Indexed OCR Text

Pages 81-100

والخلاصة: قال القرطبي: للقذف عند العلماء شروط تسعة: شرطان في
القاذف، وهما العقل والبلوغ؛ لأنها أصلا التكليف؛ إذ التكليف ساقط دونها.
وشرطان في المقذوف به: وهو أن يقذف بوطء يلزمه فيه الحد، وهو الزنا واللواطة،
أو بنفيه من أبيه دون سائر المعاصي. وخمسة في المقذوف: وهي العقل والبلوغ
والإسلام والحرية والعفة عن الفاحشة التي رمي بها، كان عفيفاً من غيرها، أم لا .
المبحث الرابع - صفة حد القذف:
اختلف الفقهاء في تكييف حد القذف، هل هو حق لله تعالى أم حق للعباد(١).
فقال الحنفية: إن حد القذف فيه حقان: حق للعبد، وحق لله تعالى، إلا أن
حق الله تعالى فيه غالب؛ لأن القذف جريمة تمس الأعراض، وفي إقامة الحد على
القاذف تتحقق مصلحة عامة: وهي صيانة مصالح العباد، وصيانة الأعراض، ودفع
الفساد عن الناس(٣).
وقال الشافعية والحنابلة: إن حد القذف حق خالص للآدمي المقذوف؛ لأن
القذف جناية على عرض المقذوف، وعرضه حقه، فكان البدل (وهو العقاب) حقه،
كالقصاص(٣).
ويترتب على هذا الخلاف: أنه بناء على القول الأول، وهو مذهب الحنفية:
لا يصح للمقذوف إسقاط الحد ولا الإبراء منه والعفو عنه، ولا الصلح والاعتياض عنه
(أي بعد أن يرفع الأمر إلى الحاكم، أما قبل ذلك فيسقط بالعفو)، ولا يجري فيه
المراد بحق العبد: هو أنه لو أسقطه لسقط كالديون والأثمان . والمراد بحق الله : هو أنه ليس للعبد إسقاطه
(١)
( الفروق : ١٤١/١ ) .
فتح القدير: ١٩٤/٤، البدائع : ٥٦/٧ ، حاشية ابن عابدين: ١٨٩/٤، المبسوط: ١١٣/٩.
(٢)
المهذب: ٢٧٤/٢ وما بعدها ، الميزان: ١٦٠/٢ وما بعدها، المغني: ٢١٧/٨، ٢١٩، ٢٣٠، ٢٣٣، ٢٣٦.
(٣)
الفقه الإسلامي جـ ٦ (٦)
- ٨١ -

الإرث، ولكن يسقط بموت المقذوف؛ لأن الإرث إنما يجري في المتروك من ملك أو
حق للمورث، لقوله عليه السلام: ((من ترك مالاً أو حقاً فهو لورثته))(١) وحد
القذف ليس حقاً للمورث عندهم، وإنما هو حق لله تعالى في غالبه، فلا يرثه ورثته،
ويجري فيه التداخل كما في قذف الجماعة، فيجب حد واحد إذا تكرر القذف كما سبق
بیانه .
وإذا طلب المقذوف من القاضي أن يستحلف القاذف، فلا يحلفه كما في حد
الزنا . ومثل حد القذف: حد الزنا والشرب والسكر والسرقة.
وبناء على القول الثاني، وهو مذهب الشافعية والحنابلة: يصح للمقذوف ولو
بعد رفع الأمر للحاكم إسقاط الحد والإبراء منه، والعفو عنه، والصلح، والاعتياض
عنه، ويورث حق المطالبة بحد القذف؛ لأنه من حقوق العباد. أما حديث صفوان
الآتي فهو في حد السرقة الذي هو حق لله تعالى. ودليلهم ما رواه ابن السني أن النبي
واقعٍ قال: ((أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان يقول: تصدقت بعرضي)» أي
بنفسي، والتصدق بالعرض لا يكون إلا بالعفوعما يجب له.
وأما التداخل: فلا يجري فيه عندهم، حتى لو قذف جماعة كل واحد منهم على
انفراد، وجب لكل واحد منهم حد كما سبق بيانه وتفصيله.
وإذا ادعى شخص على رجل أنه قذفه فيستحلف؛ لأنه حق لآدمي کالدين.
(١) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ◌ُّ أنه قال في خطبته: ((من خلف مالاً أو حقاً فلورثته،
ومن خلف كلاًّ أو ديناً، فكله إلي، ودينه علي)) وفي لفظ: (( من ترك مالاً فلورثته ، ومن ترك كلاًّ
فإلينا)» وعن سلمان عند الطبراني بنحو حديث أبي هريرة وزاد: ((وعلى الولاة من بعدي من بيت مال
المسلمين)) وفي إسناده عبد الله بن سعيد الأنصاري متروك ، وعن أبي أمامة عند ابن حبان في ثقاته . وأخرج
أبو داود والنسائي وابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب، قال: قال رسول الله مَ ◌ّم: « من ترك كلاً فإلي ،
ومن ترك مالاً فلورثته ، وأنا وارث من لاوراث له ، أعقل منه ، وأرثه ، والخال وارث من لا وارث له ،
يعقل عنه ويرثه)). (راجع نصب الراية: ٥٨/٤، التلخيص الحبير: ص ٢٥١، نيل الأوطار: ٢٣٨/٥).
- ٨٢ -

وأما مذهب المالكية فيمختلف فيه؛ لأن قول مالك اختلف: فمرة قال بقول
الشافعي: وهو أن حد القذف حق للآدمي، فيجوز فيه العفو وهو الأظهر عند ابن
رشد، ومرة قال: فيه حقان: حق الله وحق للعبد، إلا أنه يغلب فيه حق الإمام إذا
وصل إليه أمر الحد، فإذا رفع أمر الحد إلى الإمام لا يملك المقذوف العفو عن الحد، إلا
إذا أراد المقذوف الستر على نفسه، تغليباً لحق ولي الأمر إذا وصل إليه الحد، قياساً
على الأثر الوارد في السرقة(١)، وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال في حادثة
سارق رداء صفوان: ((فهلا - أي عفوت عنه - قبل أن تأتيني به)) فلم يعمل الرسول
بقول صفوان: ((إني لم أرد هذا: أي قطع يده، هو-أي الرداء - عليه صدقة))(٢).
والرأي الثاني هو المشهور عن مالك، فيجوز عنده للمقذوف العفو عن قاذفه
قبل بلوغ الإمام أو نائبه، أو بعد بلوغه إليه إن أراد المقذوف ستراً على نفسه، كأن
يخشى أنه إن ظهر أمره قامت عليه بينة بما رماه به.
المبحث الخامس - إثبات القذف:
تثبت جرائم الحدود كلها عند القاضى بالبيئة أو بالإقرار، بشرط توافر شروط .
معينة، بعضها في وسيلة الإثبات نفسها ، أي في البينة أو الإقرار، وبعضها يتوقف عليها
النظر في إثبات الحد بالوسائل المذكورة، وهو شرط الخصومة(٣)،أي رفع الدعوى.
انظر بداية المجتهد : ٤٣٣/٢ وما بعدها ، المنتقى على الموطأ : ١٤٨/٧، حاشية الدسوقي : ٣٣١/٤ ، الفروق
(١)
للقرافي: ١٤١/١، القوانين الفقهية: ص ٣٥٨، تهذيب الفروق: ١٥٧/١، الفروق: ١٤١/١، ١٧٥/٤ .
(٢)
أخرجه الموطأ وأحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه ابن الجارود والحاكم عن صفوان بن أمية . ورواية
الموطأ : أن صفوان بن أمية قيل له : إنه إن لم يهاجر هلك ، فقدم صفوان بن أمية المدينة ، فنام في المسجد
وتوسد رداءه، فجاء سارق ، فأخذ رداءه. فأخذ صفوان السارق ، فجاء به إلى رسول الله مَّعٍ، فأمر به
رسول الله ◌َيُّع أن تقطع يده، فقال له صفوان: إني لم أرد هذا يا رسول الله، هو عليه صدقة، فقال
رسول الله مَّ: فهلا قبل أن تأتيني به . (راجع تنوير الحوالك شرح موطأ مالك: ٤٩/٣، جامع الأصول:
٣٤٢/٤، مجمع الزوائد: ٢٧٦/٦، نصب الراية: ٣٦٨/٣، سبل السلام: ٢٦/٤).
(٣)
البدائع : ٤٦/٧ ، ٥٢ .
- ٨٣ -

الخصومة : الخصومة معناها : رفع الدعوى، وهي ليست بشرط في حد الزنا
والشرب، ولكنها شرط في ثبوت حد السرقة كما سنفصل، وشرط في ثبوت حد
القذف بالشهادة والإقرار. أما على أصل الشافعي فلأن حد القذف حق خالص
للعبد، فيشترط فيه الدعوى، كما في سائر حقوق العباد، ويسقط إذا عفا عنه، بدليل
ما روى ابن السني: ((أن النبي ◌ُ ◌ٍّ قال: أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم؟ كان
يقول: تصدقت بعرضي)» والتصدق بالعرض لا يكون إلا بالعفو عما يجب له.
وأما عند الحنفية: فحد القذف وإن كان المغلب فیه حق الله عز وجل، ولکن
للشخص فيه حق ؛ لأنه ينتفع به بصيانة عرضه عن الهتك، فيشترط فيه رفع الدعوى
عن جهة حق الشخص؛ لأن حق الشخص الخاص لا يثبت إلا بمطالبته وخصومته(١).
وسنتكلم عن الخصومة في موضعين: حكم الخصومة، ومن يملك الخصومة.
حكم الخصومة أو الدعوى : الأفضل للمقذوف أن يترك الخصومة؛ لأن فيها
إشاعة الفاحشة، وهو مندوب إلى تركها، وكذا العفو عن الخصومة أفضل لقوله
تعالى: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ ويستحسن للقاضي إذا
رفع الأمر إليه أن يرغب المدعي بترك الدعوى (٢).
من يملك الخصومة ومن لا يملكها :
المقذوف: إما أن يكون حياً وقت القذف، وإما أن يكون ميتاً. فإن كان حياً
فلا خصومة لأحد سواه، ولو كان ولداً أو والداً له، سواء أكان حاضراً أم غائباً؛ لأنه
إذا كان حياً وقت القذف، كان هو المقذوف صورة ومعنی یالحاق العار به، فكان حق
الخصومة له .
(١)
البدائع: المرجع السابق: ص ٥٢ ، المهذب : ٢٧٤/٢ .
(٢)
البدائع ، المرجع السابق : ص ٥٢ .
٩٠
- ٨٤ -
٠

وتجوز الإنابة في هذه الخصومة وهو التوكيل بالإثبات بالبينة عند أبي
حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: لا تجوز، إذ لا تصح وكالة في حد ولا قصاص عنده.
دليله: أنه كما لا يجوز التوكيل في استيفاء حد القذف، فلا يجوز ذلك في إثباته؛ لأن
الإثبات وسيلة إلى الاستيفاء.
ودليل الطرفين: أنه يفرق بين الإثبات والاستيفاء، وهو أن امتناع التوكيل في
الاستيفاء بسبب الشبهة، وهي منعدمة في التوكيل بالإثبات(١).
وأما إذا كان المقذوف ميتاً: فإن حق الخصومة للوالد وإن علا، وللولد وإن
سفل؛ لأن معنى القذف وهو إلحاق العار عائد إلى الأصل والفرع، لوجود الجزئية
بالنسبة للفرع والبعضية بالنسبة للأصل، وقذف الإنسان يكون قذفاً لأجزائه،
فكان القذف لاحقاً بهم من حيث المعنى، أما الميت فلا يرجع إليه معنى القذف؛ لأنه
ليس بمحل لإلحاق العار به (٣). فإذا كان المقذوف حياً ثم مات، فليس لأحد من هؤلاء
حق الخصومة؛ لأنه حد لا یورث كما عرفنا .
ولا حق في الخصومة أصلاً للإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال
والخالات؛ لأنه وإن كان يؤلمهم نسبة الزنا إلى قريبهم، ولكنهم لا يلحقهم القذف
لاصورة ولا معنى، لعدم انتسابهم إلى المقذوف لا بجزئية ولا بأصل.
وأما أولاد البنات فيمختلف فيهم: فعند محمد: لا يملكون الخصومة؛ لأن ولد
البنت ينسب إلى أبيه، لا إلى جده، فلم يكن مقذوفاً معنی بقذف جده.
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: يملكون الخصومة؛ لأن النسبة الحقيقية بين
المقذوف وأولاد بناته ثابتة بوساطة أمهاتهم، فصاروا مقذوفين معنى(٣).
البدائع: ٢١/٦ ، فتح القدير: ١٩٧/٤، المبسوط : ١١٣/٩.
(١)
(٢)
البدائع: المرجع السابق: ٥٥/٧ ، حاشية ابن عابدين: ١٨٧/٤، فتح القدير: ١٩٥/٤.
(٣)
البدائع ، المرجع السابق نفسه ، المبسوط : ١١٢/٩.
- ٨٥ -

ويلاحظ أن حق الخصومة يثبت لأقارب المقذوف على السواء، دون مراعاة
الترتيب في القرابة، فالأقرب والأبعد في هذا الحق سواء؛ لأنه ثابت لهم ابتداء، وليس
من طريق الإرث عن الميت وانتقاله لهم.
وقال زفر: يراعى الترتيب في القرابة؛ لأن عار الأقرب يزيد على الأبعد(١).
ونص الشافعية والحنابلة(٣) على أن حق القذف يثبت للورثة، فإن كان هناك
وارثان، فعفا أحدهما ثبت للآخر جميع الحد، تحقيقاً للردع الذي شرع الحد من
أجله. فإن لم يكن وارث، ثبت الحق فيه للمسلمين، ويستوفيه السلطان .
التوكيل في استيفاء الحد :
عرفنا خلاف الحنفية في التوكيل في إثبات الحد، فهل تصح الوكالة في استيفاء
الحد؟
اتفق الحنفية على أنه لا تصح الوكالة في استيفاء الحدود والقصاص، فلا بد من
وجود المقذوف، ووجود ولي القصاص حين الاستيفاء؛ لأن الاستيفاء عند غيبة
الموكل استيفاء مع الشبهة، فقد يجوز فيما لو حضر المقذوف أن يصدّق القاذف،
والحدود لا تستوفى مع الشبهات(٣).
فإذا حضر المقذوف يقوم ولي الأمر أو نائبه باستيفاء حد القذف، لتطلبه
معرفة معينة. وأما القصاص فيستوفيه ولي الدم، أو من يوكله بسبب عجزه وضعف
قلبه بإشراف الحاكم.
وإذا طلب المقذوف إقامة الحد على القاذف، وخاصم بين يدي القاضي، وحكم
البدائع ، المرجع السابق نفسه .
(١)
تكملة المجموع : ٢٠١/١٨ ، المهذب : ٢٧٥/٢ .
(٢)
(٣)
البدائع : ٥٥/٧ .
- ٨٦ -

القاضي بالحد، ثم مات المقذوف، أومات قبل المطالبة، أومات بعد ما ضرب بعض
الحد، فيبطل الحد ويبطل مابقي منه، وإن كان سوطاً واحداً. وليس لأحد الحق
في متابعة الخصومة أو الاستيفاء، وحينئذ فلا تبطل شهادة القاذف عند الحنفية؛ لأن
المغلب في حد القذف هو حق الله تعالى، فلا يورث كما عرفنا(١).
وقال الشافعي وأحمد: يقوم الوارث مقام المقذوف في إثبات الحد واستيفائه؛
لأن حد القذف حق خالص للإنسان عنده، فيورث كل ما ترتب على القذف من
حق الخصومة، ومتابعتها، واستيفاء الحد، وما تبقى منه(٢).
شرائط البينة لإثبات القذف :
لا يشترط في بينة المقذوف لإثبات القذف سوى الشروط التي تعم الحدود التي
سبق ذكرها، وهي الذكورة والأصالة، فلا تقبل شهادة النساء ولا الشهادة على
الشهادة ولا كتاب القاضي(٣).
م
ولا يشترط عدم التقادم في حد القذف، فلو تأخر الشهود زمناً طويلاً عن أداء
الشهادة، ثم شهدوا على القذف، تقبل شهادتهم، بخلاف بقية الحدود كما عرفنا.
والسبب في التفرقة بين حد القذف وغيره: هو أن التأخير فيه لا يدل على الضغينة
والتهمة؛ لأنه يشترط رفع الدعوى في القذف، فاحتمل أن يكون التأخر في أداء
الشهادة لتأخر المدعي في رفع الدعوى(٤).
البدائع ، المرجع السابق نفسه ، فتح القدير: ١٩٧/٤ ، المبسوط : ١١٤/٩ .
(١)
(٢)
المهذب : ٢٧٥/٢ .
المبسوط : ١١١/٩ .
(٣)
البدائع : ٤٦/٧ .
(٤)
- ٨٧ -

شرائط الإقرار بالقذف :
كذلك لا يشترط في الإقرار بالقذف سوى الشروط العامة في الإقرارات في كل
الحدود وهي : البلوغ والنطق، فلا يصح إقرار الصبي في الحدود، ولا إقرار الأخرس،
سواء بالكتابة أم بالإشارة، کما فصلنا في حد الزنا.
ولا يشترط تعدد الإقرار بالقذف بالاتفاق، ولا عدم التقادم أيضاً(١).
إثبات القذف بعلم القاضي:
اتفق الحنفية على أن حد القذف يثبت بعلم القاضي في زمان القضاء ومكانه.
واختلفوا في إثباته في غير زمان القضاء ومكانه(٢). فقال متقدموهم: له أن يقضي بعلمه
في الواقعة، وقال متأخروهم: لا يجوز له أن يقضي بعلمه مطلقاً في الحوادث المتنازع
فيها بسبب غلبة الفساد والسوء في القضاة!
تحليف القاذف ونکوله:
م
إذا لم يكن للمدعي بينة على القذف، وطلب من القاضي أن يستحلف القاذف
بالله تعالى ما قذفه، فلا يحلف عند الحنفية؛ لأن المقصود من الاستحلاف القضاء
بالنكول عند عدم الحلف، والنكول يكون قائماً مقام الإقرار، ولكن الحد لا يقام بما
هو قائم مقام غيره(٣).
وقال الشافعي: يحلف، وإذا نكل لا ترد اليمين على المدعي في الحدود عنده
وعند مالك، وقال أحمد: يحلف ولا ترد اليمين على المدعي، وإنما يقضي القاضي على
المدعى عليه بالنكول عن اليمين ، ويالزامه بادعاء المدعي.
(١)
البدائع : ٤٩/٧ - ٥٠ .
البدائع ، المرجع نفسه : ٥٤/٧ ، المبسوط: ١٠٨/٩.
(٢)
(٣)
المبسوط للسرخسي : ١٠٥/٩ ، البدائع : ٥٢/٧ .
- ٨٨ -

٠٠
ومنشأ الخلاف بين الحنفية والجمهور: هل حد القذف خالص للإنسان، فيجري
فيه الاستحلاف كما في سائر حقوق العباد، أم أن فيه حقين، وحق الله غالب، فلا
يحلف، وقد سبق بيانه في صفة حد القذف.
المبحث السادس - صلاحيات القاضي في إثبات القذف:
إذا رفعت دعوى القذف إلى القاضي، فإما أن ينكر القاذف، أو يقر. فإن أنکر
وطلب المقذوف من القاضي التأجيل لإقامة البينة، وادعى أن له بينة في المصر على
قذفه، فإنه يؤجله إلى أن يقوم من مجلسه، ويحبس(١) المدعى عليه القذف في تلك
الفترة. فإن أحضر البينة قبل قيام الحاكم من مجلسه، ثمّ المقصود، وإلا خلَّى سبيله.
ولا يجوز عند أبي حنيفة في فترة الانتظار إلى آخر مجلس الحاكم أن يأخذ كفيلاً
بنفس المدعى عليه؛ لأن المقصود من الكفالة إقامة الكفيل مقام المكفول عنه في إيفاء
الحد، وهذا لا يتحقق في الحدود والقصاص، ولأن الكفالة شرعت للاستيثاق،
والحدود مبناها على الدرء والإسقاط، قال عليه الصلاة والسلام: ((ادرؤوا الحدود عن
المسلمين ما استطعتم))(٢) فلا يناسبها الاستيثاق بالكفالة، بخلاف الحبس، فإن الحبس
للتهمة مشروع .
وقال الصاحبان والشافعية: يأخذ القاضي من المدعى عليه كفيلاً بنفسه إلى
ثلاثة أيام، ليأتي بالبينة، ولا يحبسه؛ لأنه لاضرر على المدعى عليه، فتؤخذ منه
الكفالة كما في الأموال، ولأنه إذا كان الحبس جائزاً في الحدود، فالكفالة أولى؛ لأن
معنى الوثيقة في الحبس أبلغ منه في الكفالة، فلما جاز الحبس، فالكفالة أحق
(١). المراد من الحبس: الملازمة، أي يقال للمدعي: لازمه إلى هذا الوقت ، لأن الحبس عقوبة ، وبمجرد الدعوى
لاتقام العقوبة على أحد ( المبسوط : ١٠٦/٩ ).
تقدم تخريجه عن عائشة ، وأنه ضعيف الإسناد ، والأصح أنه موقوف على جماعة من الصحابة مثل عمر وعلي
(٢)
وابن مسعود وعقبة بن عامر ومعاذ .
- ٨٩ -

بالجواز(١)، وأما مدة الثلاثة الأيام فهي وقت قريب، لقوله عز وجل: ﴿ولا تمسوها
بسوء فيأخذكم عذاب قريب﴾ ثم قال: ﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام﴾.
وإن قال المقذوف: ((لا بينة لي)) أو ((بينتي غائبة، أو خارج المصر)» فإن القاضي
يخلي سبيل القاذف، ولا يحبس بالاتفاق لعدم التهمة(٢).
موقف القاضي من القاذف بعد ثبوت القذف:
إن أقام المقذوف البينة على صحة القذف، أو أقر القاذف كما ذكرنا، فإن القاضي
يقول للقاذف: ((أق البينة على صحة قولك)).
فإن أقام أربعة من الشهود على معاينة الزنا، أو على إقرار المقذوف بالزنا، بين
يدي الإمام أربع مرات، سقط الحد عن القاذف، ويقام حد الزنا على المقذوف؛ لأنه
ظهر أن القاذف صادق في مقالته(٣).
وإن عجز عن إقامة البينة، يقام عليه حد القذف لقوله تعالى: ﴿ والذين
يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾.
فإن طلب التأجيل من القاضي، وقال: ((شهودي غيَّب)) أو ((خارج المصر)) لم
يؤجله .
وإن قال: ((شهودي في المصر)) أجله إلى آخر المجلس، ولازمه المقذوف، ويقال
له: ((ابعث أحداً إلى شهودك فأحضرهم))، ولا يؤخذ منه كفيل بنفسه عند أبي
حنيفة؛ لأن في التأجيل إلى آخر المجلس الثاني منعاً من استيفاء الحد بعد ظهوره.
وقال الصاحبان: يؤجل ((أي القاذف)) يومين أو ثلاثة، ويؤخذ منه كفيل؛
المبسوط : ١٠٦/٩، البدائع: ٥٣/٧، المهذب : ٢٧٣/٢ .
(١)
(٢)
المرجعان السابقان .
البدائع : ٥٣/٧ .
(٣)
- ٩٠ -

1
لأنه يحتمل أن يكون صادقاً في إخباره أن له بينة في المصر، وربما لا يمكنه الإحضار في
ذلك الوقت، فيحتاج إلى التأخير إلى المجلس الثاني، وأخذ الكفيل لئلا يفوت حقه.
وروي عن محمد رحمه الله أنه قال: إذا ادعى القاذف أن له بينة حاضرة في المصر،
ولم يجد أحداً يبعثه إلى الشهود، فإن القاضي يبعث معه من الشُّرَط(١) من يحفظه ولا
يتركه حتى يفر، فإن عجز، أقيم عليه الحد. فإن ضرب القاذف بعض الحد، ثم حضر
الشهود، وشهدوا على صدق مقالته، قبلت بينته، وبطل الحد الباقي، ولا تبطل
شهادته، ويقام حد الزنا على المقذوف.
وإن ضرب القاذف الحد بتمامه، ثم شهد الشهود على صدق مقالته، تقبل
شهادتهم. ويظهر أثر القبول في استرداد عدالة القاذف وقبول شهادته؛ لأنه تبين أنه لم
يكن محدوداً في القذف حقيقة، حيث ظهر أن المقذوف لم يكن محصناً؛ لأن من
شرائط الإحصان: العفة عن الزنا، وقد ظهر زناه بشهادة الشهود، فلم يصر القاذف
(٢)
.
مردود الشهادة
اللعان بعد إثبات القذف: قال الشافعية(٣): إن ادعت المرأة على زوجها أنه
قذفها وأنكر، فشهد شاهدان أنه قذفها، جازأن يلاعن؛ لأن إنكاره للقذف
لا يكذب ما يلاعن عليه من الزنا؛ لأنه يقول: إنما أنكرت القذف، وهو الرمي
بالكذب، وما كذبت عليها؛ لأني صادق أنها زنت، فجاز أن يلاعن .
الشرط : هم الطائفة من خيار أعوان الولاة ، وفي أيامنا هم رؤساء الضابطة ، والواحد : شرطي .
(١)
(٢)
راجع البدائع: ٥٣/٧ وما بعدها ، تبيين الحقائق للزيلعي: ١٩٩/٣ .
المهذب : ٢٧٦/٢ .
(٣)
- ٩١ -

الفصل الثالث
حَدّ السرقة
خطة الموضوع :
بيان حد السرقة في المباحث الأربعة الآتية:
المبحث الأول: تعريف السرقة وحكمها وصفة حدها.
المبحث الثاني : شروط السرقة.
المبحث الثالث: إثبات السرقة، وإقامة الدعوى بها.
المبحث الرابع : ما يسقط الحد بعد وجوبه.
المبحث الأول- تعريف السرقة وحكمها وصفة حدها:
تعريف السرقة : السرقة هي أخذ مال الغير على وجه الخفية والاستتار.
ومنه استراق السمع ومسارقة النظر إذا كان يستخفي بذلك.
ووقت الخفية: هو عند ابتداء وانتهاء أخذ المسروق إذا كانت السرقة نهاراً،
ويمتد النهار إلى وقت العشاء، وعند ابتداء الأخذ فقط إذا كانت السرقة ليلاً، حتى
لو دخل السارق البيت ليلاً خفية، ثم أخذ المال مجاهرة ولو بعد مقاتلة من في يده،
قطع استحساناً، إذ لو اعتبروا الخفية في الليل في نهاية الأخذ أيضاً لامتنع الحد في
أكثر السرقات في الليالي؛ لأن أكثرها يصير مغالبة عند انتهاء الأخذ، لأنه وقت
لا يلحق فيه الغوث .
- ٩٢ -

وهل العبرة في الخفية لزعم السارق أن رب الدار لم يعلم به أم لزم أحدهما وإن
كان رب الدار؟ فيه خلاف عند الحنفية. ويظهر الخلاف فيما لوظن السارق أن رب
الدار علم به، مع أنه لم يعلم، فالخفية هنا في زعم رب الدار، لا في زم السارق، فعند
الزيلعي : لا يقطع؛ لأن شرط السرقة أن تكون خفية على زعم السارق. وفي الخلاصة
والمحيط والذخيرة: يقطع اكتفاء بكونها خفية في زعم أحدهما. أما لو زم اللص أن
المالك لم يعلم به مع أنه عالم، يقطع، اكتفاء بزعمه الخفية. وكذا لو لم يعلما معاً، وأما
لو علما بالأخذ معاً فلا قطع(١).
وقد اتفق العلماء على أنه ليس في الاختطاف أو الخيانة فيما ائتمن عليه أو
الاختلاس أو النهب أو الغصب حد، لقوله عليه الصلاة والسلام:
((ليس على الخائن ولا المختلس قطع)) (٢) وقوله أيضاً: ((ليس على المنتهب
(٣)
قطع)) (٣).
والاختلاس: أن يستغفل صاحب المال فيخطفه ويذهب بسرعة جهراً، فهو
من يتعمد الهرب.
والخائن: هو الذي يضمر ما لا يظهره في نفسه. والمراد به: هو الذي يأخذ المال
5
خفية من مالكه، مع إظهاره له النصيحة والحفظ.
راجع الدر المختار ورد المختار: ٢١٢/٣، العناية وفتح القدير: ٢١٩/٤، تبيين الحقائق: ٢١٢/٣.
(١)
حديث قوي رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه الترمذي وابن حبان ، وأخرجه أيضاً الحاكم والبيهقي
(٢)
عن جابر بن عبد الله بلفظ: (( ليس على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس قطع)» وفي لفظ: « ليس على
المختلس ولا على الخائن قطع)) وفي رواية أبي داود: (( ليس على المنتهب قطع، ومن انتهب نهبة مشهورة
فليس منا)) ورواه الطبراني في معجمه الوسط عن أنس بن مالك بلفظ: (( ليس على منتهب ، ولا مختلس ،
ولا خائن قطع)» (راجع جامع الأصول: ٣٢١/٤، نصب الراية: ٣٦٣/٣، التلخيص الحبير: ص ٣٥٦ ، نيل
الأوطار: ١٣٠/٧، سبل السلام : ٣٣/٤).
(٣)
هذه هي رواية أبي داود عن جابر ، كما ذكرنا في الحديث السابق .
- ٩٣ -

والمنتهب: هو المغير، مأخوذ من النهبة: وهي الغارة والسلب، والمراد به:
ما كان على جهة الغلبة والقهر(١).
ورأى الحنابلة أن جاحد عارية قيمتها نصاب يقطع، ولا يقطع جاحد وديعة،
أي أن خائن الوديعة لا يقطع عندهم. وقال الجمهور: لا يقطع جاحد المستعار، ولا
جاحد الوديعة .
والفرق بين السارق الذي تقطع يده، والمختلس والمنتهب والغاصب الذين
لا تقطع أيديهم هو ما يأتي(٢):
إن السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإنه ينقب الدور ويهتك الحرز ويكسر
القفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر مما قام به، فلو لم يشرع قطعه، لسرق
الناس بعضهم بعضاً، وعظم الضرر، واشتدت المحنة بسبب السراق، بخلاف المنتهب
والختلس.
فإن المنتهب: هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس، فيمكنهم أن يأخذوا
على يديه، ويخلصوا حق المظلوم، أو يشهدوا له عند الحاكم.
وأما المختلس: فإنه إنما يأخذ المال على حين غفلة من مالكه وغيره، فلا يخلو من
نوع تفريط يمكن به المختلس من اختلاسه، وإلا فمع كال التحفظ والتيقظ، لا يمكنه
الاختلاس، فليس كالسارق، بل هو بالخائن أشبه. وأيضاً فالمختلس إنما يأخذ المال
من غير حرز مثله غالباً، فإنه الذي يغافلك ويختلس متاعك في حال تخليك عنه
وغفلتك عن حفظه، وهذا يمكن الاحتراز منه غالباً، فهو كالمنتهب.
(١) المبسوط: ١٣٣/٩، البدائع: ٦٥/٧، فتح القدير: ٢٣٣/٤، حاشية ابن عابدين: ٢٠٨/٣، حاشية الدسوقي :
٣٥٥/٤، المهذب: ٢٨٩/٢، الميزان: ١٧٢/٢، المغني: ٣٢٧/٨، مغني المحتاج: ١٧١/٤ ، القوانين الفقهية :
ص ٣٦٠، غاية المنتهى : ٣٣٦/٣ .
أعلام الموقعين : ٦١/٢ وما بعدها .
(٢)
- ٩٤ _

.. ......
وأما الغاصب، فالأمرفيه ظاهر، وهو أولى بعدم القطع من المنتهب. وإذا لم تقطع .
يدهؤلاء، يكف عدوانهم بالضرب والنكال والسجن الطويل، والعقوبة بأخذ المال.
حكم السرقة: الأصل في مشروعية حد السرقة قوله تعالى: ﴿والسارق
والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وقال سؤال: «إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق
فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه))(١). وفي رواية ((أقاموا عليه
الحد)) وإذا ثبتت السرقة فالواجب فيها القطع من حيث هي جناية، والغرم إذا لم
يجب القطع.
واختلفوا: هل يجمع بين الضمان والقطع ؟
......
لا خلاف بين العلماء في أنه إذا قطع السارق، والعين قائمة، ردت على صاحبها،
لبقائها على ملكه. فإن كانت تالفة اختلفوا في ضمانها ، فقال الحنفية: إذا هلك المسروق،
فلا يجتمع على السارق وجوب الغرم (أي الضمان) مع القطع . فإن اختار المسروق منه الغرم
لم يقطع السارق أي قبل وصول الأمر إلى الحاكم. وإن اختار القطع، واستوفي منه لم يغرم
السارق؛ لأن الشارع سكت عن الغرم، فلا يجب مع القطع شيء. قال تعالى: ﴿والسارق
والسارقة فاقطعوا أيديهما، جزاء بما كسبا﴾ فالله سبحانه جعل القطع كل الجزاء، فلو
أوجبنا الضمان، لصار القطع بعض الجزاء، فيكون نسخاً لنص القرآن (٢). وقال عليه
الصلاة والسلام: ((إذا قطع السارق فلا غرم عليه))(٣).
رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن عائشة ، ورواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات عن
(١)
أم سلمة ( راجع جامع الأصول: ٣١٤/٤، مجمع الزوائد: ٢٥٩/٦، نيل الأوطار: ١٣١/٧، ١٣٦).
البدائع : ٨٤/٧، فتح القدير: ٢٦١/٤، المبسوط: ١٥٦/٩ ، تبيين الحقائق: ٢٣١/٣ ، مجمع الضمانات :
(٢)
ص ٢٠٣ .
قال الزيلعي عن حديث ((لا غرم على السارق بعد ماقطعت يمينه)): غريب بهذا اللفظ ومثله اللفظ الوارد
(٣)
هنا وبمعناه ما أخرجه النسائي في سننه عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله خاتم قال: ((لا يغرم السارق
إذا أقيم عليه الحد )) قال النسائي : هذا مرسل وليس بثابت ، وأخرجه البيهقي أيضاً ، وذكر له علة أخرى ،
وأخرجه الدارقطني في سننه بلفظ: ((لا غرم على السارق بعد قطع يمينه)) (راجع جامع الأصول: ٣٢٧/٤ ،
نصب الراية: ٣٧٥/٣ ، سبل السلام: ٢٤/٤ ) .
- ٩٥ -

وقال المالكية: إن كان السارق موسراً عند القطع، وجب عليه القطع والغرم،
تغليظاً عليه، وإن كان معسراً لم يتبع بقيته، ويجب القطع فقط، ويسقط الغرم
تخفيفاً عنه، بسبب عذره بالفاقة والحاجة(١).
وقال الشافعية والحنابلة: يجتمع قطع وضمان، فيرد ما سرق لمالكه، وإن تلف
فيرد بدله، فإذا تلف المسروق في يد السارق ضمن بدله: برد مثله إن كان مثلياً،
وقيمته إن كان قيمياً، سواء أكان موسراً أم معسراً، قطع أم لم يقطع، فلا يمنع القطع
وجوب الضمان، لاختلاف سبب وجوب كل منهما، فالضمان يجب لحق الآدمي،
والقطع يجب لحق الله تعالى، فلا يمنع أحدهما الآخر، كالدية والكفارة، والجزاء
والقيمة في قتل الصيد الحرمي المملوك(٢).
ويلاحظ أن منشأ الخلاف بين الحنفية وغيرهم: هو قاعدة تملك المضمون عند
الحنفية، وهي ((أن المضمونات تملك بالضمان، ويستند الملك فيها إلى وقت وجوب
الضمان)» فلا يجتمع عندهم القطع والضمان ؛ لأنه لو ضمن لملك المسروق، واستند ملكه
إلى وقت الأخذ، فيحصل القطع في ملك نفسه، وهو لا يجوز.
وقال الشافعي وغيره: لا تملك المضمونات بالضمان، فيجتمع القطع والضمان
لتعدد السبب، وعدم إسناد الضمان إلى وقت الأخذ(٣).
والراجح الواضح هو قول الشافعية والحنابلة، لاختلاف سبب كل من الضمان
والقطع، ولضعف الحديث الذي استند إليه الحنفية.
حالة تكرار السرقة : اتفق العلماء على أن السارق تقطع يده اليمنى في السرقة
بداية المجتهد : ٤٤٢/٢، حاشية الدسوقي: ٣٤٧/٤، القوانين الفقهية: ص ٣٦٠ .
(١)
(٢)
المهذب: ٢٨٤/٢، المغني: ٢٧٠/٨، غاية المنتهى : ٣٤٤/٣.
تخريج الفروع على الأصول للزنجاني : ص ١٠٧ .
(٣)
- ٩٦ -

الأولى، فإذا سرق ثانية قطعت رجله اليسرى. واختلفوا في قطع اليد اليسرى في
السرقة الثالثة، والرجل اليمنى في السرقة الرابعة.
فقال الحنفية والحنابلة: لا يقطع أصلاً بعد اليد اليمنى والرجل اليسرى، ولكنه
يضمن المسروق، ويعزر، ويحبس حتى يتوب، بدليل ما روي عن سيدنا علي رضي
الله عنه أنه أتي بسارق، فقطع يده، ثم أتي به الثانية وقد سرق، فقطع رجله، ثم أتي به
ثالثة، فقال: ((لا أقطعه، إن قطعت يده فبأي شيء يأكل، بأي شيء يتمسح، وإن
قطعت رجله فبأي شيء يمشي، إني لأستحي من الله)) فضربه بخشبة وحبسه(١).
وروي مثل ذلك عن سيدنا عمر رضي الله عنه(٢).
وقال المالكية والشافعية: إن سرق ثالثة قطعت يده اليسرى، ثم إن سرق رابعة
قطعت رجله اليمنى، ثم يعزر(٣)؛ لأنه معصية ليس فيها حد ولا كفارة، فعزر فيها،
والدليل لقطع اليد والرجل الأخرى ما روى أبو هريرة رضي الله عنه: ((أن رسول الله
وَ اتّ قال في السارق: إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق
فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله))(٤).
وبما أنه لم يثبت حديث صحيح في هذا الأمر، فلا بأس في عصرنا بالأخذ برأي
الحنفية والحنابلة .
(١) رواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار عن علي بن أبي طالب ، ومن طريق محمد رواه الدارقطني بسنده ومتنه ،
ورواه عبد الرزاق في مصنفه، واللفظ الوارد هنا أخرجه البيهقي عن علي ( راجع نصب الراية: ٣٧٤/٣) .
(٢)
البدائع: ٨٦/٧، فتح القدير: ٢٤٨/٤، المغني: ٢٦٤/٨، غاية المنتهى : ٣٤٣/٣.
(٣)
الشرح الكبير : ٣٣٢/٤، بداية المجتهد: ٤٤٣/٢، مغني المحتاج: ١٧٨/٤، المهذب: ٢٨٣/٢ ، القوانين الفقهية :
ص ٣٦٠ .
أخرجه الدارقطني في سننه عن أبي هريرة ، وفي إسناده الواقدي ، وفيه مقال . ورواه الشافعي عن بعض
(٤)
أصحابه عن أبي هريرة مرفوعاً. وفي موضوعه عن عصمة بن مالك رواه الطبراني والدارقطني ، وإسناد ضعيف
( راجع نصب الراية: ٣٦٨/٣ ، التلخيص الحبير : ص ٣٥٧) .
- ٩٧ -
الفقه الإسلامي جـ٦ (٧)

والحكمة في قطع اليد والرجل: أن اعتماد السارق في السرقة على البطش والمشي،
فإنه يأخذ بيده وينتقل برجله، فتعلق القطع بها، وإنما قطع من خلاف، لئلا
یفوت جنس المنفعة علیه فتضعف حر کته(١).
الفرق بين اعتبار اليد في السرقة وبين اعتبارها في الدية :
إن قطع اليد في ربع دينار، وجعل ديتها عند الاعتداء عليها بالبتر أو القطع
خمسمائة دينار (أي نصف دية في الشرع) هو من أعظم المصالح والحكمة البالغة، فإن
الشرع احتاط في الموضعين للأموال والأطراف، فقرر قطعها في سرقة ربع دينار
فصاعداً، حفظاً لأموال الناس، وإهانة لها حال كونها خسيسة، وجعل ديتها
بالعدوان عليها خمسمائة دينار، حفظاً لها وصيانة، وتقديراً لأهميتها حال كونها
شريفة (٢). وقد تساءل بعضهم، قيل: إنه أبو العلاء المعري(٣)، فقال:
ما بالها قطعت في ربع دينار
يد بخمس مئين عسجد وُدِيَت
ونستجير بمولانا من العار
تناقض مالنا إلا السكوت له
فأجابه بعض الفقهاء بأنها كانت ثمينة لما كانت أمينة ، فلما خانت هانت، وضمنه
الناظم قوله :
لكنها قطعت في ربع دينار
يد بخمس مئين عسجد ودیت
ذل الخيانة، فافهم حكمة الباري
عز الأمانة أغلاها، وأرْخَصَها
مغني المحتاج ، المرجع السابق .
(١)
(٢)
أعلام الموقعين : ٦٣/٢ .
يظهر أن التساؤل من بعض الزنادقة ، بدليل رد الشافعي الآتي ، إذ من المعلوم أن المعري متأخر عن
(٣)
الشافعي ، ويظهر أن الاعتراض تكرر من بعض الزنادقة ، ومن المعري أيضاً في عصرين مختلفين بدلیل رد
شمس الدين الكردي على المعري في قوله :
جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عار
قل للمعري عار أيما عار
لا تقدحن زناد الفكر في حكم
فقيمة اليد نصف الألف من ذهب
شعائر الشرع لم تقدح بأشعار
فإن تعدت فلا تسوى بدينار
- ٩٨ -

وروي أن الشافعي رحمه الله أجاب بقوله:
وههنا ظلمت، هانت على الباري.
هناك مظلومة غالت بقيتها
... ...
مكان القطع: قال جمهور العلماء: مكان القطع في اليد هو من الكوع أو
مفصل الزند (الرسغ)، لما روي أنه عليه السلام قطع يد السارق من مفصل الزند(١)
وقال قوم: الأصابع فقط .
ومكان القطع في الرجل عند الجمهور من مَفْصِل القدم، بدلیل ماروی ابن المنذر
عن عمر رضي الله عنه أنه قطع الرجل من المفصل. وروى البيهقي عن علي رضي الله
عنه أنه يقطع من خنصر القدم(٢) ويبقى له الكعب ليعتمد عليه. وبه قال أبو ثور،
والراجح المشهور عملاً هو كون القطع من مفصل الزند ومن مفصل القدم.
وإذا قطع فالسنة أن يعلق العضو في عنقه ساعة، لما روى فضالة بن عبيد،
قال: ((أتي النبي ◌ُّ الّ بسارق، فأمر به فقطعت يده، ثم أمر فعلقت في رقبته)) ولأن
في ذلك ردعاً للناس. ويحسم موضع القطع ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن
رسول الله ماتم أتي بسارق، فقال: اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به، فأتي
به، فقال: تب إلى الله تعالى، فقال: تبت إلى الله تعالى، فقال: تاب الله عليك.
والحسم: هو أن يغلى الزيت غلياً جيداً، ثم يغمس فيه موضع القطع لتنحسم
العروق، وينقطع الدم(٣) وعلى المحدود أجرة قاطع، وثمن زيت حسم.
فيه أحاديث : منها ما أخرجه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في قصة سارق رداء صفوان بن
(١)
أمية وفيه ((ثم أمر بقطعه من المفصل)) ومنها ما روى ابن عدي عن عبد الله بن عمرو قال: قطع النبي عَّ
سارقاً من المفصل. ومنها ما روى ابن أبي شيبة عن رجاء بن حيوة أن النبي ◌َُّ قطع رجلاً من المفصل وهو
مرسل ( راجع نصب الراية: ٣٧/٣) . والكوع : طرف الزند الذي يلي الإبهام . ويقابله الكرسوع.
المبسوط: ١٣٣/٩، البدائع: ٩٨/٧، بداية المجتهد: ٤٤٣/٢، حاشية الدسوقي: ٣٣٢/٤ ، مغني المحتاج :
(٢)
١٧٨/٤، المغني : ٢٥٩/٨ .
(٣)
المهذب: ٢٨٣/٢، غاية المنتهى : ٣٤٣/٣.
- ٩٩ -

صفة حد السرقة : حد السرقة بالاتفاق حق خالص لله تعالى، فلا يحتمل
العفو والصلح والإبراء بعد ثبوته، فلو أمر الحاكم بقطع السارق، فعفا عنه المسروق
منه، كان عفوه باطلاً؛ لأن صحة العفو تعتمد كون العفو عنه حقاً للعافي، والقطع
حق خالص لله سبحانه وتعالى. ومن هنا قرر الحنفية هذه القاعدة ((الصلح عن
الحدود باطل)»(١).
ويترتب عليه(٢): أنه يجري التداخل في حد السرقة، فلو سرق شخص سرقات،
فرفع الأمر فيها كلها أو بعضها إلى الحاكم، فيقام حد واحد هو القطع لكل السرقات؛
لأن الجرائم التي هي من جنس واحد يكتفى فيها بجد واحد، كما في الزنا، إذ المقصود
من إقامة الحد هو الزجر والردع، وهو يحصل پإقامة حد واحد.
وإذا ثبت الحد عند السلطان، لم يجز العفو عنه، ولا تجوز الشفاعة فيه؛ لأن
الحد لله، فلا يجوز فيه العفو والشفاعة، ولما روت عائشة رضي الله عنها قالت: ((أتي
لرسول الله تج بسارق قد سرق، فأمر به فقطع، فقيل: يا رسول الله، ما كنا نراك
تبلغ به هذا، قال: لو كانت فاطمة بنت محمد، لأقمت عليها الحد))(٣). وقال الزبير:
إذا بلغ - أي الحد - السلطان فلعن الله الشافع والمشفع))(٤).
المبحث الثاني - شروط السرقة:
يشترط لإقامة حد السرقة شروط، بعضها في السارق، وبعضها في المسروت،
وبعضها في المسروق منه، وبعضها في المسروق فيه، وهو المكان .
شروط السارق: يشترط في السارق توافر أهلية وجوب القطع: وهي العقل
الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة : ص ١٤٧ .
(١)
(٢)
البدائع: ٥٥/٧، ٨٦، المبسوط: ١٨٥/٩، المهذب: ٢٦٣/٢، ٢٨٣.
(٣)
متفق عليه بين أحمد والشيخين ( نيل الأوطار : ١٣٥/٧ وما بعدها ).
رواه مالك في الموطأ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ( نيل الأوطار ، المرجع السابق ) .
(٤)
- ١٠٠ -