Indexed OCR Text
Pages 281-300
للتشفي ، فحقه التفويض إلى اختيار المستحق، فلا يحصل المقصود باستيفاء غيره من
ولي أو حاكم أو بقية الورثة.
٢ - إذا تعدد مستحقو القصاص: فإما أن يكون الكل كباراً أو فيهم صغير.
7
آ-فإن كان الجميع كباراً حاضرين، فلكل واحد منهم ولاية استيفاء القصاص،
حتى لو قتله أحدهم صار القصاص مستوفى للجميع؛ لأن القصاص إن كان حق الميت
(كما يرى الصاحبان وموافقوهما)، فكل واحد من الورثة خصم في استيفاء حق
الميت، كما هو الحال في استيفاء المال.
وإن كان القصاص حق الورثة ابتداءً واستقلالاً (كما يرى أبو حنيفة ومالك)
فكل واحد من الورثة يملك حق القصاص على سبيل الكمال.
لكن يشترط عند الحنفية حضور جميع المستحقين عند استيفاء القصاص،
لاحتمال العفو من الغائب. فإن بادر أحد المستحقين بقتل الجاني، صار القصاص عند
الحنفية مستوفى للجميع؛ لأن القصاص واجب عيناً، وليس لباقي الورثة شيء من
المال، وإنما يعزر المقتص لافتئاته على إمام المسلمين.
وقال الحنابلة، والأظهر عند الشافعية (١): إنه لا قصاص في هذه الحالة على من
بادر فقتل الجاني، ولكن الباقين من المستحقين نصيبهم من الدية من تركة الجاني،
لسقوط حقهم بغير اختيارهم، وكون ذلك من تركة الجاني لا من المبادر على الأرجح؛
لأن المبادر فيما وراء حقه كالشخص الأجنبي، ولو بادر أجنبي فقتل الجاني، أخذ
الورثة الدية من تركة الجاني لا من الأجنبي.
ب- وأما إذا كان مستحقو القصاص كباراً وصغاراً، أو فيهم مجنون أو بعضهم
(١) مغني المحتاج: ٤١/٤، المغني : ٧٤١/٧ .
- ٢٨١ -
غائب. فللكبار استيفاء القصاص عند أبي حنيفة ومالك(١)، ولا ينتظر بلوغ
الصغير، ولا إفاقة المجنون(٢)؛ لثبوت حق القصاص للورثة ابتداء على سبيل الكمال
والاستقلال، ولأن القصاص حق لا يتجزأ، لثبوته بسبب لا يتجزأ، وهو القرابة.
ويؤيده اقتصاص الحسن لأبيه علي من ابن ملجم، وكان في ورثة علي كرم الله وجهه
صغار.
وأما الغائب فينتظر عودته لاحتمال عفوه حال غيبته، فتقع الشبهة،
ولا قصاص مع الشبهة، بعكس الصغير؛ لأن العفو من الصغیر میئوس منه حال
استيفاء القصاص؛ لأنه ليس من أهل العفو. وانتظار الغائب عند المالكية هو في
حال الغيبة القريبة، بحيث تصل إليه الأخبار إن أراد الحاضر القصاص. أما في حال
الغيبة البعيدة بحیث یتعذر وصول الخبر إلیه کأسیر ومفقود فلا ينتظر.
وللأب والجد عند الحنفية والمالكية استيفاء القصاص عن الصغير، وأضاف
المالكية دون الحنفية تلك الولاية للوصي أيضاً.
وقال الصاحبان والشافعية والحنابلة(٢): ليس لبعض أولياء القتيل استيفاء
القصاص إلا بإذن الباقين، فإن كان فيهم صغير ينتظر بلوغه، أو مجنون تنتظر
إفاقته، أو غائب ينتظر قدومه؛ لأن القصاص حق مشترك بينهم، ولا يملك أحدهم
إبطال حق غيره، فيؤخر إلى وقت كال القاصر، كما يؤخر لعودة الغائب.
وليس للولي أباً أو جداً، ولا للوصي ولا للحاكم استيفاء القصاص للصغير أو
المجنون؛ لأن القصد من القصاص هو التشفي، وترك الغيظ، ولا يحصل المقصود
باستيفاء الأب أو غيره، بخلاف الدیة، فإن الغرض يحصل باستيفائه.
(١)
البدائع: ٢٤٣/٧ وما بعدها، الدر المختار: ٣٨٣/٥، الشرح الكبير للدردير: ٢٥٧/٤ ، تكملة فتح القدير :
٢٦٥/٨ .
هذا عند المالكية إذا كان الجنون مطبقاً مستمراً ، أما من يفيق أحياناً فتنتظر إفاقته ، كما ينتظر المغمى عليه .
(٢)
(٣)
تكملة فتح القدير : ٢٦٥/٨ ، مغني المحتاج: ٤٠/٤، المغني: ٧٤٠/٧ وما بعدها، كشاف القناع : ٦٢١/٥ .
- ٢٨٢ -
تاسعاً - كيفية استيفاء القصاص (أداة القصاص):
هناك رأيان في الفقه في كيفية القصاص.
١ - قال الحنفية، والأصح عند الحنابلة(١): لا يكون القصاص في النفس إلا
بالسيف(٢)، سواء أكان ارتكاب جريمة القتل بالسيف ونحوه، أم بمحرم لذاته كسحر
وتجريع خمر ولواط، أم بمثقل كحجر وعصا، أم بتغريق أم تحريق أم هدم حائط
علیه، أم حبس أم خنق أم قطع عضو ثم ضرب عنقه، أم جنى عليه جناية غير ماذکر
فمات، وتوافرت شروط القصاص بحسب كل مذهب، علی ما بینا، فمن له قود قاد
بالسيف، ولا يفعل بالمقتص منه كما فعل إذا كان القتل بغير السيف لأنه مثلة، وقد
نهي عن المثلة، ولأن فيه زيادة تعذيب، لكن لو قام ولي الدم يالقاء الجاني في بئر، أو
قتله بحجر، أو بنوع آخر، عزر، وكان مستوفياً حقه في القصاص.
واستدلوا بقول النبي مثل: ((لا قود إلا بالسيف))(٣).
٢ - وقال المالكية والشافعية(٤): يقتل القاتل بالقِتْلة التي قتل بها أي بمثل الفعل
الذي فعله بالقتيل، من ضربه بمحدد كحديد أوسيف، أو بمثقل كحجر، أو رمي من
شاهق، أو خنق أو تجويع أو تغريق أو تحريق أو غيرها. لكن إن عدل الولي عن
هذه الوسائل إلى السيف، جاز بل هو أولى للخروج من الخلاف.
البدائع: ٢٤٥/٧، الدر المختار: ٣٨٢/٥، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: ٩٨/٦، كشاف القناع : ٦٢٨/٥،
(١)
المغني : ٦٨٥/٧، ٦٨٨.
(٢)
قال الحنفية : المراد بالسيف : السلاح .
رواه ابن ماجه والبزار في مسنده، وقال: لا نعلم أحداً أسنده بأحسن من هذا الإسناد ، ورواه ابن ماجه
(٣)
والبيهقي والدارقطني عن النعمان بن بشير من غير طريق وقال أحمد : ليس إسناده بجيد .
بداية المجتهد : ٣٩٦/٢ وما بعدها، الشرح الكبير للدردير: ٢٦٥/٤ ، مغني المحتاج: ٤٤/٤، المهذب : ١٨٦/٢ ،
(٤)
القوانين الفقهية لابن جزي: ص ٣٤٥ ، الشرح الصغير : ٣٦٩/٤ وما بعدها .
- ٢٨٣ -
ويتعين السيف عند هؤلاء إذا كان القتل بسحر أو خمر، أو لواط؛ لأن هذا محرم
لعينه ، فوجب العدول عنه إلى القتل بالسيف.
كما يتعين السيف أيضاً عند المالكية إذا طال تعذيب الجاني بمثل فعله، أو ثبت
القصاص بالقسامة، واختلف المالكية على رأيين في القتل بالنار والسم إذا كان القاتل
قتل بها، فقيل: يقتل بالسيف، وقيل: يقتل بما قتل به، وهذا هو مشهور مذهب
المالكية .
واستدلوا على مذهبهم بالقرآن والسنة والمعقول:
أما من القرآن فآيات مثل قوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم
به﴾ وقوله سبحانه: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾
﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾.
ومن السنة: قوله عليه السلام: ((من حرَّق حرقناه، ومن غرق غرقناه))(١)
وثبت أن النبي مال ((رض رأس بهودي بين حجرين، كان قد قتل بها جارية من
(٢)
الأنصار(٣)).
ومن المعقول: أن القصاص معناه المماثلة في الفعل، فوجب أن يستوفى من الجاني
مثل ما فعل، ثم إن المقصود من القصاص هو التشفي، ولا يكمل المطلوب إلا إذا قتل
القاتل بمثل ما قتل. وأما حديث النهي عن المثلة فمحمول على من وجب قتله، لا على
وجه المكافأة.
رواه البيهقي في السنن من حديث البراء بن عازب . لكن في إسناده من يجهل حاله كبشر وغيره .
(١)
(٢)
أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك .
- ٢٨٤ _
تنفيذ القصاص بواسطة ولي القتيل :
استيفاء القصاص بالسيف ونحوه قد يكون بالجلاد المتخصص إذا رغب عنه
مستوفي القصاص، وقد يكون بنفس مستحق القصاص، فيمكن من السيف، ولکن
بإشراف الحاكم؛ لأن المبدأ الشرعي المتفق عليه أن تنفيذ عقوبات الحدود والقصاص
والتعزيرات يكون من اختصاص الإمام، فيشترط وجوده عند استيفاء
العقوبة (١) . وتعتبر مشاركة ولي الدم في القصاص سبيلاً لإطفاء لوعته وإزالة حقده،
فتهدأ نفسه، ويوصد الباب أمام أسرته، كيلا تبادر إلى الاقتتال مع أسرة القاتل،
قال تعالى: ﴿ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل، إنه
كان منصوراً﴾.
وإذا سلم القاتل لولي الدم لأجل استيفاء القصاص منه، وجب على الحاكم أن
ينهاه عن العبث بالجاني، فلا يشدد عليه بحبس أو تخشيب أو تكتيف قبل القصاص
ولا يمثل به بعد القصاص(٣).
استعمال وسيلة قصاص غير السيف:
بما أن القصد من استعمال السيف كونه أسرع أداة في القتل، وأيسر وسيلة
لتفادي الألم والعذاب، فلا مانع شرعاً من استعمال أداة أخرى أسرع من السيف، وأقل
إيلاماً، وأبعد عن المُثْلة، مثل المِقْصلة التي هي من قبيل السلاح المحدد، والكرسي
الكهربائي التي تسرع في الصعق(٣)، والشنق لعدم إسالة الدم فيه، والاعتماد على
إيقاف القلب به، والإعدام بغاز معين شبيه بالمخدر.
(١) راجع البدائع: ٩٦/٧، الدر المختار: ٣٨٩/٥ وما بعدها، حجة الله البالغة: ١٣٢/٢، الشرح الكبير للدردير:
٣٥٤/٤، مغني المحتاج: ٢٧٧/٢، ٣١/٤، الأحكام السلطانية للماوردي: ص ١٤، المهذب ١٨٤/٢، كشاف
القناع : ٦٢٦/٥ ، المغني ، ٦٩٠/٧ .
(٢)
الشرح الكبير للدردير : ٢٥٩/٤ .
التشريع الجنائي الإسلامي: ١٥٤/٢ نقلاً عن لجنة الفتوى بالأزهر، المدخل الفقهي للأستاذ الزرقا: ف/٣٢٨.
(٣)
- ٢٨٥ -
--
.. .... .
عاشراً - مسقطات القصاص:
يسقط القصاص بأحد أربعة أسباب هي ما يأتي: موت الجاني، العفو، الصلح،
إرث القصاص(١).
١ - موت الجاني (فوات محل القصاص): إذا مات من عليه القصاص، أو
قتل ظلماً بغير حق، أو بحق بالردة أو القصاص، سقط القصاص؛ لأن محله هو نفس
القاتل، ولا يتصور بقاء الشيء في غير محله.
وفي هذه الحالة، هل تجب الدية في مال الجاني أم لا ؟
قال الحنفية والمالكية(٢): إذا سقط القصاص بالموت لاتجب الدية في مال
القاتل؛ لأن القصاص واجب عيناً، فإذا مات سقط الواجب. وليس للولي أخذ
الدية الا برضا القاتل. ولا تجب الدية الا برضا القاتل واختياره.
وقال الحنابلة(٣): اذا سقط القصاص بالموت، بقي الخيار للولي في أخذ الدية؛
لأن الواجب بقتل العمد أحد شيئين: القود أو الدية، فإن اختار أخذ الدية وجبت
ولو لم يرض الجاني. وبالرغم من أن الراجح في المذهب الشافعي وهو أن القصاص
واجب عيناً، إلا أن الشافعية قالوا: الدية بدل عن القصاص عند سقوطه بعفو أو
غيره كموت الجاني، فيثبت حق المجني عليه في الدية ؛ لأن ما ضمن بسببين على سبيل
البدل، إذا تعذر أحدهما ثبت الآخر، كذوات الأمثال(٤). وتلزم الدية حال العفو عن
القصاص على الدية باختيار ولي المجني عليه، لا برضا الجاني. وبه يظهر أن الشافعية
والحنابلة يقررون بقاء الدية في التركة بموت القاتل.
البدائع: ٢٤٦/٧ وما بعدها، الدر المختار: ٣٩٤/٥، الشرح الكبير: ٢٦٢/٤ وما بعدها ، الشرح الصغير :
(١)
٣٦٦/٤ وما بعدها .
البدائع ، المكان السابق ، الشرح الكبير للدردير: ٢٣٩/٤ .
(٢)
(٣)
كشاف القناع : ٦٣٣/٥ .
مغني المحتاج : ٤٨/٤، نهاية المحتاج : ٤٨/٧، المهذب : ١٨٨/٢.
(٤)
- ٢٨٦ -
٢ - العفو: الكلام فيه يتناول مشروعيته، وركنه، ومعناه وشروطه،
وأحكامه.
مشروعيته: يجوز العفو عن القصاص، وهو أفضل من استيفاء القصاص(١)،
بدليل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى: الحر بالحر،
والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فمن عفي له من أخيه شيء، فاتباع بالمعروف، وأداء
الیه پاحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ وقال سبحانه: ﴿ والجروح قصاص،
فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ (المائدة -٤٥) وقال تعالى في مناسبة إسقاط الحق في
شيء من المهر قبل الدخول: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ (البقرة - ٢٣٧).
ومن السنة قول أنس: ((مارفع الى رسول الله تع أمر فيه القصاص الا أمر فيه
بالعفو))(٢). وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ما الم يقول: ((مامن رجل يصاب
بشيء في جسده، فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة، وحط به عنه خطيئة))(٣) وعن
أبي هريرة أن النبي ◌ُؤاتٍ قال: ((ماعفا رجل عن مظلمة الا زاده الله بها عزاً)) (٤).
وجعل القصاص قابلاً للسقوط بالعفو مزية فريدة للتشريع الإسلامي، إذ به
يقلص من حالات تنفيذ هذه العقوبة الخطيرة، ويتحقق الغرض منها بحفظ حق
الحياة، ومنع الثأر، ورفع الأحقاد والضغائن من النفوس.
وركن العفو: أن يقول العافي: عفوت أو أسقطت أو أبرأت أو وهبت
ونحوها(٥).
(١)
المغني : ٧٤٢/٧، كشاف القناع : ٦٣٣/٥ .
رواه احمد واصحاب السنن الا الترمذي ، واسناده لا بأس به .
(٢)
رواه ابن ماجه والترمذي ، وقال عنه : هذا حديث غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه .
(٣)
(٤)
رواه احمد ومسلم والترمذي وصححه .
البدائع : ٢٤٦/٧ .
(٥)
- ٢٨٧ -
ومعنى العفو عند الحنفية والمالكية(١): هو إسقاط القصاص مجاناً. أما التنازل
عن القصاص مقابل الدية فهو صلح، لاعفو؛ لأن تنازل الولي لا ينفذ الا إذا قبل
الجاني دفع الدية، فلا تثبت الدية عندهم إلا بتراضي الفريقين أي الولي والقاتل.
وليس للولي إلا أن يقتص أو يعفو عن غير دية، إلا أن يرضى القاتل بإعطاء الدية.
والعفو عند الشافعية والحنابلة(٢): هو التنازل عن القصاص مجاناً، أو الى الدية،
وولي الدم بالخيار: إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية، رضي القاتل أم لم يرض،
عملاً بحديث أبي هريرة: ((من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، بين أن يأخذ الدية،
وبين أن يعفو)).
شروط العفو: يشترط شرطان في العفو(٣):
١ - أن يكون العافي بالغاً عاقلاً، فلا يصح عفو الصبي والمجنون؛ لأنه تصرف
ضار بها ضرراً محضا، فلا يملكانه، كالطلاق، والهبة.
٢ - أن يصدر العفو من صاحب الحق فيه؛ لأن العفو إسقاط الحق، وإسقاط
الحق لا يقبل ممن لاحق له.
وصاحب الحق في العفو: هو الورثة رجالاً ونساء عند الجمهور، والعاصب الذكر
عند المالكية .
ومن لاحق له في العفو: هو الأجنبي غير الوارث عند الجمهور، وغير العاصب
عند المالكية، وكذا الأب والجد في قصاص وجب للصغير عند المالكية والحنفية؛ لأن
(١) تبيين الحقائق: ١٠٧/٦ وما بعدها، ١١٣، البدائع: ٢٤٧/٧، بداية المجتهد: ٣٩٤/٢، الشرح الصغير:
٣٦٨/٤ ، الشرح الكبير : ٢٦٢/٤ وما بعدها .
(٢)
مغني المحتاج : ٤٩/٤ ، كشاف القناع : ٦٣٣/٥ .
البدائع : ٢٤٦/٧ ، بداية المجتهد: ٣٩٥/٢ ، الشرح الكبير: ٢٥٨/٤ وما بعدها ، مغني المحتاج : ٤٨/٤، كشاف
(٣)
القناع: ٦٣٤/٥، المغني : ٧٤٣/٧ .
- ٢٨٨ -
الصغير هو صاحب الحق، ولأبيه وجده ولاية الاستيفاء فقط، كما أن العفو ضرر
محض ، فلا يملكه أحد سوى الصغير بعد البلوغ، حتى الحاكم لا يملكه، والسبب فيه أن
العفو معناه التنازل مجاناً. وأجاز الشافعية والحنابلة للأب والجد والحاكم العفو على
مال.
أحكام العفو:
للعفو أحكام، منها ما يأتي:
أ- أثر العفو في إسقاط القصاص والدية: يترتب على العفو عن القاتل
عند الحنفية والمالكية(١) إسقاط القصاص مجاناً. وليس للعافي حينئذ الحق في أخذ
الدية إلا من طريق الصلح أي الاتفاق مع الجاني لدفع الدية برضاه؛ لأن موجب
العمد عندهم هو القود عيناً. ولكن وجوب القود لا ينافي أن للولي العفو مجاناً، أو
أخذ الدية برضا الجاني.
وقال الشافعية والحنابلة(٢): للولي الحق المطلق في العفو، فإن عفا عن القصاص
سقط، وإن عفا على الدية، وجبت على الجاني ولو بغير رضاه، لما روى البيهقي عن
مجاهد وغيره: ((كان في شرع موسى عليه السلام تحتم القصاص جزماً، وفي شرع عيسى
السلام الدية فقط، فخفف الله تعالى عن هذه الأمة وخيرها بين الأمرين)) لما في
الإلزام بأحدهما من المشقة، ولأن الجاني محكوم عليه، فلا يعتبر رضاه.
وإذا أطلق الولي العفو أو بعبارة أخرى، إذا صدر العفو من الولي مطلقاً عن
القود، ولم يتعرض للدية بنفي ولا إثبات، فالمذهب عند الشافعية: أنه لادية؛ لأن
القتل موجب القود عيناً على الراجح عندهم، ولم يوجب الدية، والعفو إسقاط شيء
(١) البدائع : ٢٤٧/٧، الشرح الكبير للدردير: ٢٣٩/٤ وما بعدها .
(٢) مغني المحتاج: ٤٨/٤، كشاف القناع: ٦٣٣/٥ وما بعدها، المهذب: ١٨٨/٢، المغني: ٧٤٣/٧.
- ٢٨٩ -
الفقه الإسلامي جـ ٦ (١٩)
ثابت، لا إثبات أمر معدوم. وكذلك قال المالكية: لادية لعاف مطلق في عفوه إلا
أن تظهر بقرائن الأحوال إرادتها، فيحلف على مراده(١).
وتجب الدية عند الحنابلة في هذه الحالة، لانصراف العفو الى القود؛ لأنه في
مقابلة الانتقام، والانتقام إنما يكون بالقتل، ولقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه
شيء فاتباع بالمعروف، وأداء اليه ياحسان ﴾ أي اتباع المال، وذلك يشعر بوجوبه
(٢)
بالعفو(٢).
ب- أثر العفو على حق الغير إذا تعدد الأولياء أو كان الولي واحداً:
إذا عفا ولي الدم، وكان واحداً، ترتب عليه أثره: فإن كان العفو مطلقاً ترتب
عليه عصمة دم القاتل، فلو رجع عن عفوه، وقتل القاتل، اعتبر الولي قاتلاً عمداً،
لعموم تشريع القصاص وآياته التي لم تفرق بين شخص وشخص، وحال وحال، ولأن
الجاني بالعفو عنه صار معصوم الدم(١).
وإن كان العفو مقيداً بدفع الدية، وجب على الجاني دفع الدية إن تم ذلك
برضاه عند الحنفية والمالكية، أو بغير رضاه عند الشافعية والحنابلة، على مابينا
سابقا .
وأما إذا تعدد الأولياء، فعفا أحدهم، سقط القصاص عن القاتل؛ لأن القصاص
لايتجزأ، وهو شيء واحد، فلا يتصور استيفاء بعضه دون بعض، ويبقى للآخرين
(١)
الشرح الكبير الدردير : ٢٤٠/٤ .
وهل بالعفو عن القاتل يبرأ القاتل في الدنيا فقط أم ويبرأ أيضا فيما بينه وبين الله تعالى ؟ قال الحنفية : يبرأ
(٢)
القاتل بالعفو عن القصاص والدية ، ولكن لا يبرأ عن ظلمه ، ولو بالتوبة لتعلق حق المقتول به ، وأثر التوبة
هو في إسقاط ظلم القاتل نفسه يإقدامه على المعصية . لكن الجمهور قالوا : يبرأ القاتل بالعفو في الدنيا والآخرة
( رد المحتار : ٣٨٩/٥) .
(٣)
البدائع : ٢٤٧/٧، الدر المختار: ٣٩٤/٥، الشرح الكبير للدردير: ٢٤٠/٤، الشرح الصغير: ٣٦٦/٤ وما
بعدها، المهذب : ١٨٨/٢، كشاف القناع: ٦٣٤/٥، المغني : ٧٤٥/٧.
- ٢٩٠ -
حصتهم من الدية. بدليل ماروي عن جماعة من الصحابة، وهم عمر وابن مسعود وابن
عباس: أنهم أوجبوا في عفو بعض الأولياء الذين لم يعفوا نصيبهم من الدية. ويأخذ
العافي نصيبه من الدية إذا عفا على الدية، ولا يأخذ شيئاً إذا عفا مجاناً.
لكن سقوط القصاص عند المالكية بعفو أحد المستحقين مقيد بما اذا كان العافي
مساوياً لدرجة الباقين أو أعلى درجة، أو استحقاقاً. فإن كان أنزل درجة أو لم يساو
الباقي في الاستحقاق كإخوة لأم مع إخوة لأب، لم يعتبر عفوه(١).
واذا عفا أحد الأولياء، فقتله الآخر، فلا قصاص عند الحنفية(٢)، للشبهة، إذا
كان القاتل غير عالم بالعفو، أو عالماً بالعفو، غير عالم بحرمة القتل. وقال الشافعية
والحنابلة وزفر(٣): عليه القصاص إذا كان عالماً بالعفو؛ لأنه قتل نفساً بغير حق؛ لأن
عصمته عادت إليه بالعفو.
جــ هل يبقى حق للسلطان بعد عفو ولي الدم؟:
اذا عفا ولي القتيل مطلقاً عن القاتل عمداً، صح العفو، وبقي عند الحنفية والمالكية
حق السلطان في عقوبته تعزيراً؛ لأن القصاص فيه حقان : حق الله (أوحق المجتمع أو الحق
العام)، وحق المجني عليه. وحدد المالكية نوع التعزير فقالوا: اذا عفا ولي الدم (٤) عن
القاتل عمداً، يبقى للسلطان حق فيه، فيجلده مائة، ويسجنه سنة(٥).
البدائع ، المكان السابق ، الشرح الكبير للدردير: ٢٦١/٤ وما بعدها، الشرح الصغير : ٣٦٤/٤ ، المهذب : :
(١)
١٨٩/٢، المغني : ٧٤٤/٧، كشاف القناع ، المكان السابق .
(٢)
البدائع : ٢٤٨/٧ .
البدائع، المكان السابق، مغني المحتاج: ٤١/٤، المهذب : ١٨٤/٢، شرح المحلي على المنهاج: ١٢٢/٤ ، المغني:
(٣)
٧٤٤/٧ ، كشاف القناع : ٦٣٢/٥.
أولياء الدم كما عرفنا: هم الورثة على ترتيب الارث والحجب حتى الزوجان ، في رأي الحنفية والشافعية
(٤)
والحنابلة . وقال المالكية : أولياء الدم : هم الذكور العصبة دون البنات والأخوات والزوجين ( انظر القوانين
الفقهية : ص ٣٤٦ ) .
(٥)
التلويح على التوضيح: ١٥٥/٢، بداية المجتهد: ٣٩٦/٢ .
- ٢٩١ -
وقال الشافعية والحنابلة: إذا عفي عن القاتل مطلقاً، صح العفو، ولم تلزمه
عقوبة أخرى(١). وقال الماوردي الشافعي(٢): الأظهر أن لولي الأمر أن يعزر مع العفو
عن الحدود؛ لأن التقويم من حقوق المصلحة العامة. وقال أبو يعلى الحنبلي(٣) في حق
السلطنة المشروع للتقويم والتهذيب: ظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى: أنه يسقط؛
لأنه لم يفرق، ويحتمل ألا يسقط للتهذيب والتقويم(".
د- عفو المقتول عمداً عن دمه قبل موته: إذا عفا المقتول عن القاتل قبل
موته، فقال الحنفية والشافعية والحنابلة(٥): يسقط القصاص عن القاتل، ولا تجب
الدية لورثة المقتول من بعده، أي لاقصاص فيه ولادية، وإنما هو هدر، للإذن فيه؛
لأن المقتول أسقط حقه باختياره، وقال تعالى: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ أي
المقتول يتصدق بدمه، في حال إصابته قبل موته .
وقال المالكية(١): لو قال المقتول لقاتله: إن قتلتني أبرأتك، أو قال له بعد
جرحه قبل إنفاذ مقتله: أبرأتك من دمي ، فلا يبرأ القاتل، بل للولي القود؛ لأنه
أسقط حقاً قبل وجوبه. أما لو أبرأه بعد إنفاذ مقتله، أو قال له: إن مت فقد
أبرأتك، فإنه يبرأ؛ لأنه أسقط شيئاً بعد وجوبه ، ولكن القول لابد من أن يكون بعد
إنفاذ مقتله .
أما عفو المقتول خطأ عن الدية، فينفذ في المذاهب من ثلث ماله(٧).
(١)
المغني : ٧٤٥/٧ .
(٢)
الأحكام السلطانية له : ص ٢٢٩ .
(٣)
الأحكام السلطانية له : ص ٢٦٦ .
انظر كتابنا نظرية الضمان: ص ٣٠٩ - ٣١١ المسؤولية المدنية والجنائية للشيخ محمود شلتوت : ص ٥١ وما
(٤)
بعدها .
(٥)
البدائع: ٢٤٩/٧، مغني المحتاج: ٥٠/٤ ، المغني : ٧٥٠/٧ .
(٦)
الشرح الكبير للدردير: ٢٤٠/٤ ، فتح العلي المالك : ٣٢٢/١.
البدائع : ٢٤٩/٧ .
(٧)
- ٢٩٢ -
٣- الصلح :
يجوز الصلح على القصاص باتفاق الفقهاء، ويسقط به القصاص، سواء أكان
الصلح بأكثر من الدية أم بمثلها أم أقل منها (١)، وسواء أكان حالاً أم مؤجلاً، ومن
جنس الدية، ومن خلاف جنسها بشرط قبول الجاني؛ لأن القصاص ليس مالاً(٢).
أما الصلح على الدية فلا يجوز بأكثر من الدية، حتى لا يقع المتصالحان في الربا.
والصلح يختص بالإسقاط بمقابل. أما العفو فقد يقع مجاناً أو في مقابل مال،
لكن إن وقع العفو عن القصاص على الدية، اعتبر عند الحنفية والمالكية صلحاً
لا عفواً، ويسمى أيضاً عند الشافعية والحنابلة عفواً بمقابل.
وقد رغب الشرع في الصلح عموماً في قوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ وقول النبي
عُ له: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالا))(٢). ودلت
السنة على مشروعية الصلح في الدماء لإسقاط القصاص، بدليل قوله حز باقال: ((من
قَتَل عمداً، دفع الى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية: ثلاثين
حقه، وثلاثين جذعة، وأربعين خَلِفة(٤)، وما صولحوا عليه فهو لهم))(٥) وذلك
لتشديد القتل.
وحكم الصلح: هو حكم العفو، فمن يملك العفو يملك الصلح، وأثر الصلح كأثر
يجوز لأبي المعتوه الصلح على الدية بالأكثر والمساوي ، ولا يجوز بالأقل منها ( الدر المختار: ٣٨٢/٥)
(١)
الدر المختار: ٣٩٤/٥، الشرح الكبير للدردير: ٢٦٣/٤، الشرح الصغير للدردير: ٣٦٨/٤ ، مغني المحتاج :
(٢)
٤٩/٤، كشاف القناع : ٦٣٤/٥.
رواه أبو داود والحاكم وابن حبان وصححه عن أبي هريرة ، ورواه الترمذي وابن ماجه والحاكم عن عمرو بن
(٣)
عوف .
الحقة : هي الناقة التي طعنت في السنة الرابعة ، والجذعة : هي التي طعنت في الخامسة ، والخلفة : هي
(٤)
الحامل .
(٥) رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن غريب .
- ٢٩٣ -
العفو في إسقاط القصاص، وإذا تعدد الأولياء، وصالح أحدهم الجاني على مال، سقط
القصاص، وبقي حق الآخرين في المال. وإذا بادر أحد الأولياء بقتل الجاني بعد
الصلح، فهو قاتل له عمداً، لكنه لاقصاص عليه عند الحنفية ماعدا زفر. وعليه
القصاص عند الشافعية والحنابلة .
واتفق الفقهاء على أن الصلح الصادر من ولي الصغير أو المجنون أو من الحاكم
لا يجوز على غير مال، ولا على أقل من الدية؛ لأنه لا يملك إسقاط حقه، ولأنه تصرف
لا مصلحة فيه للصغير. فإن وقع الصلح على أقل من الدية صح عند المالكية
والحنفية، ووجب باقي الدية في ذمة الجاني، ويرجع الصغير عند المالكية بعد رشده
على القاتل في حال ملاءته(١)، أي يسره وغناه.
٤- إرث القصاص:
يسقط القصاص إذا کان ولي الدم هو وارث الحق في القصاص، کما إذا وجب
القصاص لإنسان، فمات من له القصاص، فورث القاتل القصاص كله، أو بعضه، أو
ورثه من ليس له القصاص من القاتل وهو الابن(٢).
فتكون لدينا صورتان لإرث القصاص :
١ - مثال كون القاتل وارث القصاص: أن يقتل ولد أباه، وللولد أخ، ثم يموت
الأخ صاحب الحق في القصاص، ولا وارث له الا أخوه القاتل، فيصبح القاتل وارث
دم نفسه من أخيه، فيسقط القصاص؛ لأن القصاص لا يتجزأ أو لا يتبعض، ولا يصح
استيفاء القصاص من شخص طالب ومطلوب في آن واحد .
الدر المختار: ٣٨٢/٥، الشرح الكبير للدردير: ٢٥٨/٤ وما بعدها، المهذب : ١٨٨/٢، كشاف القناع:
(١)
٦٣٤/٥، المغني : ٧٥٣/٧.
(٢) البدائع: ٢٥١٧، الشرح الكبير للدردير: ٢٦٢/٤، الشرح الصغير: ٣٦٨/٤، مغني المحتاج : ١٨/٤ وما
بعدها ، المغني: ٦٦٨/٧ وما بعدها ، المهذب : ١٧٤/٢ .
- ٢٩٤ -
كذلك يسقط القصاص إذا ورث القاتل بعض الحق في القصاص، بأن ورث
القاتل أحد ورثة القتيل، ويكون لهؤلاء الورثة نصيبهم من الدية .
٢ - ومثال كون وارث القصاص من ليس له القصاص من القاتل: أن يقتل أحد
الوالدين الوالد الآخر، وكان لهما ولد (ذكر أوانثى)، فيسقط القصاص؛ لأن الولد
:
هو صاحب الحق فيه، ولا يجب للولد قصاص على والده، بدليل أنه لو جنى الوالد
على ولده، وقتله، لا يقتص منه: ((لا يقاد الوالد بالولد))، فمن باب أولى لا يقتص
للولد من الوالد اذا جنى الوالد على غير ولده.
كذلك يسقط القصاص اذا كان للمقتول ولد آخر، أو وارث آخر؛ لأنه لو ثبت
القصاص لوجب له جزء منه، ولا يمكن وجوبه، وإذا لم يثبت بعضه سقط كله، لأنه
لا يتبعض، وصار الأمر كما لو عفا بعض مستحقي القصاص عن نصيبه منه .
العقوبة الأصلية الثانية للقتل العمد عند الشافعية - الكفارة:
ورد تشريع الكفارة (١) في القتل الخطأ(٢) في القرآن الكريم: ﴿ومن قَتَل مؤمناً
خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلّمة إلى أهله إلا أن يصدَّقوا ... ) إلى قوله
تعالى: ﴿فمن لم يجدْ فصيام شهرين متتابعين، توبةً من الله، وكان الله عليماً حكيماً﴾
أي أن الواجب تحرير رقبة مؤمنة إن وجدت، فإن لم توجد فصيام شهرين
متتابعين .
فهل يقاس القتل العمد على القتل الخطأ في إيجاب الكفارة أم لا ؟ هناك رأيان
للفقهاء أو ثلاثة :
الكفارة مأخوذة من الكفر، وهو الستر ؛ لأنها تغطي الذنب وتستره .
(١)
ورد النص في الخطأ دون العمد ، مع أن مقتضى الظاهر العكس ، لخطر الدماء ، ولأن مع الخطىء تفريطاً ،
إذ لو تحرز واحتاط لترك الفعل المسبب للقتل ، ولأن العامد لأتكفيه الكفارة .
(٢)
- ٢٩٥ -
١
١ - قال جمهور الفقهاء(١) (غير الشافعية): لا تجب الكفارة في القتل العمد؛ لأنه
لاقياس في الكفارات؛ لأنها مقدرات شرعية للتعبد، فيقتصر فيها على محل ورودها،
وقد اقتصر النص القرآني على الكفارة في القتل الخطأ جبراً للذنب غير المقصود. أما
القتل العمد فجزاؤه جهنم؛ لأنه كبيرة، ولم یوجب القرآن کفارة فیه، فدل النص
بمفهومه على أنه لا كفارة فيه، ولو كانت واجبة لبينها القرآن؛ لأن المقام يقتضي
البيان .
والقتل العمد يوجب القصاص، فلا يوجب كفارة كزنا المحصن.
ويرشد اليه: ((أن سويد بن الصامت قتل رجلاً، فأوجب النبي ◌ُ التّ عليه
القود، ولم يوجب كفارة، وعمرو بن أمية الضَّري قتل رجلين في عهد النبي صَ لّم
((فوداهما النبي ◌ُ ◌ّ، ولم يوجب كفارة))(٢).
٢ - وقال الشافعية (٣): تجب الكفارة في القتل العمد على البالغ العاقل، كما تجب
في شبه العمد وفي الخطأ، سواء أكان القاتل كبيراً عاقلاً أم صغيراً أم مجنوناً، مسلماً أم
ذمياً، فاعلاً أصلياً أم شريكاً، مباشرة أم تسبباً، وذلك إذا كان المقتول مسلماً ولو
بدار حرب، أو ذمياً أو جنيناً حتى ولو بقتل نفسه. ولا تجب الكفارة بقتل مباح
الدم كالحربي والباغي والصائل والمقتص منه، والمرتد والزاني المحصن.
والدليل على وجوب الكفارة في العمد: أن المقصود من تشريع الكفارة هو رفع
الذنب، ومحو الإثم، والذنب في القتل العمد أعظم من القتل الخطأ، فكانت الكفارة
في العمد أحرى وأولى، والعامد أحوج اليها لرفع الذنب وتكفير الخطيئة.
البدائع : ٢٥١/٧ ، بداية المجتهد: ٤١٠/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٤٨، المغني: ٩٦/٨، كشاف القناع :
(١)
٦٥/٦.
(٢)
المغني : ٩٦/٨ .
مغني المحتاج : ١٠٧/٤ ، المهذب : ٢١٧/٢ .
(٣)
- ٢٩٦ -
ويدل له خبر واثلة بن الأسقع، قال: ((أتينا النبي عالٍ في صاحب لنا، قد
استوجب النار بالقتل، فقال: أعتقوا عنه رقبة، يعتق الله بكل عضو منها عضواً منه
من النار))(١).
وكفارة القتل مثل كفارة الظهار في الترتيب: عتق رقبة أولاً، فإن لم يجد(٢)
فصيام شهرين متتابعين(٣)، كما نصت الآية، لكن لا إطعام فيها في الأظهر عند العجز
عن الصوم، اقتصاراً على الوارد فيها، إذ المتبع في الكفارات النص، لا القياس، ولم
يذكر الله تعالى في كفارة القتل غير العتق والصيام. وعلى هذا فمن لم يستطع الصوم
ثبت ديناً في ذمته، ولا يجب شيء آخر. والواجب في عصرنا هو الصوم فقط.
٣ - وقال المالكية(٤) : تستحب الكفارة في قتل الجنين مع وجوب دية الجنين،
ولا تجب، خلافا لأبي حنيفة؛ لأن الكفارة لما كانت لا تجب عندهم في العمد، وتجب
في الخطأ، وكان الاعتداء على الجنين متردداً بين العمد والخطأ، استحسن الإمام مالك
الكفارة في الجنين، ولم یوجبها .
النوع الثاني - العقوبة البدلية في القتل العمد :
إذا سقط القصاص بعفو ولي القتيل أو بموت الجاني أو بغيرهما ، طبقت عقوبتان
أخریان وهما:
١ - الدية التي هي بدل حتمي عن القصاص عند الحنابلة، أو إذا عفي إليها عند
الشافعية، وبرضا الجاني عند الحنفية والمالكية.
رواه أبو داود وأحمد وصححه الحاكم وغيره ، كما رواه أيضاً النسائي وابن حبان والحاكم .
(١)
قال ابن قدامة الحنبلي : فإن لم يجد الرقبة في ملكه فاضلة عن حاجته أو لم يجد ثمنها فاضلاً عن كفايته ،
(٢)
فصيام شهرين متتابعين ، توبة من الله . وهذا ثابت بالنص أيضاً ( المغني : ٩٧/٨ ) .
تحتسب المدة بالأهلّة إذا صام من أول الشهر وإلا فيحسب كل شهر ثلاثين يوماً.
(٣)
القوانين الفقهية: ص ٣٤٨ ، بداية المجتهد : ٤٠٨/٢ .
(٤)
- ٢٩٧ -
٢ - التعزير الذي هو بدل حتمي أيضاً عند المالكية، وباختيار الحاكم عند
الجمهور.
ويلاحظ أن صيام شهرين متتابعين عند الشافعية هو أحد خصال الكفارة على
الترتيب الواجب بعد عتق الرقبة. ولا يقال: إن الصوم بدل مطلق عن الكفارة،
وإنما هو بدل عن الخصلة الأولى فيها، لذا فانه لا يعدُّ عقوبة بدلية في القتل العمد،
وإنما هو عقوبة أصلية كما بينا. ونبحث هنا فقط شأن الدية والتعزير.
العقوبة البدلية الأولى - الدية:
الكلام فيها يتناول تعريف الدية، ومشروعيتها، وشروط إيجابها، ونوعها
ومقدارها، تغليظها وتخفيفها وقت أدائها، الملزم بها (أو من تجب عليه)، متى تجب
كاملة، وهل يتساوى كل الناس في مقدارها ؟
أولاً - تعريف الدية: هي في الشرع (١) : المال الواجب بالجناية على النفس أو
ما في حكمها . والأرش: المال الواجب المقدر شرعاً بالاعتداء على مادون النفس(٢)، أي
مما ليس فيه دية كاملة من الأعضاء. وبناء عليه تطلق الدية على بدل النفس أو ما في
حكمها، والأرش على دية العضو.
وحكومة العدل: هو الأرش غير المقدر في الشرع، بالاعتداء على مادون
النفس من جرح أو تعطيل وغيرهما. ويترك أمر تقديره للحاكم بمعرفة أهل الخبرة
العدول.
اللباب شرح الكتاب: ١٥٢/٣، الدر المختار: ٤٠٦/٥، مغني المحتاج: ٥٣/٤، تكملة فتح القدير: ٣٠١/٨ .
(١)
(٢)
أطلق الحنفية الدية على بدل النفس ، والأرش على الواجب فيا دون النفس ، والأدق هو إطلاق الدية على
المال الواجب بجناية على الحر في نفس أو فيا دونها كما فعل الشافعية ( مغني المحتاج : ٥٣/٤ ) ؛ لأن الدية كاملة
تجب في أحيان كثيرة بالاعتداء على مادون النفس كتعطيل منفعة عضو أو قطع عضوين أو أربعة أو عشرة ،
كما سنبين في حالات وجوب الدية كاملة .
- ٢٩٨ _
.....
ثانياً - مشروعية الدية: ثبتت مشروعية الدية في القرآن والسنة والإجماع
أما القرآن: فقول الله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية
مسلَّمة إلى أهله، إلا أن يصَّدَّقوا﴾ وهذه الآية وان كانت في القتل الخطأ، إلا أن
العلماء أجمعوا على وجوب الدية في القتل العمد، في حالات سقوط القصاص المار
ذكرها .
وأما السنة فأحاديث كثيرة أشهرها حديث عمرو بن حزم في الديات. وهو:
أن رسول الله اتلم كتب الى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات، وكان في
كتابه: ﴿أن من اعتبط(١) مؤمناً قتلاً عن بينة، فإنه قود، إلا أن يرضى أولياء
المقتول، وإن في النفس: الدية مائة من الإبل ... ﴾(٢).
وأما الإجماع: فقد أجمع أهل العلم على وجوب الدية في الجملة.
ثالثاً - شروط وجوب الدية: يشترط لوجوب الدية عند الحنفية(٢)
شرطان :
١ - العصمة: وهو أن يكون المقتول معصوماً، أي مصون الدم، فلا دية بقتل
الحربي والباغي لفقد العصمة. ورأي الجمهور متفق مع الحنفية في هذا الشرط، إلا أن
الباغي معصوم الدم عند الشافعية.
٢ - التقوم: وهو أن يكون المقتول متقوماً، فلا تجب الدية عند الحنفية بقتل
(١) من اعتبط: هو القتل بغير سبب موجب. وأصله من اعتبط الناقة: اذا ذبحها من غير مرض ولا داء . فمن
قتل مؤمناً كذلك ، وقامت عليه البينة بالقتل وجب عليه القود الا أن يرضى أولياء المقتول بالدية أو يقع
منهم العفو .
رواه النسائي ومالك ، وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم والبيهقي موصولا ، قال ابن عبد البر:
(٢)
وهو كتاب مشهور عند أهل السير ومعروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرته عن الإسناد ؛ لأنه أشبه
المتواتر ، في مجيئه في أحاديث كثيرة .
(٣)
البدائع : ٢٥٢/٧ وما بعدها .
- ٢٩٩ -
الحربي إذا أسلم في دار الحرب، ولم يهاجر إلينا، وكان قاتله مسلماً أو ذمياً خطأ. وقال
الجمهور: تجب الدية؛ لأن التقوم عندهم بالإسلام، وهذا مسلم قتل خطأ، والله تعالى
يقول: ﴿ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلّمة الى أهله﴾.
والتقوم عند الحنفية بدار الإسلام، وهذا ليس من أهل دار الإسلام، والله تعالى
يقول: ﴿فإن كان من قوم عدولكم، وهو مؤمن، فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ فقد أوجب
الله جزاء قتله: الكفارة فقط وهي عتق الرقبة، فلا يكون داخلاً تحت صدر الآية،
وهي التي احتج بها الجمهور؛ لأنه مؤمن ديناً، لا داراً؛ لأنه مكثر سواد الكفار، ومن
كثّر سواد قوم فهو منهم، على لسان رسول الله ماقم(١).
وأما الاتصاف بصفة ((الإسلام)» فليس من شرائط وجوب الدية، لا بالنسبة
للقاتل، ولا بالنسبة للمقتول، فتجب الدية سواء أكان القاتل أو المقتول مسلماً أم ذمياً
أم حربياً مستأمناً.
وكذلك العقل والبلوغ ليس شرطاً لإيجاب الدية، فتجب الدية في مال الصبي
والمجنون، لعموم قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنا خطأ، فتحرير رقبة مؤمنة، ودية
مسلّمة إلى أهله، إلا أن يصدقوا﴾. كما تجب الدية بقتل الذمي والمستأمن، لقوله
تعالى: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق، فدية مسلَّمة الى أهله﴾.
هل تضمن الدية بسبب ممارسة حق التأديب ؟
إذا ضرب السلطان أو الوالي متهماً، أو ضرب الأب ابنه للتأديب المشروع، أو
ضرب الولي أو الوصي الصبي اليتيم، أو ضرب الزوج زوجته بسبب نشوزها، أو
لتركها الصلاة مثلاً، أو أدب المعلم صبياً بغير إذن أبيه، فمات المؤدَّب بسبب هذا
(١) هذا حديث رواه أبو يعلى في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود بلفظ: ((من كثر سواد قوم ، فهو منهم ،
ومن رضي عمل قوم، كان شريك من عمل به)) ( نصب الراية: ٣٤٦/٤).
- ٣٠٠ -