعضهم ألفا سهم، وهكذا. وإنّ هذه العمليّةَ بالنّسبة لطالبى
المساهمة تُسمّى "الاكتتاب" (Subscription). ومن قُبل طلبُه للاكتتاب يُعطى ورقةً
تُثبت أنّ حاملَها مُساهمٌ فى هذه الشّركة(١) وكلُّ واحدٍ من حاملى السّهم يُعتبر عضواً
فى الجمعيّة العموميّة للشّركة الّتى لها السُّلطة العُليا فى اتّخاذ قراراتٍ أساسيّة لإدارة
الشّركة وتعيين نشاطاتها، وتعيين مجلس الإدارة وما إلى ذلك.
ثمّ إنّ الشّركةَ إن كانت رابحةً، فإنّها، بعد وضع حصّة من الأرباح فى احتياطيّ،
تُوزّع الأرباحَ على حَملة الأسهم بالنّسبة والتّناسب. وإنّ كلَّ حامل للسّهم، له حقٌّ
فى أن يبيعَ سهمَه إلى آخر، ليحُلّ المشترى محلَّه فى ملكيّة السّهم، وما يتعلّق بها
من حقوق. وإنّ السّوق الّتى تُباعُ فيها الأسهم وتُشترى تُسمّى "البورصة"
.(Stock Exchange)
وقد اختلفت آراءُ المعاصرين فى تكييف هذه الأسهم. فذهب بعضُهم إلى أنّ هذه
الأسهُمَ لاتُمثّل حصّةً مُشاعةً من موجودات الشّركة، وإنما هى أوراقٌ ماليّة تُمثّل
(١) وفى بعض النّظم، لايُعطى المساهم ورقة أو شهادة، وإنّما يُسجّل اسمه فى حساب لدى جهة تُسمّى
CDC