Indexed OCR Text

Pages 261-280

الباب الأوّل
فى المبيع وما يشترط فيه لصحّة البيع
١٠٤ - المبيع وما يشترط فيه لصحة البيع
ونذكر أوّلاً شروط البيع الّتى ترجعُ إلى المبيع. فمنها ما يُشترط لانعقاد البيع، ومنها
ما يُشترط لصحّتها، بمعنى أنّه إذا فُقد شرط من هذه الشّروط، انعقد البيع فاسداً على
مذهب الحنفيّة، وسنذكر ذلك عند کل شرط، كما سنذكر حكم البیع الفاسد فى باب
مستقل إن شاء الله تعالی.
١٠٥- الشرط الأول: ماليّة المبيع
فالشّرط الأول: أن يكون المبيعُ مالاً. وهذا شرطُ الانعقاد، فلاينعقد بيعُ ماليس بمال،
بل هو بيع باطل. وهذا القدرُ متّفق عليه بين الفقهاء، ولكن اختلفت عباراتُهم فى
تعريف المال، فمنهم من قصره على الأعيان ذوات القيمة، فأخرج منه المنافع
والحقوق المجرّدة، وهو الظّاهر من كلام الحنفيّة. قال الحصكفيّ رحمه الله تعالى

٢٦٢
فقه البيوع
فى شرحه على ملتقى الأبحر:
"والمراد بالمال عينٌ يجرى فيه التّنافس والابتذال. "(١)
وقد ذكرنا فى تعريف البيع أنّ هذا التّصريح فى تعريف المال بكونه من الأعيان، وإن
كان لا يوجد بهذا الوضوح عند غيره، ولكن يُستنبط من كلام الفقهاء المتأخّرين من
الحنفيّة وتفريعاتهم أنّه ملحوظٌ عندهم فى تعريف المال. وعلى هذا عرّف الأستاذ
مصطفى الزّرقاء المالَ بقوله: "هو كلُّ عينِ ذاتِ قيمة ماديّة بين النّاس"(٢)
أمّا الشّافعية والحنابلة، فإنهم عرفوا المالَ بما يشمل الأعيان والمنافع المؤبّدة. قال
ابن حجر الهيتمى فى تعريف البيع:
"عقدٌ يتضمّن مقابلةَ مال بمال بشرطه الآتى لاستفادة ملك عين أو منفعة
!! (٣)
مؤبّدة.
ء
وقال الشّاطری:
"البيع لغةً مقابلة شيئ بشيئ، وشرعاً عقد معاوضة ماليّة تُفيد ملكَ عينٍ أو
منفعة على التّأبيد، كما فى بيع حق الممرّ، ووضع الأخشاب على الجدار،
وحقّ البناء على السّطح. "(٤)
وقال البهوتى رحمه الله تعالى، وهو يُعرِّف البيع:
(١) الدرالمنتقى بهامش مجمع الأنهر ٣: ٤
(٢) المدخل الفقهى العام ١١٨:٣
(٣) تحفة المحتاج ٤: ٢١٥
(٤) الياقوت النفیس فی مذهب ابن إدريس ص ٧٤

المبحث الثالث
"مبادلة عين مالية ... أو منفعة مباحة مطلقاً، بأن لا تختصّ إباحتها بحال دون
ء
آخر، كممرّ دار، أوبقعة تحفر بئرا، بأحدهما أى عين ماليّة أو منفعة مباحة
مطلقا ... فیشمل نحو بیع کتاب بکتاب، أوبممرّ فی دار، أو بيع نحو ممرٌّ فى
دار بكتاب، أو بممرّ فى دار أخرى."(١)
أمّا المالكيّة، فإنّهم وإن أخرجوا المنافع من تعريف البيع فى غير واحد من
كتبهم، (٣) ولكنّ الظّاهر أنّ مقصودهم إخراجُ المنافع الموقّتة، لأنّهم أجازوا بيع حق
التّعلّى، وحقّ غرز الخشب على الجدار وحقّ الشِّرب(٣). ويظهر منه أنّ المنافع
المؤبّدة داخلةٌ عندهم فى المال الذی یجوز بيعه.
(١) شرح منتهى الإرادات ٢: ١٤٠
(٢) راجع الدسوقى على شرح مختصر خليل، ٣: ٢ ومواهب الجليل للحطاب، ٤: ٢٢٥ ومنح الجليل
لمحمد عليش ٢: ٤٦٠
(٣) الدسوقى، ٣: ١٤ ومواهب الجليل، ٢٧٦:٤ والتاج ولإكليل للمواق ٤: ٢٧٥

أحكام بيع الحقوق
١٠٦ - بيع الحقوق
ثمّ الحنفيّة وإن اشترطوا لجواز البيع أن يكون المبيعُ عيناً، وصرّحوا بأنّ بيع الحقوق
المجرّدة لايجوز، ولكنّهم استثنَوْا من ذلك بعض الحقوق التى تتعلّق بعين، مثل حقّ
المرور فى القول المفتى به. (١) ويظهر من مراجعة كلام الحنفيّة فى مسائل مختلفة أنّ
عدم جواز بيع الحقوق ليس على عمومه. وقد حقّقتُ المسألة فى رسالتى "بيع
ء
الحقوق " وانتهيتُ فيها إلى مايأتى:
الذى يتحصّل من استقراء الحقوق الّتى تحدّث الفقهاء عن الاعتياض عنها أنّها
تنقسم إلى نوعين:
١٠٧ - الحقوق الشرعيّة
الحقوق الشّرعيّة: وهى حقوقٌ ثبتت من قِبَل الشّرع، لامدخل فيها للقياس، بمعنى أنّها
لم تثبت لأصحابها إلاّ بنصِّ جلىّ أو خفيّ من قبل الشارع. ولولا ذلك النّصُّ ماثبتت،
(١) ردالمحتار ١٤: ٦٤٠ فقرة ٢٣٥١٠

٢٦٥
0
المبحث الثالث
مثل حقّ الشّفعة، وحقّ الولاء، وحقّ الوراثة، وحقّ النّسب، وحقّ القصاص، وحقّ
التمتّع بالزّوجة، وحقّ الطّلاق، وحقّ الحضانة، والولاية، وحقُّ المرأة فى قَسْم زوجها
لها. وإنّ هذه الحقوقَ على قسمين: الأوّل: حقوقٌ ليست ثابتةً أصالةً، وإنّما أثبتها
الشّارع لدفع الضّرر عن أصحابها، ويمكن أن نُسمّيها "الحقوق الضّرورية". والثّانى:
حقوقٌ ثبتت لأصحابها أصالةً، لاعلى وجه دفع الضّرر فقط، ويمكن أن نُسمّيها
"الحقوق الأصليّة"
فأمّا الحقوق الضّروريّة، فمثالُه حقّ الشّفعة، فإنّه ليس حقّاً ثابتاً بالأصالة، لأنّ الأصل
أنّ المتبايعين إذا عقدا بيعاً عن تراض منهما، فلا حقَّ لثالثٍ أن يتدخّل بينهما، ولكنّ
٠
الشّريعة إنّما أثبتت حقّ الشّفعة للشّريك والخليط (والجارعلى مذهب الحنفيّة)
لدفع الضرر عنهم.
وكذلك حقّ الزّوجة فى قَسْم زوجها لها إنّما شُرع لدفع الضرر عنها، وإلاّ فالزّوجُ لها
الخيار فى أن يتمتّع بزوجته ويبيتَ عندها متى شاء. ويدخل فيه الحضانة وولاية
اليتيم وخيار المخيّرة. وحكم هذا النّوع من الحقوق أنّه لا يجوز الاعتياضُ عنها،
لاعن طريق البيع ولا عن طريق الصّلح والتّنازل بمال. والدليل عليه عقلاً أنّ الحقّ لم
يكن ثابتاً لصاحبه أصالة، وإنّما ثبت له لدفع الضّرر عنه. فإن رضي بإعطاءه لغيره، أو
تنازَلَ عنه لآخر، ظهر أنّه لاضرر له عند عدمه، فيرجع الأمر إلى الأصل، وهو عدم
ثبوت الحقّ له، فلا يجوز له أن يطالب على ذلك بعوض، كالشّفعة إذا تنازل عنها
الشّفیع، ظهر أنّه لاضرر له فى البیع الذی کان سبباً لثبوت حقّه، فانتفى حقُّه فى نقض
ذلك البيع، ولا يجوز إذاً أن يأخذ على ذلك مالاً.

٢٦٦
فقه البيوع
وكذلك حقّ القَسْم للمرأة كان لدفع الضّرر عنها، فلمّا تنازلت عنه، ظهر أنّها لا تتضرّر بترك
القسم، فلا يجوز لها أخذُ العوض على هذا التّنازل. ومثلُه المرأة المخيّرة من قِبل زوجها
بقوله: "اختارى"، لها الخيار بفسخ نكاحها منه دفعاً للضّرر عنها، فلو قالت "أختار زوجى،
وأبطل الخيارَ بمال يعطينى"، ظهر أنّه لاضررَ لها فى بقاءها مع زوجها، فلا تستحقّ أخذ
العوض على ذلك. وكذلك امرأة العنّين، لها أن تفسخ نكاحها من زوجها العنّين، الدفع
الضّرر عن نفسها، فإن رضيت بالبقاءَ معه بمال، ظهر أنّها لا تتضرّر ببقاء النكاح، فلا
يجوز لها أخذُ العوض.
والثّانى: الحقوق الأصليّة. وهى التى ثبتت لأصحابها أصالةً، لاعلى وجه دفع الضرر
فقط، مثل حقّ القصاص، وحقّ تمتع الزّوج بزوجته ببقاء نكاحها معه، وحقّ الإرث،
وما إلى ذلك. وحكم هذا النّوع من الحقوق أنّه لا يجوز الاعتياض عنها بطريق البيع،
بأن ينتقلَ به الحقّ إلى المشترى، فينتقل إليه ماكان يستحقّه البائع، فلا يجوز لولىّ
قتيلِ أن يبيعَ حقّ الاقتصاص إلى رجل آخر، بأن يستحقّ ذلك الرّجل استيفاءَ
القصاص بدلاً منه، وكذلك لايجوز لرجل أن يبيع حقّ تمتّعه بالزّوجة إلى غيره،
ليتمتّع هو بها، ولا يجوز لوارثٍ أن يبيع حقَّ إرثه إلى رجل آخر، بحيث يرثُ هو
عوضاً عن الوارث الحقيقىّ. لأنّ هذه الحقوق إنّما أثبتها الشّارع لمرأٍ مخصوص
بصفة مخصوصة، كلّما تنتفى هذه الصّفة تنعدم الحقوق. فحقُّ القصاص إنّما أثبته
الشّارع لولىّ المقتول بصفة كونه وليّاً له، فإذا انتفت الولاية انتفى الحقّ.
وبعبارة أخرى، إنّ هذه الحقوق لاتقبل الانتقالَ من واحدٍ إلى آخر شرعاً، فلاتُباع،
ولا توهب، ولا تُورث. ووراثةُ حقّ القصاص أو الإرثِ ليس وراثةً حقيقةً، وإنّما هو
حقٌّ يثبت للوارث أصالةً عند عدم الوليّ الأقرب، أو الوارث الأقرب، لامن حيثُ إنّه

٢٦٧
المبحث الثالث
ينتقل من الولىّ الأقرب إلى وارثه. فيما أنّ الشّريعة لا تأذنُ بنقل هذه الحقوق من
واحدٍ إلى آخر، فلايجوز الاعتياض عنها بطريق البيع والمبادلة. ومأخذ هذا الحكم
حديث ابن عمر رضى الله عنهما: "أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الولاء
وهبته." (١)
ولكنّ هذه الحقوق يجوز الاعتياض عنها بطريق الصّلح والتّنازل بمال، بمعنى أنّ
المستحقّ فى هذه الحقوق يُمسك عن استعمال حقّه بمال يطالِبُ به مَن له مصلحةٌ
فى إسقاطه، مثلُ ولىّ القتيل إذا استحقّ القصاص، فإنّه يُباحُ له أن يصالح القاتلَ على
مال، وإنّ هذا المالَ مقابلٌ لإمساك صاحب الحقّ عن استيفاءه، وإنما يبذله القاتلُ
دفعاً لضرر الموت عن نفسه. وهذا جائزٌ بنصّ القرآن والسّنّة، وبإجماع أهل العلم.
وكذلك الزّوج له الحقّ أن يتمتّع بزوجته ببقاء نكاحها معه، ولكنّه يُمسك عن
استعمال هذا الحقّ بمال تفتدى به المرأةُ فى الخلع والطّلاق على مال. وذلك جائزٌ
بنصّ القرآن، وعلى ذلك انعقد الإجماع.
وإنّ هذا الفرق بين الحقوق الضّروريّة والحقوق الأصليّة قد ذكره البيرىّ من
الفقهاء الحنفيّة فى شرحه على الأشباه والنظائر، وحكاه ابن عابدين رحمه الله فى
ردّ المحتار. (٢)
ولكنّ جواز هذا الاعتياض على وجه الصّلح إنما يجوز إذا كان هناك حقٍّ قائمٌ ثابتٌ
(١) أخرجه البخارى فى العتق" باب بيع الولاء وهبته، وفى الفرائض، باب اثم من تبرأ من مواليه.
وأخرجه مسلم فى العتق، باب بيع الولاء وهبته وهذا لفظ مسلم.
(٢) ردالمحتار ٦٦:١٤ فقره ٢٢٢٧٤

٢٦٨
٥
فقه البيوع
فى الحال، كما فى حقّ القصاص، وحقّ بقاء النكاح والرّقّ. أمّا إذا كان حقًّا متوقّعاً فى
المستقبل غيرثابت فى الحال، فإن ذلك لا يجوز الاعتياض عنه، لاعن طريق البيع ولا
عن طريق الصّلح. وذلك مثلُ حقّ الإرث فى حياة المورث، لا يجوز التّنازلُ عنه
بمال، لأنّ حقّ الإرث فى حياة المورث ليس حقًّا ثابتا، بل هوحقٌّ متوقَّع يحتمل
الثّبوت وعدمه، وإنما يتقرّر بموت المورث فى حياة الوارث. وكذلك حقّ الولاء فى
حياة المولى حقٌّ غير متقرّر، وإنما يتأكّد بموته، فلا يصحّ التّنازل عنه. وأمّابعد موت
المورث أو المولى، فإنّ ذلك الحقَّ ينتقل إلى ملكٍ مادّىّ فى تركته، فيصحّ بيعُه
أو التّنازل عنه بطريق التّخارج بشروطه المعروفة.
١٠٨- الحقوق العرفيّة
والنّوع الثانى من الحقوق: هى ما يمكن أن تُسمّى "الحقوق العرفيّة". ونقصد بذلك
الحقوق المشروعة الّتى ثبتت لأصحابها بحكم العُرف والعادة. وإنّها حقوقٌ
مشروعةٌ، من حيث إنّ الشّريعة الإسلاميّة أقرتها عن طريق إقرارها للعُرف والتّعامل،
ولكنّ مأخذها الأصيل هو العُرف دون الشّرع، وذلك مثل حقُّ المرور فى الطّريق،
وحقُّالشِّرب، وحقّ التسييل، وما إلى ذلك. ثمّ إنّ هذه الحقوق أنواع:
١٠٩- المنافع المتعلقة بالأعيان
الأول: الحقوق المتعلّقة بالأعيان بمعنى حقّ الاستفادة بالمنافع المتعلّقة بالأعيان
المادية. فإن كان الانتفاعُ لمدّة معلومة، فإنّ الاعتياض عنها مشروعٌ بطريق الإجارة،
وتجرى عليها أحكامُها، مثل الانتفاع بسكنى الدّار لمدّة معينة. وأمّا إذا كان المالكُ

المبحث الثالث
ينقُل هذه المنفعة إلى الآخر على سبيل التّأبيد، فإنّه بيعٌ لتلك المنفعة، وذكره
الفقهاء الحنفيّة باسم بيع الحقوق المجرّدة أيضاً. وقد ذكرنا فى أوّل البحث أنّ الأئمة
الثلاثة يُدخلون بيعَ المنافع المؤبّدة فى تعريف البيع، فلا مانعَ عندهم من جواز هذا
البيع. فيجوز عندهم بيعُ حقّ المرور، وحقّ وضع الخشب على الجدار، وحقّ البناء
على السّطح الذى قد يُعبّر عنه بحقّ التعلّى.(١)
أمّا الحنفيّة، فقصَروا المال على الأعيان، ولم يُدخلوا فيه المنافع والحقوق. ولكن
ألحق مشايخهم الحقوق المتعلّقة بالأعيان، مثل حقّ المرور فى أرض معلومة،
فجوّزوا بيعَه فى القول المختار عندهم، ولم يجوّزوا بيعَ حقّ التعلّى، لأَنّه يتعلّق
بالهواء الّذى ليس بعين مال.(٢) والظاهر أنّ حقَّ التّعلّى صار الآن متعامَلاً به، فالأخذ
بقول الأئمّة الثلاثة أولى، والله سبحانه أعلم.
واختلفت أقوال المشايخ فى حقّ الشِّرب، فمنعه بعضُهم لكونه حقًّا مجرّداً،
وجوّزه بعضهم بحكم العرف.(٣) وهذا يدلّ أنّ للعرف مجالاً فى إدراج بعض
الحقوق والمنافع فى الأموال، ويقول ابن عابدين رحمه الله تعالى: "والماليّة تثبت
بتموّل النّاس كافّةً أو بعضهم، والتقوّم يثبت بها، وبإباحة الانتفاع به شرعا. "(٤)
(١) الدسوقى، ٣: ١٤ ومواهب الجليل، ٤: ٢٧٦ والتاج ولإكليل للمواق ٤: ٢٧٥ شرح منتهى
الإرادات ٢: ١٤٠ والياقوت النفیس فی مذهب ابن إدريس ص ٧٤
(٢) فتح القدير ٦٦,٦٥:٢ ورد المحتار ١٤: ٦٤٠ فقره ٢٣٥١٠ و ٢٣٥١١
(٣) المبسوط للسرخسى ١٧١:٢٣
(٤) ردالمحتار ٩:١٤ فقره ٢٢١٦٩

٢٧٠
فقه البيوع
١١٠ - حقّ الأسبقية
والثّانى: حقّ الأسبقية. وهو عبارةٌ عن حقّ التملّك أو الاختصاص الَّذى يحصُل
للإنسان بسبب سبق يده إلى شيء مباح، مثل حقّ التّملك بإحياء الأرض. وقد أجمع
الفقهاء على أنّ الأرض الموات لا يملكها الإنسان إلاّبالإحياء. وأمّا التّحجير، فلا يثبتُ
به الملك، وإنّما يثبتُ به الاختصاص، وحقُّ التملّك بالإحياء. فمن حجّر أرضاً، فإنّه
أحقُّ بإحياءها. واختلفت أقوال الفقهاء الشّافعيّة والحنابلة فى جواز بيع هذا الحقّ.
والمختار فى المذهبين عدمُ الجواز.(١) ولكن ذكر البهوتيّ من الحنابلة أنّ الاعتياض
عنه، وإن كان لا يجوز بطريق البيع، ولكنه يجوز بطريق التّنازل والصّلح عن الحقّ.(٢)
وكذلك من سبق إلى مكان فى المسجد، فهو أحقّ بذلك المكان، وله أن يؤثر به
غيرَه، ولكن لا يجوز له أن يبيع هذا الحقّ. نعم! ذكر البهوتيّ أنّه يجوزله التنازل عنه
بعوض. أمّا الحنفيّة والمالكية، فلم أجد حكم بيع هذا الحقّ عندهم صراحة. وقياس
قولهم أنّه لا يجوز عندهم أيضاً.
١١١ - حقّ إنشاء العقد أو إبقاءه
والثّالث: حقّ إنشاء العقد أو إبقاءه: والمراد بذلك حقُّ إنشاء عقدٍ مع آخر أو إبقاءه،
مثل خلوّ الدُّور والحوانيت، فإنّه حقٌّ لإنشاء عقد الإجارة مع صاحب البُقعة، أو إبقاءه
فى المستقبل، ومثل حقّ الوظائف السّلطانية أو الوقفيّة، فإنّه حقٌّ لإبقاء عقد الإجارة مع
(١) تكملة المجموع شرح المهذب للمطيعى، ٤٧١:١٤ ومغنى المحتاج ٣٦٧:٢، والكافى لابن قدامة
٤٣٩:٢، والإنصاف للمرداوى٣٧٣:٦
(٢) شرح منتهى الإرادات للبهوتى ٤٦٤:٢

٢٧١
المبحث الثالث
الحكومة أو ناظر الوقف. وقد اتّفقت المذاهب الفقهيّة على أنّه لا يجوز بيع هذا الحقّ،
ولكنّ كثيراً من الفقهاء الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة جوّزوا التّنازل عنها بعوض. (١)
والفرق بين البيع والتّنازل بعوض: أنّ البيعَ ينقُل إلى المشترى ماكان يملكُه البائع،
والتّنازل لا ينقُل المِلك إلى المنزول له، وإنّما يُسقِطِ النّازلُ حقّه، وليست فائدتُه فى
حقّ المنزول له إلّ زوالَ المزاحمة من قِبل النّازل. وقد بيّن الإمام القرافيّ رحمه الله
تعالى هذا الفرق بين قاعدة النّقل وقاعدة الإسقاط. (٢)
وهذا القسم من الحقوق له جزئيّاتٌ كثيرةٌ انتشرت فى عصرنا، ولنتكلّم على الأهمّ
منها واحدا تلو الآخر، والله سبحانه هو الموفق للصواب.
١١٢ - خلو الدُّور والحوانيت
المعروف فى كثير من البلاد اليوم أنّ المؤجر حينما يؤجر أرضَه أوبيته، فإنّه يُعطيه
حقّ البقاء على هذه الإجارة إلى الأبد (وقد يُسمّى حقّ القرار) بمبلغ مقطوعٍ يأخذه
عند عقد الإجارة، ثم يطالبُه بأجرة دوريّة متّفق عليها. ويُعتبر المستأجر بعدذلك
مالكاً لحقّ القرار. فلو أراد المؤجر أن يستردّ منه الأرضَ المؤجرة، فإنّه لا يحقّ له
ذلك إلاّبعوض مقطوع يتراضى عليه الفريقان فى ذلك الحين. وكذلك لو أراد
شخصٌ ثالثٌ أن يستأجر تلك الأرض، فإنّه لا يمكنُ له ذلك إلاّ بأن يدفع إلى
صاحب حقّ القرار، وهو المستأجر الأول، عوضاً عن تنازله عن حقّه. والمعروف فى
كثير من البلاد أنّ هذا المستأجرَ الجديد قد يدفع إلى المالك مبلغاً آخر ليعترف
(١) رد المحتار، ٦٦:١٤ فقره ٢٢٢٧٤ نهاية المحتاج، ٤٧٨:٥ وشرح منتهى الإرادات ٤٦٤:٢
(٢) الفروق للقرافي ٢: ١١٠ الفرق التاسع والسبعون

٢٧٢
فقه البيوع
المالكُ بانتقال حقّ القرار إليه مكانَ المستأجر الأوّل.
وحقُّ القرار فى مثل هذه التّعاملات يُسمّى "خُلوّا". فهناك أربع مسائل تحتاج إلى
بيان حكمها:
المسألة الأولى: هل يجوز للمؤجر أن يطالب المستأجرَ بمبلغ مقطوع، سوى الأجرة،
مقابلَ منحه حقَّ القرار أو حقّ البقاء على الإجارة إلى الأبد؟
المسألة الثانية: هل يجوز للمستأجر أن يطالب المالكَ بعوض إن أراد المالك
استرداد الأرض أو البيت منه؟
المسألة الثالثة: هل يجوز للمستأجر الأوّل أن يطالب المستأجرَ الجديد بعوض عن
تنازل حقّه فى البقاء؟
المسألة الرابعة: هل يجوز للمالك أن يطالب المستأجر الجديدَ بعوض لمجرد اعترافه
بكونه مستأجراً جديداً بعد ما تنازل له المستأجر الأول بعوض دفعه إليه؟
أمّا المسألة الأولى، فالظّاهرُ من كلام الفقهاء، أصحاب الكتب المعروفة، أنّ ذلك
لا يجوز، لأنّ اشتراط التأبيد يُبطل الإجارة عند كثير منهم. جاء فى المحيط البرهانى:
"والتأقيت شرط جوازها (أى الإجارة) والتّأبيد يُبطلها. "(١)
وقال الزّيلعيّ رحمه الله تعالى:
"لايجوزأن يضرب لها (أى للإجارة) أجلاً لا يعيش إليه مثلُه عادة، لأنّ
(١) المحيط البرهانى ٩٠:١٢

المبحث الثالث
الغالبَ كالمتحقّق فى حقّ الأحكام ... فصار كالتّأبيد معنى، فلايجوز، لما
عُرف أنّ التّأبيد يبطلها. "(١)
فإن كان شرط التّأبيد يبطل الإجارة، فكيف يثبت به حق القرار الدائم؟ ومتى لم يثبت
الحقّ، فكيف يجوز أخذ العوض عليه؟
نعم! قد أثبت بعض الفقهاء المتأخرين حقَّ القرار فى الأراضى السّلطانية والوقفّة إن
كانت الأراضى معطّلة، ولم يوجَدْ من يعمرها إلاّ بأن يكون له حقُّ القرار فيها، أو أتيح له
حقُّ القرار عوضاً عن عمارتها، أو بنى المستأجر، أوغرس فيها الأشجار، لأنّ هذه
الأراضيَ مُعَدَّةٌ للإجارة، فاعتُبر صاحبُ اليد أحقَّ بالاستئجار من غيره.(٢) ولكن لم أجدْ
عند أحدهم جواز أن يتقاضى من المستأجر عوضاً عن حقّ القرار مستقلاً عن الأجرة.
وإنّما صرّحوا بأنّ من شروط حقّ القرار أن يدفع المستأجرُ أجرةَ المثل دائماً، حتىّ لو
زادت أجرةُ المثل زاد الأجرة. ثمّ إنّهم صرّحوا بأنّ هذا الحقَّ يتبع العمارة أو الغَرْس الذى
أحدثه المستأجرُ فى الأرض المؤجرة، وأنّ هذا الحقَّلايثبت بمجرّد وضع اليد عليها.
وعلى هذا، فإنّ بدلَ الخلوّ الّذي يأخذه المؤجرُ فى أوّل العقد لاينطبق على مثل حقّ
القرار الذى جوّزه المتأخّرون فى الأراضى الوقفيّة والسّلطانيّة. ومن المقرَّر أنّ العاقدَ
لا يجوز له أن يطالبَ العاقد الآخرَ عوضاً عن مجرّد دخوله فى العقد، علاوةً على
ما يستحقّه بالعقد، فإنّه رشوة.
(١) تبيين الحقائق للزيلعى، ٧٩:٦ وراجع أيضا بدائع الصنائع، كتاب النكاح، ٤٨٦:٢
(٢) قد أطال ابن عابدين رحمه الله فى تحرير هذه المسألة فى مواضع مختلفة من ردالمحتار وفى
رسالته "تحرير العبارة فيمن هو أحق بالإجارة" ولیراجع لها ردالمحتار، كتاب البيوع، ١٤: ٧٢
فقره ٢٢٢٧٥ و کتاب الإجارة،٢٦٠٦ ورسائل ابن عابدين، ١٥٤:٢

٢٧٤
فقە البيوع
وقد خرّج بعضُ العلماء المعاصرين جوازَ الخلوّ على أنّه اعتياضٌ عن حقّ المالك فى
استرداد الأرض المؤجرة من المستأجر، وأنّه يجوز بحكم العرف، كما يجوز النّزول عن
الوظائف بمال.(١) وفيه نظرٌ من جهة أنّ الفقهاءَ لمّا لم يجوّزوا اشتراطَ التّأبيد فى الإجارة،
فكأنّهم لم يجوّزوا للمالك أن يتنازل عن حقّ الاسترداد. والاعتياضُ عن النّزول إنّما
يجوز إذا كان النّزولُ جائزاً شرعاً.
وأمّا المسألة الثّانية، فالمعاصرون الّذين جوّزوا بدلَ الخلوّ أجازوا للمستأجر أن يطالِب
المالكَ بعوض إن أراد إخلاءَ الأرض منه. وهذا العوضُ لا يجب أن يكون مساوياً لمِا
ء
دفعه المستأجرُ إلى المؤجر فى بداية العقد بدلاً عن الخلوّ، بل يجوز للفريقين أن يتّفقا
على أىّ مبلغ بتراضيهما. أمّا على القول بعدم جواز بدل الخلوّ، وهو الرَّاجحُ، فإن لم تكن
مدَّةُ الإجارة محدّدةً، فلا يجوز للمستأجر أن يطالِب المالك بعوض عن إخلاء الأرض.
نعم! يجوز له أن يستردّ منه مادفعه كبدل الخلوّ عند بداية العقد، فإنّه رشوةٌ يجب ردُّها
إلى الدافع.
وأمّا المسألة الثّالثة، وهي: هل يجوز للمستأجر القديم أن يطالِبَ المستأجرَ الجديد
مقابلاً لحقّه فى البقاء على الإجارة؟، فالّذين يجوّزون بدلَ الخلوّ يجوّزون ذلك
أيضاً. أمّا على القول بمنع بدل الخلوّ، فإن كانت الإجارةُ غيرَ محدّدة المدة، كما
هو معروفٌ فى المؤجَرات على سبيل الخلوّ، فلا يجوز أخذُ هذا البدل من المستأجر
الجديد. نعم! إذا خُدّدت مدّةُ أصل الإجارة، ثمّ تنازل المستأجرُ عن حقّه قبل تلك
المدّة لمستأجرٍ جديد، فإنّه يجوز له أن يأخذعوضاً عن هذا التّنازل.
(١) جديد فقهى مباحث للشيخ مجاهد الإسلام القاسمى ٥٦٦:٢

٢٧٥
المبحث الثالث
أمّا المسألة الرّابعة، وهي: هل يجوز للمالك أن يُطالِب المستأجرَ الجديدَ بعوض
لمجرّد اعترافه بكونه مستأجراً جديداً بعد ما تنازل له المستأجرُ الأوّل بعوض دفعه
إليه؟ فلم أرَ من أجاز ذلك حتىّ الذين قالوا بجواز الخلوّ.
وبما أنّ معظمَ الفقهاء لم يجوّزوا بدل الخلوّ، فالطّريق الصّحيح الّذى لا غُبارَ عليه عند
أحدٍ هو مايأتى:
١- يجوز للمؤجر أن يأخذمن المستأجر مقداراً مقطوعاً من المال يُعتبر أجرةً مقدّمةً
لِسنين معلومة. وهذا بالإضافة إلى الأجرة السّنويّة أو الشّهريّة، وتجرى على هذا
المبلغ المأخوذِ أحكامُ الأجرة بأسْرها، فلوانفسخت الإجارة قبل أمدها المتّفق عليه
لسبب من الأسباب، وجب على المالك أن يُرُدّ على المستأجر مبلغاً يقع مقابلاً
للمدّة الباقية من الإجارة.
٢- إذا كانت الإجارةُ لمدّة معلومة، استحقّ المستأجرُ البقاءَ عليها إلى تلك المدّة،
فلوأراد رجلٌ آخر أن يتنازل المستأجرُ عن حقّه، ويصيرَ هو المستأجرَ بدله، يجوز
للمستأجر الأوّل أن يطالب بعوض، ويكونُ ذلك نزولاً عن حقّ الاستئجار بعوض،
ويجوز ذلك قياساً على النزول عن الوظائف بمال. ولكن يُشترط لذلك أن تكون
الإجارةُ الأصليّة إلى مدّة معلومة، كعشر سنين مثلاً، ويتنازل المستأجر فى أثناءها.
٣- إذا كانت الإجارةُ لمدّة معلومة، لا يجوز للمؤجر أن يفسُخها إلاّ بمبرّر شرعىّ. فإن
أراد أن يفسُخها دون مبرِّر شرعى، جاز للمستأجر أن يُطالبه بعوض، ويكون ذلك نزولاً
عن حقّه بعوض. وهذا بالإضافة إلى ما يستحقّه من استرداد جزءٍ باق من المبلغ
المقطوع الّذى دفعه المستأجر كأجرة مقدّمة فى بداية العقد. والله سبحانه وتعالى أعلم.

٢٧٦.
فقه البيوع
١١٣- بيع الاسم التجاري أو العلامة التجارية
إنّ بعضَ التّجّار أو الشّركات التّجاريّة تحوزُ سُمعةً حسنةً فى السّوق لجودة
منتجاتها، ويعتبر اسمُها التّجارىّ ضماناً لنوع معروفٍ من المنتَج، فيشتريه
المستهلكون بمجرّد ما يَرون هذا الاسم على منتج، ثقةً منهم بأنّ أىَّ منتج بهذا الاسم
يفى بمتطلّباتهم. ومن ثَمَّ صار الاسم التجاريّ أو العلامة التّجاريّة سبباً لكثرة إقبال
المشترين على المنتجات وقلّتِه، فصار الاسم التجاريّ أو العلامة التّجاريّة لهما قيمةٌ
فى نظر التّجّار، فكلُّ اسم حاز سُمعةً حسنةً بين النّاس يُمثّل كثرةَ رغبة المشترين فى
بضاعة واردة فى السّوق بذلك الاسم. ولمّا ظهر أنّ بعضَ النّاس بدءوا يستعملون
أسماء المنتجين الّذين لهم شُهْرةٌ حسنة، لترويج بضاعتهم بهذا الاسم، وخيف
التباسُ الأمر على عامّة النّاس، صدرت تشريعاتٌ من قِبل الحكومات لتسجيل
الأسماء التّجاريّة والعلامات التّجاريّة عندالجهات الحكوميّة، ومَنْعِ التّجّار من
استعمال الأسماء والعلامات الّتى سجّلها غيرُهم، فصارت هذه الأسماء والعلاماتُ
بعد التّسجيل لها قيمةٌ ماديّة فى عُرف التّجّار، وشرع التّجّار يبيعون هذه الأسماء،
ويشترونها بأثمان غالية وأموال طائلة، لما يرجون من كثرة إقبال النّاس على ما
يُنتجونه لشهرة الاسم.
والكلامُ فى جواز الاعتياض عن الاسم التّجارىّ فى موضعين: الأوّل: هل يجوز
الاعتياض عن استعمال الاسم التّجارىّ رغْمَ أنّه ليس عيناً ماديًا، وإنّما هو مجرّد
حق؟ والثّانى: هل يتضمّن انتقال الاسم التجاريّ إلى جهة أخرى تغريراً أو غشًا
للمشترين؟

المبحث الثالث
أمّا المسألة الأولى، فإنّ استخدام الاسم التجارىّ، وإن كان حقّاً، فإنّه ثبت لصاحبه
أصالةً بحكم الأسبقيّة، وبالتّسجيل الحكومىّ، وليس دفعاً للضّرر فحسب.
وهو حقٌّ ثابتٌ فى الحال، ويقبل الانتقالَ من واحدٍ إلى آخر، ولكنّه ليس حقّاً ثابتاً
فى عين قائمة. فعلى ضوء القواعد الّتى استخلصناها فى موضوع بيع الحقوق،
ينبغى أن يجوز الاعتياض عنه على طريق التّنازل، دون البيع. وبهذا أفتى شيخ
مشايخنا الإمام أشرف علىّ التهانوى رحمه الله تعالى وقاسَه على مسألة التّنازل
عن الوظائف بمال.(١)
ويبدو لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه أنّ حقّ الاسم التّجارىّ والعلامات التّجاريّة، وإن
كان فى الأصل حقّاً مجرّداً غير ثابتٍ فى عين قائمة، ولكنّه بعد التّسجيل الحكومىّ الّذى
يتطلّب جُهداً كبيراً وبَذْلَ أموال جمّة، والّذى تحصُّل له بعد ذلك صفةٌ قانونيّةٌ تمثّلها
شهاداتٌ مكتوبةٌ بيد الحامل وفى دفاتر الحكومة، أشبه الحقَّ المستقرَّ فى العين، والتحق
فى عرف التّجار بالأعيان، فينبغى أن يجوز الاعتياض عنه على وجه البيع أيضاً، ولاشكّ
أن للعُرف العامّ مجالاً فى إدراج بعض الأشياء فى الأعيان، لأنّ الماليّة ،كما يقول ابن
عابدين رحمه الله، تثبت بتموّل الناس. وهذا مثل القوّة الكهربائيّة أو الغاز الّتى لم تكن فى
الأزمان السّالفة تُعدّ من الأموال والأعيان المتقوّمة، لأنها ليست عيناً قائمة بذاتها، ولم يكن
إحرازها فى الوُسعة البشريّة، ولكنّها صارت الآن من أعزّ الأموال المتقوّمة التى لاشبهةَ
فى جواز بيعها وشراءها، وذلك لنفعها البالغ، ولإمكان إحرازها، ولتعارف النّاس بماليّتها
وتقوّمها. فكذلك الاسم التّجارىّ أو العلامة التّجاريّة أصبحت بعد التسجيل الحكومىّ
ذاتَ قيمة بالغة فى عُرف التجّار، ويصدق عليها أنّها تُحرَز بإحراز شهادتها المكتوبة من
(١) إمداد الفتاوى ١١٩:٣

٢٧٨
فقه البيوع
قبل الحكومة، وإحرازُ كلِّ شيء بما يلائمه، ويصدُق عليها أيضاً أنها تُدَخَر لوقت
الحاجة. فالعناصر اللاّزمة الّتى تمنح الشّيئ صفةَ الماليّة متوفّرة فيها، سوى أنّها ليست عيناً
قائمةً بنفسها، فيبدو أنّه لامانعَ شرعاً من أن يُسلك بها مسلكَ الأموال فى جواز بيعها
وشراء ها.
وأمّا المسألة الثانية، وهى: هل يتضمّن نقلُ الاسم التجارى أو العلامة التّجاريّة الغشَّ
والخداع؟ فالجواب أنّه إذا لم يقع الإفصاح العامُّ بأنّ الاسم التجاريّ أو العلامة
التجاريّة انتقلت إلى جهة أخرى، ولم تلتزم الجهة المشتريةُ بالحفاظ على نفس
المستوى للمنتَج فى الجودة، فلاشكَّ أنّ فى ذلك غِشّاً وخداعاً، وهو حرامٌ بالنّصّ.
أمّا إذا التزمت الجهةُ البائعة أنّها ستنقل إلى الجهة المشترية الكفاءةَ المهنيّة مع نقل الاسم
والعلامة، بأن تنقُل إليها نفسَ الثّقنية، أو وقع الإفصاحُ العامّ أنّ الاسم والعلامة انتقلا إلى
جهة أخرى، فالظّاهر أنّه لاغشَّ فى ذلك إذا بذلت الجهةُ المشترية أقصى جُهدها للحفاظ
على مستوى المنتَج، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وبهذا أصدر مجمع الفقه الإسلاميّ الدّوليّ قراراً فى دورتها الخامسة المنعقدة فى
الكويت من ١ إلى ٦ جمادى الأولى سنة ١٤٠٩ من الهجرة النبويّة على صاحبها
السّلام. ونصُّ القرار مايلى:
"يجوز التّصرّف فى الاسم التجاريّ أو العنوان التّجارىّ أو العلامة التّجاريّة
ونقلُ أىّ منها بعوض مالىّ إذا انتفى الغرر والتّدليس والغشّ باعتبار أنّ ذلك
أصبح حقّا ماليًا. "(١)
(١) مجلة مجمع الفقه الإسلامى، العدد الخامس، الجزء الثالث ص ٢٥٨١

المبحث الثالث
١١٤ - حقوق الامتياز (Franchise)
إنّ بيعَ الاسم التّجارىّ والعلامة التّجاريّة قد تطوّر فى عهدنا بما يُسمّى بيع حقوق
الامتياز(١)، وأصبحت له صورٌ متعدّدة منشعبة. وحاصلُ هذا الحقّ أنّ مالكاً لحقٍّ من
حقوق الاسترباح يبيع ذلك الحقّ إلى آخر إمّا مطلقاً، أو لمدّة معلومة، أو فى مكان
معلوم.
فمن صُوَرَه الشّائعة أنّ مُنتَجاً من منتجات البائع أصبح معروفاً بين النّاس بصفاته، و
باسم معلوم وعلامة معلومة. فيُريد مشترى حقّ الامتياز أن ينتفع بسُمعة المنتَج، فيوفّرُ
له البائع التّقنيةَ وتدريب العاملين، ومضمونَ نشرات التسويق، وتصميمَ محلات البيع،
والإشراف الدّوريّ على طُرق الإنتاج، بالإضافة إلى حقّ استعمال الاسم التّجارىّ
والعلامة التّجاريّة. كلُّ ذلك لقاءَ عوض مالئٍّ قد يكون مقطوعاً، وقد تُضاف إليه نسبةٌ
شائعة من الموارد الّتى يكسِبُها مشترى حقّ الامتياز ببيع هذا المنتَج. فمثلا: أصبحت
المنتجاتُ الغذائيّة لمكدانلد معروفةً فى العالم كلّه بصفاتها المخصوصة، ولكنّ شركة
مكدانلد لا تشتغل فى جميع البلاد بنفسها. وإنّما تتعاقد فى باكستان مثلاً بجهة تشترى
منها حقّ الامتياز. وبحكم هذا العقد يحقّ لمشترى الامتياز أن يستخدم نفس التّقنية
التى تستخدمها شركة مكدانلد فى أمريكا، ونفسَ الاسم والعلامات، ونفسَ الطّراز،
ونفس النّشرات التّسويقية، ونفس التّصميم للمحلاّت. وتُوفّر شركة مكدانلد لهذا
(١) إنّ اصطلاح "حق الامتياز" اصطلاحٌ يشمل الحقوق التى يتميز بها صاحب الحقّ فى نشاطات
مختلفة أتيحت له من قبل الحكومة أو جهات أخرى. ولكنّ المقصود هنا الامتياز التجاريّ الَّذى
تمنحه جهة تجاريّة لاستعمال اسمها وعلامتها وتقنيتها فى تجارة مخصوصة. وقد يُسمّى هذا الحقّ
"حقّ الإعفاء" أيضاً.