Indexed OCR Text
Pages 601-620
الثاني - يمين التهمة : وهي التي توجه على المدعي بقصد رد دعوى غير محققة على المدعى عليه، قال بها المالكية والزيدية . الثالث - يمين الاستيثاق أو الاستظهار: وهي التي يحلفها المدعي بطلب القاضي لدفع التهمة عنه بعد تقديم الأدلة المطلوبة في الدعوى. فهي تكل الأدلة كالشهادة، ويتثبت بها القاضي. ويلجأ إليها القاضي عادة إذا كانت الدعوى بحق على غائب أو ميت، ويحتمل أن يكون المدعي قد استوفى دينه من الميت أو الغائب أو أبرأه عنه، أو أخذ رهناً مقابله، وليس للشاهدين علم بذلك. فيحلف القاضي المدعي؛ لأن البينة لا تفيد إلا غلبة الظن، فيستحق ما ادعاه بالبيئة واليمين معاً، فهني يمين القضاء بعد ثبوت الحق على الغائب والمحجور، وقد أجيزت استحساناً بسبب احتمال الشبهة والشك عند غياب المدين. وقد أيدها ابن القيم قائلاً: وهذا القول ليس ببعيد من قواعد الشرع، ولا سيما مع احتمال التهمة. وكان علي يستحلف المدعي مع شهادة الشاهدين. وكان شريح يستحلف الرجل مع بينته، وقال الأوزاعي والحسن بن حَيّ: يستحلف مع بينته وهو قول النخعي والشعبي وابن أبي ليلى أيضاً(١). أحوال يمين الاستظهار: أجاز الفقهاء هذه اليين في أحوال استثنائية للضرورة أو الحاجة، فقال المالكية(٢): توجه هذه اليمين في نفقة الزوجة، وفي الدعوى على الغائب واليتيم الطرق الحكمية: ص ١٤٥ وما بعدها، المبسوط: ١١٨/١٦، تبصرة الحكام لابن فرحون بهامش فتح العلي (١) المالك لعليش : ٢٧٥/١ وما بعدها . (٢) تبصرة الحكام ، المكان السابق . - ٦٠١ - والوقف والمساكين وفي كل وجوه البر، وعلى بيت المال، وعلى كل من استحق شيئاً من الحيوان وغيره. ويحلف المدعي أيضاً إذا شهد له اثنان على خط غريمه، وفي شهادة التسامع والاستفاضة، والبينة على الغريم المجهول الحال بكونه معدماً . وقال الحنفية (١): تجب يمين الاستظهار في الادعاء على الميت، ولو بدون طلب المدعى عليه، وفي خمس حالات أخرى عند أبي حنيفة ومحمد بطلب المدعى عليه، وبدون طلب عند أبي يوسف: وهي حالة الاستحقاق للمعقود عليه: فإذا أثبت المدعي استحقاق مال، حلف على عدم بيعه أو هبته أو تمليكه. وفي الشفعة: أنه طلبها بمجرد علمه بها ولم يبطلها بوجه ما، وفي نفقة الزوجة على زوجها الغائب أنه لم يطلقها ولم يترك لها نفقة. وفي رد المبيع بالعيب أنه لم يرض به، وفي خيار البلوغ للبكر أنها اختارت الفرقة مباشرة . وقال الشافعية(٢): توجه يمين الاستظهار بدون طلب الخصم في الدعوى على الميت والغائب والصغير والمحجور والسفيه والمجنون والمغلوب على عقله، ومع الشاهد واليمين. وأجاز الحنابلة في رواية عن أحمد هذه اليمين إذا قامت البينة على الغائب، أو المستتر في البلد، أو الميت، أو الصبي أو المجنون (٣). القضاء بالنكول والقضاء بشاهد ويمين المدعي واليمين المردودة: اتفق الفقهاء على أن المدعي إذا قدم شاهدين على دعواه وقبلت شهادتها ، حكم له بما ادعى. وعلى أنه إذا عجز عن البينة وطلب تحليف المدعى عليه، وحلف، رفضت دعواه . البحر الرائق: ٢٠٧/٧ ، الأشباه والنظائر لابن نجيم : ص ٩٥ ، المجلة: م ١٧٤٦ ، وقد نصت المجلة على أربع (١) حالات ليين الاستظهار بلا طلب : وهي ادعاء حق في التركة ، الاستحقاق ، رد المبيع بعيب ، الشفعة . (٢) مغني المحتاج : ٤٠٧/٤ وما بعدها ، المهذب : ٣٠٣/٢ وما بعدها . المحرر في الفقه الحنبلي لأبي البركات: ٢١٠/٢ ، الإفصاح لابن هبيرة : ص ٤٨٣ . (٣) - ٦٠٢ - واختلفوا بعدئذ في رأيين فيما إذا نكل المدعى عليه عن اليمين، هل يقضى للمدعي بنكول صاحبه عن اليمين، أم ترد اليمين إلى المدعي، فيقضى له بيمينه وشاهد واحد يقدمه للشهادة ؟ قال الحنفية والحنابلة: يقضى بالنكول في الأموال، وقال الجمهور: لا يقضى بالنكول، وترد اليمين على المدعي. الرأي الأول - للحنفية والحنابلة في المشهور عندهم: قال الحنفية والحنابلة(١): إذا نكل المدعى عليه عن اليمين، فإنه يقضى عليه بالمال، لكن ينبغي للقاضي أن يقول له: «إني أعرض عليك اليين ثلاث مرات، فإن حلفت وإلا قضيت عليك)) لاحتمال خشية القضاة ومهابة المجلس في المرة الأولى. ولا يقضى عند الحنفية بالشاهد واليين ويقضى بها عند الحنابلة . ودليلهم علي القضاء بالنكول: أن القاضي شريح قضى على رجل بالنکول، فقال المدعى عليه: أنا أحلف، فقال شريح: مضى قضائي. وكانت لا تخفى قضاياه على أصحاب رسول الله متر ، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر، فيكون إجماعاً منهم على جواز القضاء بالنكول. وقضى عثمان على ابن عمر بالنكول. ورد عليه عبداً معيباً اشتراه منهم حينما نكل، ولأنه ظهر صدق المدعي في دعواه عند نكول المدعى عليه، فیقضی له، كما لو أقام البينة . واستدلوا على عدم مشروعية رد اليمين إلى المدعي بالحديث السابق: ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)» جعل جنس اليين على المنكر، فتشمل كل مدعى عليه. واستدل الحنفية على عدم مشروعية القضاء بشاهد ويمين بما يأتي من الكتاب والسنة والمعقول . آ۔ الكتاب: وهو قوله تعالى: ﴿ واستشهدوا شهیدین من رجالكم، فإن لم يكونا (١) البدائع: ٢٢٥/٦، ٢٣٠، تكملة فتح القدير: ١٥٥/٦، الطرق الحكمية: ص ١١٦. - ٦٠٣ - رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ) وقوله سبحانه: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم ﴾ فالله سبحانه طلب إشهاد اثنين ولم يذكر الشاهد واليمين، فقبولهما زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، ونسخ القرآن لا يجوز إلا بمتواتر أو مشهور، ولا يجوز بخبر الواحد، وليس خبر رد اليمين متواتراً أو مشهوراً، وإنما هو خبر آحاد. ٢ - السنة: حديث مسلم وأحمد ((ولكن اليمين على المدعى عليه)) وحديث البيهقي ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) وقوله طفلٍ لمدع في حديث الجماعة ((شاهداك أو يمينه)). فالحديث الأول أوجب اليمين على المدعى عليه فقط، وجعل كل جنس اليمين على المنكر، فإذا قبلت يمين من المدعي، لم تكن جميع حالات اليمين على المنكرين. وكذلك الحديث الثاني جعل جميع أفراد البينة على المدعي، وجميع أفراد اليمين على المنكر، والقسمة والتوزيع تنافي اشتراك الخصمين فيما تمت فيه القسمة. والحديث الثالث خيَّر المدعي بين أمرين لا ثالث لهما إما البينة أو يمين المدعى عليه. ٣ - المعقول: إن اليمين تقوم مقام الشاهد الثاني، ولو جاز ذلك، لجاز تقديم اليمين كأحد الشاهدين على الآخر، ولكن لا يجوز تقديمه، فلا يصح أن يكون قائماً مقامه . الرأي الثاني- للجمهور: قال الجمهور من أهل السنة والشيعة(١) وصوبه الإمام أحمد: لا يقضى بالنکول، ولكن يرد اليمين إلى المدعي فيحلف، فيأخذ حقه، ويقضى بالشاهد واليمين. القوانين الفقهية: ص ٣٠٦ ، بداية المجتهد: ٤٥٦/٢، ٤٥٩، الشرح الكبير مع الدسوقي : ١٨٧/٤ ، تهذيب (١) الفروق: ١٥١/٤، مغني المحتاج: ٤٦٨/٤ وما بعدها، ٤٧٧ وما بعدها، المهذب: ٣٠١/٢، ٣١٨ ، المغني : ٢٢٥/٩، ٢٣٥، الطرق الحكمية: ص ١١٦، ١٣٢ - ١٤٢، المختصر النافع في فقه الإمامية: ص ٢٨٣ ، البحر الزخار : ٤٠٤/٤ ، المحلى : ٤٦٤/٩. - ٦٠٤ _ والنكول: أن يقول: أنا ناكل، أو يقول: لا أحلف. استدلوا على عدم جواز القضاء بالنكول بالحديث المتقدم: ((البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه)) فإنه جعل البينة حجة المدعي، واليمين حجة المدعى عليه، ولم يذكر عليه الصلاة والسلام النكول، فلو كان حجة المدعي لذكره، ولأن النكول يحتمل لكونه كاذباً في الإنكار، ويحتمل لكونه صادقاً في الإنكار، تورعاً عن اليمين الصادقة، فلا يكون حجة القضاء مع الشك والاحتمال. واستدلوا على مشروعية القضاء برد اليمين: بما روى الدارقطني والبيهقي والحاكم من حديث نافع عن ابن عمر: ((أن رسول الله مع اللّ رد اليمين على طالب الحق)) وبقوله تعالى: ﴿أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم) وثبت عن عمر وعثمان وعلي وغيرهم القول برد اليمين. واستدلوا مع الحنابلة على جواز القضاء بشاهد و يمين المدعي : بما روى ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن رسول الله مُ تّ قضى باليمين مع الشاهد)) (١) قال الشافعي: ((وهذا الحديث ثابت لا يرده أحد من أهل العلم، لو لم يكن فيه غيره، مع أن معه غيره مما يشده)» وقال الترمذي عنه: حسن غريب، وقال النسائي: إسناده جيد. وأجمع الصحابة على القضاء بالشاهد واليمين، منهم أبو بكر وعمر وعلي وأبي بن کعب. وهذا هو الرأي الراجح عندي لصحة الحديث وثبوته، وعده السيوطي متواتراً، ولأن الخلفاء الراشدين حكموا به، وهو لا يخالف الكتاب العزيز. (١) رواه مسلم وأحمد والشافعي وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه . وذكر ابن الجوزي عدد رواة هذا الحديث بما يزيد على عشرين صحابياً. ورواه أيضاً أحمد والترمذي وابن ماجه عن جابر. ورواه أيضاً أحمد والدارقطني والبيهقي ومالك والشافعي عن علي رضي الله عنه ، وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والشافعي عن أبي هريرة رضي الله عنه . وأخرجه ابن ماجه عن سرَّق . وأخرجه أبو داود والبيهقي والطبراني عن الزبيب بن ثعلبة . - ٦٠٥ _ مجال القضاء بشاهد ويمين : قال المالكية والشافعية وابن القيم (١): المواضع التي يحكم فيها بالشاهد واليمين: المال، وما يقصد به المال، كالبيع والشراء وتوابعهما من اشتراط صفة في المبيع، أو نقد غير نقد البلد، والإجارة والجعالة، والمساقاة والمزارعة، والمضاربة والشركة والهبة، والوصية لمعین، أو الوقف عليه. ومما يثبت بالشاهد واليمين أيضاً: الغصوب، والعواري، والوديعة، والصلح، والإقرار بالمال أو ما يوجب المال، والحوالة، والإبراء، والمطالبة بالشفعة وإسقاطها، والقرض، والصداق، وعوض الخلع، وتسمية المهر، والوكالة في المال والإيصاء به. وكذا يقضى بها في الجنايات الموجبة للمال، كالخطأ، وما لا قصاص فيه كالهاشمة والمأمومة والجائفة، وقتل المسلم الكافرَ، والحرِّ العبد، والصبيِّ والمجنون. وأما مجال القضاء بالنكول: فهو عند الحنفية(٢) والحنابلة في الأموال، أو غير المال أو مالا يقصد به المال کنكاح وطلاق ولعان وقصاص، ووصاية، ووكالة، فلا یقضی فیه بالنكول، كما بينا سابقاً . المطلب السادس - حكم اليمين: حكم اليمين: هو الأثر المترتب على حلفها أمام القاضي، سواء أكانت من المدعي أم من المدعى عليه. الطرق الحكمية : ص ١٤١ وما بعدها، الشرح الكبير : ١٤٧/٤، حاشية الشرقاوي : ٥٠٢/٢ ، تبصرة الحكام : (١) ٢٧٠/١ . الدر المختار : ٤٤٢/٤ . (٢) - ٦٠٦ - ١ - حكم يمين المدعي: يترتب على أداء اليمين من المدعي مع الشاهد عند الجمهور غير الحنفية ثبوت الحق المحلوف عليه، بناء على الشاهد واليمين معاً في الأصح عند الشافعية، وفي المعتمد عند المالكية؛ لأن الأحاديث علقت القضاء عليهما معاً، وبناء على الشاهد فقط واليمين للتأكيد والاستظهار والاحتياط في رأي الحنابلة؛ لأن الشاهد حجة الدعوى، واليمين من المدعي ليست بحجة على خصمه(١). ٢ - حكم يمين المدعى عليه: يترتب على حلف اليمين من المدعى عليه باتفاق الفقهاء(٢): إنهاء النزاع بين المتداعيين وسقوط الدعوى، وكذا انقطاع الخصومة والمطالبة في الحال، لا مطلقاً، بل مؤقتاً إلى غاية إحضار البيئة في رأي الجمهور غير المالكية، فلا تبرأ ذمة المدعى عليه من الحق، وتظل مشغولة به إلى أن يتمكن المدعي من إثبات دعواه بوسيلة أخرى من وسائل الإثبات. وقال المالكية: يترتب على يمين المدعى عليه سقوط الدعوى مطلقاً ، فليس للمدعي أن يقيم البينة بعد الحكم باليمين، إلا لعذر كنسيان وعدم علم بالشهادة، ثم علمه بها، فتقبل منه، ويحلف يميناً على عذره. ٣ - حكم يمين الاستيثاق أو الاستظهار: ليست هذه اليمين دليلاً في الإثبات، وإنما هي لزيادة التأكيد والاطمئنان وإقناع القاضي بصحة الأدلة المقدمة إليه؛ لأن القاضي يوجهها للاحتياط في الحكم. الشرح الكبير مع الدسوقي : ١٤٦/٤، ١٨٧، تبصرة الحكام بهامش فتح العلي : ٢٧١/١ ، الوجيز للغزالي : (١) ١٥٤/٢، مغني المحتاج: ٤٧٧/٤، الطرق الحكمية: ص ١٣٨ - ١٤٠. (٢) البدائع: ٢٢٩/٦، المبسوط: ١١٩/١٦، بداية المجتهد: ٤٥٤/٢، الشرح الكبير مع الدسوقي: ١٤٦/٤ وما بعدها ، حاشية الشرقاوي: ٥٠٢/٢، الطرق الحكمية: ص ١١٢، مغني المحتاج : ٤٧٨/٤ . - ٦٠٧ - المطلب السابع - أنواع الحقوق التي يجوز فيها اليمين : هناك حقوق يجوز فيها اليمين بالاتفاق، وحقوق لا يجوز فيها الیین اتفاقاً، وحقوق مختلف فيها على التفصيل التالي(١): ١ - اتفق الفقهاء على عدم جواز التحليف في حقوق الله تعالى المحضة، سواء أكانت حدوداً كالزنا والسرقة وشرب المسكرات، أم عبادات كالصلاة والصوم والحج والصدقة والنذر والكفارة، إلا إذا تعلق بها حق مالي لاّدمي فيجوز؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ولا يقضى فيها بالنكول عند الحنفية والحنابلة؛ لأنه بذل عند أبي حنيفة، وإقرار فيه شبهة العدم عند أحمد والصاحبين، والحدود لا تحتمل البذل، ولا تثبت بدليل فيه شبهة؛ لأن النكول قائم مقام الإقرار، ولا يجوز إقامة الحد بما يقوم مقام غيره. ولأنه لو أقر، ثم رجع ، قبل منه وخلي من غير يمين، فلأن لا يستحلف مع عدم الإقرار أولى، ولأنه يستحب ستره. وأما أن العبادات لا يستحلف فيها، فلأنها علاقة بين العبد وربه، فلا يتدخل فيها أحد، قال الإمام أحمد: ((لا يحلف الناس على صدقاتهم)) فإذا ادعى الساعي الزكاة على رب المال وأن الحول قد تم وكمل النصاب، فالقول عند أحمد قول رب المال من غير يمين . ونقل ابن قدامة عن الشافعي وأبي يوسف ومحمد أنه يستحلف؛ لأنها دعوى مسموعة، فتشبه حق الآدمي. أما إذا تعلق بالحدود وغيرها حق مالي للعباد كالمال في السرقة، فيجوز فيها الاستحلاف. ٣ - واتفق الفقهاء أيضاً على جواز اليمين في الأموال، وما يؤول إلى المال، (١) تبيين الحقائق: ٢٩٧/٤، تكملة فتح القدير: ١٦٢/٦، ١٦٥، البدائع: ٢٢٧/٦ ، الشرح الكبير مع الدسوقي : ٢٢٧/٤، الوجيز للغزالي: ١٦٠/٢، المهذب: ٣٠١/٢ وما بعدها، الطرق الحكمية: ص ١١٠ وما بعدها ، ١٢٤، المغني: ٢٣٧/٩ وما بعدها، البحر الزخار: ٤٠٤/٤ و١٣٣/٥، شرائع الإسلام: ٢١٤/٢، ٢٢٣ ، شرح النيل : ٥٨٣/٦ . - ٦٠٨ - فيحلَّف المدعى عليه إثباتاً ونفياً، لقوله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب عظيم﴾ وللحديث السابق عند الجماعة: ((لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى أناس دماء قوم وأموالهم، ولكن اليين على المدعى عليه)). ٣ - واتفق الفقهاء على جواز التحليف في الجنايات من قصاص وجروح وفي بعض مسائل الأحوال الشخصية. واختلفوا في بعض مسائل هذا النوع على أقوال ثلاثة : أ - فقال المالكية: إن التحليف غير جائز في النكاح فقط ؛ لأنه يجب فيه الشهادة والإعلان، فإذا لم يوجد الشهود لم يصح النكاح، فلا يقبل فيه اليمين لتحقق التهمة والكذب، ولأنه لو أقر بالنكاح لا يثبت ولا يلزم. ب- وقال الحنفية والحنابلة: يستثنى سبع مسائل لا يجوز فيها التحليف وهي النكاح والطلاق والنسب، والفيء في الإيلاء، والعتق، والولاء، والاستيلاد، وزاد الحنابلة القود؛ لأن القصد من توجيه اليمين هو النكول عن الحلف، والقضاء بناء عليه، والنكول بذل وإباحة وترك للمنازعة في رأي أبي حنيفة، صيانة عن الكذب الحرام، وهذه المسائل لا يجوز فيها البذل والإباحة، كما بينا سابقاً، ولأن النكول في رأي أحمد والصاحبين وإن جرى مجرى الإقرار، فليس بإقرار صحيح صريح، فلا يراق به الدم بمجرده، ولا مع يمين المدعي إلا في القسامة للَّوْث. فإن كان المقصود من الدعوى في هذه المسائل المال، فيستحلف المدعى عليه، ويثبت المال دون النكاح والنسب والرجعة، كأن تدعي امرأة على رجل أنه لم يدفع لها نصف المهر قبل الدخول، أو نفقة العدة بعد الدخول، فيحلف. جـ- وقال الشافعية والصاحبان وبرأيهما يفتى عند الحنفية، والشيعة الإمامية - ٦٠٩ - الفقه الإسلامي جـ ٦ (٣٩) والزيدية والإباضية: يجوز التحليف في هذه المسائل، ويحلف المنكر في إثباتها أو نفيها، للحديث السابق عند الترمذي: ((البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه)) يتناول بعمومه كل مدعى عليه، فإذا لم تتوافر البينة، حلف المدعى عليه على إنكاره حق المدعي. وقد حلف النبي مَ لّ ركانة بن عبد يزيد على طلاق امرأته فيا رواه البيهقي قائلاً له: ((والله ما أردتَ إلا واحدة؟ فقال ركانة: ((والله ما أردتُ إلا واحدة» فردها عليه . وهذا الرأي هو الراجح لدي لعموم النصوص وقوة الأدلة التي اعتمدوا عليها. المبحث الثالث - الإقرار يتضمن هذا المبحث المطالب الآتية : المطلب الأول- تعريف الإقرار وحجيته وحكمه. المطلب الثاني - ألفاظ الإقرار. الله تعالى. المطلب الثالث - شروط صحة الإقرار. المطلب الرابع - أنواع المقر به بشكل عام. المطلب الخامس - الإقرار بالأموال. المطلب السادس - الإقرار في حال الصحة وفي حال المرض. المطلب السابع - الإقرار بالنسب. المطلب الأول - تعريف الإقرار وحجيته وحكمه: الإقرار لغة: الإثبات، مأخوذ من قولهم: قرَّ الشيء يقر قراراً: إذا ثبت، وشرعاً: هو إخبار عن ثبوت حق للغير على نفسه. وبما أن الإقرار إخبار متردد بين الصدق والكذب، فكان محتملاً لهذين - ٦١٠ - الأمرين، إلا أنه جعل حجة بدليل معقول: وهو أنه ظهر رجحان الصدق على الكذب فيه؛ لأن الإنسان غير متهم فيما يقر به على نفسه، فإن المال محبوب المرء طبعاً، فلا يقر به لغيره كاذباً، فلم يكن في الإقرار تهمة وريبة. وأدلة حجيته من الكتاب والسنة والإجماع هي ما يلي: أما الكتاب: فقوله تعالى ﴿أأقررتم، وأخذتم على ذلكم إصري؟ قالوا: أقررنا﴾ فالله سبحانه طلب منهم الإقرار، ولو لم يكن الإقرار حجة، لما طلبه. وقوله سبحانه: ﴿ كونوا قوامين بالقسط شهداء الله ولو على أنفسكم﴾ قال المفسرون: شهادة المرء على نفسه إقرار. وقوله عز وجل: ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة ﴾ قال ابن عباس : أي شاهد بالحق. وأما السنة: فخبر الصحيحين في قصة العسيف: ((واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها)) فأثبت الرسول مجتم الحد بالاعتراف. وأما الإجماع: فإن الأمة الإسلامية أجمعت على صحة الإقرار، وكونه حجة من لدن رسول الله ع فلٍ إلى يومنا هذا من غير نكير. وبالقياس ثبتت الحجية أيضاً: وهو أننا إذا قبلنا الشهادة على الإقرار، فلأن نقبل الإقرار أولى. وحكم الإقرار: ظهور ما أقر به المقر، لا ثبوت الحق وإنشاؤه من أول الأمر،. ولذا لا يصح الإقرار بالطلاق مع الإكراه، مع أن الإنشاء يصح مع الإكراه عند الحنفية، فمن أقر لغيره بمال، والمقرله يعلم أنه كاذب في إقراره لا يحل له أخذه عن کره منه فیا بینه وبین الله تعالی. والإقرار حجة قاصرة على المقر، لا يتعدى أثره إلى غيره، لقصور ولاية المقر على غيره، فيقتصر أثر الإقرار على المقر نفسه. والإقرار أيضاً سيد الأدلة؛ لانتفاء - ٦١١ - التهمة فيه(١)، والإقرار يثبت الملك في الخبر به. وأما الشهادة فهي حجة مطلقة ثابتة في حق جميع الناس غير مقتصرة على المقضي عليه، لذا تسمى بالبينة لأنها مبينة يظهر بها الملك، لذا قال الحنفية: البينة أقوى من الإقرار. المطلب الثاني - ألفاظ الإقرار: الإقرار إما أن يكون بلفظ صريح أو بلفظ ضمني أو دلالة (٢). ١ - الإقرار بلفظ صريح: أن يقول إنسان: ((لفلان علي ألف درهم))؛ لأن كلمة (علي) كلمة تفيد الإيجاب والإلزام لغة وشرعاً، قال تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾. أو يقول لرجل: ((لي عليك ألف درهم)» فقال الرجل: نعم، لأن كلمتي ((نعم، وأجل)) ونحوهما للتصديق، قال تعالى: ﴿هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ قالوا : نعم ﴾. أو يقول: ((لفلان في ذمتي ألف درهم»؛ لأن ما في الذمة هو الدين، فيكون إقراراً بالدین . أو يقول: ((لفلان قبلي ألف درهم)) فهو إقرار بالدين على الأرجح؛ لأن القبالة هي الكفالة، قال الله سبحانه: ﴿والملائكة قبيلا﴾ أي كفيلا. والكفالة هي الضمان. قال عز وجل: ﴿وكفلَها زكريا﴾ على قراءة التخفيف: أي ضمن القيام - (١) راجع المبسوط: ١٨٤/١٧ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٢٧٩/٦ وما بعدها، الدر المختار: ٢٠٣/٤، ٤٦٧ ، اللباب: ٧٦/٢، مغني المحتاج: ٢٣٨/٢، المهذب: ٣٤٣/٢، المغني: ١٣٧/٥، مجمع الضمانات: ص ٣٦٤) (٢) المبسوط: ١٥/١٨، البدائع: ٢٠٧/٧ وما بعدها، المغني: ٢٠٠/٥، تكملة فتح القدير: ٢٩٦/٦. اللباب: ٧٨/٢ . - ٦١٢ - بأمرها، أو يقول: ((أليس لي عندك ألف درهم؟)) قال: بلى، كان إقراراً صحيحاً؛ لأن ((بلى)) جواب للسؤال بحرف النفي، قال تعالى: ﴿ألست بربكم؟ قالوا: بلى﴾. ولو قال رجل لآخر: «له في مالي ألف درهم» فهو إقرار له به في ماله. وهل يكون مضموناً أو أمانةً ؟ اختلف مشايخ الحنفية فيه: فقال الجصاص: إنه يكون إقراراً بالشركة بينه وبينه، فيكون القدر المقر به عنده أمانة؛ لأنه جعل ماله ظرفاً للمقر به، وهو الألف فيقتضي ذلك الخلط بين ماليهما، وهو معنى الشركة. وقال بعض مشايخ العراق: إن كان مال المقر محصوراً، أي محدداً في تجارة معينة، أو عمل معين، يكون إِقراراً بالشركة، وإن لم يكن محصوراً يكون إقراراً بالدين . والراجح كما في مختصر القدوري أنه يدل على الإقرار بالدين كيفما كان الأمر؛ لأن كلمة الظرف في مثل هذا تستعمل في الوجوب والالتزام، قال عليه الصلاة والسلام: «وفي الركاز الخمس)»(١). ولو قال رجل لآخر: ((له من مالي ألف درهم » لا يكون إقراراً، بل يكون هبة، وإذا كان هبة لا يملكها المخاطب إلا بالقبول والقبض ؛ لأنه ليس في هذا القول ما يدل على الالتزام في الذمة؛ لأن اللام في ((له)) للتمليك، والتمليك بغير عوض هبة. ولو قال: «له عندي درهم» فهو وديعة، لأن ((عندي)) لاتدل على التزام شيء في الذمة، بل هي كلمة تفيد الوجود، وليس لهذا المعنى دلالة على الالتزام. وكذلك لوقال: «لفلان معي، أو في منزلي، أو في بيتي، أو في (١) أخرجه أصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة (راجع نصب الراية: ٣٨٠/٢). - ٦١٣ _ صندوقي، أو في كيسي ألف درهم)) فهو وديعة؛ لأن هذه الألفاظ لا تدل إلا على قيام اليد أو الحيازة، وهذا المعنى لا يفيد الالتزام في الذمة، فلم يكن إقراراً بالدين ، فكانت وديعة، لتعارف الناس ذلك. ولوقال: ((لفلان عندي ألف درهم عارية)» فهو قرض؛ لأن «عندي)» تستعمل في الأمانات، وقد فسرت بالعارية، والمعروف أن عارية الدراهم والدنانير تكون قرضاً؛ إذ لا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاكها، وإعارة ما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه، يكون قرضاً في العرف. وكذلك كل ما يكال أو يوزن: يكون الإقرار بإعارته إقراراً بالقرض؛ إذ يتعذر الانتفاع به إلا باستهلاكه. ٢- الإقرار الضمني أو الإقرار دلالة: قد يكون الإقرار بلفظ يدل على التزام الشيء ضمناً أو دلالة، مثل أن يقول شخص لغيره: ((لي عليك ألف درهم)» فيقول: قد قضيتها؛ لأن القضاء يدل على تسليم مثل الواجب الملتزم به في الذمة، فيقضي سبق الالتزام بهذا المبلغ، ولا يثبت الوفاء إلا بالبينة. وكذا لو قال رجل لآخر: ((لي عليك ألف درهم)) فقال المخاطب: «أجلني بها)»؛ لأن التأجيل إنما يكون في حق واجب، ولو لم يذكر الضمير في هذا وفيا قبله، لا یکون إقراراً، لعدم انصرافه إلى الكلام المذكور. وفي دعوى الإبراء بأن قال: ((ابرأتني منها» مثل قوله: ((قد قضيتها)»؛ لأن الإبراء إسقاط، وهذا إنما يكون في مال واجب عليه. وكذلك دعوى الصدقة والهبة بأن قال: ((تصدقت بها علي أو وهبتها لي)) كان ذلك أيضاً إقراراً منه، مثل دعوى القضاء؛ لأن التمليك بالصدقة أو بالهبة يقتضي أسبقية الوجوب والالتزام. - ٦١٤ _ وكذلك لوقال: ((أجلتك بها على فلان)) يكون إقراراً أيضاً؛ لأنه يعني تحویل الدین من ذمة إلی ذمة، وذا لا یکون بدون التزام. ولو قال رجل لآخر: ((لي عليك ألف درهم» فقال: حقاً أو صدقاً، يكون إقراراً؛ لأن معناه تصديقه فيما يدعي عليه. الإقرار بالدين المقترن بلفظ آخر: كل ماذكرناه إذا كان لفظ الإقرار مطلقاً عن التقييد بشيء آخر، فإن اقترن بلفظ الإقرار لفظ آخر مخالف لمعنى اللفظ الأول(١)، بأن قال: ((لفلان علي ألف درهم وديعة)) يكون إقراراً بالوديعة بشرط اتصاله بالإقرار كالاستثناء؛ لأن قوله ((وديعة)» تغيير لحكم الإقرار من كون المال ديناً إلى كونه محفوظاً أمانة، وهذا بيان معتبر فيصح بشرط كونه موصولاً بالكلام السابق لا منفصلاً، كما هو الشرط في الاستثناء. فإن كان البيان منفصلاً عن الكلام السابق، بأن سكت، ثم قال: عنيت به الوديعة، لا يصح بيانه، ولا يصدق، ويكون إقراراً بالدين؛ لأن بيانه المتأخر خلاف ظاهر الكلام السابق، فلا يصدق به على الغير.) ولو قال: «علي ألف درهم وديعة قرضاً، أو وديعة ديناً، أو مضاربة قرضاً أو ديناً)) فهو إقرار بالدين؛ لأن الجمع بين اللفظين في معناهما ممكن ، بأن يكون الشيء في مبدأ الأمر أمانة، ثم يتغير حاله، فيصير مضموناً، إذ الضمان قد يطرأ على الأمانة كالوديعة إذا استهلكت ونحوها، والإنسان غيرمتهم على نفسه في الإقرار بالضمان . ولو قال: ((لفلان عندي أو معي ألف درهم قرضاً» فهو إقرار؛ لأنه بيان معتبر دال على أن وجود الألف عنده ليس أمانة، وإنما ديناً مضموناً. - ٦١٥ - ولو قال: «عندي كذا» وأعني به الإقرار: صُدِّق، وإن كان كلامه منفصلاً؛ لأن هذا إقرار على نفسه، فلا یتهم الإنسان فيه. ولو قال: «له من مالي ألف درهم لاحق لي فيها» فهو إقرار بالدين؛ لأن الألف التي لا حق فيها تکون دیناً إذ لو کانت هبة لكان له فيها حق. الإقرار المكتوب: لوادعى رجل على آخر مالاً، وأخرج بذلك خطأً بخط يده على إقرار له بالمال، وأنكر المدعى عليه أنه خطه، فاستكتب، فکتب، فكان بين الخطين مشابهة ظاهرة دالة على أنها خطا كاتب واحد، قال أئمة بخارى: إنه حجة يقضى بها، وقد نص محمد في المبسوط على أنه لا يكون حجة؛ لأنه لوقال: ((هذا خطي وأنا كتبته غير أنه ليس علي هذا المال)»: لا يلزمه شيء فهذا أولى. ولو كتب بخطه صكاً فقيل له: تشهد به؟ فقال: نعم، فيكون إقراراً، ولو لم يقل شيئاً: لا يكون إقراراً. ويعمل بدفتر السمسار والصراف والبياع؛ لأن كل واحد من هؤلاء لا يكتب في دفتره إلا ما له وعلیه(١) . تعالـ المطلب الثالث - شروط صحة الإقرار: اتفق الفقهاء على صحة الإقرار بحق من الحر البالغ العاقل المختار غير المتهم في إقراره(٢). ويصح إقرار العبد بجريمة تقتضي حداً أو قصاصاً، كما يصح إقرار العبد المأذون في التجارة والمعاملة بثمن الأشياء، والأجرة، والغصوب، والودائع، ويصح إقرار المكاتب في الأموال، ويصح عند الحنفية إقرار العبد المحجور بالمال، لكن مجمع الضمانات : ص ٣٧٠ وما بعدها . (١) (٢) البدائع : ٢٢٢/٧، تكملة فتح القدير: ٢٨١/٦، اللباب: ٧٦/٢، تبيين الحقائق: ٣/٥، الشرح الكبير للدردير: ٣٩٧/٣ وما بعدها، المهذب : ٣٤٣/٢، مغني المحتاج: ٢٣٨/٢، المغني: ١٣٨/٥، مجمع الضمانات: ص ٣٦٥ وما بعدها . - ٦١٦ - لا ينفذ على السيد في الحال، وإنما يطالب به العبد بعد العتق والحرية. ولا ينفذ عند الحنابلة إقرار العبد بالقصاص في النفس، وإنما يطالب به بعد العتق ولكن يصح الإقرار منه بالقصاص فيما دون النفس عندهم. وبالاتفاق لا يصح إقرار الصبي والمجنون والمكرَه والمتهم في إقراره. وعلى هذا تكون شروط الإقرار ما يلي: ١ - أهلية العقل: فلا يصح إقرار المجنون. ويعتبر البلوغ شرطاً عند الجمهور لصحة الإقرار، فلا يصح إقرار الصبي غير البالغ أيضاً، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتی یفیق))(١). وليس البلوغ شرطاً لصحة الإقرار عند الحنفية، فيصح إقرار الصبي العاقل بالديون والأعيان؛ لأنه من ضرورات التجارة. ٢- الطواعية أو الاختيار: فلا يصح إقرار المستكره، لقوله تع الى: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) وقد سبق تفصيل حكم إقرارات المستكره في بحث الإكراه. ٣ - عدم التهمة: يشترط ألا يكون المقر متهماً في إقراره، فإن اتهم بإقراره لملاطفة صديق ونحوه بطل الإقرار؛ لأن التهمة تخل برجحان الصدق على الكذب في إقراره، والإقرار يعتبر شهادة على النفس، والشهادة ترد بالتهمة، ودليل اعتباره شهادة قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾. ٤- أن يكون المقر معلوماً: فلو قال رجلان: ((لفلان على واحد منا ألف درهم)) .لا يصح الإقرار؛ لأن المقر إذا لم يكن معلوماً لا يتمكن المقرله من المطالبة بالدين، فلا يكون في هذا الإقرار فائدة، فلا يصح. (١) سبق تخريجه ، رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي عن السيدة عائشة، وصححه الحاكم، وأخرجه ابن حبان أيضاً . - ٦١٧ - فإذا أقر الحر البالغ العاقل لزمه إقراره عند الحنفية، سواء أكان المقر به مجهولاً أم معلوماً، ويقال له: بيِّن المجهول، فإذا لم يبين أجبره القاضي على البيان. والقول في البيان قول المقرمع يمينه، إن ادعى المقرله أكثر من الذي بينه، لإنكاره الزائد، واليمين على من أنكر. فإن قال: ((له علي مال)) فالمرجع في بيانه إليه، ويقبل قوله في القليل والكثير(١). المطلب الرابع - أنواع المقر به: المقر به عموماً نوعان: حقوق الله تعالى، وحقوق العباد(٢). أما حقوق الله تعالى: فنوعان عند الحنفية : أحدهما - أن يكون الحق خالصاً لله أي للمجتمع: وهو حد الزنا والسرقة وشرب الخمر ونحوه من المسكرات، والإقرار به صحيح. ولو رجع المقر عن إقراره بموجب الحد قبل إقامة الحد، بطل الحد، لاحتمال صدقه في الرجوع، فأورث رجوعه شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات. ويكفي في الإقرار أن يكون مرة إلا في الزنا عند الحنفية، فإنه يشترط أن يكون أربع مرات، كما حدث في إقرار ماعز بين يدي الرسول ماته ، وذلك خلافاً للقياس، فيقتصر على مورد النص. وقال أبو يوسف وزفر: يشترط تعدد الإقرار بأن يكون مرتين بعدد الشهود. ولكن روي أن أبا يوسف رجع عن هذا الرأي، ويلاحظ أن التعدد في الإقرار بالقذف ليس بشرط باتفاق الحنفية. (١) مجمع الضمانات: ص ٣٦٤ - ٣٦٦، الكتاب مع اللباب: ٧٦/٢. (٢) . راجع البدائع : ٢٢٣/٧ . - ٦١٨ - ويحكم بموجب الإقرار في الحدود، سواء تقادم العهد على حدوث مقتضى الحد، أم . لا ، إلا في شرب الخمر، فإنه لا يعتبر الإقرار عند أبي حنيفة وأبي يوسف بعد ذهاب الرائحة وتقادم العهد؛ لأن ابن مسعود جلد رجلاً وجد منه رائحة الخمر، ولم يجلده حتى تحقق من الرائحة . وقد سبق ذكر الحديث وتفصيل هذا الموضوع في مبحث حد الشرب الذي عرفنا فيه أن محمداً رحمه الله قال: يحد شارب الخمر بالإقرار أو بالشهادة، ولو بعد ذهاب الرائحة . الثاني - أن يكون للعبد فيه حق: وهو حد القذف. وقد ذكرنا في مبحث هذا الحد شروط صحة الإقرار بجريمة القذف والزنا وسائر الحدود . وأما حقوق العباد أي حقوق الأفراد، فأنواع: منها : حق طلب واستيفاء القصاص أو الدية. ومنها : الحق في الأموال النقدية، أو العينية. ومنها: الحق في الطلاق وحق الشفعة والنسب ونحوها. ولا يشترط لصحة الإقرار بهذه الحقوق الفردية ما يشترط للإقرار بحقوق الله تعالى من التعدد، وكونه في مجلس القضاء، والنطق بعبارة صريحة، وإنما يصح الإقرار فيها من الأخرس؛ كما لا يشترط لصحة الإقرار بها الصحو، فيصح إقرار السكران بها. وهذه الحقوق تثبت مع الشبهات، بخلاف حقوق الله تعالى. والشروط المختصة بالإقرار بحقوق العباد عند الحنفية هي ما يأتي(١). أولاً - أن يكون المقر له معلوماً، سواء أكان موجوداً أم حملاً في البطن : فلو كان (١) المبسوط: ١٩٦/١٧ وما بعدها، البدائع: ٢٢٣/٧ وما بعدها، تكملة الفتح القدير: ٣٠٤/٦ ، تبيين الحقائق: ١١/٥، الدر المختار: ٤٧٤/٤، اللباب: ٨٣/٢، مجمع الضمانات: ص ٣٦٩. - ٦١٩ - المقرله مجهولاً، بأن قال إنسان: ((لواحد من الناس علي ألف درهم)) لا يصح الإقرار؛ لأنه لا يملك أحد مطالبته بمقتضى إقراره. ولو قال: ((لحمل هند علي ألف درهم)): فإن عزى إقراره لسبب مقبول، يصلح لثبوت الملك له، من طريق إرث أو وصية(١)، كأن يقول: مات أبو الحمل، فورث الحمل هذا الألف، أو يقول: أوصى بالألف فلان لهذا الحمل، صح الإقرار، وكان المبلغ المقر به للحمل، أي الجنين بالاتفاق. وحينئذ إن جاءت هند هذه بالولد في مدة يعلم أنه كان قائماً وقت الإقرار، لزم المقر ما أقر به. وإن جاءت به ميتاً، فالمال للموصي والمورث؛ لأنه إقرار في الحقيقة لهما، وإنما ينتقل إلى الجنين بعد الولادة، ولم ينتقل في الواقع، فيقسم بين ورثة المورث. ولو جاءت بولدین حیین، فالمال بينهما . وإن بين المقر سبباً مستحيلاً في العادة لا يمكن حدوثه من الجنين، كأن قال: أقرضني أو باعني شيئاً، فالإقرار باطل لاغ اتفاقاً . وإن أبهم الإقرار، أي أطلقه، فلم يبين سبباً صالحاً يتصور لثبوت الملك للحمل كالإرث والوصية: لم يصح الإقرار عند أبي يوسف،قيل: وأبو حنيفة معه؛ لأنه لا يثبت للجنين شيء من الحقوق المالية، سواء أكان من جهة التجارة والمعاملة، أم من جهة الجناية، ومطلق الإقرار ينصرف إلى الإقرار بحق ثابت بسبب التجارة، فيعتبر أن المقر صرح به، وهو غير مقبول منه. وقال محمد والشافعي في الأظهر، ومالك وأحمد: يصح الإقرار للحمل إذا أطلقه المقر، أي لم يسنده إلى سبب كارث أو وصية، ويحمل إقراره على سبب الملكية (١) إذ أن أهلية الجنين أهلية وجوب ناقصة فلا يتمكن من ثبوت الحقوق المالية له إلا ما كان من طريق الإرث، أو الوصية ، أو الوقف ، كما هو معلوم . - ٦٢٠ -