Indexed OCR Text
Pages 581-600
- ولو شهد رجلان على آخر أنه قتل فلاناً عمداً، فقضى القاضي بالقصاص، واقتص منه أي قتل، ثم رجعا، لا يقتص منهما عند الحنفية، وهو الراجح عند المالكية، وإنما يضمنان الدية في مالهما في ثلاث سنين؛ لأنهما معترفان، والعاقلة لا تعقل الاعتراف. والدليل على أنه لا يقتص منها هو أنها لم يباشرا القتل، بل ولم يوجد منها - في تقدير الحنفية - تسبب بالقتل؛ لأن التسبب: ما يفضي إلى ما تسبب فيه غالباً، والشهادة لا تفضي إلى القتل غالباً، وإن أفضت إلى القضاء به، وإنما كثيراً ما يقضى بالقتل، ثم يتوسط الناس في الصلح على الدية(١). وقال الشافعية والحنابلة وبعض المالكية(٢): إذا رجع الشهود، وقد نفذ القصاص أو قتل الردة، أو رجم الزنا، أو الجلد أو القطع ومات المجلود أو المقطوع، وقال الشهود: تعمدنا الشهادة، فيقتص منهم، أو يلزمون بدية مغلظة في مالهم موزعة على عدد رؤوسهم، لتسببهم في إهلاك المشهود عليه، ولما روى الشعبي أن رجلين شهدا عند علي رضي الله عنه على رجل أنه سرق، فقطعه، ثم أتياه برجل آخر، فقالا: إنا أخطأنا بالأول، وهذا السارق، فأبطل شهادتها على الآخر، وضمنهما دية الأول، وقال: ((لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما)). وإن قال الشاهدان اللذان رجعا: أخطأنا، فعليهما الدية مخففة في أموالهما عند الحنابلة، لأن العاقلة لا تحمل الاعتراف، وعند الشافعية: عليهما نصف الدية، وعلى القاضي النصف الآخر، توزيعاً للدية على من باشر القتل ومن تسبب فيه. - ولو شهد أربعة على رجل بالزنا، وشهد آخران عليه بأنه محصن، ثم رجعوا بعد إقامة الرجم: فضمان الدية على شهود الزنا، ولا يجب شيء على شهود الإحصان؛ لأن الزنا علة الحكم، والإحصان شرط، والحكم يضاف إلى العلة أو السبب لا إلى الشرط. فتح القدير : ٩٥/٦ وما بعدها، البدائع: ٢٨٥/٦، الشرح الكبير : ٢٠٧/٤ . (١) (٢) مغني المحتاج : ٤٥٧/٤، المهذب : ٣٤٠/٢، المغني: ٢٤٧/٩. - ٥٨١ - وأما بالنسبة لحد القذف: فإن رجع جميع الشهود يحدون حد القذف، سواء رجعوا بعد القضاء بالرجم أو قبل القضاء. وإن رجع أحد الشهود بالزنا بعد الرجم: فإنه يحد حد القذف؛ لأن شهادته صارت قذفاً بإقراره، ويغرم ربع الدية، ويتحمل ثلاثة أرباع الدية الباقية الشهود الثلاثة الآخرون. وإن رجع واحد من الشهود بعد قضاء الحاكم بالرجم وقبل إقامة الحد، فإنهم يحدون جمیعاً عند أبي حنيفة وأبي یوسف؛ لأن رجوعه قبل إقامة الحد بمنزلة رجوعه قبل القضاء بالحد. وعند محمد: يحد الراجع وحده استحساناً؛ لأن كلام الشهود اعتبر شهادة بدلیل القضاء بموجبه، فلا ینقلب قذفاً إلا بالرجوع، ولم يرجع واحد منهم، فينقلب كلامه خاصة قذفاً، فلم يؤثر رجوعه بالنسبة للباقين، فيظل كلامهم شهادة . واتفق أئمة الحنفية ما عدا زفر على أنه إذا رجع أحد الشهود قبل القضاء بالرجم، فإن الشهود جميعاً يحدون حد القذف؛ لأن كلامهم لا يعتبر شهادة بالزنا إلا بقرينة القضاء به(١). المطلب الخامس - عقوبة شاهد الزور: إذا أقر الشاهد أنه شهد زوراً، فقال أبو حنيفة: يشهَّر به في الأسواق إن كان سوقياً، أو بين قومه إن كان غير سوقي، وذلك بعد صلاة العصر في مكان تجمع الناس، ويقول المرسل معه: إنا وجدنا هذا شاهد زور، فاحذروه، وحذّروه الناس. ولا يعزر بالضرب، أو بالحبس؛ لأن المقصود هو التوصل إلى الانزجار، وهو يحصل بالتشهیر، بل ربما يكون أعظم عند الناس من الضرب، فیکتفی به. (١) راجع البدائع: ٣٨٩/٦°. - ٥٨٢ _ وقال الصاحبان: نوجعه ضرباً، ونحبسه، حتى يتوب(١). ويوافق الشافعية رأي الصاحبين(٣)، قالوا: ومن شهد بالزور فسقٍ وردت شهادته؛ لأنها من الكبائر، بدليل ما روى خُرَيم بن فاتك قال: صلى رسول الله صَ ل صلاة الصبح، فلما انصرف، قام قائماً، ثم قال: عُدّلت شهادة الزور بالإشراك بالله، ثلاث مرات(٣)، ثم تلا قوله عز وجل: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾. وإذا ثبت أنه شاهد زور ورأى الإمام تعزيره بالضرب أو بالحبس أو الزجر، فعل، وإن رأى أن يشهر أمره في سوق ومصلاه وقبيلته، وينادى عليه أنه شاهد زور فاعرفوه، فعل، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((اذكروا الفاسق بما فيه ليحذره الناس))(٤) وشدد المالكية والحنابلة على شاهد الزور فقالوا: يعزر بالسجن والضرب ويطاف به في المجالس(٥). المطلب السادس - القضاء بشهادة غير المسلمين: شهادة غير المسلمين إما على بعضهم بعضاً ، وإما على المسلمين(٦). أولاً - شهادة غير المسلمين على بعضهم : للفقهاء رأيان في قبول شهادة الكفار على بعضهم : تبيين الحقائق : ٢٤١/٤ ، الكتاب مع اللباب : ٧٠/٤ وما بعدها . (١) المهذب : ٣٢٨/٢ وما بعدها . (٢) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن خريم بن فاتك بلفظ «عدت شهادة الزور والإشراك بالله ، ثلاث (٣) مرات .. إلخ)) ( الترغيب والترهيب : ٢٢١/٣ وما بعدها ) . رواه ابن أبي الدنيا وابن عدي والطبراني والخطيب عن معاوية بن حَيْدة بلفظ: ((اذكروا الفاجر بما فيه يحذره (٤) الناس)) وهو لا يصح ( كشف الخفا : ١١٤/١، ٢٤٢/٢). (٥) القوانين الفقهية لابن جزي: ص ٣٠٩ ، المحرر في الفقه الحنبلي لأبي البركات: ٣٥٥/٢ . المراجع السابقة في شروط الشهادة ، بداية المجتهد : ٤٥٢/٢ ، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن قيم : (٦) ص ١٧٦ - ١٩٣، ط السنة المحمدية، مقارنة المذاهب في الفقه للأستاذين السايس وشلتوت: ص ١٣١ - ١٣٧. - ٥٨٣ - ١ - فقال الحنفية: تقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض، بدليل الكتاب والسنة والمعقول. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب مَنْ إن تأمنه بقنطار يؤده إليك) فأخبر أن منهم الأمين على مثل هذا القدر من المال، ولا ريب أن الشهادة تعتمد على صفة الأمانة . وقوله تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ فأثبت لهم الولاية على بعضهم بعضاً، والولاية أعلى رتبة من الشهادة، وغاية الشهادة أن تشبه بها. وأما السنة: فما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنه: ((أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صَ لّه برجل منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله مَ ائل : ائتوني بأربعة منكم يشهدون، قالوا: وكيف؟ الحديث)) والذي في الصحيح: ((مُرَّ على رسول الله ◌ُلَّ بيهودي قد حُمِّم ، فقال: ما شأن هذا؟ فقالوا: زنى، فقال: ما تجدون في كتابكم؟ .. الحديث)) فأقام الحد بقولهم، ولم يسأل اليهودي واليهودية، ولا طلب اعترافهما وإقرارهما. وقد جاء في القصة أنه ◌ُ التّ قال لليهود: ((ائتوني بأربعة منكم يشهدون عليه)) فقد قبل النبي شهادتهم على الفعل وحكم بناء عليها. وأما المعقول: فهو أن الكفار يتعاملون فيما بينهم بأنواع المعاملات من المداينات وعقود المعاوضات وغيرها، وتقع بينهم الجنايات، ولا يحضرهم غالباً مسلم، فلو لم. تقبل شهادتهم عند ترافعهم وتحاكمهم إلينا، لأدى ذلك إلى تظالمهم وضياع حقوقهم. وللواحد منهم أن يزوج ابنته وأخته، ويلي مال ولده، وقد أجاز الله شهادة الكفار على المسلمين في السفر في الوصية للحاجة، وحاجتهم إلى قبول شهادة بعضهم على بعض أعظم بكثير من حاجة المسلمين إلى قبول شهادتهم عليهم. والكافر قد يكون عدلاً في دينه بين قومه، صادق اللهجة عندهم، فلا يمنعه كفره من قبول شهادته عليهم إذا ارتضوه. وقد أباح الله معاملتهم، وأكل طعامهم، - ٥٨٤ _ وحِلَّ نس ثهم، وذلك يستلزم الرجوع إلى أخبارهم قطعاً، فإذا جاز لنا الاعتماد على خبرهم في أمر الحلال والحرام، فلأن نرجع إلى أخبارهم في معاملاتهم أولى وأحرى. وأم ! فض قبول شهادة الحربي سى الذمي أو على الحربي من دار أخرى، فلانقطاع الولایة بینھما . ٣ - وقال الجمهور غير الحنفية: لا تقبل شهادة غير المسلمين مطلقاً، سواء اختلفت مللهم أم اتفقت. ونقل ابن القيم عن مالك : أنه تجوز شهادة الطبيب الكافر حتى على المسلم للحاجة . واستدلوا بأوجه هي : الأول - اشترط الله تعالى لقبول الشهادة العدالة في قوله سبحانه: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم ﴾ وغير المسلم ليس بعدل، واشترط أن يكون الشهود من المسلمين، في قوله: ﴿منكم﴾ وفي قوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء) وقوله: ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ وآيات كثيرة أخرى. وغير المسلم ليس منا ولا من رجالنا ولا من المرضیین عندنا . الثاني - إن الله تعالى وصف الكفار بالكذب ل الله وبالفسق، ولا شهادة الكاذب ولا فاسق، ومن كذب على الله، فهو أولى أن يكذب على مثله من إخوانه وأقرب، كما قال الشافعي. الثالث - إن قبول شهادتهم يؤدي إلى إلزام القاضي القضاء بشهادتهم، ولا يجوز أن يلزم المسلم بشهادة الكافر. الرابع - إن في قبول شهادتهم إكراماً لهم، ورفعاً لمنزلتهم وقدرهم، ورذيلة الكفر تحول دون إکرامهم . والراجح لدي رأي الحنفية لقوة أدلتهم، ولأن الله لم يمنع قبول قول الكفار على المسلمين للحاجة، بنص القرآن، ولم يمنع ولاية بعضهم على بعض، والقاضي ملزم - ٥٨٥ _ بالقضاء الحق عند ظهور الحجة الصادقة، وأما وصفهم بالكذب والفسق فهو بسبب ذات العقيدة لا لمجرد المعاملة، ولا يعد قبول شهادتهم إكراماً لكفرهم، فهذا من جملة المصالح التي لا غنى عنها. ثانياً - شهادة غير المسلمين على المسلمين : للفقهاء أيضاً رأيان في قبول شهادة غير المسلمين على المسلمين. ٦ - فقال الجمهور غير الحنابلة: لا تقبل شهادتهم على المسلمين؛ لأن الشهادة ولاية، ولا ولاية للكافر على المسلم، لقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرین علی المؤمنين سبيلا﴾. ٣ - وأجازها الحنابلة في الوصية في السفر للضرورة إذا لم يوجد غيرهم، وكذا في كل ضرورة حضراً وسفراً، لقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم، أو آخران من غيركم، إن أنتم ضربتم في الأرض، فأصابتكم مصيبة الموت﴾. وصح عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: ((هذا لمن مات، وعنده المسلمون فأمر الله أن يشهد في وصيته عدلين من المسلمين)) ثم قال تعالى: ﴿أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض) فهذا لمن مات، وليس عنده أحد من المسلمين، فأمر الله عز وجل أن يشهد رجلين من غير المسلمين. فإن ارتيب بشهادتها، استحلفا بعد الصلاة بالله: لا نشتري بشهادتنا ثمناً، وقضى به ابن مسعود في زمن عثمان، وكذلك علي، وقضى به أبو موسى الأشعري في الكوفة و کثیر من التابعين . وعن سعيد بن المسيب: ﴿أو آخران من غيركم﴾ قال: ((من أهل الكتاب)» وفي رواية صحيحة عنه: «من غير أهل ملتكم)). - ٥٨٦ - وصح عن شريح قال: ((لا تجوز شهادة المشركين على المسلمين إلا في الوصية. ولا تجوز في الوصية إلا أن يكون مسافراً)). وصح عن الشعبي: ﴿أو آخران من غيركم﴾ قال: ((من اليهود والنصارى». وأما ادعاء نسخ هذه الآية - فيما روي عن زيد بن أسلم وغيره - فيرده ماصح عن عائشة - فيما يرويه جبير بن نفير- أنها قالت: هل تقرأ سورة المائدة؟ قلت: نعم، قالت: فإنها آخر سورة أنزلت، فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه. فالحق أن الآية محكمة، وأن حكمها شرع دائم، وأن شهادة غير المسلمين جائزة مقبولة في الوصية إذا كان المسلم على سفر، ولم يجد أحداً من المسلمين. وقال ابن القيم: قال شيخنا ابن تيمية رحمه الله: وقول الإمام أحمد في قبول شهادتهم في هذا الموضع: «هو ضرورة)): يقتضي هذا التعليلُ قبولها في كل ضرورة حضراً وسفراً. الله تعالى المبحث الثاني - اليمين : يتضمن مطالب سبعة هي : الأول- تعريف اليمين ومشروعيتها والحلوف به. الثاني - صيغة اليمين القضائية وصفتها والنية فيها واليمين بالطلاق. الثالث - تغليظ اليمين باللفظ وبالزمان والمكان. الرابع- شروط اليمين. الخامس - أنواع اليمين. السادس - حكم اليمين . السابع - أنواع الحقوق التي تجوز فيها اليمين. - ٥٨٧ _ ١ المطلب الأول - تعريف اليمين ومشروعيتها والمحلوف به: اليمين مؤنث، وهي لغة: الحلف والقسم. واصطلاحاً بمعناها العام هي توكيد الشيء أو الحق أو الكلام إثباتاً أو نفياً بذكر اسم الله أو صفة من صفاته(١). أما تعريف اليمين القضائية لإثبات الدعوى فهي : تأكيد ثبوت الحق أو نفيه أمام القاضي بذكر اسم الله أو بصفة من صفاته. واليمين مشروعة بآيات كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ وقد أمر الله تعالى نبيه أن يقسم على الحق في ثلاثة مواضع من القرآن، والله تعالى لا يشرع محرماً. وبأحاديث كثيرة أيضاً، منها: قوله تع الى: ((لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه)» وفي رواية البيهقي: ((ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر))(٢). ومنها حديث يحذر من الحلف الكاذب ليقتطع به مال أخيه، ويدل على مافيه من إثم كبير، وهو من الكبائر، أخرج أصحاب الكتب الستة عن الأشعث بن قيس، قال: كان بيني وبين رجل ابن عم لي خصومة في بئر، فاختصنا إلى رسول الله مد لتٍ ، فقال: ((بيِّنتك أو يمينه))، قلت: إذا يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله مَ الله: ((من حلف على يمين هو فيها فاجر، ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله، وهو عليه غضبان)) فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم﴾. تبيين الحقائق : ١٠٧/٣، الشرح الكبير مع الدسوقي: ١٢٦/٢ وما بعدها ، حاشية القليوبي على شرح المحلي (١) للمنهاج: ٢٧٠/٤ ، كشاف القناع: ٢٣٦/٦. (٢) حديث حسن رواه البيهقي عن ابن عباس ، وبعضه في الصحيحين . - ٥٨٨ - وحلف عمر لأبي بن كعب على نخيل، ثم وهبه له، وقال: خفت إن لم أحلف أن يمتنع الناس من الحلف على حقوقهم، فتصير سنة. وأما المحلوف به: فقد اتفق الفقهاء على أن اليمين المنعقدة هي القسم بالله تعالى، أو بصفة من صفاته مثل: والله، ورب العالمين، والحي الذي لا يموت، ومن نفسي بيده، أو وعزة الله أو عظمته، ولا يجوز الحلف بغير الله تعالى، لقوله ماتل : ((ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً، فليحلف بالله أو ليصمت)) قال عمر: ((فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله مَ تعل نهى عنها ذاكراً ولا آثراً)) (١) أي حاكياً. ولقوله عليه السلام أيضاً: ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) وفي لفظ: ((فقد كفر)»(٣) وقوله فيما رواه النسائي: ((لا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون)). واكتفى الجمهور غير المالكية بلفظ الجلالة فقط، لقوله تعالى: ﴿ يحلفون بالله لكم ليرضوكم﴾ ﴿يحلفون بالله: ما قالوا﴾ ولاقتصاره ◌َ التّ على ذلك في يمينه بغزو قريش قائلاً: ((والله لأغزون قريشاً))(٣). وقال المالكية (٤): يضم إليه عبارة ((لا إله إلا هو)) لقوله ◌َ ◌ّ لرجل حلفه: 8 ((احلف بالله الذي لا إله إلا هو)»(٥). واليمين تنعقد بمجرد النطق بها ولو هزلاً؛ لأنها من الأحوال التي يستوي فيها الجد والهزل، فلا يقبل قول الحالف في القسم: لم أرد اليمين، لا في الظاهر، ولا فيما بينه وبین الله تعالى(٦). أخرجه الجماعة إلا النسائي عن ابن عمر ( نصب الراية : ٢٩٥/٣ ). (١) (٢) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم . رواه أبو داود عن ابن عباس ( نيل الأوطار: ٢٢٠/٨). (٣) المبسوط: ١٨/١٦، القوانين الفقهية: ص ٣٠٦، المهذب: ٣٢٢/٢، كشاف القناع: ٢٢٨/٦، المغني: ٢٢٦/٩ . (٤) (٥) رواه أبو داود بسند صالح والنسائي . المحلي على المنهاج : ٢٧٠/٤ . (٦) - ٥٨٩ - ولا تنعقد اليمين اتفاقاً إذا قال: إن شاء الله تعالى، بشرط كونه متصلاً باليين من غير سكوت عادي؛ لأن الاستثناء يزيل حكم اليين(١)، لقوله مال: ((من حلف، فقال: إن شاء الله، لم يحنث))(٢). ولا تدخل النيابة في اليمين، ولا يحلف أحد عن غيره، فلو كان المدعى عليه صغيراً أو مجنوناً، لم يحلف عنه، ووقف الأمر حتى يبلغ الصبي، ويعقل المجنون، ولم يحلف عنه وليه(٣). المطلب الثاني - صيغة اليمين القضائية وصفتها والنية فيها واليمين بالطلاق : صيغة اليمين: هي عند الجمهور أن يقول الحالف: والله، أو بالله، أو ورب العالمين، أو والحي الذي لا يموت، أو ومن نفسي بيده، ونحو ذلك من كل اسم الله مختص به سبحانه وتعالى كالإله، والرحمن، وخالق الخلق، أو يحلف بصفة من صفات الله الذاتية مثل: وعظمة الله أو عزته أو كبريائه أو كلامه أو مشيئته أو علمه أو قدرته أو حقه، إلا أن يريد بالحق العبادات، وبالعلم والقدرة المقدور والمعلوم، وبالبقية ظهور آثارها، فلا تكون يميناً لاحتمال اللفظ. والحلف بكتاب الله أو بالقرآن أو بالمصحف يمين باتفاق المذاهب الأربعة (٤)، والحلف بالتوراة أو الإنجيل ونحوهما من كتب الله المنزلة كالزبور يمين في رأي الحنابلة؛ لأن إطلاق اليمين ینصرف إلى المنزل من عند الله، دون المبدّل. وقال المالكية: صيغة اليمين لكل حالف في جميع الحقوق على المشهور هي : (١) المغني : ٢٣٧/٩ . رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: ٢١٩/٨). (٢) (٣) المغني: ٢٣٤/٩ وما بعدها ، المهذب : ٣٠٢/٢. بجيرمي الخطيب : ٣٠٠/٤ وما بعدها ، كشاف القناع : ٢٢٨/٦ وما بعدها .. (٤) - ٥٩٠ - ((بالله الذي لا إله إلا هو)). وأما يمين الكافر: فاتفق الفقهاء(١) على أن الكافر يحلف بالله كالمسلم؛ لأن اليمين لا تنعقد بغير اسم الله، للحديث المتقدم: «من حلف بغير الله فقد أشرك)) ولما رواه البخاري: ((من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال)). وسيأتي الكلام في تغليظ اليمين عليه، فتغلظ عليه في رأي الحنابلة والشافعية. وأما صفة اليمين أو الحلف على البت ونفي العلم(٢): فقد اتفق الفقهاء(٣) على أن الحالف يحلف على البت والقطع على فعل نفسه، سواء في حال الإثبات أم النفي، فيقول مثلاً: والله ما بعت أو ما اشتريت، أو لقد بعت أو اشتريت؛ لأن الإنسان أعلم بأحواله وأفعاله، فتكون يمينه حجة قاطعة. فالأيمان كلها على البت والقطع، إلا على نفي فعل الغير، فإنها على نفي العلم؛ لحديث ابن عباس المتقدم: ((أن النبي ◌َّ استحلف رجلاً، فقال له: قل: والله الذي لا إله إلا هو، ماله عليك حق)) وروى الأشعث بن قيس: ((أن رجلاً من كِنْدة ورجلاً من حضرموت اختصما إلى النبي ◌ُ ◌ٍّ في أرض من اليمن، فقال الحضرمي : يا رسول الله، إن أرضي اغتصبنيها أبو هذا، وهي في يده، قال: هل لك بيِّنة؟ قال: لا، ولكن أحلفه، والله العظيم ما يعلم أنها أرضي اغتصبنيها أبوه، فتهيأ الكندي لليمين))(٥). .، ... ففي حال الإثبات يحلف على فعل نفسه أنه فعل كذا، وفي حال النفي يحلف أنه ما فعل كذا. وأما ما يتعلق بفعل غيره، فإن كان إثباتاً، مثل أن يدعي أنه أقرض أو باع، ويقيم شاهداً بذلك، فإنه عند الجمهور غير الحنفية يحلف مع شاهده على البت البدائع: ٢٢٧/٦ وما بعدها ، تبيين الحقائق : ١٠٩/٤ القوانين الفقهية: ص ٣٠٦، مغني المحتاج: ٤٧٣/٤ ، (١) المهذب : ٣٢٢/٢، كشاف القناع : ٢٢٨/٦ وما بعدها . الحلف على البت : أي الحلف على القطع والجزم . ونفي العلم: هو نفي اليقين أنه لا يعلم كذا ، فيحلف بالله (٢) ماله على شيء . المغني: ٢٣٠/٩ - ٢٣٤، المهذب : ٣٢٢/٢. (٣) رواه أبو داود . (٤) - ٥٩١ - والقطع، فيقول: والله إنه باع؛ لأن حال الإثبات يستطيع الإنسان الاطلاع عليها. وإن كان على نفي العلم مثل أن يدعى عليه دين أو غصب أو جناية، فإنه يحلف على نفي العلم لا غير، فيقول: والله لا أعلم أنه مدين، أو لاأعلم أن له وارثاً غير فلان، بدليل قصة الحضرمي السابقة . وقال الحنفية والإمامية (١): يحلف الشخص في فعل غيره على نفي علمه مطلقاً، سواء أكان إثباتاً أم نفياً، لما ثبت في الصحيح أن النبي ◌ُ الّ حلف اليهود في القسامة: ((بالله ماقتلتم ولا علمتم له قاتلاً)) ولأن الإنسان لا علم له بفعل غيره ولا يدرك حقيقة تصرفاته، فيحلف على نفي العلم. النية في اليمين : اليمين غير القضائية التي يحلفها الحالف باختياره، أو يطلبها شخص منه دون أن يكون له عليه حق اليمين، تكون على نية الحالف في كل الأحوال، ويجوز للحالف التورية في يمينه، بأن يقصد فيها غير المعنى المتبادر من اللفظ أو ينوى فيها خلاف الظاهر، للحديث المشهور الذي رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن عمر: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى» وقد حكى القاضي عياض الإجماع على أن الحالف من غير استحلاف ومن غير تعلق حق بيمينه، له نيته و يقبل قوله . أما اليمين القضائية الموجهة من القاضي أو نائبه لفصل الخصومة والنزاع، فتكون باتفاق الفقهاء(٢) على نية المستحلف وهو القاضي، فلا يصح فيها التورية، ولا ينفع الاستثناء، لقوله مَ اللّ: ((يمينك على ما يصدقك به صاحبك)) وفي لفظ ((اليمين على نية المستحلف))(٢). قال ابن تيمية في منتقى الأخبار: وهو محمول على المستحلف البحر الرائق : ٢١٧/٧ ، المختصر النافع في فقه الإمامية : ص ٢٨٢ . (١) (٢) القوانين الفقهية: ص ٣٠٦ ، مغني المحتاج : ٤٧٥/٤، كشاف القناع: ٢٤٢/٦ . اللفظ الأول رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي . واللفظ الثاني رواه مسلم وابن ماجه ، عن أبي هريرة (٣) ( نيل الأوطار : ٢١٨/٨ ) . - ٥٩٢ - المظلوم. وقال النووي: أما إذا حلف بغير استحلاف، وورّى، فتنفعه التورية، ولا يحنث، سواء حلف ابتداء من غير تحليف، أو حلفه غير القاضي أو غير نائبه في ذلك، ولا اعتبار بنية المستحلف غير القاضي. واشترط الشافعية والحنابلة(١) شرطين في كون اليمين على نية المستحلف: ا - ألا يحلفه القاضي بالطلاق أو العتاق. ٣ - ألا يكون القاضي ظالماً أو جائراً في طلب اليمين. فإن حلفه بالطلاق أو علم من نفسه أنه على الحق، جازت التورية؛ لأن اليمين تكون غير فاجرة. اليمين بالطلاق أمام القضاء : قال جمهور الفقهاء على المفتى به عند الحنفية: إن اليمين بالطلاق لإثبات الحقوق وإنهاء الخصومات أمام القاضي حرام؛ لأن اليمين لا تكون إلا بالله، ولأن القسم لتعظيم المقسم به، ولا يجوز تعظيم غير الله. فإن طلبه الخصم، لم يجبه القاضي؛ لأنه حرام. وأجاز متأخروالحنفية الحلف بالطلاق إذا طلبها الخصم وألح فيها، أو كان الحالف لا ينزجر إلا بها ، لفساد الزمان، وقلة المبالاة بالحلف بالله تعالى. وأجاز بعض المالكية الحلف بالطلاق للتغليظ، عملاً بقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ((تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور)» ولأن الحاجة ماسة إليه. وأفتى الإمام مالك بعدم وقوع طلاق المكره حينما أراد أوائل الخلفاء العباسيين بأن يوثقوا بيعة الناس لهم بالأيمان والطلاق والعتاق، ويكرهون الناس على ذلك، وكان مالك يحدث بحديث: ((ليس على مستكره طلاق)) مما أغضب المنصور. (١) مغني المحتاج: ٤٧٥/٤، كشاف القناع: ٢٤٢/٦ . - ٥٩٣ _ الفقه الإسلامي جـ ٦ (٣٨) المطلب الثالث - تغليظ اليمين باللفظ وبالزمان والمكان: أجاز الفقهاء من السنة والشيعة ما عدا الحنابلة والظاهرية(١) تغليظ اليمين باللفظ، والتغليظ عند المالكية يكون بقول الحالف: ((بالله الذي لا إله إلا هو)» وعند الجمهور: ((بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الذي يعلم من السرما يعلم من العلانية)) ونحوه، لحديث ابن عباس المتقدم وقول النبي ◌ُ ◌ّع لرجل: ((احلف بالله الذي لا إله إلا هو، ماله عندك شيء)) وهذا هو الراجح لدي؛ لأن القصد باليمين الزجر عن الكذب، وهذه الألفاظ أبلغ في الزجر، وأمنع من الإقدام على الكذب. أما الظاهرية والحنابلة فلم يجيزوا تغليظ اليمين، ويكتفى بلفظ الجلالة فقط؛ لأنه يتضمن كل معاني الترغيب والترهيب، واقتصاراً على ما ورد في القرآن، مثل: ﴿فيقسمان بالله ﴾ وما ورد في السنة: ((من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)). واستحب الشافعية تغليظ اليمين إذا كانت يمين المدعي وهي اليمين المردودة أو مع الشاهد واليمين، أو يمين المدعى عليه وإن لم يطلب الخصم تغليظها، وذلك فيما ليس بمال، ولا يقصد به المال، كنكاح وطلاق ولعان وقصاص، ووصاية ووكالة، وفي المال البالغ نصاب الزكاة، لافيا دونه، لخطورته بدليل وجوب المواساة فيه، وعدم الاهتمام بما دونه. أما التغليظ بالزمان والمكان: فقد اختلف فيه الفقهاء على رأيين(٢): اً - فقال الحنابلة: إذا كان الحالف مسلماً، فيحلفه القاضي بالله تعالى من غير البدائع : ٢٢٧/٦، القوانين الفقهية: ص ٣٠٦ وما بعدها، المهذب: ٣٢٢/٢، مغني المحتاج : ٤٧٢/٤ ، المغني : (١) ٢٢٧/٩ وما بعدها، الروضة البهية : ١٥٩/٢، المحلى : ٤٦٨/٩ وما بعدها . (٢) المراجع السابقة . - ٥٩٤ _ تغليظ، اكتفاء بما ورد في القرآن الكريم: ﴿فآخران يقومان مقامها، من الذين استحق عليهم الأوليان، فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتها﴾ ولم يذكر مكاناً ولا زمناً، ولا زيادة في اللفظ. وقال الحنفية: إن شاء القاضي حلف الشخص من غير تغليظ، لما روي أن رسول الله تع حلف ركانة بن عبد يزيد بالله عز وجل: ما أردت ألبتة، ثلاثاً؟ وإن شاء غلظ ؛ لأن الشرع ورد بتغليظ اليمين في الجملة؛ لأنه طفلٍ حلف ابن صوريا الأعور، وغلظ. أما الكافر غير المسلم فتغلظ يمينه عند الحنابلة، وإن شاء القاضي عند الحنفية والشافعية وفي قول مرجوح عند المالكية، فإن كان الحالف يهودياً، أحلفه بالله الذي أنزل التوراة على موسى)) زاد الشافعية: ((ونجاه من الغرق)) وإن كان نصرانياً، أحلفه ((بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى)) وإن كان مجوسياً أو وثنياً أحلفه ((بالله الذي خلقه وصوره)). وإن كان لهم مواضع يعظمونها ويتوقَّوْن أن يحلفوا فيها كاذبين، حلّفوا فيها . ٢ - وقال المالكية والشافعية: يجوز تغليظ اليمين بالزمان والمكان مطلقاً للمسلم وغير المسلم، ثم اختلفوا في التغليظ بالمكان فقال المالكية: تغلظ اليمين بالمكان في القسامة واللعان، ويحلف الحالف إن كان في المدينة على منبر رسول الله مح ال، وإن كان في غير المدينة يحلف في مساجد الجماعات، ولا يشترط الحلف على المنبر في سائر المساجد، ويحلف قائماً. وتغليظ اليمين بالزمان يكون باللعان فقط دون غيره، فيكون بعد صلاة العصر. وقال الشافعية: يحلف المسلم في مكة بين الركن والمقام، وفي المدينة عند منبر رسول الله صلّ، وفي سائر البلدان في الجوامع عند المنبر- خلافاً للمالكية - وفي بيت - ٥٩٥ - المقدس عند الصخرة. وتغلظ في الزمان بالاستحلاف بعد العصر. وهذا هو الراجح لدي لقوة أدلتهم. ويندب عندهم تغليظ يمين المدعي (اليمين المردودة أو مع الشاهد واليمين) ويمين المدعى عليه وإن لم يطلب الخصم تغليظها فيما ليس بمال ولا يقصد به المال كنكاح وطلاق ولعان وقود وعتق وإيلاد ووصاية ووكالة، وتغلظ في مال يبلغ نصاب الزكاة . واستدلوا على جواز التغليظ بالكتاب والسنة والآثار والقياس. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿تحبسونها من بعد الصلاة، فيقسمان بالله﴾ والمراد من بعد صلاة العصر، كما قال ابن عباس وجماعة من التابعين. وأما السنة: فقوله سَ لّم: (( لا يحلف أحد على يمين آثمة عند منبري هذا، ولو على سواك أخضر، إلا تبوأ مقعده من النار، أو وجبت له النار)»(١). وما روى عبد الرحمن بن عوف: ((أنه رأى قوماً يحلفون بين المقام والبيت، فقال: أعلى دم؟ فقالوا: لا ، فقال: أفعلى عظيم من المال؟ قالوا: لا، قال: خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام))(٢). وأما الآثار فكثيرة منها: أن عمر رضي الله عنه استحلف رجلاً بين الركن والمقام، عندما قال لامرأته: حبلك على غاربك. ومنها أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أحلف نفيس بن ملوّح في قتل على المنبر خمسين يميناً. وأما القياس: فقد قاسوا التغليظ بالزمان والمكان على التغليظ باللفظ، والتغليظ في أيمان القسامة واللعان، بجامع الزجر في كلٍ، بل إن التغليظ بالزمان والمكان أشد زجراً، فجاز بالأولى. (١) رواه البيهقي ومالك وأحمد وأبو داود والنسائي عن جابر . (٢) رواه الشافعي والبيهقي . - ٥٩٦ - المطلب الرابع - شروط اليمين : اشترط الفقهاء بالاتفاق(١) ستة شروط في اليمين القضائية، واختلفوا في شرطين. أما المتفق عليها فهي ما يأتي: أ - أن يكون الحالف مكلفاً (بالغاً عاقلاً) مختاراً: فلا يحلف الصبي والمجنون، ولا تعتبر يمين النائم والمستكره. ٣ - أن يكون المدعى عليه منكراً حق المدعي: فإن كان مقراً فلا حاجة للحلف. ٣ - أن يطلب الخصم اليمين من القاضي وأن يوجهها القاضي إلى الحالف: لأن النبي ◌ُّ التّ استحلف رُكانة بن عبد يزيد في الطلاق، فقال: ((آلله ما أردت إلا واحدة)) فقال ركانة: ((والله ما أردت إلا واحدة))(٣). ٤ - أن تكون اليمين شخصية: فلا تقبل اليمين النيابة، لصلتها بذمة الحالف ودینه، فلا يحلف الو کیل أو ولي القاصر، ويوقف الأمر حتى يبلغ. ٥ - ألا تكون في الحقوق الخالصة لله تعالى كالحدود. ٦ - أن تكون في الحقوق التي يجوز الإقرار بها: للحديث المتقدم: ((واليمين على من أنكر)) فلا تجوزاليمين في الحقوق التي لا يجوز الإقرار بها، فلا يحلف الوكيل والوصي والقيم؛ لأنه لا يصح إقرارهم على الغير. واشترط أبو حنيفة أيضاً أن يكون المدعى به مما يحتمل البذل، فلا تصح اليمين في النسب والنكاح والرجعة والفيء في الإيلاء ونحوها . البحر الرائق: ٢٠٢/٧، البدائع: ٢٢٦/٦ وما بعدها ، بداية المجتهد : ٤٥٥/٢ وما بعدها ، الشرح الكبير مع (١) الدسوقي : ١٤٥/٤ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٠٦، ط فاس، مغني المحتاج: ٤٧٥/٤ وما بعدها ، كشاف القناع: ٢٣٢/٦ وما بعدها ، المغني: ٢٣٤/٩. (٢) رواه البيهقي وأبو داود والترمذي . - ٥٩٧ - وأما المختلف فيه من الشروط فهو اثنان : ١ - العجز عن البينة أو فقدها عند الجمهور غير الشافعية: فإذا كانت البينة حاضرة في مجلس القضاء، فلا يصح تحليف المدعى عليه، وكذلك لا يصح التحليف عند أبي حنيفة إذا كانت البينة في بلد القاضي. وأجاز الصاحبان والحنابلة التحليف حينئذ. ودليلهم على هذا الشرط الحديث السابق: ((بيِّنتك وإلا فيينه)) فإن حق المدعي في اليمين مرتب على عجزه عن إقامة البينة. ولم يشترط الشافعية هذا الشرط، عملاً بحديث: ((البينة على من المدعي واليمين على من أنكر)) فاليمين حق المدعي وواجبة على المدعى عليه، ولأنه يحتمل أن يقر المدعى عليه، فيستغني المدعي عن إقامة البينة. ٣ - الخلطة بين المتخاصمين بالتعامل في رأي المالكية: حتى لا يتطاول السفلة على أصحاب المكانة والفضل، باستدعائهم إلى المحاكم، وطلب اليمين منهم أو الحكم عليهم بالنكول، وتثبت الخلطة بشهادة اثنين على التعامل مرتين أو ثلاثاً. واشترطوا في غير المال وجود شاهد واحد حتى يصح توجيه اليمين، كالطلاق والرجعة والخلع والوكالة والوصية والنسب والإسلام والردة. واستثنوا من اشتراط الخلطة أو وجود الشاهد لتوجه اليمين ثمان مسائل هي: صاحب الصنعة مع عماله، والمتهم بين الناس، والضيف في ادعائه أو الادعاء عليه، والمسافر مع رفقته في الوديعة أو غيرها، وادعاء الإيداع عند شخص، وادعاء شيء معين كثوب بعينه، وادعاء مريض في مرض موته على غيره بدين ، وادعاء بائع على شخص حاضر المزايدة أنه اشترى سلعته بكذا والحاضر ينكر الشراء، فتتوجه اليمين في هذه الحالات، ولو لم تثبت خلطة. ولم يشترط هذا الشرط باقي المذاهب، وهو الراجح لدي، لحديث: ((واليمين على من أنكر)). - ٥٩٨ - المطلب الخامس - أنواع اليمين: الأصل العام في توزيع طرق إثبات الحق بين الخضين المتنازعين أمام القضاء: أن يطالب المدعي بالبينة أو الشهادة، ويطالب المدعى عليه باليمين عند العجز عن البينة في رأي الجمهور غير الشافعية كما بينا، فالبينة حجة المدعي، واليمين حجة المدعى عليه، واليمين تُشرع في حق كل مدعى عليه، سواء أكان مسلماً أم كافراً، عدلاً أم فاسقاً، امرأة أم رجلاً(١)، لقول النبي ◌ُ له: ((البينة على المدعي، واليمين على المدعى علیه». وقد اختلف الحنفية(٢) في تحديد المدعي والمدعى عليه، فقال بعضهم: المدعي: من إذا ترك الخصومة لا يجبر عليها، والمدعى عليه: من إذا ترك الجواب يجبر علیه . وقال بعضهم: المدعي : من يلتمس قبل غيره لنفسه عيناً أو ديناً أو حقاً. والمدعی علیه : من يدفع ذلك عن نفسه . وقال بعضهم: ينظر إلى المتخاصمين، أيهما كان منكراً فالآخر يكون مدعياً . وقال بعضهم: المدعي : من يخبرعما في يد غيره لنفسه، والمدعى عليه: من يخبر عما في ید نفسه لنفسه . والأظهر عند الشافعية (٣): أن المدعي من يخالف قوله الظاهر: وهو براءة الذمة، والمدعى عليه: من يوافق قوله الظاهر. واليمين بحسب الحالف أنواع ثلاثة: يمين الشاهد، ويمين المدعى عليه! ويمين المدعي . (١) البدائع: ٢٢٥/٦، المغني: ٢٢٧/٩ . (٢) البدائع : ٢٢٤/٦ . مغني المحتاج : ٤٦٤/٤ . (٣) - ٥٩٩ - ١ - يمين الشاهد: هي اليين التي يحلفها الشاهد قبل أداء الشهادة للاطمئنان إلى صدقه، وهي التي يلجأ إليها في عصرنا بدلاً من تزكية الشاهد. وقد آجازها المالكية والزيدية والظاهرية وابن أبي ليلى وابن القيم، لفساد الزمان وضعف الوازع الديني، ومنعها الجمهور(١). ٣ - يمين المدعى عليه: وتسمى اليمين الأصلية أو الواجبة أو الدافعة أو الرافعة. وهي التي يحلفها المدعى عليه بطلب القاضي بناء على طلب المدعي لتأكيد جوابه عن الدعوى. وهي حجة المدعى عليه للحديث المتقدم: ((ولكن اليمين على المدعى عليه))(٣). ٣ - يمين المدعي: وهي عند الجمهور غير الحنفية اليمين التي يحلفها المدعي لدفع التهمة عنه، أو لإثبات حقه، أو لرد اليمين عليه. وهي ثلاثة أنواع(٣). الأول - اليمين الجالبة: وهي التي يخلفها المدعي لإثبات حقه، إما مع شهادة شاهد واحد، وهي اليمين مع الشاهد، وإما بسبب نكول المدعى عليه عن اليمين الأصلية وردها إلى المدعي ليحلف، وهي اليمين المردودة، وإما لإثبات تهمة الجناية · على القاتل، وهي أيمان القسامة، وإما لنفي حد القذف عنه وهي أيمان اللعان، وإما لتأكيد الأمانة، فالقول قول الأمین بیینه کالوديع والوكيل، إذا ادعى الرد على من ائتمنه، إلا المرتهن والمستأجر والمستعير، فلا يصدقون إلا بالبينة؛ لأن وجود الشيء في يدهم أو حيازتهم كان لمصلحة أنفسهم . الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص ٩٢، ط ١٣٢٢ هـ، فتح العلي المالك للشيخ عليش: ٣١١/٢، مخطوط (١) الحاوي الكبير للماوردي: ١٣/ق ٤٨ ب ، ٤٩ أ، الطرق الحكمية لابن قيم: ص ١٤٢ وما بعدها ، البحر الزخار : ١٨/٥، المحلى : ٤٦٢/٩، مغني المحتاج : ٤٧٦/٤ . (٢) البدائع: ٢٢٥/٦، تهذيب الفروق: ١٥١/٤، الفرق ٢٤٠، مغني المحتاج: ٤٦٨/٤، المغني: ٢٢٤/٩ ، الطرق الحكمية: ص١١٣، ١٤٣، ١٤٧، القوانين الفقهية: ص ٣٠٦ . (٣) المراجع السابقة . - ٦٠٠ -