Indexed OCR Text
Pages 301-320
التأديب المشروع المعهود في العرف بين الناس، فهل يضمن هؤلاء فعلهم ؟ للفقهاء فيه
آراء:
١ - قال أبو حنيفة والشافعي(١): إنه يجب ضمان الدية في هذه الحالات؛ لأن
المقصود هو التأديب والزجر، لا الهلاك، فإذا أفضى التأديب الى التلف، تبين أنه
تجاوز الحد المشروع له، أو تخطى حدود السلطة المخولة إياه، ولأن هذا الفعل وهو
التأديب أمر مباح، فيتقيد بشرط السلامة للغير كالمرور في الطريق العام ونحوه،
فإن استيفاء الإنسان حقه مقيد بشرط السلامة للآخرين .
٢ - وقال المالكية والحنابلة والصاحبان من الحنفية(٢): لاضمان في هذه
الحالات، مالم يكن هناك إسراف أو زيادة على ما يحقق المقصود، أو يتجاوز المعتاد؛
لأن التأديب فعل مشروع للزجر والردع، فلا يضمن التالف به، كما هو الشأن عند
تطبيق الحدود الشرعية أو التعزيرات(٣)، والقاعدة الفقهية تقول: ((الجواز الشرعي
ينافي الضمان)»
رابعاً - نوع الدية ومقدارها:
ـعالـ
اختلف الفقهاء على آراء ثلاثة في تحديد نوع الدية، هي ما يأتي :
١ - رأي أبي حنيفة ومالك، والشافعي في مذهبه القديم": إن الدية تجب في
المبسوط: ١٣/١٦، الدر المختار: ٤٠١/٥، درر الحكام: ٧٧/٢ ، جامع أحكام الصغار بهامش جامع الفصولين:
(١)
٨/٢ - ١٠، مجمع الضمانات: ص ٥٤، ١٥٧، ١٦٦، البدائع: ٣٠٥/٧، المهذب: ٢٨٩/٢، مغني المحتاج:
١٩٩/٤ ، الأحكام السلطانية للماوردي: ص ٢٣٠ .
المغني: ٣٢٧/٨، غاية المنتهى: ٢٨٥/٣، الأحكام السلطانية لأبي يعلى: ص ٢٦٦، الميزان للشعراني : ١٧٢/٢ ،
(٢)
نيل الأوطار : ١٤٠/٧ _ ١٤٥، البدائع ، المكان السابق .
(٣)
قارن ذلك بالفقه على المذاهب الأربعة : ٢٩٢/٥ .
: ١٥٣/٣ ،
البدائع : ٢٥٣/٧، تكملة فتح القدير: ٢٠٢/٨ وما بعدها ، الدر المختار: ٤٠٦/٥ وما بعدها ، اللباب
(٤)
الشرح الكبير للدردير: ٢٦٦/٤ وما بعدها ، بداية المجتهد : ٤٠١/٢ وما بعدها ، القوانين الفقهية: ص ٣٤٧ ،
مغني المحتاج : ٥٣/٤ - ٥٦ .
- ٣٠١ -
واحد من ثلاثة أنواع: الإبل، والذهب، والفضة. ويجزىء دفعها من أي نوع.
ودليلهم ما ثبت في كتاب عمرو بن حزم في الديات: ((وإن في النفس الدية، مائة
من الإبل)»(١) وأن عمر فرض على أهل الذهب في الدية ألف دينار، ومن الورق عشرة
آلاف درهم(٢). ورأي أبي حنيفة هو الصحيح في مذهبه.
٢ - رأي الصاحبين وأحمد (٣): إن الدية تجب من ستة أجناس، وهي الإبل أصل
الدية، والذهب، والفضة، والبقر، والغنم، والحلل. والخمسة الأولى هي أصول الدية
عند الحنابلة، وأما الحلل قُليست أصلاً عندهم؛ لأنها تختلف ولا تنضبط. وروي عن
أحمد: أنها أصل، وقدرها مائتا حلة من حلل اليمن، كل حلة بردان: إزار ورداء
جديدان .
وأي شيء أحضره الملزم بالدية، لزم ولي القتيل قبوله، سواء أكان الجاني من
أهل ذلك النوع، أم لا؛ لأنها أصول في قضاء الواجب، يجزىء واحد منها، فكانت
الخيرة إلى من وجبت عليه كخصال الكفارة .
ودليل هذا الرأي: أن عمر قام خطيباً فقال: ((ألا إن الإبل قد غلت، قال
الراوي، فقوَّم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفاً، وعلى
أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة))(٤).
وأخرج أبو داود مثله عن جابر بن عبد الله أنه قال: ((فرض رسول الله ◌ُّ في الدية
على أهل الإبل مائة من الإبل ... الخ))(٥) .
سبق تخريجه: وفيه أيضا: (( وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم)).
(١)
رواه البيهقي من طريق الشافعي ، قال: قال محمد بن الحسن : بلغنا عن عمر ... الخ ( نصب الراية:
(٢)
٣٦١/٤ ) .
البدائع، ومراجع الحنفية ، المكان السابق ، المغني : ٧٥٩/٧ - ٧٦١، كشاف القناع: ١٦/٦ وما بعدها .
(٣)
(٤)
رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . وأخرجه البيهقي وابن أبي شيبة في مصنفه عن عبيدة
السلماني ، لكن جاء في هذه الرواية ((وعلى أهل الحلل مائة حلة)) (نصب الراية: ٣٦٢/٤).
راجع نصب الراية : ٣٦٣/٤.
(٥)
- ٣٠٢ -
٣ - رأي الشافعي في مذهبه الجديد(١): إن الواجب الأصلي في الدية هو مائة من
الإبل إن وجدت، وعلى القاتل تسليمها للولي سليمة من العيوب، فإن عدمت حساً
بأن لم توجد في موضع یجب تحصیله منه، أو عدمت شرعاً بأن وجدت فيه بأكثر من
ثمن مثلها، فالواجب قيمة الإبل، بنقد البلد الغالب(٢)، وقت وجوب تسليمها بالغة
مابلغت؛ لأنها بدل متلف، فيرجع الى قيمتها عند فقد الأصل. ودليله الحديث السابق
وهو ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كانت قيمة الدية على عهد
الرسول پاتے ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، كان ذلك كذلك، حتى استخلف
عمر رضي الله عنه، فقام عمر خطيباً، فقال: ((ألا إن الإبل قد غلت، قال: فقوم على
أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر
مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة))(٣) ويؤكده من
المعقول أن ماضمن بنوع من المال وتعذر، وجبت قيمته، كذوات الأمثال(٤).
وأما مقدار الدية فيتضح من الأحاديث السابقة، ولم يختلف الفقهاء في المقادير
إلا في دراهم الفضة (أي الوَرِق).
م
وسبب الاختلاف فيها : هو سعر صرف الدينار، فعند الحنفية: الدينار يساوي
عشرة دراهم بدليل حديث عَبيدة السلماني المتقدم. وعند الجمهور(٥) : الدينار يساوي
اثني عشر درهماً، بدليل حديث عمر السابق، وأن رجلاً من بني عدي قتل، فجعل
النبي ◌ٍَّ ديته اثني عشر ألفاً(١). وعلى هذا:
مغني المحتاج : ٥٦/٤ ، المهذب : ١٩٥/٢ وما بعدها .
(١)
المراد بالبلد : هو المحل الذي يجب التحصيل منه لو كانت موجودة فيه .
(٢)
(٣)
وروي ما يقاربه في المعنى عن الزهري .
المثليات : هي المكيلات ( حنطة أو شعير) والموزونات ( قطن أو حديد ) والعدديات المتقاربة ( جوز أو
(٤)
بيض ) والذرعيات ( كالقماش ) .
راجع بداية المجتهد: ٤٠٣/٢، الشرح الكبير للدردير: ٢٦٧/٤، المغني: ٧٦٠/٧ ، مغني المحتاج : ٥٦/٤.
(٥)
رواه أصحاب السنن الأربعة ، عن ابن عباس .
(٦)
- ٣٠٣ -
فالواجب من الإبل مائة، ومن الذهب ألف دينار(١)، ومن الفضة عشرة آلاف
درهم عند الحنفية، واثنا عشر ألف درهم عند الجمهور، ومن البقر مائتا بقرة، ومن
الغنم ألفان، ومن الحلل، أي الثياب مائتا حلة: إزار ورداء.
خامساً - تغليظ الدية وتخفيفها:
الدية إما مغلظة أو مخففة، وتجب الدية عند الحنفية في شبه العمد وفي الخطأ ..
وفي شبه الخطأ وفي القتل بسبب، وفي العمد أيضاً إذا اشتمل القتل على شبهة: وهي
الحالة التي يقتل فيها الأب ابنه. وقد تجب الدية في العمد برضا القاتل وولي الدم أي
عند التراضي عليها فيما إذا حصل عفو من ولي القتيل أو من بعض الأولياء، فيكون
للباقي نصيبه من دية العمد .
ولا تتغلظ الدية إلا في حالة الوفاء بها بالإبل خاصة؛ لأن الشرع ورد بها،
والمقدرات الشرعية لا تعرف الاسماعاً ونقلاً من طريق الشرع، إذ لا مدخل للرأي
فيها؛ فلا تتغلظ الدية في الدنانير والدراهم، بأن يُزاد على ألف دينار، أو على عشرة
آلاف درهم (عند الحنفية).
وتتغلظ الدية في القتل العمد وفي شبه العمد عند الجمهور(٢). وقال المالكية(٣):
تتغلظ الدية في القتل العمد اذا قبلها ولي الدم، وفي حالة قتل الوالد ولده.
وإذا غلظت الدية تجب مثلثة عند المالكية والشافعية ومحمد بن الحسن (أي
ثلاثون حقة وثلاثون جَذَعة، وأربعون خَلِفة أي حاملاً، لخبر الترمذي بذلك).
(١)
الدينار: هو المثقال من الذهب ، ويساوي ٤٫٨٠ سم وهو المثقال العجمي .
(٢)
البدائع: ٢٥٦/٧ وما بعدها، تبيين الحقائق: ١٢٦/٦ وما بعدها، الدر المختار: ٤٠٦/٥ وما بعدها ، تكملة فتح
القدير: ٢٥١/٨، ٣٠٢، ٣٠٤، مغني المحتاج: ٥٣/٤ - ٥٥، المهذب: ١٩٥/٢ وما بعدها، المغني: ٧٦٤/٧ -
٧٦٦ ، كشاف القناع : ١٧/٦ وما بعدها .
(٣) الشرح الكبير للدردير: ٢٦٦/٤ وما بعدها ٢٨٢ ، بداية المجتهد: ٤٠١/٢ وما بعدها.
- ٣٠٤ -
وتجب حينئذ مربعة، أي أرباعاً عند الحنفية ما عدا محمداً، والحنابلة (١): (خمس
وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة ، وخمس
وعشرون جذعة(٢)).
وأما الدية المخففة في القتل الخطأ ونحوه، فتجب مخمسة، أي أخماساً باتفاق
المذاهب (وهي عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون،
وعشرون حقة، وعشرون جذعة) وهذا رأي الحنفية والحنابلة، بدلیل ما روى ابن
مسعود قال: قال رسول الله مالم: ((في دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة،
وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مخاض))(٣) ولأن ابن
اللبون يجب على طريق البدل عن ابنة المخاض في الزكاة إذا لم يجدها، فلا يجمع بين
البدل والمبدل في واجب واحد (٤).
وجعل المالكية والشافعية(6) مكان ((بني المخاض)): ((بني اللبون)» بدليل ماروى
الدارقطني وسعيد بن منصور، في سننهما عن النّخعي عن ابن مسعود، وقال
الخطابي: روي أن النبي ◌ُ ◌ّ ودى الذي قتل بخيبر بمائة من إبل الصدقة، وليس في
أسنان الصدقة ابن مخاض.
وتغلظ عند الشافعية والحنابلة (١) دية القتل الخطأ في حالات ثلاثة:
١ - إذا حدث القتل في حرم مكة، تحقيقاً للأمن .
(١)
المراجع السابقة .
بنت المخاض : هي التي طعنت في السنة الثانية ، وبنت اللبون في الثالثة ، والحقة في الرابعة ، والجذعة في
(٢)
الخامسة .
رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة والبزار والبيهقي إلا أن الدارقطني قال: ((عشرون بني لبون)» مكان قوله
(٣)
((عشرون ابن مخاض)).
(٤)
البدائع : ٢٥٤/٧ ، المغني : ٧٦٩/٧ ، ٧٧١ .
(٥)
بداية المجتهد : ٤٠٢/٢ ، مغني المحتاج : ٥٤/٤ .
مغني المحتاج : ٥٤/٤ ، المغني: ٧٧٢/٧، المهذب : ١٩٦/٢.
(٦)
الفقه الإسلامي جـ ٦ (٢٠)
- ٣٠٥ -
٢- أو حدث في الأشهر الحرم: وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب.
٣- أو قتل القاتل قريباً له ذا رحم محرم، كالأم والأخت.
وعلى هذا الرأي تغلظ الدية بأحد أسباب خمسة: كون القتل عمداً، أو شبه عمد،
أو في الحرم، أو الأشهر الحرم، أو لذي رحم محرم.
والدليل على تربيع (١) الدية المغلظة عند الحنفية ما عدا محمداً، والحنابلة: هو
ما رواه الزهري عن السائب بن يزيد، قال: كانت الدية على عهد رسول الله معالجالم
أرباعاً: ((خمساً وعشرين جذعة، وخمساً وعشرين حقة، وخمساً وعشرين بنت لبون،
وخمساً وعشرين بنت مخاض)) وقضى بذلك ابن مسعود، ولأن الدية حق يتعلق
بجنس الحيوان، فلا يعتبر فيه الحمل في بعضها، كالزكاة والأضحية(٢).
وأما دليل المالكية والشافعية ومحمد بن الحسن في تثليث(٣) الدية المغلظة، فهو
حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله عَ امٍ قال: ((من قَتَّل
متعمداً، دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوه، وإن شاءوا أخذوا الدية، وهي
ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خَلفِة، وما صولحوا عليه فهو لهم)) (٤) وذلك
لتشديد القتل.
وحديث آخر عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ماتم قال: ((ألا إن في قتيل
عمد الخطأ، قتيل السوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون خلفة في بطونها
أولادها)،(٥).
أي كونها تؤخذ أرباعا .
(١)
(٢)
المغني : ٧٦٦/٧، البدائع : ٢٥٤/٧ .
(٣)
أي کونها اثلاثا .
رواه الترمذي وقال : هو حديث حسن غريب .
(٤)
رواه الامام أحمد وأبو داود والنسائي والدارقطني ( راجع نيل الأوطار : ٢١/٧).
(٥)
- ٣٠٦ -
والخلاصة : أن دية العمد تغلظ بتخصيصها بالجاني، وتعجيلها عليه، أي کونها
حالَّة عند غير الحنفية، وتربيعها في رأي الحنفية والحنابلة، وتثليثها في رأي عند
المالكية والشافعية.
ودية شبه العمد: تخفف من ناحيتين (وهما فرض الدية على العاقلة، والتأجيل
بثلاث سنين) وتغلظ من ناحية واحدة: وهي التربيع في رأي، والتثليث في رأي
آخر.
ودية الخطأ: تخفف من نواح ثلاثة: إلزام العاقلة بها، والتأجيل ثلاث سنين،
وتخميسها .
هذا ... وإن كان بحثنا هنا في دية العمد، لكني استطردت فيه لبيان أحوال
الديات الأخرى تجميعاً لشتات البحث.
سادساً - وقت أداء الدية :
تجب دية العمد وشبه العمد والخطأ عند الحنفية (١) مؤجلة في ثلاث سنين، عملاً
بفعل عمر رضي الله عنه، ويكفي العامد تغليظ الدية عليه، وإيجابها في ماله.
وقال جمهور الفقهاء(٢): دية العمد تجب معجلة (حالَّة) في ماله، غير مؤجلة؛
لأن الدية فيه بدل عن القصاص، وبما أن القصاص حالّ الأداء، فبدله وهو الدية
حال مثله، ولأن في التأجيل تخفيفاً على القاتل، والعامد يستحق التغليظ لا
التخفيف، بدليل وجوب الدية في ماله لا على العاقلة.
وأما دية الخطأ فتجب عند الجمهور كالحنفية مؤجلة في مدی ثلاث
البدائع : ٢٥٦/٧ وما بعدها .
(١)
(٢)
بداية المجتهد : ٤٠٢/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٤٧، الشرح الكبير: ٢٨١/٤، ٢٨٥ ، مغني المحتاج: ٥٥/٤ ،
المهذب: ١٩٦/٢، ٢١٢، المغني: ٧٦٤/٧ - ٧٦٦، كشاف القناع: ١٧/٦.
- ٣٠٧ -
سنوات، تخفيفاً عن العاقلة، بدليل ما روي عن عمر وعلي أنها قضيا بالدية على العاقلة
في ثلاث سنين، ولا مخالف لهما في عصرهما، فكان إجماعاً(١).
وكذلك دية شبه العمد عند الجمهور تجب مؤجلة لثلاث سنين، في كل سنة
ثلثها .
سابعا - الملزم بأداء الدية :
اتفق الفقهاء على أن دية القتل العمد تجب على القاتل في ماله وحده،
ولا تحملها العاقلة؛ لأن الأصل في كل إنسان أن يسأل عن أعماله الشخصية المدنية
كالإتلافات، والجنائية كالجرائم، ولا يسأل عنها غيره لقوله تعالى: ﴿ كل امرئ بما
كسب رهين﴾ ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ ﴿قل: لا تسألون عما أجرمنا،
ولا نسأل عما تعملون﴾.
ويؤيده ما جاء في السنة من قول النبي ◌َ ◌ّهُ: ((لا يجني جان إلا على نفسه))(٢)،
وقال النبي لبعض أصحابه حين رأى معه ولده: ((ابنك هذا؟)) قال: نعم، قال: ((أما
إنه لا يجني عليك، ولا تجني علیه))(٣).
وثبت في السنة بنحو خاص: ((لا تعقل العاقلة عمداً، ولا عبداً، ولا صلحاً،
ولا اعترافاً)) (٤).
ويرى الفقهاء ما عدا المالكية(٥) أن دية شبه العمد، والخطأ على العاقلة، كما
سنبین في عقوبة كل منهما .
(١)
المغني : ٧٦٦/٧ .
رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه من حديث عمرو بن الأحوص في حجة الوداع .
(٢)
(٣)
رواه أبو داود والنسائي وأحمد عن أبي رمثة ( جامع الاصول: ٩/١١، نيل الأوطار: ٨٣/٧).
(٤)
رواه البيهقي عن الشعبي ، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال ( نصب الراية : ٣٧٩/٤ ).
راجع بحث الملزم بأداء الدية في البدائع: ٢٥٦/٧، الدر المختار: ٤٠٠/٥، القوانين الفقهية: ص ٣٤٧ ، الشرح
(٥)
الكبير للدردير: ٢٨٢/٤، مغني المحتاج: ٥٥/٤، المغني: ٧٦٤/٧ - ٧٧٠، كشاف القناع: ٣/٦.
- ٣٠٨ -
1
وأمادية القتل العمد الصادر من الصبي أو المجنون ، فقال الحنفية والمالكية والحنابلة
(الجمهور)(١): إنها على عاقلته، وعبارتهم فيها: عمد الصبي وخطؤه سواء، بدليل أن مجنوناً
صال على رجل بسيف، فضربه، فرفع ذلك إلى علي رضي الله عنه، فجعل ديته على
عاقلته ، بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ، وقال : عمده وخطؤه سواء.
وقال الشافعية(٢): الأظهر أن عمد الصبي عمد إذا كان مميزاً، وإن لم يكن له تمييز
فهو خطأ قطعاً، أي أنه سواء أكان مميزاً أم غير مميز لاقصاص عليه لعدم تكليفه
بالحلال والحرام شرعاً، لكن تجب الدية في ماله إذا كان مميزاً، ولا تتحملها عنه
عاقلته؛ لأن العاقلة (العصبة) لا تتحمل دية القتل العمد أو حالة الصلح أو
الاعتراف، كما بينا. وبما أن فعله يعدّ عمداً إذا كان مميزاً في الراجح عند الشافعية، فلا
تتحمل العاقلة دية القتيل الذي جنى عليه.
ثامنا - متى تجب الدية كاملة، وهل يتساوى كل الناس في دية العمد ؟
قال الحنفية والمالكية (٢): دية العمد عند العفو عن القصاص غير محدودة،
والواجب هو ما يتم التراضي أو الاتفاق عليه بين الجاني وولي الدم، سواء أكان المال
قليلاً أم كثيراً، فإن انبهمت أي لم تحدد الدية كانت بحسب المقدار الشرعي (مائة من
الإبل أو ما ينوب منابها من الدنانير والدراهم).
وقال الشافعية والحنابلة(٤): دية العمد بحسب المقدار المحدد شرعاً: مائة بعير،
تبيين الحقائق: ١٣٩/٦، الأشباه والنظائر لابن نجيم: ٧٧/١، الدر المختار : ٣٧٨/٥، ٤١٥، بداية المجتهد :
(١)
٤٠٤/٢ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٤٥، الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي: ٤٨٦/٤، المغني: ٧٧٦/٧ ،
جامع أحكام الصغار لابن قاضي سماوه : ١٨/٢ ، بهامش جامع الفصولين .
(٢)
مغني المحتاج: ١٠/٤، ١٥، المهذب: ١٧٣/٢، ١٧٤.
(٣)
رد المحتار على الدر المختار: ٣٨٢/٥، بداية المجتهد: ٤٠٢/٢، القوانين الفقهية: ص٣٤٧ .
(٤)
مغني المحتاج: ٥٣/٤ ، كشاف القناع: ٣/٦.
- ٣٠٩ -
١
لقوله ◌َ ◌ّ في حديث عمرو بن حزم في الديات: ((في النفس مائة من الإبل)».
وأما تساوي الديات بين الناس : ففيه خلاف:
قال الشافعية(١): قد يعرض للدية ما ينقصها، وهو أحد أسباب أربعة:
الأنوثة، والرق، وقتل الجنين، والكفر، فالأول يردها إلى الشطر، والثاني إلى القيمة
المختلفة بحسب كل شخص، والثالث إلى الغرة، والرابع إلى الثلث أو أقل.
وأذكر هنا الخلاف في أمرين: الأنوثة، والكفر.
الأنوثة (دية المرأة): اتفق الفقهاء ما عدا النادر(٢) على أن دية المرأة نصف
دية الرجل، عملاً بأحاديث وآثار وبالمعقول. أما الأحاديث، فمنها قوله عليه السلام
مرفوعاً عن معاذ: ((دية المرأة نصف دية الرجل))(٣)، وروي موقوفاً عن علي: ((عقل
المرأة على النصف من عقل الرجل في النفس، وفيما دونها))(9).
والآثار فيها كثيرة مروية عن عمر وعلي وعثمان وابن عباس وابن عمر وزيدبن
ثابت رضوان الله عليهم، قالوا: فكان هناك إجماع من الصحابة على تنصيف دية
5
المرأة.
والمعقول: أن المرأة في ميراثها وشهادتها على النصف من الرجل، فكذلك ديتها .
(١)
مغني المحتاج : ٥٣/٤ .
البدائع : ٢٥٤/٧ ، الدر المختار: ٤٠٧/٥، بداية المجتهد: ٤٠٥/٢، القوانين الفقهية: ص٣٤٧ ، مغني المحتاج :
(٢)
٥٦/٤ وما بعدها ، المهذب : ١٩٧/٢، المغني: ٩٧/٧ ، كشاف القناع: ١٨/٦.
رواه البيهقي عن معاذ بن جبل مرفوعا، وقال البيهقي: إسناده لا يثبت مثله ( نصب الراية : ٣٦٣/٤ ، نيل
(٣)
الاوطار : ٦٧/٧ ) .
رواه البيهقي عن علي موقوفاً، وفيه انقطاع . وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عنه ( المرجعان
(٤)
السابقان ) ولم أجد هذا الحديث في روايات حديث عمرو بن حزم ، بالرغم من نسبته إليه في كتب فقه
الحنابلة ( المغني والكشاف ) .
- ٣١٠ -
وحكي عن ابن عُلَيَّة وأبي بكر الأصم من نفاة القياس: أن دية المرأة كدية
الرجل، لقوله عليه السلام في حديث عمرو بن حزم: ((في النفس المؤمنة مائة من
الإبل)».
الكفر (دية غير المسلم): اختلف الفقهاء في تقدير دية غير المسلم على آراء
ثلاثة :
١ - قال الحنفية(١): إن دية الذمي والمستأمن كدية المسلم، فلا يختلف قدر الدية
بالإسلام والكفر، لتكافؤ الدماء، وعملاً بعموم قوله تعالى: ﴿وإن كان من قوم بينكم
وبينهم ميثاق، فدية مسلَّمة إلى أهله) ولأنه عليه الصلاة والسلام ((جعل دية كل
ذي عهد في عهده ألف دینار))(٣).
٢ - وقال المالكية والحنابلة(٢): دية الكتابي (اليهودي والنصراني) نصف دية
المسلم، ونساؤهم نصف ديات المسلمين أي كنساء المسلمات، لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((دية المعاهد نصف دية المسلم))(٤) أو ((إن دية المعاهد نصف دية المسلم))(٥) أو
((دية عقل الكافر نصف عقل المسلم))(٦).
٣ - وقال الشافعية(٧): دية اليهودي والنصراني والمعاهد والمستأمن ثلث دية
المسلم، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه مُّ ((فرض على كل مسلم قتل
(١)
البدائع : ٢٥٤/٧ ، الدر المختار : ٤٠٧/٥ .
أخرجه أبو داود في المراسيل عن سعيد بن المسيب ، وفيه أحاديث أخرى تؤيده ( نصب الراية : ٣٦٦/٤).
(٢)
الشرح الكبير للدردير: ٢٦٧/٤ وما بعدها، بداية المجتهد ، والقوانين الفقهية، المكان السابق ، المغني ٧٩٣/٧ ،
(٣)
٧٩٦ .
أخرجه أصحاب السنن الأربعة من حديث ابن عمرو، وهذا لفظ أبي داود .
(٤)
أخرجه الطبراني من حديث ابن عمر .
(٥)
أخرجه أصحاب السنن الأربعة وأحمد ، وهذا لفظ الترمذي ، وقال : حديث حسن .
(٦)
مغني المحتاج : ٥٧/٤ ، المهذب : ١٩٧/٢ .
(٧)
- ٣١١ -
رجلاً من أهل الكتاب أربعة آلاف درهم))(١). وقضى بذلك عمر وعثمان رضي الله
عنهما(٢)، ولأنه أقل ما أجمع عليه في المسألة .
واتفق غير الحنفية على أن دية المجوسي والوثني المستأمن كعابد الشمس والقمر
والزنديق ثمانمائة درهم، أي ثلثا عشردية المسلم بتقدير الجمهور، وأن نساءهم نصف
دياتهم، كما قال بعض الصحابة مثل عمر وعثمان وابن مسعود رضي الله عنهم ، وبعض
التابعين كسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعطاء وعكرمة والحسن وغيرهم(٢).
والمذهب المنصوص عند الشافعية: أن من لم يبلغه الإسلام: إن تمسك بدين لم
يبدَّل، فتجب له دية أهل دينه، كالكتابي أو المجوسي، وإن تمسك بدين بدّل فديته
كدية المجوسي. وقال الحنابلة والحنفية: لا يجوز قتل هذا الشخص إن وجد، حتى
يدعى إلى الاسلام، فإن قتل قبل الدعوى من غير أن يعطى أماناً، فلا ضمان فيه؛
لأنه لا عهد له ولا إیمان .
العقوبة البدلية الثانية للعمد -التعزير:
إذا سقط القصاص في القتل العمد، كان التعزير عقوبة بدلية عنه؛ لكن هل
التعزير أمر واجب أم جائز؟ وقد أشرنا له في حالة عفو ولي الدم.
١- قال المالكية(٤): يجب تعزير القاتل العمد إذا لم يقتص منه، والعقوبة هي
جلد مائة، وحبس سنة، عملاً بأثر ضعيف عن عمر.
(١) رواه عبد الرزاق في مصنفه. وروى عبادة بن الصامت أن النبي عَ في قال: ((دية اليهودي والنصراني أربعة
آلاف )» .
روى الشافعي والدارقطني عن سعيد بن المسيب، قال: ((كان عمر يجعل دية اليهودي والنصراني أربعة
(٢)
آلاف، والمجوسي ثماغمائة )).
(٣)
الشرح الكبير للدردير : ٢٦٨/٤ ، مغني المحتاج : ٥٧/٤ ، المغني : ٧٩٦/٧ .
(٤)
بداية المجتهد : ٣٩٦/٢ .
- ٣١٢ -
٢ - وقال الجمهور(١): لا يجب التعزير، وإنما يفوض الأمر للحاكم، يفعل ما يراه
مناسباً للمصلحة، فيؤدب الشرير بالحبس أو الضرب أو التأنيب ونحوها. ويمكن أن
يكون التعزير عند الحنفية والمالكية هو القتل أو الحبس مدى الحياة.
النوع الثالث - العقوبة التبعية للقتل العمد- حرمان الميراث
والوصية :
ثبت في السنة تشريع عقوبة أخرى للقتل العمد وهي الحرمان من الإرث،
والوصية، وذلك في قوله { ل: ((ليس لقاتل ميراث))(٣) وفي رواية: ((لا يرث القاتل
شيئاً))(٣). وفي قوله عليه السلام: ((ليس لقاتل وصية))(٤). فإذا قتل الوارث مورثه،
أو الموصى له الموصي، حرم من الميراث والوصية، عملاً بمبدأ سد الذرائع، كيلا يطمع
أحد بمال مورثه، فيتعجل موته بالقتل.
لكن اختلف الفقهاء في نوع القتل المانع من الميراث أو الوصية.
أولا - الحرمان من الميراث:
القتل من حيث المبدأ مانع من الميراث بالاتفاق، لكن الخلاف في تحديد صفة
القتل .
(١) التلويح على التوضيح: ١٥٥/٢، المغني: ٧٤٥/٧، الأحكام السلطانية للماوردي: ص٢٢٩ ، ولأبي يعلى:
ص٢٦٦ ، رد المحتار: ١٩٦/٣، الشرح الكبير للدردير: ٣٥٥/٤، التشريع الجنائي الاسلامي: ١٨٣/٢
وما بعدها ، المدخل الفقهي للأستاذ الزرقا: ف٣٣١، ٣٣٣ .
رواه مالك في الموطأ وأحمد وابن ماجه عن عمر ( نيل الأوطار: ٧٤/٦) .
(٢)
رواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( نيل الأوطار ، المكان السابق ) .
(٣)
أخرجه الدارقطني والبيهقي عن علي بن أبي طالب ، وفيه راو متروك يضع الحديث ( نصب الراية :
(٤)
٤٠٢/٤ ) .
- ٣١٣ -
فقال الحنفية والشافعية والحنابلة (الجمهور) (١): إن القتل العدوان بغير حق،
الصادر من البالغ العاقل، عمداً أم خطأ، مانع من الميراث.
لكن يشترط عند الحنفية أن يكون القتل مباشرة لاتسبباً. ولم يميز الشافعية
والحنابلة بينهما، فقالوا: لا فرق بين المباشرة والتسبب، فكلاهما مانع من الإرث.
وإذا كان القتل بحق وهو القتل غير المضمون كالقتل قصاصاً أو حداً أو دفاعاً عن
النفس أو قتل العادل الباغي، أو كالقتل الحادث بسبب التأديب كضرب الأب
والزوج والمعلم، فلا يمنع الميراث عند الحنفية والحنابلة، ويمنع الميراث عند الشافعية،
أي أن القتل غير المضمون يمنع الإرث عند الشافعية، وعند الحنابلة لا يمنع. والقتل
بإكراه مضمون عند الشافعية والحنابلة ، فيمنع الميراث.
والقتل الصادر من الصبي أو المجنون أو النائم لا يمنع الميراث عند الحنفية، ويمنع
الميراث عند الشافعية والحنابلة؛ لأنه قتل بالتسبب.
وقال المالكية(٢): إن القتل العمد، ومثله شبه العمد المعروف عند غيرهم والمقرر
استثناء لديهم هو المانع من الميراث، سواء أكان مباشرة أم تسبباً، وأما القتل الخطأ فلا
يحرم الإرث.
وعلى هذا فأشد المذاهب في جعل القتل مانعاً من الميراث هم الشافعية ثم
الحنابلة، ثم الحنفية ثم المالكية. والسبب في التشدد إطلاق حديث: ((ليس للقاتل
شيء)) ولأن القاتل لو ورث لم يؤمن أن يستعجل الإرث بالقتل، فاقتضت المصلحة
حرمانه: ((من استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه)).
الدر المختار: ٥٤٢/٥، التلويح على التوضيح: ١٥٣/٢، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص١٣٦ ، مغني المحتاج :
(١)
٢٥/٣، المغني: ٢٩٢/٦، المهذب: ٢٤/٢، مؤلفنا نظرية الضمان: ص٣٢٩ وما بعدها .
الشرح الكبير للدردير : ٤٨٦/٤ .
(٢)
- ٣١٤ -
ثانيا -الحرمان من الوصية :
القتل المانع من الوصية عند الحنفية(١): هو القتل المانع من الإرث وهو أن
يكون صادراً من بالغ عاقل، ومباشرة لا تسبباً، وعدواناً أي بغير حق، سواء أكان
عمداً أم خطأ.
وكذلك الأمر عند المالكية (٢): لا يصلح القتل الخطأ مانعاً من الوصية كالميراث،
وأما القتل العمد ومثله شبه العمد، فهو مانع من الوصية على الراجح إن لم يعلم
الموصي بأن الموصى له ضربه. فإن علم الموصي بمن ضربه أو قتله، ولم یغیر وصیته، أو
أوصى له بعد الضرب صحت الوصية، سواء قتله عمداً أم خطأ.
ومثلهما قال الحنابلة(٣): الأصح أن القتل بغير حق، سواء أكان عمداً أم خطأ
يبطل الوصية؛ لأنه يمنع الميراث، وهو آكد منها، فهي أولى بحرمان القاتل منها.
وقال الشافعية(٤): الأظهر أن الموصى له لو قتل الموصي ولو تعدياً، استحق
الموصى به؛ لأن الوصية تمليك بعقد فأشبهت عقد الهبة، وخالفت الإرث.
والخلاصة: أن القتل المانع من الميراث مانع عند الجمهور من الوصية. وأما عند
الشافعية: فلا يعتبر القتل مانعاً من الوصية، وإن منع الميراث.
5
المبحث الثالث-القتل شبه العمد وعقوبته:
لا يعرف المالكية القتل شبه العمد، فهو في حكم العمد إلا في حالة قتل الأب
(١)
الدر المختار: ٤٥٩/٥، البدائع: ٣٣٩/٧ .
(٢)
الشرح الكبير للدردير : ٤٢٦/٤ .
منار السبيل في شرح الدليل على مذهب أحمد للشيخ ابراهيم بن ضويان : ٣٩/٢ ، ط دمشق ، كشاف القناع :
(٣)
٣٩٧/٤ ٠
الأشباه والنظائر للسيوطي: ١٣٦/٢، مغني المحتاج : ٤٣/٣.
(٤)
- ٣١٥ -
ابنه فهو شبه عمد عندهم(١) . وعرفه الجمهور، ولكنهم كما بينا اختلفوا في تحديد معناه،
فهو عند أبي حنيفة: أن يعتمد الجاني الضرب بما ليس بسلاح أو ما في حكمه، كالقتل
بالمثقل من عصا أو حجر أو خشب كبير.
وعند الصاحبين والشافعية والحنابلة: القتل بالمثقل عمد. وشبه العمد: أن
يتعمد الجاني الضرب بما لا يقتل غالبا كالحجر والخشب الصغير والعصا الصغيرة.
وعقوبات القتل شبه العمد أنواع ثلاثة : أصلية، وبدلية، وتبعية.
النوع الأول-العقوبة الأصلية:
هناك عقوبتان أصليتان للقتل شبه العمد وهما : الدية والكفارة.
المطلب الأول -الدية المغلظة:
لاقصاص في القتل شبه العمد، بل فيه الذية المغلظة على العاقلة وهي العقوبة
الأولى فيه (٢)، لقوله ◌َّ التّ: ((ألا إن دية الخطأ شبه العمد، ما كان بالسوط والعصا،
مائة من الإبل: منها أربعون في بطونها أولادها))(٣) وهو رأي المالكية والشافعية.
ودية شبه العمد مثل دية العمد في نوعها ومقدارها، وتغليظها، لكنها تختلف
عنها في الملزم بها ، وفي وقت أدائها ، فدية العمد تجب على الجاني في ماله معجلة،
ودية شبه العمد تجب على العاقلة مؤجلة في مدی ثلاث سنين.
(١) القوانين الفقهية: ص ٣٤٥، بداية المجتهد: ٣٩٠/٢، ٣٩٣ وذلك أن يحذف الأب ابنه بسيف أو عها،
فيقتله ، كما فعل رجل من بني مدلج بابنه ، ففرض عمر على الأب دية مغلظة مثلثة : ٣٠ حقه و ٣٠ جذعة ،
و ٤٠ حوامل .
(٢)
البدائع : ٢٥١/٧ .
رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو، وصححه ابن القطان ( نصب الراية :
(٣)
٣٥٦/٤ ) .
- ٣١٦ _
لكن الإمام مالك يرى أن شبه العمد كالعمد، في وجوب الدية في مال الجاني.
إلا في حالة قتل الأب ابنه فيما إذا حذفه بسيف أو عصا، فقتله، ففيه دية شبه عمد:
مغلظة مثلثة، مؤجلة كدية الخطأ .
أولا - الملزم بأداء دية شبه العمد :
قال الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة)(١): تجب دية شبه العمد بطريق
التعاون والتخفيف والمواساة للجاني على العاقلة، لا في مال الجاني.
وبما أن المالكية(٢) يقسمون القتل إلى نوعين فقط: وهما العمد والخطأ، وليس
عندهم شبه العمد، وهو في حكم العمد، فإنهم يوجبون دية شبه العمد في مال القاتل،
لا في مال العاقلة إلا فيما استثناه الإمام مالك. وهذا موافق لرأي جماعة من فقهاء
المذاهب غير المشهورة (وهم ابن سيرين والزهري والحارث العُكلي وابن شبرمة وقتادة
وأبو ثور وأبو بكر الأصم)؛ لأن هذا القتل موجَب فعل قصده الجاني، فلا تتحمله
العاقلة عنه كالعمد المحض، ولأن دية هذا القتيل دية مغلظة، فأشبهت دية العمد.
ودلیل الجمهور حديث أبي هريرة قال: ((اقتتلت امرأتان من هذیل، فرمت
إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله مطاتعٍ فقضى أن
دية جنينها غرّه (٣): عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها))(٤). قال ابن تيمية:
وفيه دليل على أن دية شبه العمد تحملها العاقلة .
ويؤكده أنه قتل لا يوجب قصاصاً، فتجب ديته على العاقلة، كالخطأ،
البدائع: ٢٥٥/٧، تكملة فتح القدير: ٢٥١/٨ ، مغني المحتاج: ٥٥/٤ ، المغني : ٧٦٦/٧ وما بعدها .
(١)
(٢)
بداية المجتهد : ٤٠١/٢، ٤٠٥، الشرح الكبير للدردير: ٢٨٢/٤، المغني : ٧٦٧/٧.
(٣)
أصل الغرة : البياض في وجه الفرس ، وعبر هنا بالغرة عن الجسم كله .
(٤)
متفق عليه بين أحمد والشيخين ( البخاري ومسلم ) ( نيل الأوطار : ٦٩/٧ ) .
- ٣١٧ -
ويختلف عن العمد المحض: أن العمد قصد فيه الجاني الفعل وإرادة القتل، فاستحق
تغليظ الدية بكونها في ماله، وتدفع فوراً، وشبه العمد قصد فيه الجاني الفعل، ولم
يرد القتل، فاستحق التخفيف من ناحيتين: هما كون الدية على العاقلة، و کونها
مؤجلة كما في القتل الخطأ .
وهل تجب الدية ابتداء على العاقلة أم على القاتل ؟
هناك رأيان للفقهاء: قال الحنفية والمالكية والأصح عند الشافعية(١): تجب
ابتداء على القاتل؛ لأن سبب وجوبها وهو القتل، وجد منه، لا من العاقلة، فكان
الوجوب عليه، لا على العاقلة، وإنما العاقلة تتحمل دية واجبة عليه.
ويتحمل القاتل جزءاً من الدية مع العاقلة؛ لأنه هو المطالب أصالة بتحمل
جريرة فعله، ودور العاقلة تابع، فهو مطالب بحفظ نفسه من ارتكاب الجرائم،
وعاقلته مطالبة أيضاً بحفظه من الجريمة، فإذا لم يحفظوا فرَّطوا، والتفريط منهم
ذنب. والقاتل يعتمد على مناصرة عاقلته وحمايتها له، فتشاركه في تحمل تبعة
المسؤولية، لا أنها تستقل بتحملها عنه .
وبناء على هذا الرأي: إذا لم يكن للجاني عاقلة يرجع بالدية كلها عليه، وهذا
هو الأظهر عند الشافعية. لكنهم قالوا في حال وجود العاقلة: متى وزع الواجب في
السنة الأولى على العاقلة أو بيت المال، وفضل شيء منه فهو على الجاني مؤجلاً عليه
کالعاقلة.
وقال الحنابلة (٢): تجب الدية على العاقلة ابتداء؛ لأنه لا يطالب بها غيرهم،
البدائع : ٢٥٥/٧ ، مغني المحتاج : ٩٥/٤، ٩٧، الشرح الكبير للدردير: ٢٨١/٤ وما بعدها ، الدر اختار ورد
(١)
المختار : ٤٠٠/٥ ، ٤٥٤ .
(٢) كشاف القناع: ٦٠/٦، المغني ٧٧١٨٧ .
- ٣١٨ _
ولا يعتبر تحملهم ولا رضاهم بها، فلا تجب على غير من وجبت عليه، كما لو عدم
القاتل .
ولا يتحمل القاتل عند الحنابلة جزءاً من الدية؛ لأن الدية تلزم العاقلة ابتداء،
فإن لم توجد عاقلة أو عجزت، وكان الجاني مسلماً أخذت الدية أو باقيها من بيت
المال حالَّة دفعة واحدة؛ لأن الدية إنما أجلت على العاقلة تخفيفاً ولا حاجة للتأجيل
في بیت المال.
ثانیا-وقت أداء دية شبه العمد : تؤدی دیة شبه العمد كما بينا في دية
العمد مؤجلة في مدی ثلاث سنين، في آخر کل سنة ثلثها ، وهو مروي عن النبي ےُٹے ،
ومحكي عن عمر وعلي رضي الله عنهما، وكونها في آخر السنة لتتمكن العاقلة دفعها من
إنتاج المواسم. وكونها في كل سنة الثلث، توزيعاً لها على السنين الثلاث.
ويعتبر بدء السنة عند الحنفية(١) من يوم الحكم أو القضاء بها، وهو رأي
المالكية(٣) في دية الخطأ.
وعند الشافعية والحنابلة (٣): تبدأ السنة من وقت وجوب الدية، فإن كانت دية
نفس، فمن حين الموت؛ لأنه وقت استقرار الوجوب في الذمة، وإن كانت دية غير
النفس، فمن حين الجناية؛ لأنها تلك حالة الوجوب.
ثالثا - مقدار ما تتحمله العاقلة من دية شبه العمد:
يرى الحنفية(٤): أن العاقلة لا تتحمل ما دون نصف عشر الدية (وهو خمس من
اللباب شرح الكتاب: ١٧٨/٣، ١٨٠، الدر المختار: ٤٥٤/٥.
(١)
(٢)
الشرح الكبير للدردير: ٢٨٥/٤، الشرح الصغير : ٤٠٣/٤ :
(٣)
مغني المحتاج : ٩٨/٤ ، المغني : ٧٦٧/٧ وما بعدها .
الدر المختار: ٤٥٤/٥ وما بعدها، البدائع: ٢٥٥/٧ وما بعدها، ٣٢٢، اللباب شرح الكتاب : ١٧٩/٣ .
(٤)
- ٣١٩ -
الإبل: أرش الموضحة) إذا كانت الجناية فيما دون النفس. أما بدل النفس فتحمله
العاقلة، وإن قل؛ لأن بدل النفس ثبت بالنص على العاقلة. وأما مادون النفس
فعلى الجاني، لقول الشعبي: ((لا تعقل العاقلة عمداً، ولا عبداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً،
ولا ما دون أرش الموضحة)»(١).
والأصح عند الحنفية: أنه لا يؤخذ في كل سنة من كل واحد من أفراد العاقلة إلا
درهم، أودرهم وثلث، بحيث يؤخذ منه في مجموع الثلاث السنوات ثلاثة أو أربعة
دراهم.
وقال المالكية، والحنابلة(٢): لا تحمل العاقلة ما دون ثلث الدية؛ لأن عمر رضي
الله عنه قضى في الدية ألا يحمل منها شيء، حتى تبلغ عقل المأمومة أي تعويضها،
وهو ثلث الدية .
ويتحمل عندهم كل فرد من أفراد العاقلة على قدرما يطيق، بحسب اجتهاد
الحاكم، وليس فيه تقدير شرعي محدد، فلا يكلف أحد ما يجحف به ويشق عليه؛ لأن
تكليف العاقلة مشروع على سبيل المواساة للقاتل والتخفيف عنه.
وأقل عدد للعاقلة عند المالكية بحيث لا ينقص عنه: هو سبعمائة، وقيل ألف،
فإذا وجد من العصبة هذا العدد، فلا يضم إليهم أحد، وإن نقصوا عن هذا العدد، ولو
كانوا أغنياء، ضم إليهم ما يكِّلهم من الموالي، أي المعتقون.
وقال الشافعية(٣): تحمل العاقلة جميع الدية، قلَّت أو كثرت؛ لأنه إذا ألزمت
بالكثير فالقليل من باب أولى. وتوزع على النحو التالي:
رواه البيهقي موقوفاً على الشعبي . وتأويل العبد معناه : أن يقتل العبد حرا ، فليس على عاقلة مولاه شيء
(١)
من جنايته ، وإنما هي في رقبته ( نصب الراية : ٣٧٩/٤ ).
الشرح الكبير للدردير: ٢٨٢/٤، ٢٨٦، الشرح الصغير للدردير: ٣٩٦/٤، المغني: ٧٧٥/٧، ٧٧٧ ، ٧٨٨ ،
(٢)
القوانين الفقهية : ص ٣٤٧ وما بعدها .
(٣)
المهذب: ٢١١/٢ ، مغني المحتاج: ٩٥/٤ ، ٩٩ .
:
- ٣٢٠ -