Indexed OCR Text

Pages 541-560

العقد الثاني؛ لأن هذا بيع للعقار المبيع قبل قبضه، وهذا البيع غير جائز عند محمد، كما
هو معروف في عقد البيع.
وإذا صح العقدان بحسب الافتراض الأول، فيبقى الشيء في يد الحائز صاحب
اليد، فيؤمر بتسليمه إلى الخارج.
وأما إذا أرخا، وتاريخ أحدهما أسبق، ولم تذكر البينتان قبضاً: فإنه يقضى
لصاحب البيع المتأخر وقتاً، والبيع الثاني ينقض البيع الأول عند أبي حنيفة وأبي
یوسف .
وعند محمد: یقضی للخارج؛ لأن بيعه إذا كان أسبق، افترض كأنه اشترى الدار
أولاً، ولم يقبضها، ثم باعها لصاحب اليد، وبيع العقار قبل القبض لا يجوز عنده،
وإذا لم يجز بقي المبيع على ملك الخارج. أما عند أبي حنيفة وأبي يوسف، فيجوز،
فصح البيعان ويقضى بالشيء لصاحب اليد.
وإذا كان بيع صاحب اليد أسبق: فيقضى بالدار للخارج اتفاقاً؛ لأنه إذا كان
وقته أسبق يجعل سابقاً في الشراء، كأنه اشترى من الخارج وقبض، ثم اشترى منه
الخارج ولم يقبض، فيؤمر بتسليم الدار إليه.
وأما إن أثبتا القبض بالبينة: فقد تهاترت البينتان أي تساقطتا عند أبي
حنيفة وأبي يوسف، ويقضى بالدار قضاء ترك لمن كانت الدار في يده.
وقال محمد: يقضى بالدار لمن كانت في يده قضاء حقيقة، وتحصل مقاصة بین ثمن
البيع الأول وثمن البيع الثاني، فمن زاد له أخذ الزيادة من صاحبه، كأن الخارج
اشترى الدار من الداخل صاحب يد، فقبضها ثم اشتراها الداخل منه، وقبض،
تصحيحاً لتصرف الإنسان؛ لأنه مهما أمكن أن يجعل القبض قبض بيع، يجعل.
- ٥٤١ _

٢ - التنازع بين الخارجين على ما في يد شخص ثالث:
نجد في هذه الحالة افتراضين :
أولاً - أن يدعي الخارجان الشراء من شخص واحد على صاحب اليد:
إذا ادعى اثنان داراً عند إنسان آخر، كان قد اشتراه كل منهما من واحد معين،
وأقاما البينة على الشراء منه بثمن معلوم، ونقد الثمن :
قال الحنفية(١): فإن لم يذكرا تاريخاً للشراء ولا قبضاً للمبيع: يقضى
بالدار بينهما نصفين ويثبت لهما الخيار كما سنبين؛ لاستوائهما في سبب الاستحقاق،
وقبول محل النزاع للاشتراك فيه.
وقال الشافعية: تعارضت البينتان، فتساقطتا، لتناف بين موجبيهما
ومقتضاهما، فكأنه لا بينة، فيحلف كل منهما يميناً على نفي كونه للآخر بأن يقول:
إن هذا الشيء ليس لك، ثم يجعل الشيء بينهما أي يقسم بينهما نصفين لقضائه محلّ
بذلك، كما صححه الحاكم على شرط الشيخين. وفي قول: يقرع بينهما(٢).
ثم قال الحنفية: أما إذا أرخا، وتاريخ أحدهما أسبق: فيقضى
للأسبق؛ لأن بينته تظهر الملك له في وقت لا تعارضه فيه بينة الآخر، أي أن الأسبق
أثبت الشراء في زمان لا ينازعه فيه أحد، فاندفع الآخر به.
ولو أرخت بينة أحدهما دون الآخر: فيقضى لصاحب الوقت، لثبوت
ملكه في ذلك الوقت، فاحتمل الآخر أن يكون قبله أو بعده، فلا يقضى له بالشك.
البدائع: ٢٣٧/٦، تكملة فتح القدير : ٢٢١/٦ وما بعدها ، الدر المختار : ٤٥٦/٤، اللباب : ٣٤/٤ وما بعدها .
(١)
(٢)
مغني المحتاج: ٤٨٠/٤، حاشية الباجوري على متن أبي شجاع: ٣٥٩/٢ .
- ٥٤٢ -

ولو لم تؤرخ البینتان، أو أرخت إحداهما دون الأخرى، أو كان
تاريخهما سواء، ولكن كان مع أحدهما قبض: أي أن القبض ثابت في يده
معاينة: فهو أولى بالشيء المتنازع عليه، لأن تمكنه من قبضه يدل على سبق شرائه،
ولأن المتداعيين استويا في إثبات الشراء بالبينة، والقبض أمر مرجح، فلا تزول اليد
الثابتة بالشك. هذا .. إلا أن تشهد بينة التاريخ أن شراءه قبل شراء الآخر فيقضى
له، ويرجع الآخر بالثمن على البائع.
والخلاصة: أن بينة ذي اليد أولى من بينة غير القابض في دعوى الملك بسبب،
خلافاً لحالة دعوى الملك المطلق، فإن بينة الخارج أولى.
وإذا ادعى اثنان على ثالث ذي يد، أحدهما يدعي شراء منه، والآخر هبة
وقبضاً، وأقاما البينة على ذلك، ولا تاريخ معهما، فالشراء أولى؛ لأنه أقوى، لكونه
معاوضة من الجانبين؛ ولأنه يثبت بنفسه بخلاف الهبة، فإنه يتوقف على القبض.
وإن ادعى أحدهما الشراء وادعت امرأة أنه تزوجها على هذا الشيء، فهما سواء
الاستوائهما في القوة؛ لأن كلاً منهما معاوضة من الجانبين، ويثبت الملك لنفسه. وإن
ادعى أحدهما رهناً وقبضاً، والآخر هبة وقبضاً، فالرهن أولى؛ لأن المرهون مضمون،
والموهوب غير مضمون وعقد الضمان أولى .
ثانياً - أن يدعي كل واحد من الخارجين الشراء من رجل غير الذي
ادعى عليه صاحبه :
إذا ادعى شخصان داراً في يد شخص آخر، وأقام كل واحد منهما البينة على أنه
اشتراها من شخص غير الذي ذكره صاحبه سوى صاحب اليد: يقضى بله بينهما
نصفين؛ لأن المشتريين قاما مقام البائعين، كأنها حضرا، وأقاما البينة على ملك
مطلق، ولو كان الأمر كذلك يقضى به بينهما نصفين، فكذا هذا، ويثبت لهما الخيار
کما سنبین.
- ٥٤٣ _

ولو أرخا وكان تاريخهما سواء أو أرخت بينة أحدهما ولم تؤرخ الأخرى: يقضى
به بينهما نصفين أيضاً. وإن كان تاريخ أحدهما أسبق من الآخر، فالأسبق تاريخاً
أولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وكذا عند محمد في رواية الأصول بخلاف الميراث: إنه
یکون بینھما نصفین عنده .
والفرق بالنسبة لمحمد بين الميراث والشراء: هو أن المشتري يثبت الملك لنفسه،
والوارث يثبت الملك للميت.
وفي رواية عن محمد في الإملاء: أنه سوى بين الميراث والشراء، وقال: لا عبرة
بالتاريخ في الشراء أيضاً، إلا أن يؤرخ المدعيان ملك البائعين(١).
ثبوت الخيار لمن يقضى لهما : في حالة القضاء بالدار بين المتداعيين
الخارجين مناصفة، سواء في ادعاء الشراء من واحد أو من اثنين: يثبت الخيار لكل
واحد من مدعبي الشراء: إن شاء أخذ كل واحد منهما نصف الدار بنصف الثمن، وإن
شاء ترك لتفريق الصفقة عليه؛ لأن غرض كل واحد من المتداعيين الوصول إلى شراء
جميع المبيع، ولم يحصل له شراؤه، مما ترتب عليه حدوث خلل في رضا كل منهما ، فلا
يرضى بالنصف مشتركاً مع الآخر، فأثبت لهما الخيار.
فإن اختار كل واحد منهما أخذ نصف الدار، رجع على البائع بنصف الثمن؛ لأنه
لم يحصل له في ملكه إلا نصف المبيع.
وإن اختار كل منهما رد المبيع ونقض البيع، رجع كل واحد منهما بجميع الثمن
على البائع؛ لأنه انفسخ البيع .
وإن اختار أحدهما الرد، والآخر الأخذ: فإن حدث هذا قبل تخيير الحاكم لهما،
(١) راجع البدائع: ٢٣٨/٦.
- ٥٤٤ _

والحكم لهما نصفين، فللآخر أن يأخذ جميع المبيع بجميع الثمن؛ لأن المستحق له بالعقد
كل المبيع، وامتناع استحقاقه للكل بسبب مزاحمة الآخر له، فإذا زالت الخصومة فقد
زال المانع من الاستحقاق، فیأخذه کله.
وأما إن حدث ذلك بعد قضاء القاضي وتخييره إياهما: فليس له أن يأخذ إلا
النصف بنصف الثمن؛ لأنه بحكم القاضي ينفسخ العقد بالنسبة لكل واحد منهما في
النصف، فلا يعود إلا بالتجديد(١).
الحالة الثالثة - دعوى الملك بسبب النتاج:
النتاج: هو ولادة الحيوان، مشتق من فعل (نُتجت) المبني للمجهول: يعني
ولدت ووضعت. والمراد هنا: ولادة الحيوان في ملك الإنسان نفسه أو في ملك بائعه،
أو في ملك مورثه.
إذا تنازع رجلان في دابة مثلاً، فادعی کل واحد منهما أنها ملکه دون صاحبه،
وأقام كل واحد منهما بينة أنها له نُتجت عنده أو عند بائعه أو عند مورثه، فكيف
يقضي القاضي بينهما ؟
نجد هنا ثلاثة افتراضات نذكر حكمها عند الحنفية :
أولاً - أن يدعي الخارج وصاحب اليد نتاج أي (منتوج) دابة، ويقيم
كل واحد منهما بينة على النتاج من غير تاريخ، أو أرخا تاريخاً واحداً: فصاحب اليد
أولى؛ لأن صاحب اليد لا يستحق الملك هنا بظاهر يده فقط، وإنما تثبت بينته
شيئاً آخر عدا الحيازة باليد، وهو أولية الملك بالنتاج؛ لأن النتاج لا يتكرر حدوثه،
كما تُثبت بينة الخارج، فاستوت البينتان في إظهار أولية الملك، وترجحت بينة ذي .
(١) البدائع: ٢٣٧/٦، تكملة فتح القدير: ٢٢١/٦ وما بعدها.
- ٥٤٥ _
الفقه الإسلامي جـ ٦ (٣٥)

اليد باليد، فيقضى له. وذلك بخلاف الملك المطلق فهناك لا تُثبت بينته إلا ما هو
ثابت له بظاهر يده، باعتبار أن الملك ينتقل ويتكرر حدوثه.
وفي هذا ورد حديث جابر: «أن رجلین اختصا في ناقة، فقال كل واحد منهما:
نتجت هذه الناقة عندي، وأقاما بينة، فقضى بها رسول الله يؤثرٍ للذي هي في يده))(١)
ويقضى في ظاهر مذهب الحنفية لصاحب اليد قضاء حقيقة، لا أن يترك في يده
قضاء ترك. وهو موافق لمذهب الشافعية.
وقال عيسى بن أبان: تتهاتر البينتان ويترك المدعى به في يد صاحب اليد
قضاء ترك (٢).
ثانياً -أن يقيم أحد المتنازعين البينة على النتاج، والآخر على
الملك المطلق عن النتاج:
إذا أقام أحد المتخاصمين البينة على النتاج، والآخر على الملك المطلق عن
النتاج، بأن قال: هو ملكي، فبينة النتاج أولى، سواء أكان خارجاً أم ذا يد، لما ذكرنا
أنها تثبت أولية الملك لصاحبه، فلا تثبت لغيره إلا بالتلقي منه(١).
ثالثاً - ادعاء النتاج من الخارجين على ثالث يدعي ملكاً مطلقاً:
إذا ادعى الخارجان النتاج وهو في يد شخص ثالث يدعي ملكاً مطلقاً: فهو
بين الخارجين نصفين، لاستوائهما في سبب الاستحقاق.
فإن أرخت البينتان، واتفق تاريخها، فيقضى بالمدعى به أيضاً نصفين، لسقوط
اعتبار الوقتين بالتعارض.
(١) رواه الدارقطني والبيهقي وإسناده ضعيف .
(٢)
راجع المبسوط: ٦٣/١٧، البدائع: ٢٣٤/٦، تكملة فتح القدير: ٢٣٥/٦، الدر المختار: ٤٥٩/٤، اللباب :
٣٥/٤ ٠
البدائع ، المرجع السابق ، تكملة فتح القدير : ٢٣٧/٦ .
(٣)
- ٥٤٦ _

وإن اختلف التاريخان يحكَّم سن الدابة: فيقضى لصاحب الوقت الذي يوافقه
سن الدابة إن علم سنها؛ لأنه ظهر أن البينة الأخرى كاذبة بيقين.
فإن أشكل السن، كانت الدابة بينهما نصفين؛ لأنه سقط اعتبار التاريخ، وجعل .
كأنها لم يذكرا تاريخاً؛ لأنه يحتمل أن يكون منها موافقاً لتاريخ أحدهما أو مخالفاً لهما.
وإن خالف سنها الوقتين جميعاً، سقط اعتبار التاريخ في ظاهر الرواية؛ لأنه ظهر
بطلان اعتبار التوقيت، فكأنها لم يؤقتا ، فبقيت البينتان قائمتين على ملك مطلق.
وذكر الحاكم الشهيد في مختصره (الكافي) أنه تتهاتر البينتان، ويبقى النتاج في
يد صاحب اليد قضاء ترك، قال: وهو الصحيح.
والواقع أن الأصح في هاتين الحالتين: حالة إشكال السن ومخالفته للوقتين هو
ما قاله محمد، وهو أن تكون الدابة بينهما نصفين، سواء أكانت الدابة في يديها، أم في
يد أحدهما، أم في يد شخص ثالث(١).
ما یتکرر سببه وما لا یتکرر:
كل ما ذكرناه من الأحكام في تعارض الدعويين في الملك المطلق أو بسبب
الإرث أو الشراء، ينطبق على كل ما يتكرر فيه سببه، ويصنع مرتین فأكثر کبناء
وغرس ونسج خز(٢) وزرع بر ونحوه، يقضى بالمدعى به للخارج. فلوادعى رجل
ثوباً أنه ملكه من خزه، أو ادعى داراً أنها ملكه بناها بماله، أوادعى غرساً أنه ملكه
غرسه بنفسه، أو ادعى حنطة أنها ملكه زرعها أو حباً آخر من الحبوب، وأقام على
مدعاه بينة وادعى ذو اليد مثل ذلك، وأقام عليه بينة، قضي به للخارج؛ لأن هذه
الأشياء ليست في معنى النتاج لتكررها.
راجع البدائع : ٢٣٤/٦ ، تكملة فتح القدير: ٢٤٦/٦ وما بعدها ، اللباب شرح الكتاب : ٤٢/٤ .
(١)
(٢)
أي الصوف الخليط بالابريسم أي الحرير ، فإن هذا إذا بلي يغزل مرة أخرى وينسج .
- ٥٤٧ _

وكل ما ذكرناه من الأحكام في النتاج ينطبق على مالا يتكرر فيه سبب الملك
ولا يعاد، ولا يصنع مرتين كنسج الثياب التي لا تنسج إلا مرة واحدة، وغزل قطن،
وحلب لبن، وجز صوف، ونحوها؛ لأنه في معنى النتاج، یقضى به لصاحب اليد. فلو
ادعت امرأة غزل قطن أنه ملكها، غزلته بيدها، أو ادعى رجل ثوباً أنه ملكه،
نسجه بيده، وهو مما لا یتکرر نسجه، أو ادعى لبناً أنه ملکه حلبه من شاته، أو
ادعی جبناً أنه ملکه، صنعه بيده، أو ادعی صوفاً مجزوزاً بأنه ملکه، جزه من
شاته، وأقام على مدعاه بينة، فادعى ذو اليد مثل ذلك، وأقام عليه بينة، فإنه يقضى
به لذي الید؛ لأنه في معنی النتاج، فیلحق به(١).
المبحث السادس: حكم تعارض الدعويين فقط في أصل الملك، وحكم
الملك وما يقتضيه من حقوق :
يتناول هذا المطلب قضيتين مختلفتين، وإنما جمعنا بينهما؛ لأن كلاً منهما
لا يستحق على الانفراد مطلباً مستقلاً لقلة الكلام فيه، ولأن بينهما ارتباطاً جزئياً
من جهة ولاية التصرف في الشيء.
حكم تعارض الدعويين فقط في أصل الملك أو التنازع بالأيدي:
انتهينا من بيان تعارض الدعويين مع تعارض البينتين، ونتكلم في هذا المطلب
عن تعارض الدعويين لا غير، تمسكاً بظاهر اليد، فيحكم بين المتداعين بأرجحية يد
أحدهما على الآخر، ويظهر الحكم في المسائل الآتية(٢):
تكملة فتح القدير مع العناية: ٢٣٦/٦ وما بعدها، البدائع، المرجع نفسه: ص٢٣٤ ، الدر المختار: ٤٥٩/٤
(١)
وما بعدها ، اللباب : ٣٦/٤ .
المبسوط: ٨٧/١٧ وما بعدها ، تكملة فتح القدير: ٢٤٧/٦ وما بعدها، البدائع: ٢٥٥/٦ وما بعدها ، الدر المختار:
(٢)
٤٦١/٤ وما بعدها ، اللباب : ٤٤/٤، مختصر الطحاوي: ص٣٥٤ وما بعدها .
- ٥٤٨ _

١ - إذا تنازع اثنان في دابة: أحدهما راكبها، والآخر متعلق بلجامها،
فالراكب أولى؛ لأن تصرفه أقوى، فإن الركوب يختص بالملك غالباً.
وكذلك إذا كان أحدهما راكباً على السرج، والآخر رديفه، فالراكب أولى، لقوة
يده، وهذا رأي أبي يوسف، وهو الذي مشى عليه القدوري في مختصره ((الكتاب)).
أما في ظاهر الرواية: فالدابة بينهما نصفان؛ لأنهما استويا في أصل الاستعمال.
وكذلك تكون الدابة بينهما اتفاقاً إذا كانا راكبين على السرج، لاستوائهما في التصرف.
وإن تنازعا في بعير عليه لأحدهما حمل، وللآخر عليه مخلاة معلقة فصاحب
الحمل أولى، لأنه هو المتصرف، فهو ذو اليد في الواقع.
٢ - إذا تنازع اثنان في قميص: أحدهما لابسه، والآخر متعلق بكمه،
فاللابس أولى؛ لأنه أقواهما تصرفاً، فهو مستعمل للقميص.
ولو تنازعا في بساط أحدهما جالس عليه، والآخر متعلق به: فهو بينهما
نصفان، قضاء ترك، لاقضاء حقيقة؛ لأن القعود عليه ليس بيد عليه، حتى إنه
لا يعتبر غاصباً بالقعود عليه، وإنما تكون اليد أي الحيازة على البساط إما بالنقل
والتحويل، أو بكونه في بيته، والجلوس عليه ليس بشيء من الأمرين، فلا يكون
يداً عليه. وبما أنهما يدعيانه على السواء، فيترك في يديها لعدم وجود منازع
ينازعهما .
وإذا كان ثوب في يد رجل، وطرف منه في يد آخر، فهو بينهما نصفان؛ لأن
الزيادة من جنس الحجة، فإن كل واحد منهما متمسك باليد، إلا أن أحدهما أكثر
استمساكاً، ومثله لا يوجب الرجحان، كزيادة عدد الشهود، لا تُرجح بينة أحد
الخصمين .
٣-إذا كان حائط بین دارین: فادعاه كل من المالكين المتجاورين، ولیس
- ٥٤٩ -

لأحدهما علیه جذوع(١) ولا هو متصل بیناء کل منها، فإنه یکون بینھا، لاستوائها في
الاستظلال به.
وإن كان لأحدهما عليه جذوع، فهو له؛ لأنه مستعمل للحائط.
ولو كان لكل واحد منهما جذوع، على السواء، أو لأحدهما أكثر من الآخر، بأن
کان ثلاثاً فصاعداً، فهو بينهما نصفان؛ لأنها استویا في استعمال الحائط، فاستويا في
ثبوت اليد عليه، والزيادة على الثلاثة من جنس الحجة.
أما إن كان لأحدهما مادون الثلاثة، وللآخر أكثر، فهو لصاحب الكثير؛ لأن
أصل الاستعمال لا يحصل بما دون الثلاثة؛ لأن الجدار لا یبنی له عادة، وإنما يبنى لأكثر
من الثلاثة، إلا أن الأكثر لانهاية له، والثلاثة: أقل الجمع الصحيح، فقيد به. ولكن
يبقى لصاحب القليل حق الاستناد على الحائط، وليس لصاحب الحائط الحق في أن
يطلب رفع الجذوع، إلا إذا أثبت بالبينة أن الحائط له، فحينئذ يرفع الجذع.
وإن لم يكن لها جذوع، ولأحدهما اتصال بالبناء اتصال التزاق وارتباط، فهو
لصاحب الاتصال، لأنه كالمتعلق به.
ولو كان لأحدهما اتصال التزاق، وللآخر جذوع، فصاحب الجذوع أولى؛ لأنه
مستعمل للحائط، ولا استعمال من صاحب الاتصال.
ولو كان لأحدهما اتصال التزاق وارتباط، وللآخر اتصال تربيع(٢)، فصاحب
التربيع أولى؛ لأن اتصال التربيع أقوى من اتصال الالتزاق.
(١) الجذع: ساق النخلة أو الشجرة، يوضع في منتصف السقف للاستناد عليه، ويوضع طرفاه على جدارين
متقابلين ، وهو الآن مثل الجسور الحديدية في منتصف القوف .
(٢)
اتصال التربيع : أن يكون في حائط من الدر أو الآجر تداخل بين أنصاف لبنات حائط المدعي ، ولبنات
الحائط المتنازع فيه . وإن كان الحائط من خشب: فالتربيع: أن تكون الخشبة مركبة في الأخرى ( تكلة فتح
القدير: ٢٥١/٦، الدر المختار: ٤٦١/٤، البدائع: ٢٥٧/٦).
- ٥٥٠ -

ولو كان لأحدهما اتصال تربيع وللآخر جذوع: فالحائط لصاحب التربيع،
ولصاحب الجذوع حق وضع الجذوع، أي استنادها عليه؛ لأن الظاهر ليس بحجة في
الاستحقاق. والسبب في ترجيح صاحب الاتصال: أن الحائطين بالاتصال يصيران
كبناء واحد. وقال السرخسي: صاحب الجذوع أولى؛ لأن لصاحب الاتصال اليد،
ولصاحب الجذوع التصرف والتصرف أقوى. والرأي الأول أرجح؛ لأن اتصال
التربیع یکون حالة البناء، وهو سابق على وضع الجذوع، فكانت يده أسبق من وضع
الآخر جذوعه، فصار مثل سبق التاريخ.
ثم إن الاتصال الذي وقع الاختلاف السابق في ترجيح صاحبه على صاحب
الحذوع أو على العكس: هو الاتصال الذي وقع في أحد طرفي أو جانبي الحائط
المتنازع فيه. وأما إذا وقع اتصال التربيع في طرفيه أو جانبيه، فصاحب الاتصال
أولى بلا خلاف(١) .
ولو كان وجه البناء على الحائط في أحد الجانبين، فلا يرجح به باتفاق الحنفية؛
لأن هذا لا يختص بالملك.
ـصالـ
٤ - إذا كان خُص (٣) بين دارين، أو بين حقلين، والقُمط (٣) إلى أحدهما،
وادعى كل واحد الخص، فهو بينهما عند أبي حنيفة رحمة الله تعالى عليه، ولا ينظر
إلى القمط؛ لأن هذا دليل الحيازة واليد في الماضي، لا وقت الدعوى، فلا يفيد في
الإثبات.
وقال الصاحبان: صاحب القمط أولى بالعرف والعادة، فإن الناس في العادة
تكملة فتح القدير ، المرجع السابق: ص ٢٢٥ ، البدائع ، المرجع نفسه: ص٢٥٧، رد المحتار: ٤٦١/٤ .
(١)
(٢)
الخص بضم الخاء : البيت من قصب ، والجمع أخصاص .
القمط - بضم القاف والميم: جمع قاط ، والمراد به هنا حبل عريض ينسج من ليف أو خوص تشد به الخيمة
(٢)
ونحوها .
- ٥٥١ _

يجعلون وجه البناء والطاقات (ما عطف من الأبنية) وأنصاف اللبن والقمط إلى
صاحب الدار، فيدل على أنه بناؤه.
تنبيه: كل موضع قضي فيه بالملك لأحد المتنازعین لکون المدعى به في يده،
تجب عليه اليمين لصاحبه إذا طلب، فإن حلف برئ، وإن نكل يقضى عليه
بالنکول(١).
حكم الملك وما يقتضيه من حقوق:
حكم الملك أو مقتضاه عند الحنفية : هو أن يثبت لصاحبه ولاية التصرف في
الشيء المملوك بمطلق اختياره، دون أن يكون لأحد عليه حق الإجبار على التصرف
إلا لضرورة، أو حق المنع من التصرف، وإن تضرر به إلا إذا تعلق به حق الغير،
فيمنع عن التصرف مراعاة لحق الغير، ولا يكون لغير المالك شيء من حقوق التصرف
في ملك غيره بدون إذنه أو رضاه إلا لضرورة.
وبناء عليه للمالك أن يتصرف في ملكه أي تصرف شاء، سواء أكان تصرفاً
یتعدی ضرره إلى غيره، أم لا يتعدى، فله أن يبني في ملكه مرحاضاً أو حماماً أو
رحى أوتنوراً، وله أن يؤجر بناءه لحداد أو قصار، وله أن يحفر في ملكه بئراً أو
بالوعة، وإن كان يتأذى به جاره، وليس لجاره أن يمنعه؛ لأن حق الملكية حق
مطلق، ويتقيد هذا الحق عند وجود عارض من تعلق حق الآخرين به، لكن يجب
أن يمتنع الإنسان عن كل ما يؤذي جاره ديانة، لقوله مُؤال: «المؤمن من أمن جاره
(٢)
بوائقه)»(٢).
(١)
البدائع : ٢٥٨/٦، رد المحتار : ٤٦١/٤ .
رواه الطبراني في الكبير والأوسط عن طلق بن علي بلفظ ((ليس بالمؤمن: الذي لا يأمن جاره بوائقه)) أي
شره ، وفيه أيوب بن عتبة ضعفه الجمهور، وهو صدوق كثير الخطأ واعتبر السيوطي هذا الحديث حسناً (جمع
الزوائد : ١٦٩/٨، الجامع الصغير: ١٣٥/٢) .
(٢)
- ٥٥٢ -

فلو تصرف المالك في ملكه تصرفاً أدى إلى أن يوهن بناء جاره أو سقوط حائط
جاره، لا يضمن؛ لأنه لم يتعد على ملك الغير.
العلو والسفل: وعلى هذا لو كان لأحد الجوار سفل، وللآخر علو عليه
كطوابق المنازل الحديثة، فأراد صاحب السفلى أن يفتح باباً أو نافذة، أو يحفر
طاقاً، أو يدق وتداً على الحائط، أو يتصرف فيه تصرفاً لم يكن في القديم، من غير
رضا صاحب العلو سواء أضر بالعلو، بأن ترتب عليه وَهْن الحائط أم لم يضرّ به،
فليس له ذلك عند أبي حنيفة؛ لأن حرمة التصرف في ملك الغیر وحقوقه لا تتوقف
على وقوع الضرر، بل هو حرام، سواء تضرر به أم لا .
وقال الصاحبان: لصاحب السفل أن يفعل في ملكه ما يشاء إن لم يضر
بصاحب العلو؛ لأن صاحب السفل يتصرف في ملك نفسه، فلا يمنع إلا لحق الغير،
وحق الغير لا يمنع المالك من التصرف لذاته، وإنما لما يترتب عليه من إيقاع الضرر
به، بدليل أن الإنسان لا يمنع من الاستظلال بجدار غيره، ومن الاصطلاء بنار غيره،
لعدم تضرر المالك. والرسول ◌ُ الله يقول: ((لاضرر ولاضرار)(١).
وإذا انهدم السفل والعلو: لم يجبر صاحب السفل على البناء؛ لأن الإنسان لا يجبر
على عمارة ملك نفسه، ولكن يقال لصاحب العلو: إن شئت فابن السفل من مال
نفسك، وضع عليه علوك، وارجع عليه بقيمته مبنياً، ثم امنع صاحب السفل عن
الانتفاع بالسفل حتى يرد عليك قيمة البناء؛ لأن البناء، وإن كان تصرفاً في ملك
الغير، لكن فيه ضرورة؛ لأنه لا يمكنه الانتفاع بملك نفسه إلا بالتصرف في ملك
غيره. وأما رجوعه بقيمة البناء، فلأنه ملكه بإذن الشرع، فله ألا يمكن صاحب
السفل من الانتفاع ملكه إلا بعد دفع قيمته.
(١) رواه مالك والشافعي مرسلاً عن عمر بن يحيى المازني عن أبيه، وهو عند أحمد وعبد الرزاق وابن ماجه
والطبراني عن ابن عباس ، ورواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندا عن أبي سعيد الخدري وهو حديث
حسن ( المقاصد الحسنة: ص ٤٦٨، مجمع الزوائد: ١١٠/٤، سبل السلام: ٨٤/٣، الإلمام: ص٣٦٣).
- ٥٥٣ -

/٠ ****
· هدم صاحب السفل منزله، فانهدم الطابق العلوي، فيجبر على إعادته؛
، حق صاحب العلو بنفسه.
ويجري هذا الخلاف في الحائط بين الدارين إذا انهدم، ولها عليه جذوع، فإنه
لا يجبر واحد منهما على بنائه، ولكن إذا أبى أحدهما البناء، يقال للآخر: إن شئت
فابن من مال نفسك، وضع خشبك عليه، وامنع صاحبك من الوضع والاستناد،
حتى يرد عليك نصف قيمة البناء، أو نصف ما أنفقته.
فإن هدمه أحدهما، يجبر على عمارته(١).
الله تعالى
(١) البدائع: ٢١٣/١ وما بعدها، الدر المختار: ٣٧٢/٤ وما بعدها، درر الحكام: ٤١٦/٢ وما بعدها .
- ٥٥٤ -

الفصل الثالث
طرق الإثبات
يشتمل هذا الفصل على المباحث الأربعة التالية:
١ - الشهادة.
٢ - اليمين.
٣ - الإقرار.
٤ - القرائن.
المبحث الأول- الشهادة والرجوع عنها:
أشرنا في الفصل السابق إلى أن البينات ومنها الشهادات من أهم طرق إثبات
الحق عند القاضي، وقد وعدنا بتخصيص مبحث مستقل للشهادة نتكلم فيه عن حكم
أداء الشهادة وشروط تحملها؛ وشروط أدائها، وحكم الرجوع عن الشهادة، في
المطالب الستة الآتية:
المطلب الأول- تعريف الشهادة وركنها وحكمها.
المطلب الثاني - شروط تحمل الشهادة.
المطلب الثالث - شروط أداء الشهادة.
المطلب الرابع - حكم الرجوع عن الشهادة.
المطلب الخامس - عقوبة شاهد الزور.
المطلب السادس - شهادة غير المسلمين.
- ٥٥٥ _

المطلب الأول- تعريف الشهادة وركنها وحكمها :
الشهادة: مصدر شهد من الشهود بمعنى الحضور، وهي لغة: خبر قاطع،
وشرعاً: إخبار صادق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء(١).
وركنها: لفظ ((أشهد)) لا غير؛ لأن النصوص اشترطت هذا اللفظ، إذ الأمر
القرآني ورد فيها بهذه اللفظة، ولأن فيها زيادة تأكيد، فإن قوله: ((أشهد)) من
ألفاظ اليمين. وهي تتضمن معنى المشاهدة أي الاطلاع على الشيء. فلوقال:
((شهدت)) لا يجوز؛ لأن الماضي موضوع للإخبارعما وقع، والشهادة يقصد بها
الإخبار في الحال(٣).
والأصل في الشهادة قبل الإجماع: الكتاب والسنة .
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا
رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ وقال تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي
عدل منكم﴾، ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ أمر إرشاد لا وجوب.
وأما السنة فمثل قوله عاقل لمدع: ((شاهداك أو يمينه))(٣) وخبر في السنة: «أنه
عَّ افر سئل عن الشهادة، فقال للسائل: ترى الشمس؟ قال: نعم، فقال: على مثلها
فاشهد، أودع»(٤).
وحكم الشهادة: وجوب القضاء على القاضي بموجبها بعد توافر شروطها . وأما
حكم تحمل الشهادة وأدائها، فهو فرض كفائي إذا دعي الشهود إليه، إذ لو تركه
فتح القدير: ٢/٦، الدر المختار: ٣٨٥/٤، الشرح الكبير للدردير: ١٦٤/٤، مغني المحتاج : ٤٢٦/٤.
(١)
(٢)
الدر المختار، المرجع السابق، البدائع: ٢٦٦/٦، اللباب شرح الكتاب: ٥٧/٤ ، المغني : ٢١٦/٩ .
(٣)
رواه البخاري ومسلم عن الأشعث بن قيس ، وقد سبق تخريجه .
رواه البيهقي والحاكم وصحح إسناده وتعقبه الذهبي، فقال: « بل هو حديث واه ))، وأخرجه ابن عدي
(٤)
بإسناد ضعيف عن ابن عباس ( سبل السلام: ١٣٠/٤، نصب الراية: ٨٢/٤).
٠٠ .
- ٥٥٦ _

الجميع، لضاع الحق، ويصبح أداء الشهادة بعد التحمل فرض عين، فيلزم الشهود
بأداء الشهادة، ولا يجوز لهم كتمانها إذا طالبهم المدعي بها، لقوله تعالى: ﴿ولا یأب
الشهداء إذا مادُعوا) وقوله سبحانه: ﴿ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتها فإنه آثم
قلبه﴾ وقوله عز وجل: ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾(١).
ويجب أداء الشهادة بلا طلب في حقوق الله تعالى، كطلاق امرأة بائناً،
ورضاع، ووقف، وهلال رمضان، وخلع، وإيلاء، وظهار. قال الحنفية(٢): الذي
تقبل فيه الشهادة حسبة(٣) بدون الدعوى أربعة عشر وهي: الوقف، وطلاق
الزوجة، وتعليق طلاقها، وحرية الأمة، وتدبیرها، والخلع، وهلال رمضان،
والنسب، وحد الزنا، وحد الشرب، والإيلاء، والظهار، وحرمة المصاهرة، ودعوى
المولى نسب العبد. وزاد ابن عابدين : الشهادة بالرضاع.
لكن الشهادة في الحدود: يخير فيها الشاهد بين الستر والإعلام؛ لأنه يكون
متردداً بين شهادتي حسبة: في إقامة الحد، والتوقي عن هتك حرمة مسلم، والستر أولى
وأفضل؛ لقوله طائر للذي شهد عنده: ((لو سترته بثوبك لكان خيراً لك))(٤) وقوله
عليه الصلاة والسلام: ((من ستر مسلماً، ستره الله في الدنيا والآخرة)»(٥) وقد عرفنا في
المبسوط: ١٧٧/١٦، فتح القدير: ٣/٦، الدر المختار: ٣٨٦/٤، الشرح الكبير للدردير: ١٩٩/٤ ، مغني
(١)
المحتاج: ٤٥٠/٤، المغني: ١٤٦/٩، المهذب: ٣٢٣/٢.
(٢)
الدر المختار ورد المختار: ٤٤٠/٣.
الحسبة : الأجر ، أي لقصد الأجر ، لا لإجابة مدعٍ.
(٣)
(٤)
الواقع أن الذي قال له النبي ◌َّ هذا القول وهو ((هزّال)) لم يشهد عنده بشيء، ولكنه هو الذي أشار على
ماعز أن يأتي النبي ◌َّةٍ ويقر عنده، فلم يكن شاهداً؛ لأن ماعزاً حد بالإقرار، فقال النبي لهزال: ((لو
سترته بثوبك لكان خيراً لك)) رواه أبو داود والنسائي والحاكم والبزار وأحمد والطبراني عن نعيم بن هزال
( راجع نصب الراية : ٧٤/٤ ) .
رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: (( ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة » ورواه
(٥).
الحاكم من طريقين ، ورواه الترمذي عن ابن عمر، ورواه أبو نعيم عن مسلم بن مخلد مرفوعاً ، ورواه ابن
عن ابن عباس مرفوعاً ( نصب الراية: ٣٠٧/٣، ٧٩/٤ ، تلخيص الحبير : ٦٦/٤ ) .
- ٥٥٧ _

الحدود أن الرسول عليه الصلاة والسلام لقن ماعزاً الرجوع عن الإقرار بقوله:
((لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت))، ففي هذا دلالة ظاهرة على أفضلية الستر.
لكن الأولى أن يقول الشاهد في السرقة: أخذ المال إحياء لحق المسروق منه،
ولا يقول: شرق صوناً ليد السارق عن القطع، فيكون بهذا قد جمع بين الستر
والإعلام أو الإظهار(١).
المطلب الثاني - شروط تحمل الشهادة:
تحمل الشهادة: عبارة عن فهم الحادثة وضبطها بالمعاينة أو بالسماع. ويشترط
لتحمل الشهادة شروط ثلاثة عند الحنفية(١).
أولها - أن يكون الشاهد عاقلاً: فلا يصح تحمل الشهادة من المجنون والصبي
الذي لا يعقل؛ لأن التحمل يتطلب الفهم والإدراك، وهو يحصل بالعقل.
ثانيها- أن يكون بصيراً وقت التحمل، فلا يصح التحمل من الأعمى؛ لأن
شرط التحمل هو السماع من الخصم، ولا يعرف الخصم إلا بالرؤية؛ لأن نغمات
الأصوات يشبه بعضها بعضاً.
وقال الحنابلة(٢): تحمل الشهادة يكون بالرؤية والسماع، فيجوز للأعمى أن
يشهد فيما يتعلق بالسماع كالبيع والإجارة وغيرهما إذا عرف المتعاقدين، وتيقن أنه
کلامهما .
وقال الشافعية(٤): لا تجوز شهادة الأعمى فيما يتعلق بالبصر لجواز اشتباه
فتح القدير ، الدر المختار، المرجعان السابقان ، اللباب : ٥٤/٤ .
(١)
(٢)
البدائع: ٢٦٦/٦، الدر المختار: ٣٨٥/٤ .
(٣)
المغني : ٥٨/٩ وما بعدها .
المهذب : ٣٣٤/٢ وما بعدها ، مغني المحتاج : ٤٤٦/٤ .
(٤)
- ٥٥٨ _

الأصوات، وقد يحاكي الإنسان صوت غيره، كما قال الحنفية، فلا يجوز أن يكون
شاهداً على الأفعال كالقتل والإتلاف والغصب والزنا وشرب الخمر، وهذا ما قال به
الحنابلة أيضاً، كما لا يجوز أن يكون شاهداً على الأقوال كالبيع والإقرار والنكاح
والطلاق، إلا فيما سماه الشافعية بصورة الضبط: وهي أن يقر شخص في أذن الأعمى
بنحو طلاق أو مال لشخص معروف، فيتعلق الأعمى به ويضبطه إلى أن يحضر عند
الحاكم، فيشهد عليه بما سمعه منه، فتقبل شهادته في هذه الحالة على الصحيح.
ثالثها - معاينة المشهود به بنفسه لا بغيره إلا فيا تصح فيه الشهادة بالتسامع من
الناس والاستفاضة؛ لقوله وائل للشاهد: ((إذا علمت مثل الشمس فاشهد، وإلا
فدع))(١) ولا يتم العلم مثل الشمس إلا بالمعاينة.
ولا يشترط لتحمل الشهادة البلوغ والحرية والإسلام والعدالة، وإنما هي
شروط للأداء.
وأما ما تصح فيه الشهادة بالتسامع فهي ؛ النكاح، والنسب، والموت، ودخول
الرجل على امرأته، وولاية القاضي، فللشاهد أن يشهد بهذه الأشياء إذا أخبره بها من
یثق به استحساناً؛ لأن هذه الأمور يختص بمعاينة أسبابها خواص الناس، ويترتب
عليها أحكام دائمة على ممر السنين والأعوام، فلو لم يقبل فيها الشهادة بالتسامع، لأدى
ذلك إلى الحرج وتعطیل الأحكام.
والتسامح عند أبي حنيفة: هو بأن يشتهر الخبر ويستفيض بين الناس، وتتواتر
به الأخبار ليحصل له نوع من اليقين. وعند الصاحبين: بأن يخبر الشاهد رجلان
عدلان أو رجل وامرأتان، واختار قولهما بعض الفقهاء بدليل أن القاضي يحكم بشهادة
شاهدين، ولو لم ير المشهود به أو يسمعه بنفسه. وعند أداء الشهادة بالتسامع لا يذكر
(١) رواه الخلال في الجامع بإسناده عن ابن عباس بلفظ سبق ذكره. والمذكور هنا مروي بالمعنى.
- ٥٥٩ -

الشاهد أمام القاضي أن شهادته بالتسامع، وإنما يقول: أشهد بكذا.
أما فيما عدا المذكور فلا يجوز للشاهد أن يشهد بشيء لم يعاينه؛ لأن الشهادة
مشتقة من المشاهدة: وهي المعاينة، وتتم بالعلم، فلا تجوز الشهادة إلا بما علمه
الإنسان، بدليل قوله تعالى: ﴿إلا من شهد بالحق، وهم يعلمون﴾(١) وقوله سبحانه:
﴿ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد، كل أولئك كان عنه
مسؤولاً﴾(٢).
وقال المالكية: تجوز شهادة التسامع في عشرين حالة: منها عزل قاض أو وال
أو وكيل، وكفر، وسفه، ونكاح، ونسب، ورضاع، وبيع، وهبة ووصية(٣).
والتسامع: أن يكون المنقول عنه غير معين ولا محصور، وذلك بأن يشتهر النسب
مثلاً المشهود به بين الناس العدول وغيرهم. ويشترط أن يقول الشهود: سمعنا أو لم
نزل نسمع سماعاً فاشياً من أهل العدل وغيرهم أن فلاناً ابن فلان.
وقال الشافعية في الأصح: تجوز الشهادة بالتسامع أو الاستفاضة في النسب
والموت، والوقف، والنكاح، وملكية الأشياء، فإن استفاض في الناس أن فلاناً ابن
فلان، جازأن يشهد به؛ لأن سبب النسب لا يدرك بالمشاهدة، وإن استفاض في
الناس أن فلاناً مات، جاز أن يشهد به؛ لأن أسباب الموت كثيرة، ويتعذر الاطلاع
عليها، وإن استفاض في الناس أن هذه الدار لفلان جازأن يشهد به؛ لأن أسباب
الملك لا تضبط ... وهكذا(٤).
الآية هي : ﴿ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ [الزخرف :
(١)
٨٦ ] ٠
(٢)
المبسوط: ١١١/١٦، فتح القدير: ٢٠/٦، البدائع: ٢٦٦/٦، اللباب: ٦٧/٤، المغني: ١٥٨/٩، المهذب :
٣٣٤/٢ ٠
(٣)
راجع الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه : ١٩٨/٤ وما بعدها .
(٤)
المهذب : ٣٣٥/٢ ، مغني المحتاج : ٤٤٨/٤ وما بعدها ..
- ٥٦٠ -