Indexed OCR Text

Pages 101-120

والبلوغ، فلا يقطع الصبي والمجنون، لقوله عليه السلام: ((رفع القلم عن ثلاث: عن
الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ)). ولأن القطع
عقوبة، فيستدعي جناية، وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بأنه جناية.
وإذا اشترك الصبي أو المجنون مع جماعة في سرقة، فلا قطع على الجميع عند أبي
حنيفة وزفر رحمهما الله تعالى.
وقال أبو يوسف رحمه الله: العبرة بمباشرة إخراج المتاع، فإن أخرجه الصبي أو
المجنون، درئ الحد عن الجميع، وإن باشر الإخراج غيرهما قطع، ولا يقطع الصبي أو
المجنون؛ لأن الإخراج من الحرز هو الأصل في السرقة، والإعانة كالتابع.
ودليل أبي حنيفة وزفر: أن السرقة واحدة، وقد حصلت ممن يجب عليه القطع
وممن لا يجب عليه القطع، فلا يجب القطع على أحد، كالعامد مع الخاطئ إذا اشتركا
في جريمة، وإخراج السرقة حصل من الكل من ناحية المعنى(١).
واشتراط البلوغ والعقل في السارق لإقامة الحد متفق عليه، وأضاف الشافعية
والحنابلة شرط كونه مختاراً، التزم أحكام الإسلام، فلا يجب الحد على مكره،
لحديث: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) ولا تجب على الحربي؛
لأنه لم يلتزم حكم الإسلام. وفي وجوب الحد على المستأمن والمهادن قولان عندهم:
أحدهما - أنه لا يجب عليه حد السرقة؛ لأنه حق خالص لله تعالى، فلم يجب عليه
كحد الشرب والزنا. والثاني - أنه يجب عليه؛ لأنه حد يجب لصيانة حق الآدمي،
فوجب عليه كحد القذف.
وأضاف المالكية ألا يكون للسارق على المسروق منه ولادة، فلا يقطع الأب في
(١)
البدائع: ٦٧/٧، تبيين الحقائق للزيلعي: ٢١١/٣، فتح القدير: ٢٢٠/٤، المهذب : ٢٧٧/٢ ، القوانين
الفقهية : ص ٣٥٩ .
- ١٠١ -

سرقة مال ابنه. وزاد الشافعي الجد، فلا يقطع في مال حفيده، وزاد أبو حنيفة كل
ذي رحم محرم، واختلفوا في الزوج والزوجة إذا سرق كل واحد منهما من مال
صاحبه، كما سنوضح. وأضاف المالكية أيضاً ألا يضطر السارق إلى السرقة من جوع.
وأضاف الحنابلة شرط كون السارق عالماً بمسروق وبتحريمه اعتباراً بما في ظن المكلف
(البالغ العاقل).
شروط المسروق: يشترط في المسروق عدة شروط :
١ - أن يكون المسروق مالاً متقوماً(١): والمراد بالمال: ما يتموله الناس
ويعدونه مالاً؛ لأن ذلك يشعر بعزته وخطره عندهم، وما لا يتمولونه فهو تافه
حقير، ولا تقطع اليد في الشيء التافه، كما كان عليه عهد رسول الله مع الله. والمراد
بالمتقوم: ما كان له قيمة يضنها متلفه عند اعتدائه عليه.
وبناء على هذا: لو سرق إنسان صبياً حراً، لا تقطع يده، لأن الحرليس بمال(٢)، وإنما
يعزر. ولو سرق شخص خمراً أو خنزيراً أو جلد ميتة لا تقطع يده أيضاً؛ لأنه لا قيمة للخمر
والخنزير في حق المسلم ، ولا مالية في جلد الميتة، وهذا شرط متفق عليه.
٢- أن يكون المال المسروق مقدراً: أي له نصاب، فلا يقطع السارق في
الشيء التافه. واختلف الفقهاء في مقدار النصاب: فقال الحنفية: نصاب السرقة
دينار أو عشرة دراهم، أو قيمة أحدهما (٣)، لقوله مُطلقة: ((لا قطع فيما دون عشرة
دراهم))(٤) وقوله أيضاً: ((لا تقطع اليد إلا في دينار، أو في عشرة
البدائع: ٦٧/٧، المهذب: ٢٨٠/٢ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٥٩، غاية المنتهى: ٣٣٦/٣.
(١)
فتح القدير : ٢٣٠/٤ .
(٣)
(٢)
المبسوط: ١٣٧/٩، البدائع : ٧٧/٧، فتح القدير: ٢٢٠/٤ .
رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله عَ ◌ّم: ((لا قطع فيما دون عشرة دراهم)) وفيه نصر بن
(٤)
باب ، ضعفه الجمهور. وقال أحمد: لا بأس به . ورواه الطبراني عن ابن مسعود بلفظ: ((لاقطع إلا في عشرة
دراهم)) (راجع مجمع الزوائد: ٢٧٣/٦، نصب الراية: ٣٥٩/٣) .
- ١٠٢ -

دراهم))(١). وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((لا يقطع السارق إلا في ثمن المِجَنَّ،
وكان يقوم يومئذ بعشرة دراهم))(٣).
وقال الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: نصاب السرقة ربع دينار شرعي
من الذهب أو ثلاثة دراهم شرعية خالصة من الفضة (٣). أو قيمة ذلك من العروض
والتجارات والحيوان، إلا أن التقويم عند المالكية والحنابلة في سائر الأشياء المسروقة
عدا الذهب والفضة يكون بالدراهم. وعند الشافعية بالربع دينار. ودليلهم : قوله
عليه الصلاة والسلام: ((تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً))(٤) وأنه عليه السلام:
((قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم))(9) وهي قيمة ربع دينار(٦) .
(١) هذا من الآثار عن ابن مسعود: رواه عبد الرزاق في مصنفه ، ومن طريقه رواه الطبراني في معجمه ، وهو
موقوف كما قال الهيثمي. وفيه القاسم أبو عبد الرحمن ضعيف، وقد وثق ( راجع مجمع الزوائد ، المرجع
السابق، نصب الراية: ٣٦٠/٣) وروى أبو داود في سننه عن ابن عباس أن النبي ◌َ ◌ٍّ قطع يد رجل في مجنَّ
قيمته دينار أو عشرة دراهم ، وهو حديث مرفوع ( راجع نصب الراية: ٣٥٨/٣ ).
رواه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو بلفظ: ((لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن ، قال عبد الله: وكان
(٢)
ثمن المجن عشرة دراهم)) وروى النسائي عن أيمن بن أم أيمن الحبشية رضي الله عنهما قال: ولم يقطع النبي مع الله
السارق إلا في ثمن المجن، وثمن المجن يومئذ دينار)) وفي رواية ((عشرة دراهم)) قال النسائي: وأيمن ما أحسب
أن لحديثه صحة ( راجع جامع الأصول: ١١٣/٤، نصب الراية: ٣٥٩/٣).
من المعروف عند هؤلاء أن الدينار اثنا عشر درهماً. والدرهم ٢٫٩٧٥ ثم . وعند الحنفية : الدينار عشرة دراهم .
(٣)
وبما أن المثقال أو الدينار يساوي ١٣ درهم، فيساوي الدينار ٤,٤٥ غم.
٧
رواه أحمد والموطأ وأصحاب الكتب الستة عن عائشة رضي الله عنها بألفاظ متعددة منها لفظ البخاري :
(٤)
((تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً)) ومنها لفظ مسلم: ((لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار
فصاعداً)) (راجع جامع الأصول : ٣١٠/٤ ، سبل السلام: ١٨/٤، نيل الأوطار: ١٢٤/٧، التلخيص الحبير :
ص ٣٥٥ ) .
أخرجه البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله عَ لّم قطع
(٥)
سارقاً في مجن قيمته ثلاثة دراهم ( المراجع السابقة، جامع الأصول: ٣١١/٤، نصب الراية: ٣٥٥/٣).
(٦)
المنتقى على الموطأ: ١٥٦/٧، بداية المجتهد : ٤٣٧/٢، حاشية الدسوقي: ٣٣٣/٤، المهذب: ٢٧٧/٢ ، مغني
المحتاج: ١٥٨/٤، المغني: ٢٤٠/٨، القوانين الفقهية: ص ٣٥٩، غاية المنتهى: ٣٣٧/٣ .
- ١٠٣ -

وبه يظهر أن منشأ الخلاف: هو تقدير ثمن المجن الذي قطع السارق به في عهد
الرسول پے. فالحنفیة یقولون: كان ثمنه دیناراً. والآخرون يقولون: كان ثمنه ربع
دینار. والأحاديث الصحيحة تؤيد وترجح رأي الجمهور.
صفات النصاب:
قال الحنفية: يشترط أن تكون الدراهم جياداً، فلو سرق زیوفاً، أو سرق غیر
الدراهم، لا يقطع ما لم تبلغ قيمة المسروق عشرة دراهم جياد.
وأن تكون الدراهم، وزن سبعة مثاقيل(١)؛ لأن اسم الدرهم عند الإطلاق يقع
على ذلك، ولأن هذا أوسط المقادير بين الدراهم الكبار والصغار التي كانت على عهد
الرسول څے .
وهل ينبغي أن تكون الدراهم مضروبة ؟
قال أبو حنيفة: إذا سرق عشرة دراهم ولو كانت تبرا مما یروج بین الناس في
معاملاتهم تقطع يده؛ لأن المهم هو الرواج في التعامل بين الناس، ودليله إطلاق
حديث القطع في عشرة دراهم، ورد عليه بأن المطلق يقيد بالعرف والعادة.
وقال الصاحبان والكرخي : ينبغي أن تكون الدراهم مضروبة؛ لأن اسم
الدراهم في الحديث يطلق على المضروبة عرفاً، وهو ظاهر الرواية، وهو الأصح، وهو
قول الجمهور. فلو سرق تبرأ (أي فضة غير مضروبة صكاً) أو نُقْره (هي القطعة المذابة
من الذهب والفضة أي السبيكة) قيمتها أقل من عشرة دراهم مضروبة لا يقطع، فإذا
ساوت قيمتها عشرة دراهم مسكوكة فأكثر، يقطع سارقها(٣).
(١) المثقال: درهم وثلاثة أسباع الدرهم، قال في شرح الدميري: إن كل درهم : ستة دوانيق، وكل عشرة دراهم
سبعة مثاقيل ، والمتقال لم يتغير في جاهلية ولا في إسلام ( راجع سبل السلام : ١٢٨/٢ ، الأحكام السلطانية
لأبي يعلى : ص ١٥٩ ) .
(٢) فتح القدير: ٢٢٢/٤، حاشية ابن عابدين: ٢١١/٣، البدائع: ٧٨/٧، المبسوط: ١٣٨/٩، مغني المحتاج :
١٥٨/٤ ٠
- ١٠٤ -

وقت اعتبار قيمة المسروق :
قال جمهور الحنفية: يجب أن تكون قيمة المسروق عشرة دراهم، من وقت
السرقة، إلى وقت القطع، فإن نقص المسروق: فإما أن يكون نقصان العين أو
نقصان السعر.
فإذا نقصت قيمة المسروق بانتقاص عينه: بأن دخله عيب أو ذهب بعضه، فيقام
الحد؛ لأن نقصان العين هو هلاك بعض المسروق، وهلاك جميع المسروق لا يسقط
الحد، فهلاك بعضه لا يسقطه من باب أولى.
وإن كان نقصان السعر: بأن صار يساوي ثمانية دراهم مثلاً، بعد أن كان
يساوي عشرة، فهناك روايتان :
ظاهر الرواية: أنه لا يقطع؛ لأن نقصان السعر يورث شبهة نقصان في
المسروق وقت السرقة؛ لأن العين بحالها لم تتغير، فيحصل النقصان الطارئ كالموجود
عند السرقة، بخلاف نقصان العين؛ لأنه يوجب تغير العين، بهلاك بعضها، والهلاك
مضمون على السارق، فلا يمكن افتراض وجوده عند السرقة.
وروي عن محمد وهو قول مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى: أنه تعتبرقيمة
العين وقت الإخراج من الحرز، ولا يعتبر نقصان السعر بعد أخذ المسروق، قياساً
على نقصان العين(١)، وهذا في تقديري أولى، لاكتمال الجريمة وقت السرقة.
ويجري هذا الخلاف فيما لو سرق الشخص في بلد، وقبض عليه في بلد آخر:
لا يقطع في ظاهر الرواية، ما لم تكن قيمة المسروق في البلدين عشرة دراهم.
(١) البدائع : ٧٩/٧، المنتقى على الموطأ : ١٥٨/٧.
- ١٠٥ -

کون النصاب من حرز واحد :
النصاب الموجب لحد القطع يجب أن يكون مأخوذاً من حرز واحد، سواء أكان
المسروق لواحد أم لجماعة؛ لأنها سرقة واحدة. وبناء على هذا لو سرق خمس دراهم من
دار لرجل، وخمسة من دار أخرى، لا يجب القطع؛ لأنها سرقتان مختلفتان من
حرزين مختلفين، فلا محل للقطع فيهما. وكذلك لو سرق عشرة دراهم على مرتین،
لا يقطع؛ لأن المسروق في كل مرة أقل من نصاب(١).
اشتراك جماعة في السرقة :
اتفق العلماء على أنه إذا اشترك جماعة في سرقة، فحصل لكل واحد منهم
نصاب، فعلى كل واحد منهم القطع.
أما إذا كان المسروق كله نصاباً، واشترك جماعة في سرقته:
فقال أبو حنيفة والشافعي: لا يقطع كل واحد منهم(٢)؛ لأن كل واحد منهم لم
يسرق نصابا، فلم تستوجب جنايته عقوبة كاملة، كما لو انفرد بسرقة مادون
النصاب، والرسول ◌ُ ◌ّم يقول: ((لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً))
وهذا دليل الشافعي. ولكن هذا الحكم يخالف حكم جريمة الاشتراك في القتل ؛ لأنه لو
لم يجب القصاص على كل واحد منهم، لكان الاشتراك طريقاً إلى إسقاط القصاص،
بخلاف الأمر في السرقة، فإنه إذا لم يجب القطع على الشركاء في سرقة نصاب، لم يصر
الاشتراك طريقاً إلى إسقاط القطع، لقلة ما يصيب كل واحد منهم، فإذا سرقوا أكثر
من نصاب بحيث يصيب كل واحد منهم مقدار نصاب، فإنه يجب القطع. ويقدر
المسروق في الحكم عند الحنفية يوم الحكم بالقطع.
البدائع ، المرجع السابق: ص ٧٨ ، حاشية ابن عابدين : ٢١٢/٣ .
(١)
(٢)
البدائع، المرجع السابق: ص ٧٨ ، فتح القدير: ٢٢٥/٤، مغني المحتاج: ١٦٠/٤، المهذب : ٢٧٧/٢ .
- ١٠٦ -

وقال المالكية: إن اشترك السارقان أو أكثر في سرقة نصاب: فإن كان لكل
واحد قدرة على حمله بانفراده، فلا يقطع أحد، وإلا بأن كانوا يحتاجون في إخراجه
إلى تعاون بعضهم، فيقطعون جميعاً، ويصيرون كأنهم حملوه على دابة، فإنهم يقطعون
إذا تعاونوا على رفعه عليها، ويقدر المسروق عندهم وعند الشافعية والحنابلة بقيمته
يوم السرقة (١).
وقال الحنابلة: إذا اشترك الجماعة في سرقة، قيمتها ثلاثة دراهم قطعوا، لضرورة
حفظ المال، فإن الواحد والجماعة يستوون في هتك الحرز، وسرقة النصاب فعل
يوجب القطع، فاستوى فيه الواحد والجماعة كالقصاص.
قال ابن قدامة في المغني : وقول أبي حنيفة والشافعي أحب إلي؛ لأن القطع
ههنا لانص فيه، ولا هو في معنى المنصوص والمجمع عليه فلا يجب، والاحتياط
بإسقاطه أولى من الاحتياط بإ يجابه؛ لأنه مما يدرأ بالشبهات(٢).
٣ - أن يكون المسروق محرزاً مطلقاً، مقصوداً بالحرز:
الأصل في اشتراط هذا الشرط المتفق عليه قوله عليه السلام: ((لاقطع في ثَمَر
ولا كَثر حتى يؤويه الجرين، فإذا أواه الجرين، ففيه القطع» وفي رواية: «فإذا أواه
المراح أو الجرين)»(٣). والحرز لغة: الموضع الذي يحرز فيه الشيء. وشرعاً: هو
حاشية الدسوقي: ٣٣٥/٣، بداية المجتهد: ٤٣٩/٢، المنتقى على الموطأ: ١٧٨/٧، القوانين الفقهية: ص ٣٥٩ .
(١)
المغني : ٢٨٢/٨، غاية المنتهى : ٣٣٧/٣ وما بعدها .
(٢)
(٣)
المراح : حرز الإبل والبقر والغنم الذي تأوي إليه ليلاً . والجرين : حرز التمر الذي يجفف فيه ، مثل البيدر
للحنطة . والكثر: هو جمار النخل أي الجزء الأبيض الغصن من قلب النخل أو ما يحيط بالبرعمة الرئيسية
الكبيرة وهي حلوة المذاق تخلو من الألياف ، وقد يبلغ بعضها وزن كيلو غرام أو أكثر حسب حجم رأس
النخلة . قال الزيلعي عن هذا الحديث : غريب بهذا اللفظ، وبمعناه ما أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن النبي معرفعٍ سئل عن الثمر المعلق ( أي الذي بعد في
شجره) فقال: (( من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة ( هو ما تحمله في حضنك ) فلا شيء عليه ،
ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين ، فبلغ ثمن المجن ، فعليه القطع )) وروى مالك في الموطأ وابن أبي =
- ١٠٧ -

ما نصب عادة لحفظ أموال الناس كالدار والحانوت والخيمة والشخص(١). وهو نوعان:
١ - حرز بنفسه: وهو كل بقعة معدة للإحراز، ممنوعة الدخول فيها، إلا
بالإذن، كالدور والحوانيت والخيام، والخزائن والصناديق.
٢- حرز بغيره: وهو كل مكان غير معد للإحراز، يدخل إليه بلا إذن، ولا يمنع
منه، كالمساجد والطرق والمفاوز.
فالنوع الأول: يكون حرزاً بنفسه، سواء وجد حافظ، أو لا، وسواء أكان
الباب مغلقاً، أم مفتوحاً؛ لأن البناء يقصد به الإحراز، وهو معتبر بنفسه بدون
صاحبه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام علق القطع بإيواء الجرين والمراح من غير شرط
وجود الحافظ، لصيرورته حرزاً.
8
وأما النوع الثاني: فحكمه حكم الصحراء إن لم يكن هناك حافظ، فإن كان
هناك حافظ قريب من المال يمكنه حفظه، فهو حرز، سواء أكان نائماً، أم يقظاناً،
لأنه عليه الصلاة والسلام قطع سارق رداء صفوان، وصفوان كان نائماً(٢).
والأخذ من الحرز شرط متفق عليه، ولا يجب القطع حتى ينفصل المال عن
جميع الحرز.
شيبة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي أن رسول الله وَّم قال: «لا قطع في ثمر معلق، ولا في
=
حريسة جبل)) ( أي ليس فيما يحرس بالجبل إذا سرق قطع) فإذا أواه المراح أو الجرين ، فالقطع فيما بلغ ثمن
المجن) وهو معضل، وقد روى حديث ((لاقطع في ثمر ولا كثر)) الترمذي عن الليث بن سعد والنسائي،
وابن ماجه عن سفيان بن عيينة من حديث رافع بن خديج ، رواه ابن حبان في صحيحه ، وأخرجه الطبراني
في معجمه، وأخرجه أحمد والدارقطني والحاكم والبيهقي (راجع جامع الأصول: ٣١٨/٤ وما بعدها ، نصب
الراية ٣٦٢/٣، سبل السلام: ٢٣/٤، التلخيص الحبير: ص ٣٥٦ ، نيل الأوطار : ١٢٧/٧ ) .
(١)
هذا ويلاحظ أن المذاهب الأربعة متفقة على أن تحديد الحرز مرجعه إلى العرف والعادة ( بداية المجتهد :
٤٤٠/٢، الأم: ١٣٥/٦ وما بعدها، المغني: ٢٤٩/٨، غاية المنتهى: ٣٣٩/٣، فتح القدير: ٢٣٨/٤ ، المهذب :
٢٨٠/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٦٠).
المبسوط: ١٥٠/٩ وما بعدها، تبيين الحقائق للزيلعي: ٢٢١/٣ فتح القدير، ٢٤٠/٤، البدائع: ٧٣/٧، وقد
(٢)
سبق تخريج هذا الحديث في حد القذف .
- ١٠٨ -

وبناء عليه يعرف حكم الصور الآتية :
أ - لو سرق إنسان عدلاً موجوداً على ظهر دابة تسير ضمن مجموعة من الدواب
مقطورة ببعضها، لم يقطع؛ لأنه أخذ نفس الحرز، ونفس الحرز ليس في الحرز،
وكون العدل على ظهر الدابة لا يكفي اعتباره محرزاً؛ لأنه ليس بجرز مقصود؛ لأن
قصد قائد الدواب هو قطع المسافة دون الحفظ، وإنما القائد حافظ للدابة التي زمامها
بيده فقط، هذا مذهب الحنفية. ويظهر أن هذا الرأي متأثر بالعرف، وعرفنا اليوم
أن قائد القافلة مطالب بحفظ المتاع المحمول.
وقال الأئمة الثلاثة : القائد حافظ لكل الدواب التي يقودها إذا كان بحيث يراها
إذا التفت إليها، وهو وإن كان يقصد قطع المسافة يقصد أيضاً الحفظ.
فإن شق العدل الموجود على الدابة، وأخرج المتاع: قطع؛ لأن العدل حرزلما
(١)
فیه(١).
ب- إذا علم صاحب الشيء المسروق بالسرقة قبل إخراج المسروق من
الحرز، فأخذه منه، لا يقطع، لأنه لم يوجد منه الإخراج من الحرز. أما إن علم به ولم
يأخذه منه خوفاً من الاصطدام معه، أو عجز عن أخذه بعد مقاتلته بسلاح ونحوه،
فإن كانت السرقة نهاراً لا تقطع يد السارق؛ إذ لابد من الخفية عند ابتداء وانتهاء
الأخذ كما بينا، أما إن كانت السرقة ليلاً فتقطع يد السارق في هذه الحالة استحساناً
عند الحنفية؛ لأنه يكفي في الليل توافر الخفية عند بدء الأخذ لانهايته؛ لأن أغلب
سرقات الليل تصير مغالبة أو مع خوف المالك من المقاومة، لعدم تيسر النجدة
والغوث أثناء الليل.
(١) البدائع: ٧٤/٧، فتح القدير: ٢٤٦/٤، تبيين الحقائق: ٢٢٤/٣ .
- ١٠٩ -

جــ إذا رمى السارق المسروق إلى خارج الحرز، فوجده مالكه فأخذه،
لا يقطع؛ لأنه لم تثبت يده عليه عند الخروج، لثبوت يد غيره، فإذا رماه من الحرز،
ثم خرج وأخذه، يجب القطع، وهذا متفق عليه، خلافاً لزفر، لأنه ثبتت عليه يده
حكماً، والرمي حيلة لإتمام السرقة. ودليل زفر: أن الإلقاء غير موجب للقطع، كما لو
خرج ولم يأخذه(١).
د- المناولة من الحرز: إذا اشترك اثنان في تَقْب جدار، فدخل أحدهما،
وأخذ المتاع، وناوله الآخر، وهو خارج الحرز، أو رمى به إليه، فقال أبو حنيفة:
لاقطع على كل واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما لم يستقل بالنقب والإخراج اللذين
لا تكمل السرقة إلا بها جميعاً بحسب العرف، فالداخل لم تثبت يده على المسروق حين
إخراجه، والخارج لم يوجد منه هتك الحرز، فلم تتم السرقة من كل واحد، وهذا هو
الراجح لدى الحنفية .
وقال محمد: إن أخرج الداخل يده من الحرز، وناول الخارج، يقطع الداخل
دون الخارج، فإن أدخل الخارج يده في الحرز، وأخذ المسروق فلا قطع عليهما؛ لأن
الداخل لم يوجد منه الإخراج، والآخر لم يوجد منه هتك الحرز، فلم تتم السرقة من
5
کل واحد .
وقال أبو يوسف: إذا أخرج الداخل يده، فالقطع على الداخل، وأما الخارج
إذا أدخل يده وأخذ منه، فيجب القطع عليها؛ لأنه لا يشترط عنده دخول الحرز(٢).
وقال المالكية والشافعية والحنابلة: يقطع الداخل وحده، دون الخارج؛ لأنه
هو الذي أخرج المتاع، مع المشاركة في النقب(٢).
(١)
فتح القدير: ٢٤٤/٤ ، مغني المحتاج : ١٧٢/٤ .
(٢)
المبسوط: ١٤٧/٩، فتح القدير: ٢٤٣/٤، الاختيار: ١٠٦/٤ .
(٣)
حاشية الدسوقي: ٣٤٣/٤، المهذب : ٢٧٩/٢، المغني: ٢٨٤/٨، غاية المنتهى : ٣٣٨/٣.
- ١١٠ -

هـ - إخراج المسروق من الحرز (سرقة النقب): إذا نقب شخصان
حرزاً، ودخل أحدهما، وقرب المتاع إلى النقب وتركه، فأدخل الخارج يده،
فأخرجه من الحرز، فقال أبو حنيفة ومحمد: لا قطع عليها؛ لأن الداخل لم يوجد منه
الإخراج، والخارج لم يوجد منه هتك الحرز، فلم تتم السرقة من كل واحد منهما، وفي
هذه المسألة قال علي رضي الله عنه: ((إذا كان اللص ظريفاً لا يقطع)).
وقال أبو يوسف: يقطع الخارج؛ لأن المقصود أخذ المال، لا دخول الحرز(١).
وقال مالك: يقطع المخرج خاصة، لأنه السارق. وقال الشافعية: لو تعاونا في
النقب وانفرد أحدهما بالإخراج، أو وضعه ناقب بقرب النقب، فأخرجه آخر، قطع
المخرج، لكن لو وضعه بوسط نقبه فأخذه خارج وهو يساوي نصابين، لم يقطع
الاثنان في الأظهر. ولو نقب شخص وأخرج غيره المسروق فلا قطع على واحد(٢).
وقال أحمد: يقطع كل منها؛ لأنهما اشتركا في هتك الحرز، وإخراج المتاع،
فلزمهما القطع، كما لو حملاه معاً فأخرجاه(٢). وهذا لدي أصح الآراء للإشتراك في
السرقة. ويجري هذا الخلاف أيضاً فين دخل الحرز، وجمع المتاع عند النقب، ثم
خرج، وأدخل يده، وأخرج المتاع.
و- الاشتراك في السرقة أو تحميل المسروق على ظهر واحد من
الجماعة: إذا دخل جماعة الدار، فأخذوا متاعاً، وحملوه على ظهر رجل منهم أو
رجلين، وخرج الباقون من غير حمل شيء: فالقياس عند الحنفية وهو قول زفر
والمالكية والشافعية: ألا يقطع غير الحامل؛ لأن فعل السرقة لا يتم إلا بالإخراج بعد
الأخذ (٤).
المبسوط: ١٤٧/٩، فتح القدير: ٢٤٥/٤، تبيين الحقائق للزيلعي: ٢٢٣/٣ .
(١)
(٢)
حاشية الدسوقي : ٣٤٣/٤، بداية المجتهد: ٤٤٠/٢، المهذب: ٢٨٠/٢، مغني المحتاج: ١٧١/٤ وما بعدها.
(٣)
المغني : ٢٨٣/٨ وما بعدها ، غاية المنتهى: ٣٣٨/٣ .
الشرح الكبير: ٣٣٥/٤، الأم: ١٣٧/٦، مغني المحتاج : ١٧٢/٤.
(٤)
- ١١١ -

وفي الاستحسان عند الحنفية وهو قول الحنابلة: يقطعون جميعاً؛ لأن إخراج
المسروق تم بمعاونة الجماعة، وهكذا تكون السرقة الجماعية عادة(١).
ويجري هذا الخلاف فيما لو حملوا المسروق على دابة، حتى خرجت من الحرز،
فإنه يجب القطع استحساناً .
ز- الطرار والنباش: الطرار: هو النشال وعرفه الحنابلة بقولهم بأنه من
يبط ( يشق) جيباً أو كما ويأخذ منه أو بعد سقوطه نصاباً. وقد اتفق الفقهاء على أن
الطرار تقطع يده (٣). وهو الرأي المتفق مع المصلحة. ومعنى الطرار: هو الذي يسرق
من جيب الرجل، أو كمه(٣) أو صُفْنه (وعاء من أدم يستقى به) سواء بالقطع أو
بالشق أو پادخال اليد في الجيب.
غير أن الحنفية فصلوا في طريقة الطر: فإن كان الطر بالقطع، والدراهم
مصرورة على ظاهر الكم لم يقطع؛ لأن الحرز هو الكم، والدراهم بعد القطع تقع على
ظاهر الكم، فلم يوجد الأخذ من الحرز.
وإن كانت الدراهم مصرورة في داخل الكم، يقطع؛ لأنها بعد القطع، تقع في
داخل الكم، فكان الطر أخذاً من الحرز، وهو الكم، فيقطع.
وإن كان الطر بحل الرباط ينظر: إن كان بحال لو حل الرباط تقع الدراهم على
ظاهر الكم، بأن كانت العقدة مشدودة من داخل الكم، لا يقطع؛ لأنه أخذها من غير
حرز.
(١)
فتح القدير: ٢٤٤/٤، المغني : ٢٨٣/٨.
فتح القدير: المرجع السابق: ص ٢٤٥ ، البدائع : ٧٦/٧، حاشية ابن عابدين : ٢٢٤/٣ ، مختصر الطحاوي :
(٢)
ص ٢٧١ ، بداية المجتهد: ٤٤٠/٢، المهذب: ٢٧٩/٢، المغني: ٢٥٦/٨، غاية المنتهى: ٣٣٦/٣.
الكم - بضم الكاف والميم المشددة : مدخل اليد ومخرجها من الثوب والمراد به هنا أنه ما يتخذ مكاناً لتخبئة
(٣)
الأشياء فيه . والكم بكسر الكاف : وعاء الطلع أو الزهر أو الثمر.
- ١١٢ -

وإن كان بحال إذا حل الرباط تقع الدراهم في داخل الكم، وهو يحتاج إلى إدخال
يده في الكم للأخذ، يقطع، لوجود الأخذ من الحرز.
والخلاصة : أن الحنفية يتطلبون وجود معنى الحرز حقيقة واقعة، والأولى
الأخذ برأي الجمهور تفادياً لخطر هؤلاء اللصوص الخطرين.
النباش : هو سارق أكفان الموتى، وقد اختلف الفقهاء في حكمه، فقال أبو
حنيفة ومحمد: لا يقطع ولو كان القبر في بيت مقفل في الأصح؛ لأن القبر ليس بحرز
بنفسه أصلاً، إذ لا تحفظ الأموال فيه عادة(١).
وقال المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف: تقطع يده؛ لأنه سارق، أو
ملحق بسارق مال الحي، والله تعالى يقول: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا
أيديها﴾، وقالت عائشة رضي الله عنها: ((سارق أمواتنا کسارق أحيائنا))(٣)، وروى
البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((من حرَّق حرقناه، ومن غرق
غرقناه، ومن نبش قطعناه))(٣)، ولأن القبر حرز للكفن، فإن الكفن يحتاج إلى
تر که في القبر، دون غيره، ويكتفى به في حرزه(٤)
إلا أن الشافعية استثنوا القبر الموجود في برية، فلا قطع في السرقة منه؛ لأنه
ليس بجرز للكفن، وإنما يكون الدفن في البرية للضرورة بخلاف المقبرة التي تلي
العمران، والراجح رأي الجمهور، منعاً من هذه الدناءات.
(١) المبسوط: ١٥٩/٩، حاشية ابن عابدين: ٢١٩/٣، مختصر الطحاوي: ص ٢٧٣ ، البدائع: ٦٩/٧ ، القوانين
الفقهية: ص ٣٥٩ ، غاية المنتهى : ٣٤٠/٣ .
(٢)
أخرجه الدارقطني من حديث عمرة عنها .
رواه البيهقي في المعرفة وقال : في هذا الإسناد بعض من يجهل حاله وروى الدارقطني عن عائشة قالت :
(٣)
((سارق أمواتنا كسارق أحيائنا)) (راجع نصب الراية: ٢٦٦/٣، التلخيص الحبير: ص ٣٥٦، ٣٥٨).
(٤) حاشية الدسوقي: ٣٤٠/٤، بداية المجتهد: ٤٤٠/٢، مغني المحتاج: ١٦٩/٤، المهذب: ٢٧٨/٢، المغني: ٢٧٢/٨.
الفقه الإسلامي جـ٦ (٨)
- ١١٣ -

ح- الدار المشتركة: إذا كانت الدار مشتركة بين عدة سكان، كالغرف المؤجرة
في المنازل لأكثر من واحد، فسرق المتاع من غرفة، يقطع عند الحنفية إذا كانت الدار
عظيمة بحيث يستغني أهل كل بيت ببيتهم عن صحن الدار.
وكذلك يقطع عند الحنابلة إذا كان الباب مغلقاً، ويقطع عند مالك والشافعي
بإخراج المتاع، ولو لم يخرجه من جميع الدار(١).
ط ـ الأمتعة في الأسواق: يقطع سارقها عند الحنفية إذا سرق منها ليلاً، ولا
يقطع إن سرق منها نهاراً، لاختلال الحرز في النهار بسبب وجود الإذن عادة
بالدخول. وقال المالكية والشافعية: يقطع سارق المتاع من حوانيت التجار أو
الأسواق إذا كانت الأمتعة قد ضمها أصحابها إلى بعضها في موضع البيت، أو أحرزت
في أوعيتها التي تحرز بها عادة، عملاً بالعرف الجاري في إحرازها. وبناء عليه يقطع
سارق السيارات المتروكة في الشوارع اليوم؛ لأن الشارع هو حرزها، والحرز: هو كل
مكان تحفظ فيه الأموال عادة.
وقال أحمد: يقطع سارقها إذا كان في السوق حارس، أو كان مع الأمتعة حارس
يشاهدها(٢).
٤ - أن يكون المسروق أعياناً، قابلة للادخار والإمساك، ولا
يتسارع إليها الفساد :
قال أبو حنيفة ومحمد: لاقطع فيما يسرع إليه الفساد، إذا بلغ الحد الذي يقطع في
مثله بالقيمة، كالعنب والتين والسفرجل والرطب والبقول والخبز ونحوها من
الأطعمة الرطبة، والطبائخ، واللحم الطري أو اليابس، والنبيذ الحلال، والعصير
(١)
فتح القدير: ٢٤٣/٤، الموطأ: ٥٠/٣، الأم: ١٣٦/٦، ١٣٩، المغني: ٢٥٦/٨، المهذب: ٢٨٠/٢ .
(٢)
فتح القدير: ٢٤٢/٤، الموطأ: ٥٠/٣، الأم: ١٣٥/٦، المغني: ٢٤٩/٨ - ٢٥٠.
- ١١٤ -

والألبان، سواء أخذت من حرزأم لا، لعدم قابلية الادخار، ودليلهما قوله عليه
الصلاة والسلام: ((لا قطع في ثمر ولا كَثَر))(١) .
ولأن هذه الأشياء لا تعد مالاً عادة، فيقل خطرها عند الناس، فكانت تافهة،
ونظراً لأنها معرضة للهلاك أيضاً تشبه ما لم يحرز، فإن كان المسروق مما يبقى من سنة
إلى سنة، فيدخر، مثل الجوز واللوز والتمر اليابس والفواكه اليابسة والخل والدبس،
فيجب القطع(٣).
وقال أبو يوسف: يجب القطع فيما لا يحتمل الادخار؛ لأنها منتفع بها حقيقة،
والانتفاع بها مباح شرعاً على الإطلاق، فكانت مالاً، فيقطع فيها كسائر الأموال(٣).
وهذا الرأي يتفق مع عرفنا اليوم، إذ أن الفواكه أصبحت من الأموال المهمة، وليست
تافهة ، كما كان عليه عرف الناس في الماضي.
وقال المالكية والشافعية والحنابلة: يجب القطع في كل الأموال المتولة التي يجوز
بيعها، وأخذ العوض عنها، سواء أكانت طعاماً أم ثياباً، أم حيواناً، أم أحجاراً، أم
قصباً، أم صيداً، أم زجاجاً، ونحوها، لعموم قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة
فاقطعوا أيديها﴾ ولأن هذا مال يتمول عادة ويرغب فيه، فيقطع سارقه إذا اجتمعت
فيه شروط السرقة(٤)، کأن يؤخذ من حرز مثله.
سرقة الثمر المعلق : اتفق العلماء على أنه لا يجب القطع في سرقة الثمر المعلق
على الشجر أو الحنطة في سنبلها، إذا لم يكن محرزاً، فإن أحرز وجب فيه القطع.
(١) الثمر: هو ما كان معلقاً في النخل قبل أن يجز ويحرز: وهو اسم جامع للرطب واليابس من الرطب والعنب
وغيرهما . والكثر: هو جمار النخل ، وهو شحم النخل الذي في وسط النخلة (راجع سبل السلام: ٢٣/٤ ،
المنتقى على الموطأ : ١٨٢/٧ ).
(٢)
المبسوط: ١٥٣/٩ ، فتح القدير: ٢٢٧/٤ ، البدائع : ٦٩/٧ .
(٣)
المراجع السابقة .
بداية المجتهد : ٤٤١/٢، الميزان: ١٦٢/٢، المهذب: ٢٧٧/٢ وما بعدها، المغني: ٢٤٦/٨ ، نيل الأوطار:
(٤)
١٢٨/٧، غاية المنتهى : ٣٣٧/٣، ٣٤١.
- ١١٥ -

ويرجع في تحديد الحرز إلى ما يعرفه الناس حرزاً، فما عرفوه حرزاً قطع بالسرقة
منه، وما لا يعرفونه حرزاً لم يقطع بالسرقة منه؛ لأن الشرع دل على اعتبار الحرز،
وليس له حد مقرر في الشرع، فوجب الرجوع فيه إلى العرف. قال الشافعي: إن
حديث رافع: ((لاقطع في ثمر)) خرج على ما كان عليه عادة أهل المدينة من عدم
إحراز حوائطها (بساتينها) فذلك لعدم الحرز. فإذا أحرزت الحوائط (أي البساتين)
بالجدران أو الأسلاك الشائكة مثلاً، كانت كغيرها. لكن إذا أخذ الثمر من غير حرز،
يجب فيه عند الجمهور دفع قيمته.
وقال الحنابلة: يجب دفع مثلي قيمته، لقوله عليه السلام: «من أصاب بفيهمن ذي
حاجة غير متخذ خُبْنة، أي ( لا يخبئ شيئاً في ثنيات ثيابه) فلا شيء عليه ، ومن خرج
بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويهالجرین، فبلغ
ثمن المجن، فعليه القطع))(١). فإن استحكم جفاف الثمر أوالحنطة، وجذَّ وآواه الجرين، ثم
سرق، قطع السارق؛ لأنه صار ما لاً مطلقاً، قابلاً للادخار، وإليه أشار الرسول مجال
حيث قال: ((لاقطع في ثمر ولا كثر حتى يؤويه الجرين)) الحديث(٢).
٥- أن يكون المسروق شيئاً ليس أصله مباحاً:
إذا كان الشيء في أصله مباحاً، كالطيور والتبن والخشب والحطب والقصب
والصيود والحشيش والسمك والزرنيخ والطين الأحمر والنِّورة(٢) واللَّبِن والفحم والملح
رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وأخرج الترمذي عن ابن
(١)
عمر مرفوعاً: ((إذا مر أحدكم بحائط ( أي بستان من النخل ) فليأكل ولا يتخذ خبنة)) قال الترمذي:
غريب ، وقال البيهقي: لم يصح ، وجاء من أوجه أخرى غير قوية . قال ابن حجر : والحق أن مجموعها
لا يقصر عن درجة الصحيح، وقد احتجوا في كثير من الأحكام بما دونها ( راجع نصب الراية : ٣٦٣/٣ ، سبل
السلام: ٩٧/٣، جامع الأصول: ٣١٨/٤، ٢٩٦/١١، نيل الأوطار: ١٢٧/٧ ).
(٢)
راجع جامع الأصول : ٣١٨/٤ .
النورة : حجر الكلس ثم غلبت على أخلاط تضاف إلى الكلس من زرنيخ وغيره ، ويستعمل لإزالة الشعر
(٣)
( المصباح ، والقاموس المحيط ) .
- ١١٦ -

والخزف والزجاج لسرعة كسره، فقد اختلف العلماء في حكم سرقته كما في الشرط
السابق.
فقال الحنفية: لا قطع فيما كان أصله مباحاً في دار الإسلام، كهذه الأشياء، واستثنوا
منها خشب الساج والأبنوس والصندل والقنا (هو عنقود النخل) والخشب المصنوع.
ودليله : أن الناس لا يتمولون تلك الأشياء، وإنما توجد بكثرة، وهي مباحة، فيقل
خطرها عندهم، فكانت تافهة كالتراب، إلا ما كان غالي القيمة؛ لأنه يتمول عادة فلا يكون
تافهاً، وهوما استثنوه. ولأنها أيضاً من الأمور التي يشترك فيها الناس جميعاً، فبالنظر
للشبهة التي فيها لكل مالك، لا يقطع سارقها، مراعاة لأصلها(١).
ويلاحظ أن اعتماد أبي حنيفة في هذا الشرط على معنى التفاهة وعدم المالية،
لا على إباحة الجنس؛ لأن ذلك موجود في الذهب والفضة.
وعليه إذا أصبحت هذه الأشياء من جملة الأموال المعتبرة وجب الحد بسرقتها .
وقال المالكية والشافعية والحنابلة(٢): يقطع سارق الأموال، سواء أكانت مما
أصله مباح، كالصيد والماء والحطب والحشيش والمعادن، أو غير مباح لعموم الآية
الموجبة للقطع، وعموم الآثار الواردة في اشتراط النصاب، ولأنها مال محرز(٣)، وهذا
هو الأرجح لدي، لتمول الناس هذه الأشياء، وإحرازهم لها.
(١) المبسوط: ١٥٣/٩، فتح القدير: ٢٢٦/٤، تبيين الحقائق: ٢١٩/٣، البدائع: ٦٨/٧، حاشية ابن عابدين:
٢١٧/٣
(٢)
حاشية الدسوقي: ٣٣٤/٤، الميزان: ١٦٧/٢، بداية المجتهد: ٤٤١/٢، المهذب: ٢٧٨/٢، المغني: ٢٤٦/٨ ،
المنتقى على الموطأ: ١٥٦/٧، القوانين الفقهية: ص ٣٥٩، غاية المنتهى: ٣٣٧/٣.
قال الزنجاني الشافعي في تخريج الفروع على الأصول: ص ١٨٦ : استصحاب حكم العموم إذا لم يقم دليل
(٣)
الخصوص متعين عند القائلين بالعموم ، وعليه بنى الشافعي رضي الله عنه معظم مسائل السرقة . ويتفرع عليه
أن حد القطع يتعلق بسرقة ما أصله على الإباحة عند الشافعي رضي الله عنه ، تمسكاً بعموم قوله تعالى :
﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديها ﴾ وعموم الآية يقتضي إيجاب القطع في كل ما يسمى آخذه سارقاً، فكل
من يطلق عليه اسم السارق مقطوع بحكم العموم إلا ما استثناه الدليل .
- ١١٧ -

٦ - أن يكون المال المسروق معصوماً، ليس للسارق فيه حق الأخذ
ولا تأويل الأخذ، ولا شبهة التناول (انتفاء الشبهة):
السبب في اشتراط هذا الشرط: أن القطع عقوبة محضة، فيستدعي جناية
محضة، وأخذ مالَه حق أخذه لا يكون جناية أصلاً، فلا يستدعي عقوبة. وكذلك
أخذ ما لأخذه فيه تأويل التناول أو شبهة التناول، لا يكون جناية محضة، فلا
تناسبه العقوبة المحضة(١).
ويتفرع على هذا الشرط أنه لا يقام حد القطع فيما يلي:
أ- سائر الأموال المباحة التي لا مالك لها.
ب - مال الحربي المستأمن في دار الإسلام، فإنه لا يقطع استحساناً؛ لأنه مال فيه
شبهة الإباحة، والقياس أن يقطع؛ لأن هذا المال أصبح معصوماً بسبب الأمان الذي
منحه الحربي، ولهذا كان مضموناً بالإتلاف كال الذمي.
جـ- مال المسلم أو الذمي إذا سرقه الحربي المستأمن لاعتقاده إباحته.
د- مال الباغي إذا سرقه العادل؛ لأنه ليس بمعصوم في حقه. وكذا مال العادل
إذا سرقه الباغي، لأنه أخذه متأولاً .
هـ- المال المسروق من الغريم، أي المدين، على التفصيل الآتي:
إن كان المسروق من جنس حقه، كأن كان له عشرة دراهم، فسرق عشرة دراهم،
وكان الدين حالّ الأداء، لم يقطع السارق؛ لأن الأخذ مباح له، لأنه ظفر بجنس
حقه، فله أخذه كما هو مقرر، حتى ولو أخذ أكثر من مقدار حقه، لا يقطع؛ لأن
العقوبات الشرعية وأسبابها للأستاذ علي قراءة : ص ١٤٦ وما بعدها ، البدائع : ٧٠/٧ - ٧٢ ، فتح القدير :
(١)
٢٢٩/٤ وما بعدها، المبسوط: ١٥٢/٩، ١٧٨، غاية المنتهى: ٣٤١/٣.
- ١١٨ -
.

بعض المأخوذ حقه على الشيوع، ولا قطع في سرقة حق شائع كما في المال المشترك. فإن
كان الدين مؤجلاً لا يقطع استحساناً، ويقطع قياساً.
وجه القياس: أن الدين إذا كان مؤجلاً لم يكن لآخذه حق الأخذ قبل حلول
الأجل، فصار كما لو سرقه أجنبي، فيقطع فيه.
ووجه الاستحسان: أن حق الأخذ، وإن لم يثبت قبل حلول الأجل، إلا
أن سبب ثبوت حق الأخذ: وهو الدين، قائم، وأما الأجل فتأثيره في تأخير المطالبة،
لا في سقوط الدين، فقيام السبب المذكور يورث شبهة، والشبهة تمنع إقامة الحد.
فإن كان المسروق خلاف جنس حقه، كأن يكون له عشرة دراهم، فسرق ديناراً
أو عروضاً، فيقام عليه حد القطع، كما ذكر الكرخي ؛ لأنه أخذ مالاً ليس له حق
أخذه. وذكر في كتاب السرقة أنه لا يقطع، وهو قول أبي يوسف والشافعي(١).
قال ابن عابدين : إن عدم جواز أخذ الدائن شيئاً للمدين من خلاف جنسه حقه،
كان في زمانهم -أي زمان متقدمي الحنفية -لمطاوعتهم في الحقوق، والفتوى اليوم على جواز
الأخذ عند القدرة من أي مال كان، لا سيما في ديارنا لمداومتهم للعقوق(٢).
و- سرقة المصحف الشريف: لا يقطع سارقه؛ لأن له تأويل الأخذ، وهو أنه
أخذه لقراءة القرآن العظيم، وهو مذهب الحنابلة أيضاً. وقال مالك والشافعي وأبو
يوسف: يقطع بسرقة المصحف؛ لأنه مال متقوم. واستثنى الشافعية في الأصح سرقة
المصحف الموقوف على القراءة، فإن سارقه لا يقطع كالسرقة من بيت المال، لوجود
الشبهة فيه(٣).
(١)
فتح القدير : ٢٣٦/٤، مغني المحتاج: ١٦٢/٤، المهذب: ٢٨٢/٢.
(٢)
رد المحتار : ٢٢٠/٣.
(٣)
المغني: ٢٤٧/٨، غاية المنتهى: ٣٣٧/٣، المبسوط: ١٥٢/٩، الدر المختار: ٢١٨/٣، مغني المحتاج: ١٦٣/٤،
تكملة المجموع: ٣٣٧/١٨، القوانين الفقهية: ص ٣٥٩ .
- ١١٩ -

ز- الطبل والمزمار، والصليب، والفرد والشطرنج، وجميع آلات اللهو، لا يقطع
بسرقتها؛ لأنه يتأول بأخذها منع المالك عن المعصية ونهيه عن المنكر.
٧- ألا يكون للسارق في المسروق ملك ولا تأويل الملك، أو شبهته
(انتفاء الشبهة ):
والسبب في اشتراط هذا الشرط المتفق عليه: هو ماذكرناه في الشرط السابق:
وهو أن الجناية حينئذ لا تكون متكاملة، فلا تستدعي عقوبة متكاملة، ويتفرع عن
هذا أن السارق لا يقطع بسرقة ما أعاره، أو رهنه، أو آجره لغيره؛ لأنه مملوك له،
ولا يقطع بسرقة المال المشترك بينه وبين المسروق منه؛ لأن له حقاً فيه، ولا يقطع
بسرقة مال الولد وإن سفل؛ لأن له تأويل الملك، أو شبهة الملك، لقوله عليه
الصلاة والسلام: ((أنت ومالك لأبيك)). وكذا لا يقطع بسرقة مال الأصل كالأب
والجد وإن علا، لوجود المباسطة في الدخول في الحرز (١)، أي أنه لا يقطع بسرقة من
عمودي نسبه .
وكذلك لا يقطع السارق من بيت المال؛ لأنه مال العامة، فيكون له فيه ملك
وحق. والدليل هو أن عمر رضي الله عنه لم يقطع من سرق من بيت المال، فقد كتب
عامل لعمر يسأله عمن سرق من مال بيت المال، فقال: ((لا تقطعه فما من أحد إلا
وله فيه حق)) وروى الشعبي أن رجلاً سرق من بيت المال، فبلغ علياً كرم الله وجهه،
فقال: ((إن له فيه سهماً)) ولم يقطعه. وإن سرق ذمي من بيت المال، قطع؛ لأنه
لاحق له فيه. وإن سرق فقير من غلة وقف على الفقراء، لم يقطع؛ لأن له فيه حقاً،
وإن سرق منها غني، قطع؛ لأنه لاحق له فيها. والخلاصة: لا يقطع فيما له فيه شبهة،
لحديث ((ادرءوا الحدود بالشبهات)) وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة.
(١) البدائع: ٧٠/٧ ، فتح القدير: ٢٣٨/٤.
- ١٢٠ -