Indexed OCR Text

Pages 741-760

القضاء في رسالته المشهورة إلى أبي موسى الأشعري(١)، وأول من استحدث نظام
السجون، وكان الحبس في الماضي هو ملازمة المتهم من قبل المدعي أو غيره في منزل أو
مسجد، وكان قضاء القضاة المستقلين عن الخليفة محصوراً في المنازعات المدنية
المالية(٢). أما الجنايات الموجبة للقصاص أو الحدود فبقيت في يد الخليفة، وولاة
الأقاليم ذوي الولاية العامة. وأما ولاة الإمارة الخاصة، فلهم فقط حق استيفاء
الحدود المتعلقة بحقوق الله تعالى المحضة كحد الزنى جلداً أو رجماً، أو المتعلقة بحقوق
الأشخاص إن طلب طالب منهم ذلك(٣).
وكان عثمان رضي الله عنه أول من اتخذ داراً للقضاء، بعد أن كان القضاء في
المسجد .
وكان القضاء يقوم على أساسين:
الأول : نظام القاضي الفرد.
الثاني: عدم تدوين الأحكام في سجلات؛ لأنها تنفذ فوراً بإشراف القاضي(٤).
وكان للقضاة أجور من بيت مال المسلمين منذ عهد عمر مقابل تفرغهم للقضاء.
ويتم إصدار الحكم باجتهاد القاضي وفراسته بالاعتماد على مصادر التشريع
الأربع: وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس.
ثم تطور القضاء في عهد الأمويين والعباسيين باستقرار الدولة، فتحددت
سلطات القاضي واختصاصاته وتنوع القضاء، وكان القضاة مستقلين في أعمالهم
غالباً، وبدأ تسجيل أحكام القضاء في بدء العهد الأموي، واستحدث في عهد
أنظر أعلام الموقعين لابن قيم: ٨٥/١ وما بعدها ، الأحكام السلطانية للماوردي : ص٦٨ .
(١)
(٢)
الإسلام والحضارة العربية للأستاذ محمد كرد علي : ١٥٤/٢ .
(٣)
الماوردي، المصدر السابق: ص ٣٠ .
السلطات الثلاث للطاوي : ص٣٠٦ .
(٤)
- ٧٤١ _

العباسيين منصب قاضي القضاة الذي كان أول من تولاه أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة،
وكان بمثابة وزير العدل يعين القضاة، ويعزلهم، ويراقب أعمالهم وأحكامهم، وظهر
أيضاً قضاة المذاهب، فوجد في كل إقليم قاضٍ مذهبي، ففي العراق يعمل بالمذهب
الحنفي، وفي الشام والمغرب وفق المذهب المالكي، وفي مصر وفق مذهب الشافعي.
واتسع سلطان القاضي تدريجياً، فأصبح ينظر بالإضافة إلى المنازعات المدنية
في أمور إدارية أخرى كالأوقاف وتنصيب الأوصياء. وقد يجمع القاضي بين القضاء
والشرطة والمظالم والحسبة ودار الضرب وبيت المال(١).
وكان نظام التحكيم معمولاً به بجانب القضاء. وانفصل قضاء المظالم وولاية
الحسبة عن القضاء.
إلا أن القضاء العادي كان أسبق نشأة من غيره عندما تولاه الرسول مح له في
المدينة وهو يفترض وجود اعتداء على حق شخصي وقيام خصومة بين شخصين. ثم
ظهر نظام الحسبة في زمن المهدي للنظر في الاعتداءات الواقعة على المصالح العامة
التي تمس أمن الجماعة وإن لم يوجد فيها مدعي شخصي لحماية حق خاص به. ثم وجد
قضاء المظالم لحماية الحقوق والحريات من جور الولاة والحكام واستبداد الأقوياء
حينما توسعت الدولة وضعف الوازع الديني وامتدت أطماع القواد إلى أموال الرعية .
ومن أجل إقرار العدالة وإحقاق الحق لابد من توافر الأسس التالية للقضاء في
الإسلام:
أولاً - اعتماده على العقيدة والأخلاق: لتربية الضمير والوجدان، وتهذيب
النفس، وإعداد الوازع الديني والخلقي المهيمن على سير الدعوى. وهو مطلوب في
اختيار القاضي، وعند رفع الدعوى، وفي معاملة الخصوم، وفي إصدار الأحكام
وتنفيذها، وفي الإثبات الشرعي والتزام أحكام الشريعة ونحوها .
(١) مقدمة ابن خلدون : ص١٩٢ وما بعدها .
- ٧٤٢ -

ثانياً - ضرورته في كل دولة: القضاء أمر لازم لكل دولة، كما اتضح من
ممارسة الرسول ◌ُ الّ له، ومتابعة الخلفاء سنته واهتمامهم بتنظيمه. فهو إذاً يحتل مركزاً
مهماً في الدولة، ويعد أحد سلطاتها الضرورية لوجودها وبقائها: ((العدل أساس
الملك)) بل ويستمد قوته من الدولة في التخاصم وإصدار الأحكام، واستيفاء الحقوق.
ثالثاً - استقلال السلطة القضائية والفصل بين السلطات: كان القضاء
في عهد الرسول وخلافة أبي بكر وجزء من خلافة عمر يقوم به الولاة الإداريون، ثم
أمر عمر بفصل أعمال القضاة عن أعمال الولاة، فعين القضاة في المدينة وسائر المدن
الإسلامية، وجعل سلطة القضاء تابعة له مباشرة. وبه تحقق فصل السلطة القضائية
عن بقية سلطات الدولة.
المبحث الثاني - القضاء العادي وتنظيمه:
نتكلم في هذا المبحث عن شروط القاضي وواجباته وأنواع القضاة وتنظيم القضاء.
المطلب الأول - شروط القاضي:
القضاء ولاية عامة مستمدة من الخليفة كغيره من ولايات الدولة كالوزارة
ونحوها، فلا يصلح للتعيين فيه إلا من كان مستكملاً أوصافاً معينة مستلهمة من
صنيع الخلفاء الراشدين الذين كانوا يتشددون في اختيار القضاة وفقاً لأهلية
معينة (١). وقد حدد الفقهاء هذه الشروط، فاتفقوا على أكثرها واختلفوا في بعضها(٢).
أما الشروط المتفق عليها بين أئمة المذاهب فهي أن يكون القاضي عاقلاً بالغاً،
حراً، مسلماً، سميعاً بصيراً ناطقاً، عالماً بالأحكام الشرعية.
(١)
الطرق الحكمية لابن قيم : ص٢٣٨ .
الأحكام السلطانية للماوردي: ص ٦١ وما بعدها، البدائع: ٢/٧ ، فتح القدير: ٤٥٣/٥ وما بعدها ، ٤٨٥ ، الدر
(٢)
المختار: ٣١٢/٤، ٣١٨، بداية المجتهد: ٤٤٩/٢، الشرح الكبير الدردير: ١٢٩/٤ وما بعدها ، تبصرة الحكام :
١٧/١ مغني المحتاج: ٣٧٥/٤ وما بعدها، المهذب: ٢٩٠/٢، المغني: ٣٩/٩ وما بعدها، أعلام الموقعين: ١٠٥/١.
- ٧٤٣ -

أولاً - أهلية البلوغ والعقل: حتى تتحقق فيه المسؤولية عن أقواله وأفعاله،
وليستطيع إصدار الحكم في الخصومات على غيره، قال الماوردي: ((ولا يكتفى فيه
بالعقل الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية، حتى يكون صحيح
التمييز، جيد الفطنة، بعيداً عن السهو والغفلة، يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل
وفصل ما أعضل)).
ثانياً - الحرية: لأنه لا تصح ولاية العبد على الحر؛ لما فيه من نقص يمنع انعقاد
ولايته على غيره. ولم يعد هذا الشرط ذا موضوع الآن .
ثالثاً - الإسلام: لأن القضاء ولاية، ولا ولاية لغير المسلم على المسلم فلا تقبل
شهادته عليه، لقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾. وأجاز
أبو حنيفة تقليد غير المسلم القضاء بين أهل دينه(١).
رابعاً - سلامة الحواس من السمع والبصر والنطق ليتمكن من أداء وظيفته، فيميز
بين المتخاصمين، ويعرف المحق من المبطل، ويجمع وسائل إثبات الحقوق، ليعرف
الحق من الباطل.
خامساً - العلم بالأحكام الشرعية: بأن يعلم بفروع الأحكام الشرعية ليتمكن من
القضاء بموجبها .
وأما الشروط المختلف فيها فهي ثلاثة : العدالة، والذكورة، والاجتهاد.
أما العدالة(٣): فهي شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة، فلا يجوز تولية
الفاسق، ولا مرفوض الشهادة بسبب إقامة حد القذف عليه مثلاً، لعدم الوثوق
(١) ما يجري عليه العمل الآن من تولية الذميين منصب القضاء حتى بين المسلمين مأخوذ مما قررته لجنة مجلة
الأحكام العدلية عملاً بقبول شهادته على المسلم للضرورة .
(٢)
العدالة كما قال الماوردي في الأحكام : ص٦٢: هي أن يكون صادق اللهجة ، ظاهر الأمانة ، عفيفاً عن
المحارم ، متوقياً المآثم ، بعيداً عن الريب ، مأموناً في الرضا والغضب، مستعملاً لمروءة مثله في دينه ودنياه )).
- ٧٤٤ _

بقولهما، قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً
بجهالة، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ فإذا لم تقبل الشهادة من امرئ فلأن لا يكون
قاضياً أولى.
وقال الحنفية: الفاسق أهل للقضاء، فلو عين قاضياً صح قضاؤه للحاجة، لكن
ينبغي ألا يعين، كما في الشهادة ينبغي ألا يقبل القاضي شهادة فاسق، لكن لو قبل
ذلك منه جاز، مع وقوعه في الإثم. وأما المحدود في القذف فلا يعين قاضياً ولا تقبل
شهادته عندهم.
وأما الذكورة: فهي شرط أيضاً عند المالكية والشافعية والحنابلة، فلا تولى
امرأة القضاء؛ لأن القضاء ولاية، والله تعالى يقول: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾
وهو يحتاج إلى تكوين رأي سديد ناضج، والمرأة قد يفوتها شيء من الوقائع والأدلة
بسبب نسيانها، فيكون حكمها جوراً، وهي لا تصلح للولاية العامة لقوله مع الإ: ((لن
يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)»(١).
وقال الحنفية: يجوز قضاء المرأة في الأموال، أي المنازعات المدنية؛ لأنه تجوز
شهادتها فيها. وأما في الحدود والقصاص، أي في القضاء الجنائي، فلا تعين قاضياً؛
لأنه لا شهادة لها في الجنايات، وأهلية القضاء تلازم أهلية الشهادة.
وأجازابن جرير الطبري قضاء المرأة في كل شيء لجواز إفتائها (٣) ورد عليه
الماوردي بقوله: ولا اعتبار بقول يرده الإجماع مع قول الله تعالى: ﴿الرجال قوامون
على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ﴾ يعني في العقل والرأي، فلم يجز أن يقمن على
الرجال(٣).
رواه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن أبي بكرة .
(١)
(٢)
بداية المجتهد : ٤٥٨/٢ .
الأحكام السلطانية : ص٦١ .
(٣)
- ٧٤٥ -

وأما الاجتهاد(١): فهو شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية،
كالقدوري، فلا يولى الجاهل بالأحكام الشرعية ولا المقلّد(٢)؛ لأن الله تعالى يقول ﴿وأن
احكم بينهم بما أنزل الله ﴾ ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله ﴾ ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه.
إلى الله والرسول﴾ ولأن الاجتهاد يستطيع به المجتهد التمييز بين الحق والباطل، قال
النبي ◌ُ ◌ّ: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار. فأما الذي في الجنة فرجل
عرف الحق، فقضى به. ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى
للناس على جهل فهو في النار)»(٣) والعامي يقضي على جهل.
وأهلية الاجتهاد تتوافر بمعرفة ما يتعلق بالأحكام من القرآن والسنة وإجماع
الأمة، واختلاف السلف، والقياس، ولسان العرب. ولا يشترط الإحاطة بكل القرآن
والسنة أو الاجتهاد في كل القضايا، بل يكفي معرفة ما يتعلق بموضوع النزاع المطروح
أمام القاضي أو المجتهد.
وقال جمهور الحنفية: لا يشترط كون القاضي مجتهداً، والصحيح عندهم أن أهلية
الاجتهاد شرط الأولوية والندب والاستحباب. فيجوز تقليد غير المجتهد للقضاء،
ويحكم بفتوى غيره من المجتهدين ؛ لأن الغرض من القضاء هو فصل الخصائم وإيصال
الحق إلى مستحقه، وهو يتحقق بالتقليد والاستفتاء. لكن قالوا: لا ينبغي أن يقلد
الجاهل بالأحكام، أي بأدلة الأحكام؛ لأن الجاهل يفسد أكثر مما يصلح، بل يقضي
بالباطل من حیث لا يشعر به .
والواقع في زماننا عدم توافر المجتهدين بالمعنى المطلق ، فيجوز تولية غير المجتهد،
الاجتهاد : عملية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية .
(١)
(٢)
المقلد : هو من حفظ مذهب إمامه دون معرفة بأدلته .
رواه ابن ماجه وأبو داود عن بُرَيدة ( نيل الأوطار: ٢٦٣/٨ وما بعدها ) .
(٣)
- ٧٤٦ -

ويولى الأصلح فالأصلح من الموجودين في العلم والديانة والورع والعدالة والعفة
والقوة. وهذا ما قاله الشافعية والإمام أحمد، وقال الدسوقي من المالكية: والأصح أن
يصح تولية المقلد مع وجود المجتهد .
٠
المطلب الثاني - واجبات القضاة:
عرفنا سابقاً أنه يلتزم القضاة وجوباً بأمور، وندباً أو أستحباباً بأمور أخرى.
أما الواجبات المفروضة عليهم أساساً فهي(١) :
أولاً - بالنسبة للقانون الواجب التطبيق: هو الالتزام بالأحكام الشرعية،
فيجب على القاضي أن يقضي في كل حادثة بما يثبت عنده أنه حكم الله تعالى: إما
بدليل قطعي : وهو النص المفسر الذي لا شبهة فيه من كتاب الله عز وجل، أو السنة
المتواترة، أو المشهورة، أو الإجماع.
وإما بدليل ظاهر للعمل كظواهر النصوص المذكورة في القرآن الكريم أو
السنة المشرفة، أو الثابت بالقياس الشرعي، في المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها
الفقهاء.
فإن لم يجد القاضي حكم الحادثة في المصادر الأربعة (الكتاب والسنة والإجماع
والقياس) يجب عليه العمل بما أدى إليه اجتهاده إن كان مجتهداً. وإن لم يكن مجتهداً
يختار قول الأفقه والأورع من المجتهدين بحسب اعتقاده.
والأفضل بسبب تعدد آراء الفقهاء وضع تقنين موحد للأحكام الشرعية، كمجلة
الأحكام العدلية في المعاملات المدنية، وكمرشد الحيران والأحكام الشرعية في الأحوال
الشخصية لقدري باشا .
(١) المبسوط: ٦٨/١٦، البدائع: ٥/٧ وما بعدها، مختصر الطحاوي: ص٣٢٧، المرجع السابق للمؤلف: ص٤٨٦ .
- ٧٤٧ -

ثانياً - في تكوين رأي القاضي واقتناعه: الالتزام بوسائل الإثبات الشرعية
كالشهادة والإقرار والكتابة واليمين والقرائن القطعية والعرفية، حتى يكون حكمه - كما
هو مقرر بداهة - مبنياً على دليل صحيح لا يتعرض للنقض والطعن والتهمة.
ثالثاً - منع التهمة: وهو ألا يقضي لخصم يتهم بمحاباته بأن يكون ممن تقبل
شهادته للقاضي. فإن كان ممن لا تقبل شهادته له لا يجوز قضاء القاضي له؛ لأن
القضاء له قضاء لنفسه من جهة، فلم يكن القضاء مجرداً، وإنما فيه تهمة، فلا يصح
القضاء. وعلى هذا يجب على القاضي الامتناع والتنحي عن القضاء لنفسه أو لأحد
أبويه أو أجداده، أو لزوجته أو لأولاده وأحفاده، أو لكل من لا تجوز شهادته لهم
بسبب التهمة. وهو رأي أكثر الفقهاء(١).
وأما الواجبات المندوبة أو الكمالية للقاضي فهي كثيرة مستمدة في أغلبها من
رسالة سيدنا عمر في القضاء والسياسة إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنها، وهي
تستهدف إقامة العدل المطلق في أكمل وأدق صوره. وبعض هذه الآداب مستمد أيضاً
من كتاب علي كرم الله وجهه إلى الأشتر النخعي.
وهذه الآداب نوعان: عامة وخاصة (٢).
فالآداب العامة: كالمشاورة لجماعة من الفقهاء، والتسوية بين الخصمين في المجلس
والإقبال، ورفض قبول الهدايا: ((هدايا الأمراء غلول))(٣) أي خيانة، والامتناع عن
قبول الدعوات الخاصة، أو العامة إذا كان لصاحبها خصومة أو مصلحة.
بداية المجتهد : ٤٦٠/٢، فتح القدير: ٤٧٧/٥، مغني المحتاج : ٣٩٣/٤ ، المغني : ١٠٧/٩ .
(١)
راجع البدائع: ٩/٧ - ١٣، المبسوط: ٦١/١٦ - ٦٤، فتح القدير: ٤٦٥/٥ - ٤٧٠. الدر المختار:
(٢)
٣١٦/٤ - ٣٢٥، بداية المجتهد: ٤٦٢/٢، الشرح الكبير للدردير: ١٣٧/٤، مغني المحتاج: ٣٩٠/٤ وما بعدها ،
المغني : ٤٥/٩ ، الأحكام للماوردي : ص ٧٢ .
رواه أحمد والبيهقى وابن عدي والبزار من حديث أبي حميد الساعدي ، وإسناده ضعيف ( نيل الأوطار:
(٣)
٢٩٧/٧، ٢٦٨/٨ ) .
- ٧٤٨ -

والآداب الخاصة: كاتساع مكان القضاء (المحكمة)، وملاءمته المناخ أو الطقس
في الحر والبرد، والاستعانة بالمساعدين القضائيين كالكاتب والحارس، والمزكي،
والترجمان، والمحضر (الذي يحضر الخصوم ويبلغ الدعاوى)، ونائب القاضي حالة
السفر أو المرض أو أداء فريضة الحج ونحوها، ووكلاء الخصومة (المحامين). ومن هذه
الآداب : ضرورة فهم كل ما يتعلق بالمنازعة أو الخصومة موضوع الدعوى، وصفاء
القاضي نفسياً بألا يكون قلقاً ضجراً مضطرباً وقت القضاء بسبب الغضب ونحوه من
كل ما يشغل النفس من الهم والنعاس والجوع المفرط والعطش المفرط، والتخمة،
والخوف، والمرض وشدة الحزن والسرور، ومدافعة الأخبثين (البول والغائط). ومنها
الاعتماد على مبدأ تزكية الشهود، والأخذ بمبدأ مصالحة الخصين قبل الحكم لقوله
تعالى: ﴿ والصلح خير﴾.
وأما حقوق القضاة فمنها المادي ومنها المعنوي: فمن الحقوق المادية: توفير
الكفاية المعيشية له ولأسرته بتخصيص مرتب كاف له، كيلا تمتد يده إلى أموال
الناس، ولا يتطلع إلى الهدية أو الرشوة. وقد سار النبي وخلفاؤه على هذا النهج.
ويضمن بيت المال الضرر الناشئ عن أحكام القضاة دون عمد ولا تقصير أو إهمال. ومن
الحقوق المعنوية: توفير الاستقرار للقاضي وعدم عزله إلا بسبب شرعي، تحقيقاً
للحصانة القضائية له. وعلى الدولة حماية القاضي من أي تعرض له بسبب حكمه،
ومنع مخاصمته في الحكم، ومعاونته في تنفيذ أحكامه.
المطلب الثالث -أنواع القضاة واختصاصاتهم:
قسم أقضى القضاة الماوردي قضاة زمانه بحسب عموم ولا يتهم وخصوصها إلى
أنواع أربع وهي :
أولاً - القاضي ذو الولاية العامة: وهو القاضي الذي لا تتحدد ولايته بزمان
- ٧٤٩ -

ومكان معين، ولا بأشخاص معينين، وإنما له سلطة مطلقة بالنظر والتصرف فيما
يختص بولايته. واختصاصه يشمل عشرة أمور، وهي(١):
١- فصل المنازعات وقطع المشاجرة والخصومات، إما صلحاً عن تراض فيما يحل
شرعاً، أو بحكم بات ملزم.
٢- استيفاء الحقوق ممن مطل بها، وإيصالها إلى مستحقيها بعد ثبوت استحقاقها
بالإقرار أو البينة ونحوهما من طرق الإثبات الشرعية.
٣- ثبوت الولاية على عديم الأهلية بجنون أو صغر، والحجر على ناقص الأهلية
بسبب السفه (التبذير) والإفلاس، حفظاً للأموال، وتصحيحاً للعقود.
٤- النظر في الأوقاف، بحفظ أصولها، وتنمية فروعها، وصرف ريعها لمستحقيها .
٥- تنفيذ الوصايا على شروط الموصي فيما أباحه الشرع.
٦- تزويج الأيامى بالأكفاء إذا عدمن الأولياء ودعين إلى النكاح، وهذا مقصور
عند الحنفية على تزويج الصغار.
٧- إقامة الحدود على مستحقيها : فإن كان من حقوق الله تعالى تفرد باستيفائه من
غير طالب. وإن كان من حقوق الآدميين كان موقوفاً على طلب مستحقه.
٨- النظر في مصالح عمله من الكف عن التعدي في الطرقات والأفنية، وإخراج
ما لا يستحق من الأجنحة والأبنية، وله أن ينفرد بالنظر فيها، وإن لم يحضره
خصم. وقال أبو حنيفة: لا يجوز له النظر فيها إلا بدعوى من الخصم.
٩- تصفح شهوده وأمنائه واختيار النائبين عنه من خلفائه في إقرارهم والتعويل
علیھم.
(١) الأحكام السلطانية : ص ٦٧ وما بعدها .
- ٧٥٠ -

١٠- التسوية في الحكم بين القوي والضعيف، والعدل في القضاء بين المشروف
والشريف، ولا يتبع هواه في تقصير المحق، أو ممايلة المبطل.
ويلاحظ أن هذه الأمور تتضمن بعض التوجيهات العامة بالإضافة إلى تحديد
الاختصاصات القضائية .
ثانياً: القاضي خاص الولاية: وهو الذي تقتصر ولايته على بعض
الاختصاصات المتقدمة، أو تكون ولايته ذات اختصاص موضوعي أضيق، كالحكم
بالإقرار دون البينة، أو في الديون، دون الأحوال الشخصية، أو في المقدرات
الشرعیة، فیتقید ما خصص فيه، ولا يتعداه إلى غيره(١).
ثالثاً - القاضي عام النظر خاص العمل (الاختصاص المكاني): وهو الذي
يختص بالنظر في جميع اختصاصات النوع الأول، ولكن في بلدة معينة أو محلة
معينة، فتنفذ أحكامه في هذا النطاق فقط(٢)
رابعاً - القاضي المحدد الولاية: وهو الذي تقتصر ولايته بالحكم في قضية أشخاص
معينين، أو في أيام محدودة، كيوم السبت وحده بالنسبة لجميع الدعاوى بين الخصوم،
5
وتزول ولا يته بعدئذ(٣).
المطلب الرابع - تنظيم القضاء:
الكلام عن تنظيم القضاء يتناول أموراً كثيرة أهمها:
طرق تعيين القضاة وعزلهم، وتخصص القضاة، وأسلوب القضاء الفردي
والجماعي ودرجات التقاضي أو المحاكم.
المصدر السابق : ص ٦٩ .
(١)
المصدر والمكان السابق .
(٢)
المصدر السابق : ص ٧٠ .
(٣)
- ٧٥١ -

.. . ... . .. .. ......
فالتنظيم القضائي: هو مجموعة القواعد والأحكام التي تؤدي إلى حماية الحقوق
وفصل الخصومات.
طرق تعيين القضاة وعزلهم:
القضاء ولاية من الولايات المستمدة من الخليفة باعتباره ممثلاً الأمة، فلا بد
للقاضي من تعيين صادر عن الحاكم الأعلى أو نائبه، سواء أكان عادلاً أم جائراً،
ولا يصح أن يولي نفسه، أو يوليه جماعة من الرعية. وقد بين الماوردي(١) صيغة قرار
التعيين الصريح أو ما يقوم مقامه من الألفاظ الدالة على التقليد أو الاستخلاف أو
النيابة ، واشترط لتمام الولاية أربعة شروط مجملها :
معرفة المولي توافر الصفات اللازمة في المولى، ومعرفة المولى بصلاحية المولي
للتعيين، وتحديد اختصاص القاضي، وتعيين البلد التي يقضي فيها .
وللحاكم عزل القاضي متى شاء، والأولى ألا يعزله إلا بعذر. كما أن للقاضي عزل
نفسه من القضاء إذا شاء، والأفضل ألا يعتزل منصبه إلا بعذر، لما في عمله من تحقيق
مصلحة عامة للمسلمين. ولا ينعزل القاضي عند الحنفية بعزل الحاكم إلا بعلمه بذلك،
5
وتظل أحكامه نافذة حتى يبلغه نبأ العزل.
وتنتهي ولاية القاضي كما تنتهي الوكالة العادية بأسباب أخرى كالموت والجنون
المطبق، وإنجاز المهمة الموكولة للشخص، إلا في أمر واحد: وهو أن الموكل العادي إذا
مات أوخلع ينعزل الوكيل. أما ولي الأمر الحاكم إذا مات أو خلع فلا ينعزل قضاته
وولاته؛ لأن الحاكم لا يعمل باسمه الشخصي، وإنما بالنيابة عن جماعة المسلمين،
وولاية المسلمين تظل باقية بعد هوت الإمام(٢).
(١)
المصدر نفسه : ص ٦٥ وما بعدها .
الأحكام السلطانية: ص ٦٦ ، البدائع : ١٦/٧، ٣٧/٦ وما بعدها .
(٢)
- ٧٥٢ -

تخصص القضاة :
يتخصص القضاة زماناً ومكاناً ونوعاً وموضوعاً .
١ - التخصص الزماني: وهو أن يتخصص القاضي بالنظر في وقت معين، كأيام محددة
في الأسبوع. وهو حالة من حالات اختصاص القاضي المحدد الولاية كما بين
الماوردي.
٢ - التخصص المكاني: وهو تقييد القاضي بالقضاء في بلدة معينة أو أكثر، أو ناحية
من بلد معين، كما قلد النبي ◌ُ ◌ّ علي بن أبي طالب قضاء اليمن، وقلد معاذ بن
جبل القضاء في ناحية منها . وهذا هو اختصاص النوع الثالث من أنواع القضاة
الذین ذکره الماوردي.
٣ - التخصص النوعي: وهو تخصيص القاضي عند تعيينه أو بعده ببعض معين من
القضايا، كما هو الحادث الآن في دوائر المنازعات المدنية، والأحوال الشخصية،
والتجارية، والجنائية ونحوها. أو تخصيصه بقضايا لا تزيد فيها المبالغ المستحقة
عن قدر معين. وقد سبق بيانه في النوع الثاني من أنواع القضاة .
٤ - التخصص الموضوعي: وهو الاقتصار على سماع دعاوى موضوعات معينة والمنع من
سماع دعاوى أخرى، كدعوى الوقف أو الإرث، بسبب مضي المدة أو التقادم
الطويل الأمد بلا عذر، وهو مدة ٣٣ أو ٣٦ سنة في الأوقاف وأموال بيت المال، أو
١٥ سنة في الحقوق الخاصة؛ لأن ترك الادعاء مع الإمكان يدل على عدم الحق
ظاهراً.
ومنها عدم سماع دعوى الزوجية بسبب صغر السن، في الفتى دون ١٨ سنة، وفي
الفتاة دون ١٦ سنة مثلاً.
- ٧٥٣ -
الفقه الإسلامي جـ ٦ (٤٨)

أسلوب القضاء الفردي والجماعي:
إن أساس القضاء الذي كان سائداً في الإسلام هو الأخذ بنظام وحدة القاضي أو
القاضي الفرد كما عرفنا: وهو أن يفصل في الخصومات قاض واحد يعينه الإمام أو
نائبه في بلد معین .
ولا مانع عند فقهاء الحنفية(١) وبعض الحنابلة والشافعية من الأخذ بنظام قضاء
الجماعة: وهو اشتراك أكثر من قاض في نظر الدعاوى؛ لأن القاضي نائب أو وكيل عن
الإمام، وللموكل أن يوكل عنه شخصاً أو أكثر، وحينئذ فلا بد من اشتراكهم جميعاً
عند النظر في الدعاوى وإصدار الحكم فيها ، على أساس الشورى.
وأما غير الحنفية(٢) الذين لم يجيزوا تعدد القضاة، فتعللوا بتعذر اتفاق القضاة في
الرأي المجتهد فيه، مما يؤدي إلى تعذر الفصل في الخصومات. وهذا السبب يمكن
التغلب عليه بالأخذ برأي الأكثرية، ولأن القضاة يستندون إلى الرأي الذي صوبه
الإمام، كما قال بعض الشافعية ..
تعيـ
درجات التقاضي أو درجات المحاكم والطعن في الأحكام :
الأصل في القضاء أن يكون على درجة واحدة حسماً للنزاع في أسرع وقت،
ولكن ضماناً لسير العدالة وإحقاق الحق، وبسبب قلة الورع، ونقص العلم، جرى
العمل حديثاً على تعدد المحاكم.
ولا مانع في الفقه الإسلامي من مبدأ التعدد، بدليل أن سيدنا علياً قضى بين
خصين في اليمن، وأجاز لهما إذا لم يرضيا أن يأتيا رسول الله مطلقة، فأتياه فأقر قضاء
علي. وقال عمر لأبي موسى الأشعري في رسالته المشهورة: ((ولا يمنعنك قضاء قضيته
الفتاوى الهندية: ٣١٧/٣، التبصرة لابن فرحون: ٣٧/١ .
(١)
(٢)
مغني المحتاج : ٣٨٠/٤ ، المغني: ١٠٥/٩، حاشية الدسوقي : ١٣٤/٤.
- ٧٥٤ _

بالأمس، ثم راجعت فيه نفسك، وهديت لرشدك أن ترجع إلى الحق؛ لأن الحق
قديم، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل)».
وقد فصل فقهاء المذاهب الأربعة هذا الموضوع في بحث نقض الاجتهاد أو نقض
الحكم على النحو التالي:
إذا كان الحكم معتمداً على دليل قطعي من نص أو إجماع أو قياس جلي (١) فلا
ينقض؛ لأن نقضه إهمال للدليل القطعي، وهو غير جائز أصلاً.
وأما إذا خالف الحكم دليلاً قطعياً، فينقض بالاتفاق بين العلماء، سواء من قبل
نفس القاضي، أو من قاضي آخر، لمخالفته الدليل.
فإن كان الحكم في غير الأمور القطعية، وإنما في مجال الاجتهادات أو الأدلة
الظنية، فلا ينقض (أي بحسب نظام القضاء الفردي)، حتى لا تضطرب الأحكام
الشرعية أو تنعدم الثقة بأحكام القضاة، وتبقى الخصومات على حالها بدون فصل
زماناً طويلاً.
أما في أسلوب تعدد المحاكم، فإن الخصمين يعلمان سلفاً أن الحكم لم يكتسب
الدرجة القطعية، وإنما يجوز استئنافه ونقضه، فلم تعد هناك خشية من اضطراب
الأحكام؛ لأن الحكم لم يكتمل بعد. ويمكن تأييد ماذكر بما قرر الفقهاء من جواز
نقض الحكم إذا صدر سهواً، أو ظهر فيه خطأ(٢). فإن اكتسب الحكم الدرجة القطعية
من محكمة النقض، فلا ينقض الحكم السابق في حادثة مشابهة عملاً بقاعدة: ((الاجتهاد
لا ينقض بمثله)» وأصلها قول عمر: ((تلك على ماقضينا وهذه على ما نقضي».
(١) وهو ما كانت العلة فيه منصوصة، أو قطع بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع، كقياس الضرب على التأفف
في الحرمة .
راجع تبصرة الحكام: ٥٥/١ وما بعدها ، فتح القدير: ٤٨٧/٥، البدائع: ١٤/٧، مغني المحتاج : ٣٩٦/٤ ،
(٢)
المغني: ٥٦/٩ ، العقد المنظم للحكام : ١٩٢/٢، الوسيط في أصول الفقه للمؤلف ص ٥٥٦ ، ط. ثالثة.
- ٧٥٥ _

والخلاصة: أن فقهاءنا عرفوا مبدأ الطعن في الأحكام، ولا يعد تنظيم المحاكم
حديثاً مخالفاً لمبادئ الإسلام، وإنما يتمشى معها، وفقاً لما قرره الفقهاء فيما يجوز نقضه
من الأحكام أو الطعن في الحكم بسبب التهمة الموجهة للقاضي. وقد عرف القضاء في
الأندلس فعلياً مبدأ القضاء بالرد.
صفة قضاء القاضي:
ويلاحظ أخيراً أن حكم القاضي عند جمهور العلماء يعتمد الظاهر في المال وغيره
من الأحوال الشخصية، فلا يحل الحرام ولا يحرم الحلال، ولا ينشئ الحقوق وإنما
يظهرها ويكشف عنها في الوقائع، عملاً بالحديثين السابقين: ((نحن نحكم بالظاهر،
والله يتولى السرائر))(١) ((إنكم تختصون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من
بعض، فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما
أقطع له قطعة من نار)(٢).
وقال أبو حنيفة: ينفذ حكم القاضي في العقود والفسوخ ظاهراً وباطناً؛ لأن
مهمته القضاء بالحق. فلوادعى رجل على امرأة أنه تزوجها، فأنكرت، فأقام على
ادعائه شاهدي زور، فقضى القاضي بعقد الزواج بينهما، حل للرجل الاستمتاع بها.
ولو قضى القاضي بالطلاق فرق بينهما، وإن كان الرجل منكراً. ونفاذ حكم القاضي
على هذا النحو مقيد بشرطين: ألا يعلم بكون الشهود زوراً، وأن يكون من الأمور
التي له فيها صلاحية الإنشاء.
المبحث الثالث - التحكيم
التحكيم: أن يحكم المتخاصان شخصاً آخر لفض النزاع القائم بينهما على هدى
حكم الشرع. وقد دل على جوازه قوله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً
(١) لم يثبت بهذا اللفظ .
(٢) رواه الجماعة عن أم سلمة .
- ٧٥٦ -

من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما) وعن أبي شريح قال:
((يا رسول الله، إن قومي إذا اختلفوا في شيء فأتوني فحكمت بينهم فرضي عني
الفريقان فقال له الرسول: ما أحسن هذا» وعمل الرسول بحكم سعد بن معاذ الذي
اتفق مع يهود بني قريظة على تحكيه فيهم. وأجمع الصحابة على جواز التحكيم.
ويشترط في المحكم أن يكون أهلاً للشهادة رجلاً كان أو امرأة، وأن تتوافر فيه
هذه الأهلية وقت الحكم، وأن يكون الموضوع في غير الحدود والقصاص لاختصاص
الإمام بالنظر فيها وفي استيفائها، فيصح التحكيم في القضايا المالية وفي الأحوال
الشخصية من زواج وطلاق.
ويلتزم المتحاكان بقرار المحكم عند الحنفية والحنبلية. ولكل واحد الرجوع عن
التحكيم قبل إصدار الحكم عند الحنفية. والراجح عند المالكية ألا يشترط دوام
رضائهما حتى صدور الحكم، فإن رجعا معاً ولم يرتضياه قبل الحكم، فلهما ذلك. وإن
رجع أحدهما فله ذلك عند سحنون وليس له حق الرجوع عند ابن الماجشون(١).
المبحث الرابع - ولاية المظالم
تعريفها ونشأتها، المختص بالنظر فيها، هيئة مجلسها، اختصاصاتها، الفرق
بينها وبين القضاء العادي.
أولاً - تعريف ولاية المظالم ونشأتها: ولاية المظالم تشبه إلى حد كبير نظام
القضاء الإداري ومجلس الدولة حديثاً، فهي أصلاً للنظر في أعمال الولاة والحكام
ورجال الدولة مما قد يعجز عنه القضاء العادي ، وقد ينظر واليها في المنازعات التي
عجز القضاء عن فصلها، أو في الأحكام التي لا يقتنع الخصوم بعدالتها . ويجتمع فيها
القضاء والتنفيذ معاً(٢).
انظر فتح القدير: ٤٩٨/٥، المبسوط: ٦٢/٢١، تبصرة الحكام: ٤٣/١، حاشية الدسوقي : ١٤٠/٤ وما بعدها.
(١)
(٢)
السلطات الثلاث : ص٣١٣ ، الماوردي: ص ٧٣ .
- ٧٥٧ -
٠

وعرفها الماوردي بقوله(١): «نظر المظالم: هو قود المتظالمين إلى التناصف
بالرهبة، وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة، فكان من شروط الناظر فيها أن
يكون جليل القدر نافذ الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر العفة، قليل الطمع، كثير
الورع؛ لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة، وثبت القضاة، فيحتاج إلى الجمع بين
صفات الفريقين، وأن يكون بجلالة القدر نافذ الأمر في الجهتين)).
نشأتها: كان الرسول ◌َ ◌ّ في صدر الإسلام أول من نظر المظالم بنفسه، فقضى
في شِرْب بين الزبير بن العوام وأنصاري (٣)، وأرسل علياً لدفع دية القتلى الذين قتلهم
خالد من قبيلة بني جذيمة بعد أن خضع أهلها وقال: ((اللهم إني أبرأ إليك مما فعل
خالد)».
ولم ينتدب للمظالم من الخلفاء الأربعة أحد؛ لأن الناس كان يقودهم التناصف
إلى الحق، ويزجرهم الوعظ عن الظلم.
ولكن عمر رضي الله عنه كان شديد الوطأة على الولاة، ودائم التحذير لهم، فأمر
بالاقتصاص من عمرو بن العاص؛ لأنه قال لأعرابي في المسجد: يا منافق، إلا أن
يعفو الأعرابي، واقتص من عمرو لإهانته مصرياً قبطياً.
وحينما تأخرت إمامة علي واختلط الناس فيها وجاروا، احتاجوا إلى صرامة في
السياسة، فكان علي رضي الله عنه أول من نظر في مظالم الناس، ولم يعين يوماً محدداً
لها .
وعندما تجاهر الناس بالظلم في عهد الدولة الأموية كان عبد الملك بن مروان
أول من أفرد للظلامات يوماً يتصفح فيه قمص المتظلمين .
(٢)
الأحكام : ص٧٣ .
(١)
الماوردي : ص٧٣ .
- ٧٥٨ -

ثم زاد جور الولاة وظلم العتاة ولم يكفهم إلا أقوى الأيدي وأنفذ الأوامر، فكان
عمر بن عبد العزيز رحمه الله أول من ندب نفسه للنظر في المظالم، فردها، وراعى
السنن العادلة، ورد مظالم بني أمية على أهلها، فلما عوتب في شدته عليهم فيها قال:
((كل يوم أتقيه وأخافه دون يوم القيامة لا وُقِيته)).
ثم جلس لها من خلفاء بني العباس جماعة أولهم المهدي ثم الهادي ثم الرشيد ثم
المأمون وكان آخرهم المهتدي، حتى عادت الأملاك إلى مستحقيها (١).
وهكذا نشأ نظام المظالم واستقل عن القضاء العادي.
ثانياً -من هو ناظر المظالم: كان الخليفة كما بينا أول من نظر المظالم ومثله
الوزراء والأمراء. ويصح النظر في المظالم بتقليد خاص من ولي الأمر لكل من
توافرت فيه شروط ولاية العهد، أو وزارة التفويض، أو إمارة الأقاليم إذا كان نظره
في المظالم عاماً .
فإن اقتصرت مهمة المقلد للقضاء على تنفيذ ما عجز القضاة عن تنفيذه،
وإمضاء ما قصرت يدهم عن إمضائه، جازأن يكون ناظر المظالم دون مرتبة الوزير
والأمير في القدر والخطر، بشرط ألا تأخذه في الحق لومة لائم.
هيئة محكمة المظالم: لابد لتكوين مجلس نظر المظالم من خمسة أصناف
لا يستغني عنهم ناظر المظالم ولا ينتظم نظره إلا بهم، وهم(٢):
۵
١ - الحماة والأعوان لجذب القوي ، وتقويم الجريء .
٢ - القضاة والحكام لاستعلام ما ثبت عندهم من الحقوق، ومعرفة ما جرى في مجالسهم
بين الخصوم.
المرجع السابق : ص٧٣ وما بعدها .
(١)
(٢)
المصدر السابق : ص٧٦ .
- ٧٥٩ -

٣ - الفقهاء ليرجع إليهم فيما أشكل، ويسألهم عما اشتبه وأعضل.
٤ - الكتاب ليثبتوا ما جرى بين الخصوم وما توجه لهم أو عليهم من الحقوق.
٥ - الشهود: ليشهدهم على ما أوجبه من حق وأمضاه من حكم. فإذا استكمل مجلس
المظالم بهؤلاء الأصناف شرع الناظر حينئذ في النظر فيها .
ثالثاً - اختصاصات ديوان المظالم:
يختص ناظر المظالم باختصاصات متعددة بعضها استشاري يتعلق بمراقبة
تطبيق أحكام الشرع، وبعضها إداري يتعلق بمراقبة أعمال الموظفين ولو بدون متظلم
من الناس، كما يظهر من الاختصاصات الثلاثة الأولى، وبعضها قضائي يتعلق بفصل
الخصومات بين الحكام والرعية، أو بين الرعية أنفسهم. وهذه الاختصاصات تفصيلاً
هي ما یأتي(١) :
أولاً - النظر في تعدي الولاة على الرعية وأخذهم بالعسف في السيرة.
ثانياً - النظر في جور العمال فيما يجبونه من الأموال، فيرجع فيه إلى القوانين
العادلة في دواوين الأئمة، فيحمل الناس عليها، ويأخذ العمال بها، وينظر فيما
استزادوه، فإن رفعوه إلى بيت المال أمر برده، وان أخذوه لأنفسهم استرجعه لأربابه .
ثالثاً - تصفح أعمال كتاب الدواوين؛ لأنهم أمناء المسلمين على ثبوت أموالهم فيا
يستوفونه له، و یوفونه منه.
وهذه الأقسام الثلاثة لا يحتاج والي المظالم في تصفحها إلى متظلم .
رابعاً - النظر في تظلم المسترزقة (أي الموظفين والجنود) من نقص أرزاقهم أو
تأخرها عنهم .
(١) المصدر السابق نفسه: ص٧٦ وما بعدها .
- ٧٦٠ -