Indexed OCR Text
Pages 721-740
وضاعت الحكمة من قبولها ، قال تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾. وتقرير حرية العقيدة يستتبع إقرار حرية ممارسة الشعائر الدينية؛ لأننا أمرنا بترك الذميين وما يدينون، ولا يعتدى على كنائسهم ومعابدهم، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، ولا يناقشون في عقائدهم إلا باللين والخطاب الحسن، قال تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون ﴾. حرية الفكر والقول: رغب الإسلام في التفكير والنظر الطليق والتأمل في أسرار الكون للتوصل بالعقل والمنطق إلى إثبات الصانع وإثبات النبوة وفهم ما جاء به الأنبياء والرسل والإفادة من كنوز الأرض، وجعل التفكير فريضة إسلامية، والآيات القرآنية المطالبة باستخدام الفكر كثيرة، منها قوله: ﴿قل: انظروا ماذا في السموات والأرض﴾. وتختتم آيات كثيرة بعد بيان النظم الإسلامية في العقيدة وغيرها بأنها لقوم يعلمون، يعقلون، يتفكرون، يتدبرون، لأولي الألباب، ونحوها. ومن أجل تثبيت الدعوة إلى الفكر وإقرار أحكام العقل السديد، ندد الله سبحانه بالتقليد في أصول العقائد والشرائع لتكون العقيدة عن وعي وإدراك وإذعان، فقال سبحانه: ﴿وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون﴾ ﴿أفلم يسيروا في الأرض، فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾. وحرية الفكر تستتبع حرية الرأي والنقد والقول، وذلك واضح من مبدأ الإسلام في تكوين الشخصية الذاتية، والحض على صراحة القول، والأمر بالمعروف، الفقه الإسلامي جـ ٦ (٤٦) - ٧٢١ - وعدم إقرار المنكر، والجهر بالحق دون خشية من أحد أو مخافة لومة لائم، فلا يكون النقد حقاً فقط، وإنما هو واجب ديني أحياناً في ضوء مفاهيم الإسلام، وضرورة الحفاظ على أحكامه، بدليل قوله مثل: ((الدين النصيحة .. )) (١) الحديث السابق ذكره. وقوله: ((لا تكونوا إمَّعة (أي مع الناس) تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطّنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا)»(٢) ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)(٣). وسيرة الخلفاء الراشدين في احترام حق النقد وضرورته خير شاهد عملي على إبراز قيمته وأهميته في الإسلام، كما قال عمر رضي الله عنه: ((أيها الناس، من رأى في اعوجاجاً فليقومه)» فيجيبه أعرابي: والله يا أمير المؤمنين لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا هذه، فيقول أمير المؤمنين مغتبطاً: («الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوم اعوجاج عمر بسيفه إذا اعوج)). وفي حادث آخر قال رجل لعمر: («اتق الله يا أمير المؤمنين، فرد عليه آخر: تقول لأمير المؤمنين: اتق الله؟! فقال عمر: دعه فليقلها، فإنه لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها منكم)». والحرية لا تتجزأ في مفهوم الإسلام، ولا ينفصل جانب الدين فيه عن السياسة والمدنية وغيرها، فإن حدث خطأ في تطبيق في أحكام الدين، أو خلل في خط السياسة الإسلامية، أو مصادره للحقوق المدنية في المعاملات الحرة والتصرفات الشخصية، كان لأي مسلم توجيه النقد فیه للحاكم ورده إلى الصواب، کما حصل من المرأة التي عارضت سيدنا عمر عندما أراد وضع حد لغلاء المهور، وجواب عمر لها بقوله: (أصابت امرأة وأخطأ عمر)). وکما حدث مع الرسول نفسه حينما اعترض رجل بغير حق على قسمته الغنائم قائلاً: ((إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله)) رواه مسلم عن أبي رقيّة تميم بن أوس الداري . (١) (٢) رواه الترمذي عن حذيفة بن اليمان . رواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري ، ورواه أحمد وابن ماجه والطبراني والبيهقي عن أبي أمامة ، ورواه (٣) غيرهم . - ٧٢٢ - فيجيب الرسول: ((يرحم الله موسى. قد كان أوذي بأكثر من هذا فصبر)». ونحو ذلك كثير في السيرة. ٦ - رقابة الأمة ومسؤولية الحاكم: يخضع الحاكم المسلم لرقابة الأمة التي ولته، فإن عدل ونفذ أحكام الشرع، وجبت طاعته، وإن جار وانحرف خلعته وولت غيره، كما بينا سابقاً. قال الإيجي(١): ((وللأمة خلع الإمام وعزله بسبب يوجبه)) كأن يوجد ما يوجب اختلال أحوال المسلمين وانتكاس أمور الدين. وقال ابن حزم بعد أن ذكر واجبات الخليفة(٢): ((فهو الإمام الواجب الطاعة، ما قادنا بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله مَ الٍ. فإن زاغ عن شيء منهما، منع من ذلك، وأقيم عليه الحد والحق، فإن لم يؤمن أذاه إلا بخلعه، خلع وولي غيره)». وبهذا يظهر أن الحاكم مسؤول عن تصرفاته أمام رعيته. كما أنه يشعر بخطورة المسؤولية العظمى أمام الله في الدار الآخرة، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم، وأنتم تعلمون﴾ ويقول النبي متم: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته ... )) (٢) «ما من وال يلي رعية من المسلمين، فيموت وهو غاش لهم، إلا حرم الله عليه الجنة))(٤). ويشعر الخليفة بثقل هذه المسؤولية ويقدرها، کما يمثل لنا ذلك قول عمر رضي الله عنه: ((لئن ضلت شاة على شاطئ الفرات، لخشيت أن يسألني الله عنها يوم القيامة)). (١) المواقف : ٣٥٢/٨ . الفصل في الملل والنحل : ١٠٢/٤، وانظر النظريات السياسية الإسلامية: ص ٢٩٢ - ٢٩٩ . (٢) (٣) رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن ابن عمر . (٤) رواه مسلم عن معقل بن يسار . - ٧٢٣ - وإذا عجزت الأمة عن خلع الحاكم، كما حدث في الماضي، فلا يعني عجزها التسليم بشرعية حكمه، وإنما يكون السكوت إقراراً للأمر الواقع، عملاً بمبدأ ((الضرورات تبيح المحظورات))(١). المبحث التاسع - مصدر السيادة في الإسلام السيادة في القوانين الدستورية الحديثة يراد بها المصدر الذي يستمد منه القانون أو الحاكم حق الامتثال لأمره والعمل بما يصدر من تشريع أو يتخذه من تدبير. والسيادة أو السلطة السياسية من أركان قيام الدولة بالمعنى الحديث، وبموجبها تستطيع إصدار القوانين، وتقييد الحريات، وفرض الضرائب ، وزجر الجناة، حتى يتوافر الاستقرار ويسود الأمن وتنعدم الفوضى. وقد اختلفت آراء السياسيين قديماً وحديثاً في تحديد مصدر السيادة، هل هي من الله، أو من شخص الحاكم أو من الأمة. فنادت جماعة بنظرية الحق الإلهي المطلق لتأييد سلطان الملوك، وأنه حق طبعي مقدس مستمد من تفويض إلهي، فالحاكم أو الملك وكيل عن الله وخليفته عنه في الأرض، مما جعله يحكم حكماً استبدادياً مطلقاً دون أن يكون لأحد الحق في نقده، وسادت هذه النظرية قديماً إلى نهاية القرون الوسطى، وهي فترة الحكم الثيوقراطي أو الأوتوقراطية، أي الاستبدادي. والإسلام لا يقرهذه النظرية التي تمنح الحاكم حق الاستبداد بالحكم؛ لأن الله تعالى يقول لرسوله: ﴿فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمصيطر﴾ ﴿وما جعلناك عليهم حفيظاً﴾ ﴿وما أنت عليهم بجبار) ويقول الرسول من الز لأعرابي ارتعد منه: السلطات الثلاث للدكتور سليمان الطماوي : ص ٢٨٣ . (١) - ٧٢٤ - ((لست بملك ولا جبار))(١) وقال عمر للناس: ((والله ما أنا بملك فأستعبدكم بملك أو جبرية، وما أنا إلا أحدكم، منزلتي منكم كمنزلة والي اليتيم منه ومن ماله)). ونادى آخرون مع ظهور نظرية العقد الاجتماعي لروسو بأن الأمة مصدر السلطات، أي هي التي لها حق التشريع، وهي التي تعين الحكام وتمنحهم السلطة والسيادة. ولكن هذه النظرية لم تمنع الاستبداد، وإن أخذت صفة الديمقراطية؛ لأن بعض الحكام استبدوا بالسلطة متذرعين بأنهم يمثلون إرادة الشعب المقدسة. والإسلام لا يقر جعل الأمة مصدر السلطة التشريعية؛ لأن التشريع لله وحده، والأمة وحدها صاحبة الخلافة عن الله في تنفيذ أحكام الشريعة، والخليفة وأعوانه وقضاته وكلاء عن الأمة في أمور الدين وفي إدارة شؤونها حسب شريعة الله ورسوله، ولها حق نصحه وتوجيهه وتقويمه إن أساء، وعزله إن انحرف، فهو يستمد سلطانه من الأمة بعقد البيعة أو الوكالة، ويكون مصدر السيادة حينئذ هو الأمة الموكل الأصلي، لا الوكيل النائب عنها. والأمة في المجتمع المسلم أو الديمقراطية الإسلامية ملتزمة بالقانون السماوي والأخلاقي ومقيدة بمبادئه، فالسيادة في الإسلام مبنية على حق إنساني ناشئ عن جَعل شرعي . وبذلك تكون الأمة والشريعة معاًهما صاحبا ((السيادة)) في الدولة الإسلامية، بمعنى أن السيادة الأصلية لله تعالى، فيرجع إليه في الأمر والنهي، والسيادة العملية مستمدة من الشعب الذي يعين أهل الحل والعقد أصحاب الرأي والاجتهاد في ضوء مبادئ الشريعة(٢). قال المرحوم الأستاذ عبد الوهاب خلاف(٢): «وهذه الرياسة العليا مكانتها من الحكومة الإسلامية مكان الحديث ورد عن أبي هريرة وأبي ذر بلفظ: ((هوّن عليك، فلست بملك ، وإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل (١) القديد)) ( الإحياء للغزالي: ٣٣٨/٢). وأخرج أبو داود عن عبد الله بن يسر: ((إن الله جعلني عبداً كريماً، ولم يجعلني جباراً عنيداً )) . راجع النظريات السياسية الإسلامية للريس : ص ٣٢٠ - ٣٤١، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها للأستاذ (٢) علال الفاسي: ص ٢٠٩ - ٢١٥، منهاج الإسلام في الحكم لمحمد أسد: ص ٧٧ - ٨٦ ، نظام الحكم في الإسلام ليوسف موسى : ص ١٢٣ - ١٢٧ . السياسة الشرعية : ص ٥٨ . (٣) - ٧٢٥ _ الرياسة العليا من أية حكومة دستورية؛ لأن الخليفة يستمد سلطانه من الأمة الممثلة في أولي الحل والعقد، ويعتمد في بقاء هذا السلطان على ثقتهم به ونظره في مصالحهم، ولهذا قرر علماء المسلمين أن للأمة خلع الخليفة لسبب يوجبه، وإن أدى إلى الفتنة احتمل أدنى المضرتین». المبحث العاشر - تنظيم الخليفة للدولة (إدارة الدولة ) المطلب الأول - الإدارة في عهد الخلفاء: الخليفة رئيس الدولة الأعلى، وصاحب مسؤوليات كبرى، يقود الأمة نحو أفضل الغايات، ويخطط لمسيرتها أعدل الطرق وأصحها وأيسرها. وبما أنه فرد ذو قدرات محدودة، فهو يحتاج إلى أعوان وأنصار لتسيير الحكم في البلاد، قال الماوردي: ((إن ما وكل إلى الإمام من تدبير الأمة لا يقدر على مباشرة جميعه إلا باستنابة))(١) ومن هؤلاء الأعوان تتكون السلطة التنفيذية في الإسلام. ولقد نقل التاريخ أن الخلفاء المسلمين أبدوا نجاحاً باهراً في إدارة البلاد، وأن الإسلام ابتكر وأبدع في الحرب والإدارة والسياسة، كما اخترع وأبدع في العلم والتشريع وأسباب المدنية(٢). وقد بدت نواة الإدارة في عهد الرسول مع قّ ببث الدعوة، وجهاد العدو، وأخذ الغنائم والصدقات والجزى والعشور، وقسمتها بين المجاهدين وأهل البلاد من المهاجرين والأنصار وفقراء المسلمين وتوزيع العمل بين عماله، ومعاملته لهم وللوفود والنساء (٣)، وإرسال القضاة والمعلمين إلى بعض البلدان كاليمن. وسار أبو بكر بسيرة الرسول في الإدارة الإسلامية، واحتفظ بالعمال الذين الأحكام السلطانية : ص ٢٠ ، ط صبيح . (١) (٢) الإدارة الإسلامية في عز العرب للأستاذ محمد كرد علي : ص ٥ . (٣) المرجع السابق : ص ٢٢ . - ٧٢٦ - استعملهم صاحب الشريعة، والأمراء الذين أمرهم. وقام أبو عبيدة بشؤون المال، وعمر بأمر القضاء. وكان الصديق يشاور أهل الرأي والفقه فيما يعرض له من القضايا. وقسمت جزيرة العرب إلى ولايات أوعمالات كمكة والمدينة والطائف وصنعاء ... إلخ. فقسمت الحجاز إلى ثلاث ولايات، واليمن إلى ثمان، والبحرين وتوابعها ولاية. وكان أهم شاغل لأبي بكر في مدة خلافته الوجيزة هو قتال المرتدين وتوطيد دعائم الإسلام، وتثبيت أركان الدولة بإظهار قوة المسلمين لمن خالفهم. وكان أيضاً يهتم بمراقبة أحوال العمال(١)، أي الموظفين الإداريين، وسموا عمالاً لبيان أن العامل ليس مطلق السلطة. ووضحت صورة التنظيم الإداري في عهد عمر لاتساع رقعة الدولة الإسلامية، فعين العمال الأكفاء، وراقبهم مراقبة شديدة، وشاطرهم أموالهم، وأحصى القبائل وفرض لها الفروض وأعطاها العطايا، ودون الدواوين التي تشبه الوزارات اليوم، فوضع أول ديوان في الإسلام للخراج والأموال بدمشق والبصرة والكوفة على النحو الذي كان عليه قبل، وكان أول من استقضى القضاة، وأحدث التاريخ الهجري، وكان يرزق العامل بحسب حاجته وبلده، وحجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج من البلدان إلا بإذن وأجل، ونحو ذلك من التقسيمات والتنظيمات الإدارية .(٢) السديدة(٢). وحافظ عثمان رضي الله عنه على الأوضاع التي وضعها عمر، وعلى العمال الذين عينهم عمر مع أناس من أهله وعشيرته في بدء ولايته. ثم ضعفت الإدارة في النصف الأخير من عهد عثمان لشيخوخته، واشتغل بعض كبار العمال بأطماعهم في الولايات (٣). (١) المرجع السابق : ص ٢٣ - ٢٧ . (٢) المرجع السابق : ص ٢٧ - ٥٣ . المرجع السابق : ص ٥٥ وما بعدها . (٣) - ٧٢٧ - وكانت طريقة علي أيضاً في الإدارة طريقة من سبقوه إلى الإمامة. ثم تبلورت النظم الإدارية في عهد الأمويين والعباسيين بسبب اتصالهم بالحضارات الأخرى، وظهور الطابع الدنيوي عليها(١)، مما مكن فقهاء الإسلام من صياغة الأحكام الإدارية المناسبة. المطلب الثاني - أقسام الولايات في رأي الماوردي: قسم الماوردي ولايات خلفاء الخليفة أربعة أقسام(٢): أولاً - أصحاب الولاية العامة في الأعمال العامة: وهم الوزراء؛ لأنهم يستنابون في جميع الأمور من غير تخصيص . ثانياً - أصحاب الولاية العامة في أعمال خاصة: وهم أمراء الأقاليم والبلدان؛ لأن اختصاصهم عام في حدود الإقليم المنوط إدارته بهم . ثالثاً - أهل الولاية الخاصة في الأعمال العامة: وهم قاضي القضاة ونقيب الجيوش وحامي الثغور ومستوفي الخراج وجابي الصدقات؛ لأن اختصاص كل واحد خاص في جميع أعماله. رابعاً - ذوو الولاية الخاصة في الأعمال الخاصة: وهم كقاضي بلد، أو إقليم أو مستوفي خراجه، أو الجابي صدقاته، أو الحامي ثغره، أو نقيب جنده؛ لأن كل واحد خاص النظر خاص العمل. المطلب الثالث - وظائف الولاة: نوضح وظائف هؤلاء الولاة على النحو التالي : (١) المرجع نفسه: ص ٦٥ وما بعدها . (٢) الأحكام السلطانية : ص١٩ . - ٧٢٨ - أولاً - الوزارة. ثانياً - إمارة الأقاليم. أولاً - الوزارة: كان الصحابة أعوان الرسول ◌ُ التّ في شؤونه، واستمر بعضهم عوناً لبعض في عهد الخلفاء الراشدين والأمويين، دون معرفة هذا الاصطلاح. ثم استعير هذا اللفظ من الفرس في عهد العباسيين . فبين الماوردي أحكام الوزارة، وقسمها نوعين : ١ - وزارة تفويض ٢ - وزارة تنفيذ(١). ١ - وزارة التفويض: هي أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور برأيه، وإمضاءها على اجتهاده. فهي تشبه رئاسة الوزارة اليوم. وهذا أخطر منصب بعد الخلافة، إذ يملك الوزير المفوض كل اختصاصات الخليفة كتعيين الحكام والنظر في المظالم وقيادة الجيش وتعيين القائد وتنفيذ الأمور التي يراها، والمبدأ : كل ماصح من الإمام صح من الوزير إلا ثلاثة أمورهي: أ- ولاية العهد : فإن للإمام أن یعهد إلی من یری، وليس ذلك للوزير. ب- للإمام أن يستعفي الأمة من الإمامة، وليس ذلك للوزير. جـ- للإمام أن يعزل من قلده الوزير، وليس للوزير أن يعزل من قلده (٢) الإمام(٢). وما عدا هذه الثلاثة تنفذ كل تصرفاته بمقتضى التفويض. فإن حدث اختلاف بينه وبين الإمام يفض على النحو التالي : الأحكام السلطانية : ص ٢٠ . (١) (٢) المرجع السابق : ص٢٣ . - ٧٢٩ - إن عارضه الإمام في رد ما أمضاه من أحكام قضائية نفذ. وإن كان تصرفه متصلاً بتوزيع الأموال، لم يجز نقض تصرفه ولا استرجاع ما وزعه . وإن كان تصرفه في أمر عام كتقليد وال أو تجهيز جيش وتدبير حرب، جاز للإمام معارضته بعزل من ولاه، ورد الجيش إلى ثكناته، وتدبير الحرب بما هو أولى؛ لأن للإمام أن يستدرك ذلك من أفعال نفسه، فكان أولى أن يستدركه من أفعال وزيره. ولو قلد الإمام والياً على عمل، وقلد الوزير غيره على ذاك العمل، ينفذ قرار الأسبق في التعيين . وأما كيفية تنسيق أو تحديد العلاقة بين الإمام ووزير التفويض، فهي ما يأتي(١) : أ- يطالب وزير التفويض بمطالعة الإمام لما أمضاه من تدبير وأنفذه من ولاية وتقليد، لئلا يصبح باستبداده كالإمام. ب- يتصفح الخليفة أفعال الوزير وتدبيره الأمور، ليقر منها ما وافق الصواب، ويستدرك ما خالفه؛ لأن تدبير الأمة موكول إليه، ومحمول على اجتهاده. وبما أن منصب هذه الوزارة له أهميته وخطورته، اشترط الفقهاء فيمن يقلدها شروط الإمامة نفسها، إلا النسب القرشي وحده؛ لأنه يمضي الآراء وينفذ الاجتهاد، فينبغي أن يكون مجتهداً. والسبب في استثناء شرط النسب هو اقتصار النصوص الواردة بشأنه على الإمامة وحدها، مما دعا أبا بكر أن يقول للأنصار: فنحن الأمراء وأنتم الوزراء. (١) المرجع السابق: ص٢٢-٢٣ . / - ٧٣٠ - وزيد شرط آخر على شروط الإمامة: وهو أن يكون وزير التفويض من أهل الكفاية فيا وكل إليه من أمري الحرب والخراج خبرة بها ومعرفة بتفصيلهما (١). كذلك لا يكفي للتكليف بهذه الوزارة مجرد الإذن، بل لابد من عقد معين صادر من الخليفة لمن يكلفه بها، والعقود لاتصح إلا بالقول الصريح(١). وبما أن لهذا الوزير صلاحية عامة في الأعمال كالإمام فلا يجوز للخليفة تعيين وزيري تفويض في وقت واحد، كما لا يجوز تعيين إمامين؛ لأنها ربما تعارضا في العقد والحل والتقليد والعزل، لكن إن أشرك الخليفة اثنين في النظر المشترك في الأمور، دون أن ينفرد أحدهما بتصرف، بل لابد من اتفاقهما معاً، فيجوز(٣). ٢ - وزارة التنفيذ(٤): هي أقل مرتبة من وزارة التفويض؛ لأن الوزير فيها ينفذ رأي الإمام وتدبيره، وهو وسط بينه وبين الرعايا والولاة، يؤدي عنه أوامره، وينفذ آراءه، ويمضي أحكامه، ويبلغ من قلدهم الولاية أو تجهيز الجيوش، ويعرض عليه ما ورد منهم، وتجدد من أحداث طارئة. فليس له سلطة الاستقلال بالتوجيه والرأي والاجتهاد، وهو محدد الاختصاص بأمرين : أحدهما - أن يؤدي إلى الخليفة ما يبلغه من قضايا. الثاني - أن يؤدي إليه أوامر الخليفة لتنفيذها. ويكفي في تعيينه مجرد الإذن، ولا يشترط إجراء عقد معه لتعيينه. ولا يطلب فيه الحرية؛ لأنه لا ينفرد بالولاية وتقليد الوظائف لغيره، ولا العلم، أي الاجتهاد لأنه لا يجوز له أن يحكم برأيه. (١) المرجع نفسه : ص ٢٠ . (٢) المصدر نفسه : ص٢١ . المصدر نفسه : ص٢٦ . (٣) المصدر نفسه : ص ٢٤ -٢٦ . (٤) - ٧٣١ - شروطه: الشروط المطلوبة في وزير التنفيذ سبعة فقط تتعلق بالأخلاق الفاضلة والتجربة السياسية : ١ - الأمانة: حتى لا يخون فیما قد اؤتمن عليه، ولا یغش فيما استنصح فيه. ٢- صدق اللهجة: حتی یوثق بخبره فيما يؤديه ويعمل على قوله فيما ينهيه. ٣- قلة الطمع : حتى لا يرتشي ولا ینخدع. ٤ - أن يكون مسالماً لا عداوة ولا شحناء بينه وبين الناس؛ لأن العداوة تصد عن التناصف وتمنع من التعاطف. ٥ - حاضر البديهة والذاكرة حتى يؤدي إلى الخليفة وعنه؛ لأنه شاهد له وعليه. ٦ - الذكاء والفطنة حتى لا تدلس عليه الأمور، فتشتبه، ولا تموه عليه فتلتبس. ٧- ألا يكون من أهل الأهواء، فيخرجه الهوى من الحق إلى الباطل. ولا يقبل لهذا المنصب ولا لوزارة التفويض والخلافة امرأة لقول النبي ما لقّعٍ: «ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة))(١) ولأن في هذه الوظائف من المهام الخطيرة التي تتطلب الرأي وثبات العزم ما تضعف عنه النساء. ويجوز أن يكون هذا الوزير من أهل الذمة، ولا يجوز لوزارة التفويض. ويجوز تعيين وزيري تنفيذ أو أكثر، بعكس وزارة التفويض. لكن يجوز للخليفة تعيين وزيرين في مهمة وزير تفويض ووزير تنفيذ، فيكون وزير التفويض مطلق التصرف، ووزير التنفيذ مقصوراً على تنفيذ أوامر الخليفة . الفرق بين الوزارتين: ذكر الماوردي فروقاً ثمانية بين الوزارتين، أربعة منها تتعلق بالشروط، والأربعة الأخرى بالصلاحيات. (١) رواه أحمد والبخاري والترمذي وصححه والنسائي عن أبي بكرة ( نيل الأوطار: ٢٦٣/٨). ١٠ - ٧٣٢ - ٠ أما الفروق العائدة للشروط والمؤهلات فهي : ١ - الحرية : مطلوبة في وزارة التفويض، وغير مطلوبة في وزارة التنفيذ. ٢ - الإسلام : مطلوب في وزارة التفويض، دون التنفيذ. ٣ - العلم بالأحكام الشرعية (الاجتهاد): مطلوب في وزارة التفويض لا التنفيذ . ٤ - المعرفة بشؤون الحرب والاقتصاد كالخراج : مطلوبة في وزارة التفويض لا التنفيذ. وأما الفروق المتعلقة بالاختصاص والصلاحيات فهي : ١ - يجوز لوزير التفويض مباشرة الحكم والنظر في المظالم، وليس ذلك لوزير التنفيذ . ٢ - ويجوز لوزير التفويض أن ينفرد بتقليد وتعیین الولاة، وليس ذلك لوزير التنفيذ . ـعالـ ٣ - يجوز لوزير التفويض أن ينفرد بتسيير الجيوش وتدبير الحروب، ولیس ذلك لوزير التنفيذ. ٤ - يجوز لوزير التفويض أن يتصرف في أموال بيت المال بالجباية والصرف، وليس ذلك لوزير التنفيذ. ثانياً - إمارة الأقاليم أو البلاد: اتسعت الدولة الإسلامية في عهد عمر رضي الله عنه، فقسمت إلى أقسام إدارية كبيرة، فجعلت بلاد الشام قسمين، وبلاد فارس ثلاث ولايات، وأفريقيا ثلاث ولايات أيضاً. وكان على كل إقليم من هذه الأقسام عامل (أو وال أو أمير) يؤم الناس - ٧٣٣ - في الصلاة ويفصل في الخصومات، ويقود الجند في الحرب، ويجمع المال، وكان مع الوالي عامل خاص للخراج. وفي عهد بني أمية حيث بلغت الدولة أقصى اتساعها، قسمت إلى خمس ولايات كبرى هي الحجاز واليمن وتوابعها، ومصر بقسميها السفلي والعلوي، والعراقان: العربي (بلاد بابل وآشور القديمة) والعجمي (بلاد فارس)، وبلاد الجزيرة ويتبعها أرمينية وأذربيجان، وأفريقية الشمالية وبلاد الأندلس وجزر صقلّية. وقد حافظ العرب على هذا النظام الإداري في البلاد التي فتحوها، مع إحداث تغيير جزئي فيها اقتضته الروح العربية، ولكن بتقدم الدولة، واتساع حدودها تعقد النظام الإداري جزئياً، وتعددت الدواوين ، ولاسيما في عهد العباسيين الذين تأثروا بالفرس كثيراً في نظم الحكم والإدارة(١). وقد أملى هذا التطور على الفقهاء ضرورة البحث في طبيعة هذه الولايات وما يلائمها من أحكام تمس سياسة الدولة. فقسموا، أي الفقهاء، الولاية أو الإمارة إلى قسمين: عامة وخاصة. ١- الإمارة العامة: وهي التي تختص بجميع الأمور المتعلقة بالإقليم سواء فيما يتعلق بالأمن وحاجات الدفاع ، أم بالقضاء وشؤون المال . وهي نوعان : إمارة استكفاء وإمارة استيلاء . أ- إمارة الاستكفاء(٢): وهي التي يعقدها الإمام لشخص كفؤعن رضا واختيار . بأن يفوض إليه الخليفة إمارة بلد أو إقليم ولاية على جميع أهله ، ونظراً في المعهود من سائر أعماله ، فيصير علم النظر فيما كان محدوداً من عمل ، ومعهوداً من السلطات الثلاث : ٢٩٦ - ٢٩٩ . (١) (٢) الأحكام السلطانية للماوردي: ص٢٧ وما بعدها . - ٧٣٤ _ ------- -- نظر ، أي أنه مفوض الصلاحية العامة في كل الأعمال المسندة إليه . وقد بقيت هذه الإمارة من عهد الراشدين بتعيين الولاة على أقاليم مصر أو اليمن أو الشام أو العراق، إلى عصر الأمويين والعهد الذهبي للدولة العباسية. ثم انتشرت إمارة الاستيلاء منذ النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، حيث وجدت الدويلات في المشرق والمغرب، كالدولة البويهية والسامانية والغزنوية والسلجوقية في الشرق، والطولونية والإخشيدية والأغلبية في الغرب(١). وأما الأعمال التي كان يمارسها صاحب هذه الإمارة فهي سبعة(١) وهي: ١ - النظر في تدبير الجيوش وترتيبهم في النواحي، وتقدير أرزاق الجند، إلا أن یکون الخلیفة قدرها، فيعمل بما قرر. ٢ - النظر في الأحكام وتقليد القضاة والحكام. ٣ - جباية الخراج وقبض الصدقات وتقليد العمال لها ، وتفريق ما استحق منها. ٤ - حماية الدين والذب، أي الدفاع، عن الحريم ومراعاة الدين من تغيير أو تبدیل. ٥ - إقامة الحدود في حق الله وحقوق الآدميين . ٦ - الإمامة في صلاة الجمع والجماعات بنفسه أو بالاستخلاف عليها. ٧ - تسهيل أداء فريضة الحج كل عام. وهناك واجب ثامن على والي البلاد الساحلية أو المجاورة لحدود العدو (الثغور): وهو جهاد الأعداء وقسمة الغنائم وفق أحكام الشرع. النظريات السياسية للريس : ص٢٣٤ . (١) (٢) الماوردي : ص٢٨ . - ٧٣٥ - والشروط المطلوبة فيمن يعين لهذه الإمامة: هي ذات الشروط المقررة في وزارة التفويض؛ لأن الفرق بينهما إقليمي بحت، فسلطة وزير التفويض عامة في كل أنحاء الدولة، وأما اختصاص أمير الإقليم فقيد في نطاق إقليمه. وحينئذ يكون لوزير التفويض الحق في مراقبة أعمال ولاة الأقاليم، بل وله عزلهم أحياناً إذا كان هو الذي عينهم. فإن عينهم الخليفة أو بإذن الخليفة فلابد من موافقة الخليفة على العزل(١). ويجوز لوالي الإقليم أن يستوزر لنفسه وزير تنفيذ بإذن الخليفة أو بغير إذن، ولكن لا يجوز له أن يستوزر وزير تفويض إلا بإذن الخليفة؛ لأن وزير التنفيذ معين، ووزير التفويض مستبد، أي مستقل الرأي(٢). ب- إمارة الاستيلاء(٣): وهي التي تعقد عن اضطرار بأن يستولي شخص على السلطة، كما حدث في العصر العباسي الثاني - عصر الدويلات، فيقره الخليفة على إمارتها، ويفوض إليه تدبير أمورها وسياستها. ولكن يحتفظ الخليفة بما يتعلق بالدين، فيكون الأمير- كما قال الماوردي - باستيلائه مستبدأ بالسياسة والتدبير، والخليفة بإذنه منفذاً لأحكام الدين، ليخرج من الفساد إلى الصحة ومن الحظر إلى الإباحة . وهذا اعتراف بالأمر الواقع أو بحكم الضرورة. أما أحكام الدين فلا يجوز التهاون بها، قال الماوردي بعد عبارته السابقة: ((وهذا، وإن خرج عن عرف التقليد المطلق في شروطه وأحكامه، ففيه من حفظ القوانين الشرعية، وحراسة الأحكام الدينية ما لا يجوز أن يترك مختلاً مدخولاً، ولا فاسداً معلولاً)». والمعنى أن الفقهاء إزاء تجزؤ الدولة والتطور الحادث أرادوا الحفاظ على مبدأ المرجع السابق : ص٢٨ . (١) (٢) المصدر السابق : ص٢٩ . المصدر السابق : ص ٣١ . (٣) - ٧٣٦ - شرعية الدولة، وشعور الناس بالتالي بأنهم يعيشون في ظل الشرعية، عن طريق الارتباط الاسمي بالخلافة المركزية، فتبقى الوحدة وروح التعاون سائدة في القضايا العامة . إلا أن إقرار هذا النوع الاستثنائي أو الاعتراف بالأمر الواقع مقيد بسبعة شروط تلزم أغلبها الأمير المستولي، ويلزم بعضها الخليفة نفسه وهي: ١ - حفظ منصب الإمامة في خلافة النبوة، وتدبير أمور الملة، لحفظ أحكام وحدود الشريعة وما تفرع عنها من حقوق . ٢ - ظهور الطاعة الدينية التي يزول معها حكم العناد والانشقاق. ٣ - اجتماع الكلمة على الألفة والتناصر، ليكون للمسلمين يد على من سواهم. ٤ - أن تكون عقود الولايات الدينية جائزة، والأحكام والأقضية نافذة. ٥ - أن يكون استيفاء الأموال الشرعية بحق تبرأ به ذمة مؤديها ويستبيحه آخذها . ٦ - أن تكون الحدود مستوفاة بحق، وقائمة على مستحق. ٧- أن يكون الأمير في حفظ الدين ورعاً عن محارم الله، يأمر بحقه إن أطيع، ويدعو إلى طاعته إن عصي. هذه هي شروط الاعتراف بالجزء المنفصل من قبل الخليفة تحفظ بها حقوق الإمامة . الفرق بين إمارتي الاستكفاء والاستيلاء : هناك أربعة فروق هي(١) : (١) المصدر السابق : ص٣٢ وما بعدها . الفقه الإسلامي جـ ٦ (٤٧) - ٧٣٧ - ١ - إن إمارة الاستكفاء تتم بعقد وتراضي واختيار بين الخليفة والمستكفي. أما إمارة الاستيلاء فتنعقد عن اضطرار. ٢ - إن إمارة الاستيلاء شاملة البلاد التي غلب عليها المستولي. وأما إمارة الاستكفاء فمقصورة على البلاد التي تضمنها عهد المستكفي. ٣ - إمارة الاستيلاء تشتمل على النظر في جميع الأمور: المعهودة والنادرة. وإمارة الاستكفاء خاصة بالمعهود لا النادر. ٤ - يجوز لأمير الاستيلاء تعيين وزير تفويض ووزير تنفيذ، ولا يجوز لأمير الاستكفاء تعیین وزیر تفو یض إلا بإذن الإمام، ولکن له أن یستوزر وزير تنفیذ. ٢- الإمارة الخاصة: وهي التي تتحدد فيها سلطات الأمير بصلاحيات معينة. وخصصها الماوردي بشؤون الأمن والدفاع. فقال: وهي أن يكون الأمير مقصور الإمارة على تدبير الجيش وسياسة الرعية وحماية البيضة، أي إقليم الدولة، والذب عن الحريم. وليس له أن يتعرض للقضاء والأحكام ولجباية الخراج والصدقات. ويلاحظ أن الإمارات كانت في صدر الإسلام عامة، ثم بدأت تتخصص بتوسع الدولة وتعقد الجهاز الإداري. فكان عمرو بن العاص صاحب ولاية عامة على مصر. ثم عين الخليفة عمر شخصاً آخر لجباية الخراج هو عبد الله بن أبي سرح. ثم عين قاضياً في الخصومات هو كعب بن سور، فصارت سلطة الوالي مقصورة على قيادة الجيش وإمامة الصلاة(١). (١) النظم الإسلامية للدكتور حسن إبراهيم: ص٢٠١ ، السلطات الثلاث للطاوي: ص ٣٠٢ وما بعدها . - ٧٣٨ - م الفصل الثالث السلطة القضائية في الإسلام الكلام في هذا الفصل يتناول: نشأة القضاء وتاريخه وحكمه، وأنواعه، القضاء العادي وتنظيمه، التحكيم، ولاية المظالم، نظام الحسبة، الدعوى، الإثبات، تنفيذ الأحكام. المبحث الأول - نشأة القضاء وتاريخه وحكمه وأنواعه: القضاء لغة: الحكم بين الناس. والقاضي: الحاكم، وشرعاً: فصل الخصومات وقطع المنازعات(١). وهو أمر مطلوب في الإسلام لقوله تعالى مخاطباً رسوله: ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ ﴿فاحكم بينهم بالقسط ﴾ ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾. ولقول النبي مؤهل: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران))(٣) ((إذا جلس الحاكم للحكم بعث الله له ملکین يسددانه و یوفقانه، فإن عدل أقاما، وإن جار عرجا وتركاه))(٣). وحكمه شرعاً أنه فريضة محكمة من فروض الكفايات باتفاق المذاهب، فيجب (١) الدر المختار: ٣٠٩/٤، الشرح الكبير للدردير : ١٢٩/٤. (٢) أخرجه الشيخان من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة ، ورواه الحاكم والدارقطني من حديث عقبة بن عامر وأبي هريرة وعبد الله بن عمر بلفظ: ((إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله عشرة أجور)) لكن في إسناده فرج بن فضالة، وهو ضعيف ( نيل الأوطار: ٢٦٢/٨). أخرجه البيهقي من حديث ابن عباس ، وإسناده ضعيف ( نيل الأوطار: ٢٦٢/٨). (٣) - ٧٣٩ - على الإمام تعيين قاض، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط﴾ قال بعضهم: ((القضاء أمر من أمور الدين، ومصلحة من مصالح المسلمين، تجب العناية به؛ لأن بالناس إليه حاجة عظيمة (١). وهو من أنواع القربات إلى الله عز وجل، ولذا تولاه الأنبياء عليهم السلام، قال ابن مسعود: ((لأن أجلس قاضياً بين اثنين أحب إلي من عبادة سبعين سنة)). وكان الرسول ◌ُ التّ في دولة المدينة يتولى بنفسه القضاء بين الناس، فلم يكن للمسلمين قاض سواه، يصدر عنه التشريع، ثم يشرف على تنفيذه، فكان يجمع بين التشريع والتنفيذ والقضاء، وكان قضاؤه اجتهاداً لا وحياً، معتمداً على ما قرره: ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) ويقول: ((أمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر)) ((إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن (٢) بحجته من بعض))(٣) وباتساع الدولة عهد الرسول مؤ تمٍ إلى بعض الصحابة بالقضاء، فبعث علياً كرم الله وجهه إلى اليمن للقضاء بين الناس، وبعث إليها أيضاً معاذ بن جبل رضي الله عنه . وولى عتَّاب بن أسيد أمر مكة وقضاءها بعد فتحها . وسار الخلفاء الراشدون على هذا المنهج، فتولى عمر القضاء في عهد أبي بكر فظل سنتين لا يأتيه متخاصان، لما اشتهر عنه من الحزم والشدة. وتم في عهد عمر بأمره فصل القضاء عن الولاية الإدارية، وعين القضاة في أجزاء الدولة الإسلامية في المدينة ومكة والبصرة والكوفة ومصر(٤). فكان عمر هو أول من وضع أساس السلطة القضائية المتميزة، کما كان أول من وضع الدواوين كما عرفنا، وأول من وضع دستور اللباب شرح الكتاب للميداني : ٧٧/٤ . (١) (٢) أي أفطن بها وأبصر . الحديث الأول رواه البيهقي والثاني غير ثابت بهذا اللفظ ، والحديث الثالث رواه الجماعة عن أم سلمة ( نيل (٣) الأوطار: ٢٧٨/٨، كشف الخفا: ص ٢٢١ وما بعدها ) . القضاء في الإسلام لعارف النكدي : ص٧٩ . (٤) - ٧٤٠ -