Indexed OCR Text
Pages 41-60
فقه البيوع العامّة للإثبات(١)" وأمّا الهاتف (التّليفون) والجهازُ اللاسلكىّ، فالتّعاقد بهما كالتّعاقد مشافَهة، وإن كان أحدُهما لا يرى الآخر، لأنّ ذلك ليس بشرط لصحّة العقد. قال النّووىّ رحمه الله: "لو تناديا، وهما متباعدان، وتبايعا، صحّ البيعُ بلاخلاف(٢)" ولهذا نصّ القرار السّابق لمجمع الفقه الإسلامىّ فى مادّته الثّانية مايلى: "إذا تمّ التعاقد بين طرفين فى وقت واحد، وهما فى مكانين متباعدين، وينطبق هذا على الهاتف واللاّسلكى، فإنّ التّعاقد بينهما يُعتبر تعاقداً بين حاضرين، وتُطبّق على هذه الحالة الأحكامُ الأصليّة المقرّرة لدى الفقهاء " ولكنّ العقد بين شخصين متباعدين، سواء أكان بطريق التّلكس والفاكس، أم بطريق الهاتف أو الجهاز اللّسلكىّ، إنّما يصحّ فيما لا يُشترطُ فيه القبضُ فى مجلس العقد. أمّا العقودُ الّتى يُشترط فيها التّقابض من الجانبين، كالصَّرف، فإنّها لا تتمّ بهذه الآلات، إلّ إذا كان لكلّ واحدٍ منهما وكيلٌ بالتسلّم عند الآخر، فيتسلّم وكيلُ كلّ واحدٍ منهما ما وجب لموكّله فى مجلس إجراء الاتّصال، أو عن طريق بنكٍ فى بلد كلّ واحد منهما فيه رصيدٌ لكليهما، كما سيأتى فى موضعه إن شاء الله تعالى. وإلاّ فيعتبر هذا الاتّصالُ الآلىّ مساومةً، أو وعداً بالعقد، ويتمُّ العقد فى وقتٍ لاحقٍ يتحقّق فيه القبض المشروط. (١) مجلة مجمع الفقه الإسلامى، الدورة السادسة، العدد السادس ٢: ١٢٦٧ و ١٢٦٨ (٢) المجموع، شرح المهذب للنووى، دار الطباعة المنيرية ١٨١:٩ المبحث الأول ١٢- موافقة الإيجاب للقبول يجب لصحّة العقد أن يكون القبولُ موافقاً للإيجاب فى المبيع وقدره وصفتِه، وفى قدر الثّمن وجنسِه، وفى شرط الخيار. فإذا خالف القبولُ الإيجابَ فى أحد هذه الأشياء، لم يتمّ به العقد. فلو قال البائع: "بعتُك هذا الثّوب الّذى هو عشرةُ أذرع بمائتى ربية"، فلا بدّ أن يقع قبولُ المشترى على جميع هذه التّفاصيل، وليس له أن يقبل خمسةَ أذرعٍ من ذلك الثّوب بمائة ربية، أو يقبلَ الثّوبَ كلّه بثمن أقلّ، أو يقبلَه بشرط الخيار لنفسه، ولو فعل شيئاً من ذلك لم يتمّ به البيع، وإنّما يُعتبر إيجاباً جديداً من قِبَله، ويحتاج إلى قبول البائع. فإن قبل البائع، صارالإيجابُ الأول باطلاً، وكلام المشترى إيجاباً جديداً، ورضا البائع قبولاً، وينعقد البيع على هذا الوجه.(١) وينطبق هذا الأصلُ أيضاً على ما إذا أوجبَ أحد المتبايعين فى أشياءَ متعدّدة بصفقة واحدة، وعيّن لكل منها ثمناً على حدة، مثلاً: لو قال البائع: "بعتُ هذه الأثواب الثّلاثة، كلُّ واحدٍ بمائة ربّية، " وقال المشترى: "قبلت أحدهما بمائة ربية،" لاينعقد البيع (٢)، لأنّ الإيجابَ إنّما وقع على ثلاثة أثواب مجموعة، فليقع القبولُ عليها جميعاً، ولا يجوز تفريق هذه الصّفقة من قِبل المشترى. وهو الذى يُسمّيه الفقهاء تفريقَ الصّفقة قبل التّمام. قال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "والصّفقةُ إذا وقعت مجتمعةٌ من البائع، لا يملكُ المشترى تفريقَها قبل التّمام، لأنّ من عادة التّجّار ضمَّ الرّديئ إلى الجيّد، ترويجاً للرّديئ بواسطة (١) درر الحكام، لعلى حيدر ١٢٨:١ (٢) الفتاوى الهندية ١٤:٣ مجلة الأحكام العدلية، مادة ١٧٩ ٤٢ فقه البيوع الجيّد، فلو ثبت للمشترى ولايةُ التّفريق لَقَبل فى الجيّد دون الرّديئ، فيتضرّربه البائع، والضّررمنفىّ، ولأنّ غرض التّرويج لا يحصل إلاّ بالقبول فيهما جميعاً، فلا يكونُ راضياً بالقبول فى أحدهما، ولأنّ القبولَ فى أحدهما يكون إعراضاً عن الجواب بمنزلة القيام عن المجلس."(١) نعم، يعتبر قوله إيجاباً جديداً من المشترى، فيتوقّف على قبول البائع. ١٣- الموافقة الضمنية للإيجاب وقد تكون موافقةُ الإيجاب والقبول ضمناً، وهى كافيةٌ لانعقاد البيع، مثل أن يقع الإيجابُ من البائع بثمن، ويقع قبولُ المشترى بثمنٍ أكثر منه، فلو قال البائع: "بعتك هذا الثّوب بمائة"، فقال المشترى: "قبلتُه بمائة وعشرة"، انعقد البيعُ على المائة(٢)، لأنّ قبولَ المشترى بمائة وعشرة يتضمّن قبولَه بمائة، والقدرُ الَّذى زاده المشترى فى القبول لا يلزمه دفعُه، إلاّ إذا قبلها البائع فى المجلس، فحينئذٍ يجب على المشترى دفعها. وكذلك إن أوجب المشترى بثمن، فقبل البائع بثمن أقلّ منه، انعقد البيع على القدر الأقلّ ، لأنّ الموافقة قد حصلت ضمناً. وهذا الحكم يجرى أيضاً فيما إذا كانت الزّيادةُ المعروضةُ من قِبل المشترى من غير جنس الثّمن المذكور من قبل البائع. فلو قال البائع: "بعتُ هذا الثّوب منك بمائة (١) بدائع الصنائع، الشروط التى ترجع إلى نفس العقد ٣٢٣:٤ (٢) المجلة، مادة ١٧٨ المبحث الأوّل ربّية"، وقال المشترى: "اشتريتُه بمائة ربية وخمس ريالات سعوديّة"، انعقد البيعُ على مائة ربّية، ولا يلزم المشتريَ دفعُ خمس ريالات، إلاّ إذا قبلها البائعُ فى المجلس. وكذلك لوقال المشترى: "اشتريتُه منك هذا الثّوبَ بمائة ربّية وخمس ريالات"، وقال البائع: "بعتُه منك بمائة ربية فقط"، انعقد البيع على مائة ربّية. أمّا إذا كان هناك مباينةٌ بين الثّمن المذكور فى الإيجاب والثّمن المذكور فى القبول، فإنّها لا تعتبر موافقةً ضمنيّة، فلا ينعقد البيع. وهذا كما إذا قال البائع: "بعتُ هذا الثّوبَ منك بمائة ربية، فقال المشترى: قبلتُه بخمسة عشر ريالاً سعوديّاً"، لا ينعقد البيع، (سواء كانت قيمةُ خمسة عشر ريالاً أكثرَ من مائة ربّية) لأنّ بين الربّية والرّيال مباينةً، وقد يُريد البائع ربّيات، ولا يريد الرّيالات، فلم تحصُل الموافقة بين الإيجاب والقبول(١). ١٤ - الارتباط بين الإيجاب والقبول وكذلك يجب لصحّة البيع أن يكون القبولُ مرتبطاً بالإيجاب. ويجب لهذا الارتباط أن يتحقّق أمران: الأوّل: أن يكون القبولُ فى جواب الإيجاب. فإن كان مستقلاً عنه، فلا يُعتبر قبولاً، وإنّما هو إيجابٌ آخر. وعلى هذا، لوكتب زيد إلى عمرو: "بعتُك سيارتى بمائة ألف" وقبل أن يصلَ الكتابُ إلى عمرو، كتب هُو (أى عمرو) إلى زيد: "اشتريتُ منك سيارتك بمائة ألف." ولم يعلم أحدُهما بكتاب الآخر إلاّ بعد إرسال كتاب (١) راجع دُرر الحكام، لعلی حیدر ١٢٩:١ فقه البيوع نفسه، فمجرّدُ وصول الكتابين إلى زيدٍ وعمرو لا يُعدّ بيعاً بينهما، بل كلُّ واحدٍ من الكتابين إيجاب، فللآخر أن يقبَله أويردّه، ولا يتمّ البيعُ حتىّ يصدر هناك قبولٌ من أحدهما، لأنّ كتابَ كلّ واحد منهما إنّما صدر إيجاباً للبيع، وكلُّ واحد منهما يعرف أنّه يحتاج إلى قبول الآخر، وأنّه يجوز له الرّجوعُ عن إيجابه قبل أن يقبله الآخر، فلا يسقط حقُّ رجوعه عنه لمجرّد أنّ الآخر أصدر إيجاباً مماثلاً آخر. والثّانى: أن تصحّ إضافةُ القبول إلى الإيجاب بوجهٍ معقول، دون أن يتخلّل بينهما ما يقطع هذه الإضافة عرفاً. وهذا الارتباطُ يختلف باختلاف الأحوال. فإذا كان العقدُ بين شخصين حاضرين، فقد ذكر الفقهاء أنّ الرّابطَ بينهما هو المجلس. فإذا أوجب البائعُ، فللمشترى أن يقبلَه ما داما في المجلس، أمّا إذا انقطع المجلسُ قبلَ القبول، بطل الإيجاب. فلا يجوز للمشترى أن يبنيَ قبولَه على ذلك الإيجاب، فلا ينعقد البيع بقبوله بعد المجلس. ولو فعل ذلك ،كان إيجاباً جديداً من قبله، فيحتاج إلى قبول البائع. وكذلك لو خرج قبول المشترى ورجوع البائع معاً، فإنّه يُبطل الإيجاب، ولا ينعقد به البيع.(١) ١٥- تعاقد البيع بالمراسلة أمّا إذا كان التّعاقدُ بين غائبين بالمراسلة، فقد ذكر الفقهاء أن المعتبر مجلس وصول الرّسول أو الخطاب. قال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "أمّا الرّسالة، فهى أن يرسل رسولاً إلى رجل، ويقول للرّسول: "إنّى بعتُ (١) شرح المجلة للأتاسي، مادة ١٨٤ عن الخانية والتتارخانية المبحث الأوّل عبدى هذا من فلان الغائب بكذا، فاذهب إليه وقُل له: إنّ فلاناً أرسلنى إليك، وقال لي: قُل له: إنّى قد بعتُ عبدى هذا من فلان بكذا، فذهب الرّسول، وبلّغ الرسالة، فقال المشترى فى مجلسه ذلك: "قبلتُ"، انعقد البيع، لأنّ الرّسولَ سفيرٌ ومعبّر عن كلام المرسل، ناقلٌ كلامَه إلى المرسَل إليه، فكأنّه حضر بنفسه فأوجب البيع، وقبل الآخر فى المجلس. "وأمّا الكتابة، فهيَ أن يكتب الرّجل إلى رجل: "أمّا بعد، فقد بعتُ عبدى فلاناً منك بكذا"، فبلغه الكتاب، فقال فى مجلسه: "اشتريت"، لأنّ خطاب الغائب كتابُه، فكأنّه حضر بنفسه، وخاطب بالإيجاب، وقبل الآخر فى المجلس(١)." وقال الغزاليّ فى الفتاوى: "إذا صحّحنا البيعَ بالمكاتبة، فكتب إليه، فقبل المكتوبُ إلیه، ثبت له خيارُ المجلس ما دام فى مجلس القبول. ويتمادَى خيارُ الكاتب إلى أن ينقطع خيارُ المكتوب إليه، حتّى لو علم أنّه رجع عن الإيجاب قبل مفارقة المكتوب إليه مجلسَه، صحّ رجوعُه، ولم ينعقد البيع. والله أعلم "(٢) وظاهرُ مثلِ هذه النّصوص الفقهيّة أنّ الإيجابَ إنما يبقى إلى آخر مجلس وصول الكتاب، فلو لم يقبل المكتوبُ إليه فى نفس المجلس الذى تسلّم فيه الكتاب، سقط الإيجاب. فلايجوز له أن يبنيَ قبولَه عليه. ولئن كتب إليه بعد ذلك موافقته للعقد، (١) بدائع الصنائع ١٣٨:٥ (٢) المجموع شرح المهذب ٩: ١٦٨ وراجع أيضا كشاف القناع للبهوتى ٣: ١٣٧ فقه البيوع فإنّما يكون إيجاباً جديداً يحتاج إلى قبول الموجب الأوّل. ولكنّ هذا فيه حرجٌ لا يخفى، لأنّ امتدادَ الإيجاب وخيارَ قبوله إلى آخر مجلس العقد، إنّماشُرِع للتأمّل والتروّى، كماصرّح بذلك الكاسانيّ رحمه الله، ويكفى لذلك مجلسُ العقد بين الحاضرين، لأنّ العادةَ أن يكون مثلُ هذا المجلس بين الحاضرين يستمرّ إلى أن يحصّل التروّى، ولو انقطع المجلس، فإنّه يسهُل تجديد الإيجاب بين الحاضرين، بخلاف مجلس وصول الكتاب، فإنّه قد يصلُ الكتاب فى حالة مستعجلة لا تكفى للتّروّى، ولو انقطع المجلس، فلا يسهل تجديد الإيجاب. ثمّ إنّ إثباتَ القبول فى المجلس عند حضور الفريقين سهل، بخلاف الغائبين، فإنّ هناك صعوبةً فى إثبات أنّ المكتوب إليه قَبل فى مجلس وصول الكتاب أو بعده، فينبغى أن يكون هناك فرقٌ بين العقد الشّفهى والعقد الكتابىّ. ولعلّ البعضَ من الفقهاء الحنفيّة تنبّهوا لهذه الفروق بين الخطاب والكتاب، والتمسوا الحلولَ لهذه المشاكل. فقال شيخ الإسلام خواهر زاده فى مبسوطه: "الكتاب والخطاب سواءٌ إلاّ فى فصل واحد، وهو أنّه لو كان حاضراً، فخاطبها بالنكاح، فلم تُجبْ فى مجلس الخطاب، ثم أجابت فى مجلس آخر، فإنّ النّكاح لا يصحّ، وفى الكتاب إذا بلغها وقرأت الكتاب، ولم تُزوّج نفسَها منه فى المجلس الذى قرأت الكتاب فيه، ثم زوّجت نفسَها فى مجلس آخر بين يدي الشّهود، وقد سمعوا كلامَها وما فى الكتاب، يصحّ النّكاح، لأنّ الغائبَ إنّما صار خاطباً لها بالكتاب، والكتابُ باق فى المجلس الثّانى، فصار بقاءُ الكتاب فى مجلسه، وقد سمع الشّهودُ ما فيه فى المجلس الثّانى، بمنزلة ما لوتكرّر الخطابُ من الحاضر فى مجلس آخر. فأمّا إذا كان حاضراً، فإنّما المبحث الأول صار خاطباً لها بالكلام، وما وُجد من الكلام لا يبقى إلى المجلس الثّانى، وإنّما سمع الشّهود فى المجلس الثّانى أحد شطري العقد (١)" ونقل ابن عابدين رحمه الله هذا القول، ثم أعقبه بقوله: "وحاصله: أنّ قوله: "تزوّجتك بكذا" إذا لم يوجد قبول، يكون مجرّدُ خِطْبة منه لها، فإذا قبلت فى مجلسٍ آخر، لا يصحّ، بخلاف ما لوكتب ذلك إليها، لأنّها لما قرأت الكتاب ثانياً وفيه قوله" تزوّجتك بكذا" وقبلت عند الشّهود صحّ العقد، كما لوخاطبها به ثانياً، وظاهرُهُ أنّ البيع كذلك، وهو خلاف ظاهر الهداية، فتأمّل(٢)." وقد ذكر ابن عابدين هذه المسئلة فى كتاب النّكاح نقلاً عن المحيط أيضاً، وعلّله فى المحيط بأنّ الكتابَ قائمٌ فى مجلس آخر، وقراءتُه بمنزلة خطاب الحاضر، فاتّصل الإيجابُ بالقبول، ثمّ فرّع عليه ابنُ عابدين فقال: "ومقتضاه أنّ قراءةَ الكتاب فى مجلس آخر لابدّ منها، ليحصل الاتّصالُ بين الإيجاب والقبول (٣)." ولكنّ الظاهر أنّ هذ التّفريع تدقيقٌ فى غير موضعه، وقد رأيتَ أنّ شيخ الإسلام خواهرزادة رحمه الله تعالى لم يقيّد صحّةَ القبول بقراءة الكتاب مرّةً ثانية، وإنّما علّله ببقاء الكتاب، والظّاهر أنّ قراءتَه مرّة ثانيةً لا تجب للاتّصال بين الإيجاب والقبول، لأنّ الإيجابَ فعلُ الكاتب، ولا علاقة له بالقراءة الّتى هيَ فعلُ المكتوب إليه. ومعنى التّعليل الّذى ذكره شیخُ الإسلام خواهر زاده أنّ الكاتب حينما أثبت إيجابَه فى كتاب، فكأنّما أراد أن يستمرّ (١) البحر الرائق، لابن نجيم ٢٩١:٥ (٢) ردالمحتار ٤٦:١٤ فقره ٢٢٢٤٥ (٣) ردالمحتار ٥١٠٨ فقره ١١١٧٤ فقه البيوع هذا الإيجابُ إلى أن يقبله المكتوب إليه أو يرفضه. فبقاءُ الكتاب فى حيازة المكتوب . إليه بقاءٌ للإيجاب بصفة مستمرّة، فلا يبطلُ هذا الإيجاب بمجرّد انقضاء مجلس وصول الكتاب. وإنّ هذا الموقف هو الأسلم، وخاصّةً بالنّظر إلى طريق تعامل النّاس فى الظّروف الحاضرة. فإنّ الكتاب فى الأزمنة القديمة إنّما كان يحمله شخصٌ يأتى به إلى المكتوب إليه، وكان المفروضُ فى غالب الأحيان أن يتلقّى منه جواباً سلبياً أو إيجابيّاً، ويوصله إلى الموجب. أمّا فى عصرنا، فالكتابُ ربّما يُرسَل عن طريق البريد، أو التّلكس أو الفاكس، وليس هناك من يحمله وينتظر الجواب فى مجلس وصوله. ولذا، فموقفُ شيخ الإسلام خواهر زاده هو الموقف العمليّ اليوم. ومادام أنّه لا يصادم نصّاً من القرآن والسنّة، فلابأس بالأخذ به فى الظّروف الحاضرة، رغم أنّه مخالفٌ لظاهر ما فى الهداية وغيرها، كما نبّه عليه ابنُ عابدين رحمه الله تعالى. ولذلك اختاره بعضُ الفقهاء المعاصرين، مثل الشيخ علىّ الخفيف رحمه الله تعالى.(١) ١٦ - حالات سقوط الإيجاب فإذا تقرّر أنّ الإيجابَ لا يسقط بمجرّد انقضاء مجلس وصول الكتاب عن طريق البريد أو التّلكس أو الفاكس، فمتى يسقط؟ والظّاهر أنّه يسقط بإحدى الحالات الأربع: الأوّل: أن يرفُض المكتوبُ إليه قبولَ الإيجاب صراحةً، إمّا شفاهاً، وإمّا كتابةً. (١) أحكام المعاملات الشرعية، طبع دار الفكر العربى ص ١٧٨ هامش ٢، وص ١٧٩ كما نقل عنه فى مجلة مجمع الفقه الإسلامى. العدد السادس، الجزء الثانى ٥١٤١٠ - ص ١٠٠٦ المبحث الأول الثّاني: إن كان الموجبُ قيّد القبولَ بمدّة محدّدة، فالإيجاب يبطُل بانقضاء تلك المدّة. الثّالث: أن يرجع الموجبُ عن إيجابه قبل قبول المكتوب إليه. الرّابع: أن يسكُت المكتوبُ إليه مدّةً طويلةً بحيثُ يدلّ بحكم العرف علی رفضه للإيجاب. ١٧ - سقوط الإيجاب بالرفض أمّا الحالة الأولى، وهى رفض المكتوب إليه للإيجاب، فلا شكّ فى سقوط الإيجاب عندئذ، لأنّ بقاء الإيجاب إنّما كان لصالحه، فرفضُه إسقاطٌ لحقّه، فيعتبر. وقد صرّح الفقهاء فى التّعاقد بين الحاضرين أنّه إذا أوجب أحدهما، فرفض الآخر سقط الإيجاب، وإن كان المجلسُ باقياً. جاء فى الفتاوى الخانيّة: "رجلٌ قال لغيره: "بعتُك هذا بألف درهم"، فقال: "لا أقبل، بل أعطنيه بخمسمائة"، ثم قال: "قد أخذتُه بألف درهم". قال أبو يوسف رحمه الله: إن دفعه إليه فهو رضاً، وإلاّ فلا (١)." وهذا لأنّ المشتريَ رفض الإيجابَ الأوّل بقوله "لاأقبل"، فسقط الإيجاب. ثمّ تقدّم بإيجاب جديد من قِبَله بشراءه بخمسمائة، ثم عاد إلى الإيجاب الأوّل، فاعتبره الفقهاء (١) الفتاوى الخانية، بهامش الفتاوى الهندية ١٣١:٢ وقال الطحطاوى: "إذا أوجب أحد المبايعين البيع فرد الثانى إيجابه يبطل الإيجاب، فلو حصل القبول بعدئذ فلا ينعقد البيع." حكاه على حيدر فى درر الحكام ١١٤:١ والظاهر أنّ هذا الحكم لاخلاف فيه بين الفقهاء، وإن لم أجد ذلك صراحةً فى كتب غير الحنفيّة. فقه البيوع إيجاباً ثالثاً، ولذلك لم يُلزموا به البيعَ إلاّ برضا الموجب الأول، ولم يعتبروه قبولاً للإيجاب الأوّل، لكونه قد سقط بعد الرّفض، وإن كان المجلسُ قائماً. فدلّ على أنّ الإيجابَ يسقط برفض الفريق الآخر مطلقاً. ١٨ - سقوط الإيجاب الموقّت بمضى المدة أمّا الحالة الثّانية، فَهيَ أن يحدّد الموجبُ مدةً للقبول، فيُعطى الآخرَ الخيارَ للقبول موقّتاً بتلك المدّة، مثل أن يكتب إليه: "بعتُك هذا الشّيئ بشرط أن تقبله إلى يوم الجمعة." ونستطيع أن نسمّيه "إيجاباً موقّتا." ولم أجد فى عامّة كتب الفقه نصّاً صريحاً فى هذا الموضوع، ولكن وجدتُ عند الفقهاء الحنفيّة ما يدلّ على جوازه بما يقاربُ الصّراحة. فقد ذكر ابن نُجيم فى البحر الرائق: "ولو قال: "بعت منك بألف إن شئت يوماً إلى الليل" كان تنجيزاً لا تعليقاً."(١) وجاء فى فتاوى قاضى خان: "رجل قال لآخر: "اذهب بهذه السّلعة وانظر إليها اليوم، فإن رضيتها فهيَ لك بألف درهم"، فذهب بها، جاز. وكذا لوقال: "إن رضيتَها اليومَ، فهيَ لك بألف درهم"، جاز، وهو بمنزلة قوله: "بعتك هذا العبد بألف درهم على أنّك بالخيار اليوم."(٢) (١) البحر الرائق ٢٦٥:٥ (٢) الفتاوى الخانية بهامش الهندية ١٢٨:٢ المبحث الأول وجاء فى الفتاوى الهندية بعد ذكرهاتين المسئلتين: "وهذا استحسانٌ أخذبه علماؤنا الثّلاثة، كذا فى الذّخيرة. "(١) وكذلك الضّوابط الفقهيّة تقتضى أن يكون توقيتُ الإيجاب صحيحاً. وذلك لأنّ التّوقيتَ إمّا أن يكون لتضييق مدّة القبول أو لتوسيعه، فإن كان للتّضييق، مثل أن يقول: "بعتك بشرط أن تقبل فى دقيقتين." فحاصله أنّه يرجع عن إيجابه بعد دقيقتين إن لم يتمّ القبول من الآخر، وهو يملك الرّجوع كما سيأتى إن شاء الله تعالى. أمّا إذا كان التّوقيتُ لتوسيع مدّة القبول، مثل أن يوقّت مدّة ثلاثة أيّام، أو أسبوع مثلاً، فالظّاهر أنّ انقضاء الإيجاب عند انقضاء المجلس كان لحقه،(٢) فيملك إسقاط حقّه بالتمدید فی أجله، أويقال: إنّه متى وسّع فى مدّة الإيجاب بالتّوقيت، فكأنّه لا یزال يكرّر إيجابَه إلى نهاية المدّة، وهو يملك ذلك أيضاً، ولاشيئ يمنعُه من ذلك. فتبيّن أن توقيتَ الإيجاب لامانع منه. ومعنى توقيت الإيجاب إلى زمن معيّن أنّه يُمكّن الطرف الآخرَ من أن يبنيَ قبوله على ذلك الإيجاب بعد انقضاء المجلس إلى ذلك الزّمن المعيّن. أمّا أثرُ التّوقيت فى حقّ الطّرف الموجب، فأنّه وعدّ بإبقاء الإيجاب إلى ذلك الوقت. ويجبُ عليه ديانةً أن يفيَ بوعده إلاّ لعذر مقبول. ولكن لا يمنعُه ذلك قضاءً أن يرجع عن إيجابه قبلَ حلول الوقت المحدّد. وذلك لما سيأتى أنّ الإيجابَ يجوز الرّجوعُ عنه (١) الفتاوى الهندية ٥:٣ (٢) قال البابرتى: ((إن فى ابطاله (أى الإيجاب) قبل انقضاء المجلس عسرا بالمشترى وفى إبقاءه فيما وراء المجلس عسرا بالبائع، وفى التوقف على المجلس يسرا بهما جميعاً)) راجع العناية مع الفتح ٤٦٠:٥ فقه البيوع عند جمهور الفقهاء قبل تمام القبول. فلو امتدّ الإيجاب إلى ما بعد المجلس بالتّوقيت، فإنّه لا يسلُب حقّ الرّجوع من الموجب.(١) ١٩- رجوع الموجب عن الإيجاب والحالة الثّالثة لسُقوط الإيجاب: أن يرجع الموجبُ عن إيجابه قبلَ قَبول المكتوب إليه، وهذا على قول جمهور الفقهاء. قال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: " إذا وُجد أحدُ الشّطرين من أحد المتبايعين، فللآخر خيارُ القبول، وله خيارُ الرّجوع قبل قبول الآخر؛ لما رُوِيَ عن أبي هريرة عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنّه قال: "البيّعان بالخيار ما لم يفترقا عن بيعهما"، والخيارُ الثّابت لهما قبل التّفرق عن بيعهما هو خيارُ القبول، وخيارُ الرّجوع؛ ولأنّ أحد الشّطرين لو لزم قبل وجود الآخر، لكان صاحبُه مجبوراً على ذلك الشّطر، وهذا لا يجوز."(٢) وقال النّوويّ رحمه الله تعالى: "إذا وُجد أحد شقّى العقد من أحدهما اشتُرط إصرارُه عليه حتّى يوجد الشّقّ الآخر، واشترط أيضاً بقاؤهما على أهليّة العقد، فلو رجع عنه قبل وجود الشّقّ الآخر، أو مات، أو جُنّ أو أَغميَ عليه، بطل الإيجاب، فلو قبل (١) وهذا ما أخذت به القوانين الوضعيّة الإنكليزيّة أيضا، حيث قالوا إنّ تمديد الإيجاب إلى وقت معيّن لا يمنع الموجب عن رجوعه عن الإيجاب ولو قبل حلول ذلك الوقت راجع Chitty On Contracts, para 84 (٢) بدائع الصنائع ٤: ٣١٩ المبحث الأول الآخر بعده لم يصحّ."(١) وقال البهوتي رحمه الله تعالى: "(و) صحّ (تراخي أحدهما) أي الإيجاب والقبول عن الآخر (والبيّعان بالمجلس لم يتشاغلا بما يقطعه) أي البيع (عرفاً)؛ لأنّ حالةَ المجلس كحالة العقد؛ لأنّه يكتفى بالقبض فيه لما يعتبر فيه القبض، فإن تفرّقا عن المجلس قبل إتمامه، أو تشاغلا بما يقطعه عرفاً بطل؛ لأنّهما أعرضا عنه. فأشبه ما لو صرّحا بالرّدّ " (٢) وخالفهم المالكيّة، فقالوا: إنّ الإيجابَ متى صدر عن أهله، فإنّ الموجب ملزَمٌ به، ولا یصحّ رجوعه عنه. قال الحطّاب نقلاً عن ابن رُشد: "لو رجع أحدُ المتبايعين عمّا أوجبه لصاحبه قبل أن يُجيبه الآخرُ لم يُفِدْ رجوعه إذا أجابه صاحبُه بعد بالقبول." ثمّ قال الحطّاب رحمه الله تعالى: "وحكى القرطبيّ فى تفسير قوله تعالى: "وأحل الله البيع" فى ذلك خلافاً، وظاهرُ كلامه أنّه فى المذهب روايةٌ عن مالك. ولكنّ الجاريَ على المذهب !! (٣) ما ذكره ابن رشد. (١) المجموع شرح المهذب ١٦٩:٩ (٢) شرح منتهى الإرادات = دقائق أولي النهى لشرح المنتهى ٦:٢ (٣) مواهب الجليل للحطّاب ٤: ٢٤١ ٥٤ فقه البيوع ولكنّ هذا الموقفَ يبدُو مخالفاً لظاهر قوله عليه الصّلاة والسّلام: "البيّعان كلُّ واحدٍ منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرّقا، إلاّ بيعَ الخيار. "(١) سواء أكان المراد من التفرّق فيه التفرّقَ بالأبدان، على رأي الشّافعية والحنابلة، أو التفرّق بالأقوال، على رأى الحنفيّة والمالكيّة. وإنّ الحديث صريحٌ فى أنّ لكلّ واحدٍ من المتعاقدين خياراً للرّجوع أو الرَّفض قبل أن يتمّ الإيجابُ والقبول. فكيف يُقال إنّ الموجبَ لاخيارَ له فى الرّجوع عن إيجابه قبل تمام العقد؟ ثمّ إنّ فى إلزامية الإيجاب حرجاً بيّناً للموجب، فالظّاهر أنّ قولَ الجمهور فى هذا الباب أرجحُ بالنّسبة إلى قول المالكيّة. وقد ذكر الفقهاء أنه يجب لصحّة الرّجوع عن الإيجاب أن يسمعه الآخر. فلوقال البائع مثلاً: "رجعتُ" ولم يسمع المشترى رجوع البائع وقال: "اشتريت" ينعقد البيع. ولكنّ هذا إذا علم الآخرُ بالإيجاب. فلو رجع الكاتب أو المراسل عن الإيجاب الذی کتبه أو أرسله قبل بلوغ الآخر أو قبوله، فإنّ رجوعه يصحٌ، سواءٌ علم الآخر او لم يعلم، حتّى لو قبل الآخرُ بعد ذلك، لا يتمّ. (٢) ٢٠ - سكوت المكتوب إليه إلى مدة طويلة رجّحنا فيما سبق أنّ خيارَ القبول فى المكاتبة لايقتصرُ على مجلس وصول الكتاب، (١) الحديث أخرجه البخارى فى البيوع (مع الفتح ٣٢٨:٤) والأئمة الخمسة (٢) شرح المجلة للأناسي مادة ١٨٤ عن الخلاصة والتتار خانية. وعلى هذا مشى ميثاق للأمم المتحدة للبيوع الدولية (CISG) فجاء فى المادة ١٥ منه ما يأتى: (1) An offer becomes effective when it reaches the offeree. (2) An offer, even if it is irrevocable, may be withdrawn if the withdrawal reaches the offeree before or at the same time as the offer. (CISG Article 15). المبحث الأوّل بل يبقى بعد انقضاء المجلس أيضاً. فلو كان موقّتاً بوقت، فإنّه ينقضى عند انقضاء ذلك الوقت (وينبغى للموجب اليومَ أن يقيّد الإيجابَ بمدّة محددة)، وكذلك ينقضى الإيجابُ برَفض أحد المتعاقدين، ولكن إن لم يقع شيئً من ذلك، فهل يبقى الإيجاب ساري المفعول إلى مدّة لانهاية لها؟ والظّاهر أنّ فى ذلك ضرراً بيّنا للموجب. فلابدّ أن يقع القبولُ فى حدود المدّة المعروفة فيما بين التجّار لقبول الإيجاب فى مثل تلك المعاملة. فإن بقيَ الآخرُ ساكتاً بعد هذه المدّة، دونَ أن يقبل الإيجاب أويرفضَه، فإنّه يبطُل الإيجابُ بسكوته إلى مدّة طويلة، ولا يَسع له بعد ذلك أن يبنيَ قبولَه على أساس ذلك الإيجاب. ويؤيّده ما ذكره القرافيّ رحمه الله تعالی، قال: "وأمّا القسم الثانى الّذى هو جزء السّبب، فهذا لا يجوز تأخيره، كالقبول بعد الإيجاب فى البيع والهبة والإجارة، فلا يجوز تأخير هذا القسم إلى ما يدلّ على الإعراض منهما عن العقد، لئلاّ يؤدي إلى التّشاجر والخصومات بإنشاء عقدٍ آخر مع شخصٍ آخر."(١) وكذلك يؤيّده ما ذكره النّوويّ رحمه الله تعالى: "قال أصحابنا: يُشترط لصحّة البيع ونحوه أن لا يطولَ الفصل بين الإيجاب والقبول، وأن لا يتخلّلهما أجنبيّ عن العقد. فإن طال أو تخلّل لم ينعقد، سواءٌ تفرّقا من المجلس أم لا. قال أصحابنا: ولا يضرّ الفصل اليسير، (١) الفروق للقرافى ٣: ١٧٢ و ١٧٣ الفرق السادس والستون والمائة. فقه البيوع ويضرّالطّويل، وهو ما أشعر بإعراضه عن القبول."(١) وإنّ هذه المدّة المتعارفة يُمكن أن تختلف من مبيع إلى آخر. فمدّةُ القبول فى المبيعات الّتى يتسارع إليها الفساد، كالفواكه الطّازجة والخضراوات والبقول، أقلُّ بالنّسبة إلى المبيعات الّتى لا تفسد بسرعة، وتكون مدّةُ القبول فى المبيعات الضّخمة، والكمّيات الكبيرة، أكثرَ من المبيعات العادية؛ والعُمدة فى ذلك هو العُرف الذى يلجأ إليه القضاء. (٢) ٢١- متى يتمّ الإيجاب والقبول؟ إنّ عقد البيع يتمّ بتمام الإيجاب والقبول. وهذا أمرٌ لا يختلف فيه اثنان. وتمامُ القَبول فى العقود الشّفهيّة أمرٌمشا هَدٌ لا يصْعُب تصوّره، فمتى قبل الفريق الآخرُ إيجابَ الأوّل شِفاهاً، وهما فى مجلس الإيجاب، تمّ القبول وتمّ العقد. ويجرى ذلك فى المكالمات الهاتفيّة أيضاً. ولكنّ تحديد الوقت الّذى يتمّ فيه القبولُ فى المراسلات البريدّية، وفى التّلكس والفاكس أمرٌ تتطرّق إليه احتمالاتٌ كثيرة، فهل يتمّ القبولُ بمجرّد قول المكتوب إليه "قبلت" ؟ أوبكتابة القبول على ورق؟ أو يشترط لتمامه أن يُرسلَ المكتوبُ إليه الجوابَ إلى الموجب؟ أويشترط أن يصِل ذلك الجوابُ إلى الموجب، ويعلم (١) المجموع شرح المهذب ١٦٩:٩ (٢) ثم رأيت أن القانون الوضعى الإنكليزيّ قدنحا مثل هذا المنحى فى امتداد خيار القبول فى المكاتبة إلى "مدة معقولة" وسقوطه بعد ذلك، راجع ,91.Chitty On Contracts V.1, P 1977 London وهذا يدل على كون ذلك من أعراف التجارة المعاصرة المبحث الأول بمافيه؟ ونظراً إلى هذه الاحتمالات المختلفة، ظهرت فى القوانين المدنيّة الوضعيّة أربعُ نظريّات معروفة: ٢٢- نظريّة إعلان القبول: والمرادُ بهذه النّظريّة أنّ القبولَ يتمّ بمجرد إعلان المرسَل إليه أنّه قبل الإيجابَ المكتوب. فلو أرسل زيدٌ إلى عمرو إيجاباً لبيع سيّارة مثلاً عن طريق البريد، ولما وصل الكتاب إلى عمرو، أعلن عمرو شفاهاً أنّه قبل هذا الإيجاب، تمّ القبولُ وتمّ العقد فى ذلك الوقت، ولولم يُرْسِل إلى زيدٍ كتاباً لإشعار القبول. ٢٣- نظريّة تصدير القبول: والمراد بها أنّ القبول لا يتمّ إلّ إذا أرسل الطّرفُ القابلُ قبولَه إلى الموجب بحيث لا يتمكّن بعد ذلك من استرداده. فلا يتمّ القبول والعقد حسب هذه النظريّة بمجرّد إعلان الطّرف القابل. وإنّما يتمّ إذا كتب رسالةَ القبول إلى الموجب، ودفعها إلى مكتب البريد، بحيثُ لايُمكن له استردادها، أو إذا أرسل رسولاً يحمِل قبولَه (شفاهاً أو كتابةً) إلى الموجب، وخرج الرّسولُ من عند الطرف القابل بحیثُ لا یمکن له استرداده. ٢٤ - نظريّة تسلّم القبول: والمراد منها أنّ القبولَ لا يتمّ بمجرد إرسال القبول إلى الموجب، ولابدفعه إلى البريد أو الرّسول، وإنّما يتمّ عندما يتسلّم الموجبُ هذا الجواب، ولكن يتمّ بمجرّد تسلّمه للجواب، سواءٌ أَعَلِم بمحتواه أم لم يعلم. ٢٥- نظريّة العلم بالقبول: والمراد منها أنّ القبولَ لا يتمّ بمجرّد أن يتسلّم ٥٨ فقه البيوع الموجب رسالةَ القبول، وإنّما يتمّ إذا قرأ الموجب الرّسالة وعلم بمضمونها(١) وهناك نظريّةٌ أخرى يمكن أن نعبّر عنها بأنّها نظريّةٌ مزدوجةٌ بين نظريّة التّصدير ونظريّة العلم، وهي الّتى أخذت بها القوانين الانكليزية. وحاصلُها أنّ القبول يتمّ فى حقّ القابل بالتّصدير، وفى حقّ الموجب بعلمه بالقبول(٢). فلو أرسل زيدٌ رسالةً الإيجاب إلى عمرو، فسلّم عمروّ رسالةَ القبول إلى مكتب البريد، فلا يمكن له أن يرجع عن قَبوله بعد ذلك، وقد تمّ العقد فى حقّه بتصدير الرّسالة. أمّا زيد، فلم يتمّ العقد فى حقّه إلى أن يعلم ما فى الرّسالة، فيجوز له أن يرجع عن إيجابه، مادامت رسالةُ القبول لم تصل إليه، ولم یعلم به. أمّا فقهاء الشّريعة الإسلامية، فربّما يظهر من كلامهم أنّهم اختاروا نظرية إعلان القبول. ويستنبط ذلك من نصوصهم الآتية: قال الکاسانی رحمه الله: "وأمّا الكتابة، فهي أن يكتب الرّجل إلى رجل: "أمّا بعد، فقد بعتُ عبدى فلاناً منك بكذا"، فبلغه الكتاب، فقال فى مجلسه: "اشتريتُ"، لأنّ خطاب الغائب كتابه، فكأنّه حضر بنفسه وخاطب بالإيجاب وقبل الآخرُ فى (٣) ١١ المجلس.(٣)" (١) راجع لتفصيل هذه النظريات الأربعة: نظرية العقد، للدكتور عبد الرزاق السنهورى ص ٢٩٣ فقره ٢٩٦ إلى ٣٠٢. (٢) راجع المادة ٤ من قانون المعاهدة الباكستانيّ، وهو مبنى على القانون الإنكليزيّ. (٣) بدائع الصنائع ١٣٨:٥ المبحث الأول وجاء فى الفتاوى الهنديّة: "والكتاب كالخطاب، حتىّ اعتُبر مجلسُ بلوغ الكتاب وأداء الرّسالة (١)." وقال تاج الشريعة: "وصورة الكتابة أن يكتب إلى رجل .... فلمّا بلغه الكتاب، وقرأه وفهم ما فيه، قبل فى المجلس، صحّ البيع (٢)." ويظهر من هذه النّصوص أنّ الفقهاء الحنفيّة اعتبروا العقد باتّاً إذا أعلن المكتوبُ إليه قبولَه فى مجلس بلوغ الكتاب، ولم يشترطوا لذلك علمَ الموجب بالقبول. ومثلُ ذلك يظهر من نصوص بعض الفقهاء الشّافعيّة والحنابلة. يقول الإمام النّووى رحمه الله تعالى: "قال الغزاليّ فى الفتاوى: إذا صحّحنا البيع بالمكاتبة، فكتب إليه، فقبل المكتوب إليه، ثبت خيار المجلس، ما دام فى مجلس القبول. قال: ويتمادى خيارُ الكاتب إلى أن ينقطع خيارُ المكتوب إليه، حتىّ لو علم أنّه رجع عن الإيجاب قبل مفارقة المكتوب إليه مجلسَه صحّ رجوعه، ولم ينعقد البيع(٣)." وقال البهوتيّ رحمه الله تعالى: "(وإن كان) المشترى (غائباً عن المجلس فكاتبه) البائع (أو راسله: إنّى بعتك) دارى بكذا (أو) إنّى (بعت فلانا) ونَسبه بما يُميّزہ (دارى بكذا، فلمّا (١) الفتاوى الهندية ٩:٣ (٢) المرجع السابق (٣) المجموع، شرح المذهب: ١٦٧:٩ -١٦٨