Indexed OCR Text

Pages 21-40

المبحث الأوّل
فى حقيقة البيع وطرق انعقاده
أقرب

الباب الأول
فى تعريف البيع وركنه
١- تعريف البيع
البيع والشّراء فى اللّغة يُطلق على كل مبادلة، سواء أكان مبادلةً للمال بالمال، أم بغيره
ولذلك أشار العلاّمة على حيدر إلى أن معناه اللّغوى "مبادلة الشّيئ بالشّيئ"(١)
وذكروا أنّ البيع مشتقّ من الباعِ، لأنّ كلّ واحدٍ من المتعاقدين يمدّ باعَه للأخذ
والإعطاء، ويحتمل أنّ كلّ واحد منهما كان يبايع صاحبه، أى يُصافحه عند البيع،
ولذلك يسمى صفقة.(٢)
أمّا الشّرع، فقد خصّ من معناه اللّغوىّ العامّ، فجعله مقصوراً على "مبادلة المال
بالمال على الوجه الذى ينتقل به ملكيّة البدلين شرعاً"(٣) وماذكرنا من تعريفه فى
(١) درر الحكام، شرح مجلة الأحكام، لعلى حيدر٩٣:١ تحت مادة رقم ١٠٥
(٢) راجع المغنى لابن قدامه ٢:٤
(٣) راجع فتح القدير ٨٣:٥

فقه البيوع
الشّريعة تعريفٌ للبيع الصّحيح، أمّا البيع الباطل، فليس بيعاً فى اصطلاح الشّرع،
وإنّما يُطلق عليه لفظُ "البيع" بالمعنى اللغوىّ. وأمّا البيع الفاسد، فهو داخلٌ فى
تعريف البيع، لأنّ الشّرع قد أثبت له بعضَ الأحكام عند بعض الفقهاء، ومنهم
الحنفيّة، مثل انتقال مِلك المبيع إلى المشترى بعد القبض، وإن كان ملكاً خبيثاً،
وثبوت بعض أحكام الملك، مثل نفاذ البيع من المشترى، كما سيأتى فى موضعه
إن شاء الله تعالى.
وأمّا القرض، فلا يقصد به المبادلة، وإنما هو تبرّعٌ ابتداءً ومعاوضةٌ انتهاءً، فليس
مبادلةً من كُلّ وجه، فخرج من تعريف البيع.
٢- تعريف المال
وأمّا تعريف المال، فقد اختلفت فيه عبارات الفقهاء، فقال ابنُ عابدين رحمه الله
تعالى: "المراد بالمال ما يميل إليه الطّبع، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة(١). والماليّةُ
تثبت بتموّل الناس كافّةٌ أوبعضِهم، والتّقوّمُ يثبت بها، وبإباحة الانتفاع به شرعا."
وحكى بعد ذلك عن الحاوى القدسّى: "المال: اسمٌ لغير الآدمىّ خُلق لمصالح الآدمىّ،
وأمكن إحرازُه والتّصرّف فيه على وجه الاختيار." (٢)
وليس فى هذين التّعريفين ما يقصُر اصطلاح "المال" على الأعيان، بل هو يشمل
المنافع المؤيّدة أيضاً، وقد صرّح الفقهاء الشّافعيّة بأنّ تعريف البيع شاملٌ لبيع
(١) أى ولو لوقت قليل، فلا تخرج الأشياء التى يتسارع إليها الفساد، مثل الثمار والخضراوات
(٢) ردالمحتار ١٤: ١٠ فقره ٢٢١٦٩ وراجع أيضا البحر الرائق ٢٥٨:٥

المبحث الأول
المنفعة على سبيل التّأبيد. فقال الشّاطريّ: "البيع لغةً: مقابلةُ شيئ بشيئ، وشرعاً: عقدُ
معاوضة ماليّة تُفيد ملكَ عين، أومنفعة على التّأبيد، كما فى بيع حق الممرّ، ووضع
الأخشاب على الجدار، وحقِّ البناء على السّطح" (١)
وكذلك الحنابلة عرّفوا البيع بما يشمل المنافع المؤبّدة، فذكر البهوتيّ رحمه الله
تعالى فى تعريف البيع أنّه "مبادلةُ عين ماليّة ......... أومنفعة مباحة بأن لا تختصّ
إباحتُها بحال دون آخر .... بأحدهما، أى عين ماليّة أو منفعة مُباحة مطلقاً "(٢)
وكذلك حكى المرداوىّ عن الوجيز: "هو عبارةٌ عن تمليك عين ماليّة، أو منفعة
مباحة على التّأبيد بعوض ماليّ"(٣)
فظهر بهذا أنّ المنفعةَ المباحة المؤيّدة مالٌ عند الشّافعيّة والحنابلة، يجوز بيعُه
وشراؤه. وإنما قيّدوا المنفعة بالمؤبّدة، لأنّها إن لم تكن مؤبّدة، بل أُبيحت لزمان
مخصوص، فهي محلٌّ الإجارة دون البيع.
ولكن قصر بعضُ الحنفيّة المالَ على الأعيان فقط، فقال الحصكفيّ رحمه الله تعالى
فى شرحه على ملتقى الأبحر: "والمراد بالمال عينٌ يجرى فيه التّنافس والابتذال "(٤)
وإنّ هذا التّصريح فى تعريف المال بانحصاره فى الأعيان لايوجد عند غيره بهذا
(١) الياقوت النفيس فى مذهب ابن ادريس ص ٧٤، وراجع أيضاً الغاية القصوى للبيضاوى ٤٦٠:١
وفتح الجواد ٣٧٣:١ والشروانى على تحفة المحتاج ٢١٥:٤ ونهاية المحتاج للرملى ٣٦١:٣
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢: ١٤٠ ومثله فى كشاف القناع ١٣٥:٣
(٣) الإنصاف للمرداوی ٢٦٠:٤
(٤) الدرالمنتقى، بهامش مجمع الأنهر ٣: ٤

فقه البيوع
الوضوح، ولكنّ الذى يُستنبط من كلام الفقهاء الحنفيّة، ولا سيّما المتأخّرين منهم،
أنّ هذا القيدَ ملحوظٌ عندهم فى تعريف المال. ولذا، فإنّ الشيخ مصطفى الزّرقاء
انتقد هذه التّعريفات، واستبدل بها تعريفاً آخر، فقال: "المال: هو كلّ عين ذاتٍ قيمة
ماديّة بين النّاس(١)."
ولكن يظهر من عدّة فروع الحنفّية أنّهم أجازوا بيعَ بعض المنافع المتعلّقة بالأعيان،
مثل حقَّ المرور، فألحقوها بالأعيان فى كونها مالاً، كما سيأتى تفصيله إن شاء الله
تعالى فى شروط المبيع.
وأمّا المالكيّة، فالتّعريف المشهور للبيع عندهم ما يُنسب إلى ابن عرفة رحمه الله
تعالى، وهو: "عقد معاوضة على غير منافع، ولا مُتعة لذّة"(٢) فيخرج منه النكاحُ لأَنّه
عقدٌ على مُتْعة لذّة، وتخرج الإجارة والكراء، لكونهما عقداً على منافع. وإنّ هذا
التّعريف، وإن أخرج المنافع من كونها محلاً للبيع، ولكنّ الظّاهر أنّهم أرادوا بذلك
المنافع غير المؤبّدة، لتخرج الإجارةُ والكراء من التعريف. أمّا المنافعُ المؤبّدة، فقد
أجاز المالكيّة بيعَ كثير منها، مثل حقّ التعلّى، وحقّ غرز الخشب على الجدار، وحقّ
الشّرب وغيره (٣) والظّاهر من هذه الفروع أنّهم يُدخلون بعض المنافع المؤبّدة،
والحقوق، فى المال الذى يجوز بيعه وشراؤه.
والواقع أنه لم يرد نصٌّ فى القرآن الكريم والسنّة النبوية يحدّدُ المالَ، أو يعرّفه بصفة
(١) راجع "الفقه الإسلامى وأدلته " للزحيلى ٣٤٥:٤
(٢) الدسوقى على الشرح الكبير للدردير ٢:٣ والزرقانى على مختصر خليل ٥: ٣ والخرشى ٤:٥
وغيره
(٣) المدونة الكبرى ٢٦٥:٣ و٣١٢:٣ ومواهب الجليل للحطاب ٢٧٦:٤ والدسوقى ١٤:٣

المبحث الأوّل
دقيقة، وإنّما تركته الشّريعة على العُرف المتفاهم بين النّاس، ولذلك يقول ابن
عابدين رحمه الله: "والماليّة تثبت بتموّل الناس كافّةً أو بعضهم"(١) فما عُرف كونه
مالاً فيما بين النّاس بصفة عامة يُعدّ مالاً، إلاّ إذا ورد النصُّ بخلافه، كما فى الخمر
والخنزير. أمّا تقييدُه بالأعيان الماديّة، فلم يرد بذلك نصٌّ ولم يطّرد هذا التّقييدُ فى
کثیر من المسائل، کما ذکرنا.
وإنّ الكهرباءَ والغاز أصبحا اليومَ من أعزّ الأموال الّتى يجرى فيها التّنافس، ويصعُب
إدخالهُما فى الأعيان القائمة بنفسها، ومع ذلك يجوز بيعُهما وشراؤهما. وقد تعامل
النّاسُ بذلك من غير نكير،(٢) فما ذكرنا عن ابن عابدين من تعريف المال، هو الرّاجح
بدون تقييده بالأعيان القائمة بنفسها. وما ليس بعين لايُحكم بعدم جواز بيعه لمجرّد أنه
ليس بعين، ما لم يلزم منه محظورٌ آخر.
والمراد من قولهم "ما يميلُ إليه الطّبع" فى تعريف المال، أن يكون منتفعاً به، فما لا
يُنتفع به ليس مالاً، ولا يجوز كونُه محلاً للبيع والشّراء.
٣- تراضى الطرفين
ومن شروط صحّة البيع أن يقع العقدُ بتراضى الطَّرفين، والأصل فيه قول الله سبحانه
وتعالى: "ياَ آَيُّها الّذينَ آمنوا لاَ تَأْكُلُوا آَمَوَا لَكُم بَينَكُم بِالْبَاطِل إلّ أن تَكونَ تِجَارَةً عَن
تَرَاضِ مِّنكُمْ " (النّساء ٢٩:٤) فحيثُ انعدم رضا أحد الفريقين أو كلٌّ منهما، لم يصحّ
(١) ردالمحتار ٩:١٤ فقره ٢٢١٦٩
(٢) وقد ذكر الشيخ أشرف عليّ التّهانويّ رحمه الله تعالى أنّ الكهرباء مال. (إمدادالفتاوى ٣: ٤٩٨
كتاب الشركة، القصص السنيّ)

٢٨
فقه البيوع
البيع، ولذلك ذكر بعض الفقهاء "تراضي الطرفين" كعنصر لازم فى تعريف البيع،
ولكنّنا لم نذكره فى التّعريف، لما وقع بين الفقهاء من الخلاف فى حكم البيع إذا عُقد
بدون رضا أحد الفريقين، كبيع المكرَه، فذهب بعضُهم إلى أنّه باطل، وذهب آخرون
إلى أنّه فاسد موقوف، كما سيأتي إن شاء الله تعالى فى محلّه. والفاسد من جملة
أقسام البيع يتعلّق به بعض الأحكام، فلا ينبغى أن يخرُج من تعريف مطلق البيع.
وسوف نذكر هذه التفاصيل فى محلّها إن شاء الله تعالى.
٤- ركن البيع
هناك اختلافُ الاصطلاح فى تعيين أركان البيع. فركتُه عند الحنفيّة: الإيجاب
والقبول فقط. ويرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ العاقدين والمعقود عليه من
جملة أركان البيع، إضافةً إلى الإيجاب والقبول، لأنّ ركن أيّ شيئ عندهم ما توقّف
عليه وجودُ ذلك الشّيئ وتصوّرُه عقلاً، سواءٌ أكان جزءً من حقيقته أم لم يكن.
ووجودُ البيع يتوقّف على كلّ من العاقدين والمعقود عليه، وإن لم يكن هؤلاء جزءً
من حقيقته.(١)
ويرَى الحنفيّةُ أنّ الرّكنَ فى عقد البيع وغيرِه هو مبادلةُ شيئ مرغوب بشيئ
مرغوب. (٢) وقد عبّره الآخرون عن الإيجاب والقبول. (٣) أمّا العاقدان والمحلُّ، فَمِمّا
يستلزمه وجودُ الصّيغة، لا من الأركان، لأنّ ما عدا الصّغة ليس جزءً من حقيقة البيع،
(١) الشّرح الصغير للدّردير ٣: ١٣ و١٤ ومغنى المحتاج ٢: ٣ وشرح منتهى الإرادات ٢: ١٤٠
(٢) بدائع الصنائع ٣١٨:٤
(٣) الاختيار شرح المختار للموصليّ ٢: ٤

المبحث الأوّل
وإن كان يتوقّف عليه وجودُه. ولكنّ هذا الاختلافَ ليس له أثرٌ على الأحكام، لأنّ
الجميع متّفقون على أنّ البيع لا ينعقد إلاّ بوجود محلّ العقد والعاقدين وتبادل
الإيجاب والقبول بينهما.
وعقّب الشّيخ مصطفى الزّرقاء رحمه الله تعالى على الرّأيين بكلام جيّد فقال:
"الرّكنُ فى اصطلاح الفقهاء والأصوليّين هو مايكون به قِوامُ الشّيئ أو
وجودُه بحيثُ يُعدّ جزءً داخلاً فى ماهيّته. (ر: المصباح المنير، وتعريفات
السّيد الجرجانيّ) ... وركنُ العقد ما يُعبِّر عن اتّفاق الإرادتين من إيجاب
وقبول، أو ما يقوم مقامَهما كما سنرى، لأنّهما هما العنصران الذّاتيّان فى
ماهيّة العقد ومعناه. فبارتباطهما الشّرعيّ يقوم العقد ... وعلى هذا لا يُعتبر
الفاعلُ ركناً فى فعله بالمعنى الإصطلاحيّ للرّكن، لأنّ الفاعلَ ليس جزءً ذاتياً
فى معنى الفعل وماهيّته، وإن كان لابدّ لكلّ فعلٍ من فاعل. فالعاقدُ إذن
لا يُسمّى ركناً فى العقد، لكنّ بعضَ الفقهاء كالإمام الغزاليّ يعُدّ العاقد ركناً
فى العقد باعتبار أنّه أحدُ جانبين أساسيّين فى تكوينه ... وهذا تساهلٌ فى
التّسمية، وإنّ التّحقيق ما قد بيّاه. فالعاقدان والمحلّ المعقود عليه تُعتبر من
مقوّمات العقد، ولكنّها ليست أركاناً بالمعنى الإصطلاحيّ للرّكن.
فالمقوّماتُ أعمّ من الأركان، لأنّها تشمل كلّ ما لا يُمكن وجود العقد فعلاً
بدونه من ركن، أو عاقدٍ، أو محلّ."(١)
(١) المدخل الفقهيّ العامّ للشيخ مصطفى الزرقاء رحمه الله تعالى ١: ٣٨٩ و ٣٩٠ باب ٦ فصل ٢٨

فقه البيوع
٥- الاختلاف فى اصطلاح الإيجاب والقبول
وكذلك اختلفت اصطلاحاتُ المذاهب الفقهيّة فى تعريف الإيجاب والقبول. فما
مشى عليه المذاهبُ الثّلاثة من الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة أنّ اصطلاح
"الإيجاب" مختصٌّ بكلام البائع، و "القبول" مختصٌّ بالمشترى. وأمّا فى اصطلاح
الحنفيّة، فالإيجابُ أوّلُ كلام عُرض على الآخر لإنشاء العقد، سواءً أصدر من البائع،
أم من المشترى. فإن بدأ المشترى وقال: "اشتريتُ منك كذا بكذا" فهو إيجاب،
وقولُ البائع "قبلتُ" أو "بعت" قبول. قال ابن الهمام رحمه الله تعالى:
"والإيجابُ لغةً: الإثبات لأيّ شيئ كان، والمراد هُنا إثباتُ الفعل الخاص
الدّالّ على الرّضا الواقع أولاً، سواءٌ وقع من البائع، كَ "بعت" أو من
المشترى، كأن يبتدئ المشترى، فيقول: "اشتريتُ منك هذا بألف".
والقبول: الفعل الثّانى، وإلّ فكلٌّ منهما إيجاب، أى إثبات، فسُمّيَ الإثباتُ
الثّانى بالقبول تمييزاً له عن الإثبات الأوّل، ولأنّه يقع قبولاً ورضاً بفعل
الأوّل."(١)
ولكنّ هذا الاختلاف أيضاً إنّما هو فى الاصطلاح، وليس له كبيرُ أثر فى الأحكام،
لأنّ الإيجاب، وإن كان يختصّ فى المذاهب الثّلاثة بالبائع، ولكن لا يجب عندهم
. أن يكون الإيجابُ متقدّماً على القبول، أو أن يكونَ ابتداءُ إنشاء البيع من البائع.
بل يجوز أن يبدأ المشترى بقوله مثلاً: "اشتريتُ منك كذا بكذا" ويقول البائع:
"بعتُ". وفى هذه الصّورة يكون القبولُ متقدّماً على الإيجاب، وينعقد البيع. قال
(١) فتح القدير ٥: ٤٥٦
١
١

٣١
المبحث الأول
ابن قدامة رحمه الله تعالى:
"فالإيجابُ أن يقول: بعتُك، أو ملّكتك، أو لفظٌ يدلّ عليهما، والقبولُ أن
يقول: "اشتريتُ" أو "قبلتُ" ونحوهما. فإن تقدّم القبولُ على الإيجاب
بلفظ الماضى، فقال: "ابتعتُ منك" فقال: "بعتُك " صحّ، لأنّ لفظ الإيجاب
والقبول وُجد منهما على وجهٍ تحصل منه الدلالة على تراضيهما به، فصحّ
كما لو تقدّم الإيجاب."(١)
أمّا من ناحية مدلول اللّفظ، فاصطلاحُ الحنفيّة يبدُو راجحاً، لأنّ لفظَ "القبول"
يقتضى أن يكون قبولاً لشيئ سابق عليه. فإن لم يتقدّم الإيجاب، كيف يُطلق عليه
لفظ "القبول"؟ وكيف يُعقلُ أن يكون القبولُ متعلّقاً بشيئ لم يحدث بعدُ. ولذلك
جرت الأعراف المعاصرة على اصطلاح الحنفيّة. و عرّفت مجلّةُ الأحكام العدليّة
الإيجاب والقبول على قول الحنفيّة بما يأتى:
"أولُ كلام يصْدُر من أحد العاقدين لأجل إنشاء التّصرّف" والقبول: "ثانى كلام
يصدُر من أحدِ العاقدَيْن لأجل إنشاء التّصرّف. وبه يتمّ العقد."(٢)
-
(١) المغنى لابن قدامة ٤: ٣ وراجع لمذهب المالكيّة منح الجليل لعليش ٢: ٤٦٣ ولمذهب الشّافعيّة
المهذّب للشّيرازيّ مع شرحه ٩: ١٦٢
(٢) هذان التعريفان مأخوذان من مجلة الأحكام العدلية، مادة ١٠١ و ١٠٢

الباب الثانى
فی
أحكام الإيجاب والقبول
والكلامُ فى الإيجاب والقبول ينقسم إلى الكلام فى صِيْغتهما، وطريق أداءهما،
وموافقتِهما، وارتباطِهما زمنيًّا، فنذكر خلاصة أحكامهما بهذا التّرتیب:
٦- صيغة الإيجاب والقبول
أمّا صيغةُ الإيجاب والقبول، فهيَ كلُّ صيغة تُنبئ عن معنى التّملّك والتّمليك
بعوض، مثل "بعتُ واشتريت" و"رضيت" أو "أعطيتك بكذا" أو "خُذْه بكذاً أو
"كُلْ هذا الطّعامَ بدرهم" وبالجملة، فلا يُشترط أن يكون الإيجاب أو القبول بلفظ
"البيع" وإنّما ينعقد البيع بكلّ لفظ يُنبئ عن ذلك عُرفاً، حتىّ قال ابنُ عابدين
رحمه الله تعالى : "وفى عُرفنا يسمّى بيعُ الثّمار على الأشجار "ضماناً" فإذا قال:
ضمِنْتُك هذه الثّمار بكذا وقَبل الآخر، ينبغى أن يصحّ."(١)
(١) رد المحتار ٣٩:١٤ فقرة ٢٢٢٢١

المبحث الأول
ولو قال الرّجل لآخر: وهبتُ منك هذا الشّيئ بألف، وقال الآخر: قبلتُ، صحّ البيع.
ولو قال المشترى: "اشتريتُ بكذا،" فقال البائع: "رضيت"، أو "أمضيت"، أو
"أجزت"، صحّ البيع. وعن أبى يوسف رحمه الله: لو قال لآخر: "عبدى هذا لك
بألفٍ إن أعجبك"، فقال: "أعجبنى"، فهذا بيع، كذا فى الخلاصة. وكذلك إذا قال:
"إن وافقك،" فقال: "وافقنى." وكذلك إذا قال: "إن أردت"، أو "هَوِيتَ"، فقال:
"أردتُ"، أو "هويتُ"، فهذا بيعّ كلّه فى الجواب، وأمّا فى الابتداء فلا يلزمه.(١)
٧- السّكوت ليس قبولاً
ولكن يجب لقبول الإيجاب أن يكون ملفوظاً أو عملاً، بأن يقبل المشترى المبيع، أو يقبل
البائعُ الثّمن. أمّا مجرّدُ السّكوت بعد الإيجاب، فلايُعَدّ قبولاً. وذلك لما تقرّر من أنّ
السّاكت لا يُنسب إليه قول. قال الأتاسيّ رحمه الله تعالى فى شرح هذه القاعدة:
"إنّ الشّرعِ رَبَط معاملاتِ النّاس بالعبارات الدالّة على المقاصد، وما جعل
للسّكوت حكماً يُبنى عليه شيئ، كما تُبنى الأحكام على الألفاظ." (٢)
وإنّ لهذه القاعدة مستثنيات، مثل كون سكوت البكر يدلّ على رضاها بالنّكاح،
ولكن ليس البيع من جملة هذه المستثنيات. وعلى هذا لو أوجب البائعُ إلى
المشترى بكتاب، وكتب فى آخره: "إن لم أتسلّم أىَّ جواب منك إلى مدّة أسبوع،
فإنّى أعتبر ذلكَ قبولاً منك، ويتحتّم البيع " ولم يبعث المكتوبُ إليه جواباً فى هذه
(١) الفتاوى الهندية ٤:٣ لكن قال النوويّ رحمه الله تعالى: "لو قال بعتك هذا بألف إن شئت، فقال:
شئت، لم يصحّ البيع بلا خلاف. " (المجموع شرح المهذّب ٩: ١٧٠) والحاصل أنّ دلالة الصّغ
على البيع تبتنى على العرف.
(٢) شرح المجلة المادة ٦٧

فقه البيوع
المدّة، لم يصحّ البيع، لأنّ مجرّدَ السّكوت لا يكفى للقبول، وإنّه لا يجوز للكاتب أن
یُلزم المكتوب إليه بما لا يلزمه.
٨- هل يجب أن يكون البيع بصيغة الماضي؟
ثمّ تَتّفق المذاهب الفقهيّة فى جُملتها على أنّ الأصلَ أن يكون الإيجابُ والقبولُ فى
البيع بلفظين ماضيين، لا بلفظين يدلان على الاستقبال، ولا بلفظين أحدُهما مستقبل،
والآخر للماضى.(١) وهذا التّقييد إنّما يختصّ باللّغة العربيّة، لأنّها تقصُر الألفاظ المنشِئةَ
للعقود على الألفاظ الماضية، ولأنّ صيغة المضارع فيها لا تتمحض لمعنى الحال، بل
تحتملُ الحالَ والاستقبالَ جميعاً. وصيغةُ الاستقبال لاينعقد بها البيع، لأَنّه مساومةٌ،
أووعد. فمَن قال: "بغنى هذا الثّوبَ بعشرة"، فهذه مُساومة، وإذا قال: "أبيعُك"، فهذا
وعد. فالمضارِعُ والأمرُ لايدلان على إنشاء العقد، فصيغةُ الماضى هي الّتى تدلّ على
إنشاء العقد.
هذا هو الأصل فى اللّغة العربيّة، ولكن إذا استعمل العاقدان صيغة المضارع، وصرّحا
بأنّ مقصودَهما الحالُ دون الاستقبال، صحّ بها البيع. قال ابن الهمام رحمه الله تعالی:
"واعلم أنّ عدمَ الانعقاد بالمستقبل هو إذا لم يتصادقا على نيّة الحال. أمّا إذا تصادقا
على نيّة البيع فى الحال فينعقد به فى القضاء، لأنّ صيغةَ الاستقبال تحتملُ الحال،
فيثبت بالنّة."(٢)
أمّا فى اللّغات الأخرى الّتى أفردت فيها صيغةُ الحال عن صيغة الاستقبال،
(١) راجع المغنى لابن قدامة ٤: ٣ وفتح القدير ٤٥٦:٥
(٢) فتح القدير و مثله فى ردالمحتار ١٤: ٤٠ فقره ٢٢٢٢٤

المبحث الأول
واستُعملت لإنشاء العقود، كما فى الأرديّة، والفارسيّة، والانكليزيّة، فلا يحب أن
يكون الإيجاب والقبول بلفظ الماضى، بل يجوزُ أن يكونا بصيغة الحال. نعم، لا
ينعقد البيعُ بالصّغة التي تتمحّض لمعنى الاستقبال، لأنّها لم توضع لإنشاء العقد
فى الحال، وإنّما تدلّ على الوعد أو المساومة. وهنا أيضاً قد تكون صيغةُ الإنشاء
مقدّرةً بالاقتضاء، مثل أن يقول المشترى: "اشتريتُ منكَ هذه الدّابة بألف درهم"،
فقال البائع: "خُذها"، أو قال: "هاتِ الثّمن"، صحّ البيع، لأنّ تقديرَ قول البائع:
"قبلتُ، فخُذها" أو "قبلتُ، فهاتِ الثّمن".
وبما أنّ صيغة العقد تختلف باختلاف اللغّات، فإن مجلّةَ الأحكام العدليّة لم تُفْيَّدهما
بصيغة مخصوصة، ونصّت فى المادة ١٦٨ أنّ "الإيجاب والقبول فى البيع عبارةٌ عن
ء
كلّ لفظين مستعملين لإنشاء البيع فى عُرف البلد والقوم."
٩- الفرق بين الإيجاب والدعوة إلى العقد
ثم الّذى يظهر من الفروع التى ذكرها جمهور الفقهاء فى تفسير الإيجاب والقبول: أنّهم
يتصوّرون تحقّقَ الإيجاب إذا كان موجّها إلى شخص معيّن، أوجهة معيّنة، وإن كان هذا
الشّرطُ غيرَ موجود بهذه الصّراحة فى عامّة كتب الفقه.
ولكن يوجد عند المالكية فرعٌ يُجيز توجيه الإيجاب إلى عامّة النّاس. قال الدّسوقى
رحمه الله:
"وأمّا لو عَرَض رجلٌ سلعتَه للبيع وقال: "من أتانى بعشرة، فهى له"، فأتاه
رجل بذلك، إن سمع كلامه، أو بلغه فالبيع لازم، ولیس للبائع منعُه، وإن لم

فقه البيوع
يسمعْه ولا بلغه، فلا شيئَ له. ذكره فى نوازل البرزالى، ومثلُه فى المعيار."(١)
وعند عدم التّصريح بما يعارض هذا الفرعَ عند الفقهاء الآخرين، يمكن أن نستنبط أنّ
الإيجابَ يُمكن توجيهُه إلى عامّة الناس، بشرط أن تكون عبارةُ الإيجاب واضحةً تدلّ
على إرادة إنشاء العقد، دونَ الدّعوة المحضة إلى الشّراء. فقولُ البائع فى الفرع المذكور
"من أتانى بعشرة، فهى له " صريحٌ فى أنّه يُريد إنشاءَ العقد بعشرة فى الحال. وقاس
عليه بعضُ المعاصرين أنّه لو عَرض البائعُ سلعتَه فى الواجهة، ووضع قائمة الأسعار
بإزائها، فإنّه يُعتبر إيجاباً، ويجب القولُ بانعقاد العقد إذا التقى هذا الإيجابُ بالقبول ممّن
له أهليّةُ التعاقد.
وعلى هذا مشى بعضُ القوانين الوضعيّة، مثل المادّة السّابعة من قانون الالتزامات
السّويسرى (٢) والمادة (٨٠) من القانون المدنيّ العراقي"(٣)، ويخالفها فى ذلك
القانونُ الإنكليزيّ، حيثُ لا يَعتبر مجرّدَ عرض السّلعة بثمن معيّن مكتوب إيجاباً
قانونيًّا، بل يعتبره دعوةً للشّراء، فلا يتمُّ العقد بقبول المشترى فحسب، بل يجب أن
يصدُر منه الإيجاب للشّراء، والبائع مخيّرٌ فى أن يقبله أويرُدّه، إلاّ إذا وقع منه
التّصريح بأنّ البيعَ يتمّ لأوّل مشترٍ يبذُل الثّمنَ المكتوب (٤).
والّذى يتحصّل من كلام الفقهاء كما ذكرنا، أنّ عرضَ السّلع ليس إيجاباً فى
عامّة الأحوال، إلاّ إذا اتّصل به تصريحٌ من البائع يدلّ على أن عَرْضَه يمثّل الإيجاب،
(١) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ٤:٣، باب ينعقد البيع بما يدل على الرضا
(٢) نظرية العقد، للأستاذ عبد الرزاق السنهورى، ص٢٥٦
(٣) مجلة مجمع الفقه الإسلامى، العدد السادس، الجزءالثانى، ص ٩٨٠ بحث الدكتور کافی دونمز
(€) CHITTY: ON CONTRACTS V- 1, P.48 ED. 1977

0
المبحث الأول
بحيث لا يريدُ لإنشاء البيع إلّ القبولَ من المشترى، وبما أنّ هذا الشّرط مفقود فى
عامّة العروض، فإنّها لا تُعدّ إيجاباً، وإنّما هى دعوةٌ للشّراء.
وكذلك الدّعوة العامّة عن طريق النّشرة فى الصّحف والمجلات والإعلانات
المنشورة عن طريق المذياع والتّلفزيون ليست إيجاباً، وإنّما هى دعوةٌ عامّةٌ للتّعاقد،
فإن تقدّم أحدٌ بإيجاب الشّراء اعتماداً على هذه النَّشرات أو الأسعار، فالبائعُ له خيارُ
القبول، ولا يتمّالبيعُ إلا بقبول منه. والتّاجرُ الذى أعلن سعراً، ثم خالفه عند العقد، فإنّه
تجرى عليه أحكام خُلف الوعد من كونه خلاف الديانة والأخلاق التّجاريّة، ولكن
لا يتمّ العقدُ إلاّ بقَبوله(١)
نعم، يُتصوّر الإيجاب الموجّه إلى الجمهور الّذى ذكره المالكيّة فيما يحصُّل فى
البورصات العالميّة، حيثُ يسجّل رجلٌ إيجابَه فى الحاسوب (الكمبيوتر)، وهذا
الإيجاب موجّة إلى كلّ من يقرأه، وهذا التّسجيلُ ليس دعوةً للشّراء فقط، وإنّما هو
(١) وعلى مثل هذا نصّ ميثاق الأمم المتحدة للبيوع الدولية United Nation's Convention on)
(Contracts for the International Sale of Goods. فجاء فى المادة ١٤ منه ما يأتى:
(1) A proposal for concluding a contract addressed to one or more specific
persons constitutes an offer if it is sufficiently definite and indicates the
intention of the offeror to be bound in case of acceptance. A proposal is
sufficiently definite if it indicates the goods and expressly or implicitly fixes
or makes provision for determining the quantity and the price.
(2) A proposal other than one addressed to one or more specific persons is to
be considered merely as an invitation to make offers, unless the contrary is
clearly indicated by the person making the proposal. (CISG Article 14).

فقه البيوع
إيجابٌ موجّة إلى الجمهور بحكم العُرف. فكلُّ مَن سجّل قبولَه فى الحاسوب، تمّ له
البيع(١) دون أن یکون للطرف الأول خيار.
١٠- طريق أداء الإيجاب والقبول
أمّا طريق أداء الإيجاب والقبول، فالأصلُ فيه المشافهة، وهو أن يتلفّظ كلُّ واحدٍ من
الفريقين بصيغة إنشاء العقد. ولكن إذا كان أحدُ العاقدين أخرس، فإنّه يكفى منه
إشارةٌ مفهومة، سواء أكان عالماً بالكتابة أم لم يكن، لأنّ الإشاراتِ من الأخرس تقومُ
مقامَ المشافهة فى جميع تصرّفاته، فلايجب أن يتكلّف الكتابةَ للإيجاب أو القبول.(٢)
أمّا إذا كان قادراً على التّكلم، فلا ينعقد البيع بالإشارة فقط.(٣) قال الحافظ ابن حجر
رحمه الله تعالى: "أمّا القادر على النُّطْق، فلا تقوم إشارتُه مقامَ النُّطق عند الأكثرين."(٤)
ونقل ابن عابدين رحمه الله تعالى عن الحاوى للزّاهديّ أنّ الفضوليَّ إذا باعَ مالَ غيره،
فبلغه، فسكت متأمّلاً، فقال ثالث: "هل أذنتَ لى فى الإجازة؟" فقال: "نعم"، فأجازه،
ينفُذ. ولو حرّك رأسَه ب "نعم" فلا، لأنّ تحريكَ الرّأس فى حقّ النّاطق لا يُعتبر. ثمّ قال
ابنُ عابدين : "لكن قد يقال: إذا قال له: "بعنى كذا بكذا"، فأشار برأسه: "نعم"، فقال
الآخر: "اشتريتُ"، وحصل التّسليم بالتّراضى، يكونُ بيعاً بالتعاطى (٥) " فالبيعُ إنّما انعقد
(١) بشرط أن تتوافر فيه الشروط الأخرى لصحة البيع
(٢) قال النوويّ رحمه الله تعالى: "يصحّ بيع الأخرس وشراؤه بالإشارة المفهومة وبالكتابة بلا خلاف
للضّرورة." (المجموع شرح المهذّب ٩: ١٧١) ومثله فى المغنى لابن قدامة ٤: ٩
(٣) درر الحكام، لعلی حیدر ١٢٢:١
(٤) فتح الباري، كتاب الطلاق، قبيل باب اللعان ٤٣٨:٩
(٥) ردالمحتار ١٤: ٤٠ فقرة ٢٢٢٢١

٥
المبحث الأول
فيه بالتّعاطى، لا بالإشارة.
١١- البيع بالكتابة والآلات الحديثة
وكذلك يجوز أن يُعقد البيعُ بالكتابة والرّسالة. قال ابن عابدين رحمه الله تعالى: "صورةُ
الكتابة أن يكتُب: "أما بعد، فقد بعتُ عبدي فلاناً منك بكذا". فلما بلغه الكتاب، قال فی
مجلسه ذلك: "اشتريت"، تمّ البيع بينهما. وصورةُ الإرسال: أن يُرسل رسولاً، فيقولَ
البائع: "بعتُ هذا من فلان الغائب بألف درهم، فاذهب يا فلان! وقُل له." فذهب
الرّسولُ فأخبره بما قال، فقبل المشترى فى مجلسه ذلك .... ويكونُ بالكتابة من
الجانبين. فإذا كتب: "اشتريت عبدَك فلاناً بكذا،" فكتب إليه البائع: "قد بعتُ" فهذا
بيع، كما فى التّار خانيّة (١)."
ويُقاس عليه التّلكس والفاكس، حيث يجوزُ الإيجاب والقبول بهما، بشرط أن يكونا
آمنين من التّزوير. وجاء فى قرار (٦١٣١٥٤) لمجمع الفقه الإسلاميّ بجدّة:
"إذا تمّ التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكانٌ واحد، ولا يرى أحدُهما الآخرَ
معاينةً، ولا يسمع كلامَه، وكانت وسيلةُ الاتّصال بينهما الكتابةَ أو الرّسالةَ أو
السّفارة (الرّسول) وينطبقُ ذلك على البرق والتّلكس والفاكس وشاشات
الحاسوب الآلىّ (الكمبيوتر). ففى هذه الحالة ينعقد العقد عند وصول
الإيجاب إلى الموجّه إليه وقبوله ...
وما يتعلّق باحتمال التّزييف، أو التّزوير، أو الغلط، يُرجع فيه إلى القواعد
(١) رد المحتار ١٤: ٤٥ فقرة ٢٢٢٤٤