Indexed OCR Text
Pages 801-820
تثبت للجار الملاصق للمبيع، ولو كان باب داره من سكة أخرى. والملاصق من . جانب واحد ولو بشبر، كالملاصق من ثلاثة جوانب، وواضع جذع على حائط ، وشريك في خشبة على حائط: جار لا شريك؛ لأن وضع الجذوع على الحائط لا يصير صاحبه شريكاً في الدار، والشفعة تثبت في العقار دون المنقول ، والخشبة منقول. ولا فرق بين مسلم وذمي في استحقاق الشفعة، لعموم أدلة مشروعيتها، ولتساويهما في سبب الشفعة وحكمتها ، فيتساويان في الاستحقاق . ودليلهم الأحاديث السابقة في مشروعية الشفعة، والتي منها: ((جار الدار أحق بسقبه))(١) و((جار الدار أحق بدار الجار، والأرض))(٢) و((الجار أحق بشفعته))(٣). ويؤكده أن العلة الموجبة للشفعة هو دفع الضرر الدائم، الذي يلحق المرء بسبب سوء العشرة على الدوام. وهذا يتحقق في الجار، كما يتحقق في الشريك، فتكون حكمة مشروعية الشفعة ظاهرة فيهما ، وهو دفع الضرر عنهما . وقال الجمهور (غير الحنفية) (٤): لا شفعة إلا لشريك في ذات المبيع ، لم يقاسم (أي أن حقه مشاع لم يقسم)، فلا شفعة عندهم لشريك مقاسم ، ولا لشريك في حق من حقوق الارتفاق الخاصة بالمبيع ، ولا للجار. وتثبت الشفعة عند المالكية والشافعية والظاهرية للذمي الكافر على المسلم ، كما قال الحنفية، ولا تثبت للكافر عند الحنابلة في بيع عقار لمسلم ، للحديث النبوي : سبق تخريجه، أخرجه البخاري عن أبي رافع مولى النبي ◌َ ◌ّ (نصب الراية: ١٧٤/٤ ) . (١) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي ، وأحمد في مسنده ، والطبراني في معجمه ، وابن أبي شيبة في مصنفه ، (٢) وابن حبان في صحيحه ، وقال عنه الترمذي : حديث حسن صحيح ، من حديث الحسن عن سمرة ( نصب الراية : ١٧٢/٤ ) . (٣) من حديث جابر عند الترمذي . بداية المجتهد: ٢٥٣/٢، الشرح الكبير: ٤٧٣/٣، الشرح الصغير: ٦٣١/٣، مغني المحتاج: ٢٩٧/٢ ، المهذب : (٤) ٣٧٧/١ وما بعدها، المغني: ٢٨٥/٥ وما بعدها، ٣٥٧، كشاف القناع: ١٤٩/٤، ١٨٢ ، القوانين الفقهية: ص ٢٨٦ ، المحلى : ١١٥/٩، م ١٥٩٨ . الفقه الإسلامي جـ٥ (٥١) - ٨٠١ - ((لا شفعة لنصراني))(١) فهو يخص عموم ما احتجوا به، ولأن الأخذ بالشفعة يختص به العقار، فأشبه الاستعلاء في البنيان، والكافر ممنوع من ذلك بالنسبة للمسلم ، ولأن في شركته ضرراً بالمسلم. ولكن رأي الجمهور في هذا أرجح، بسبب ضعف الحديث الذي احتج به الحنابلة . واتفق الفقهاء على أن الشفعة تثبت للذمي على الذمي، لعموم الأخبار الواردة في الشفعة ، ولأنها تساويا في الدين والحرمة، فتثبت لأحدهما على الآخر كالمسلم على المسلم. وتثبت الشفعة لأهل البدع الذين حكم بإسلامهم؛ لأن عموم الأدلة يقتضي ثبوتها لكل شريك . وأما أصحاب البدع الذين حكم بكفرهم فلا شفعة لهم على مسلم (٢) عند الحنابلة ، بخلاف الجمهور وأدلة الجمهور: حديث جابر السابق: ((قضى رسول الله ◌ُ التّ بالشفعة في كل ما لم يُقْسم"، فإذا وقعت الحدود، وصرِّفت الطرق، فلا شفعة)) وحديث سعيد بن المسيب: ((إذا قسمت الأرض، وحدَّت، فلا شفعة فيها)) (٣)، فإذا كانت الشفعة غير واجبة للشريك المقاسم، فهي أحرى ألا تكون واجبة للجار، والشريك المقاسم إذا قاسم : جارٌ. ولأن الشفعة ثبتت على خلاف الأصل ، فيقتصر فيها على مورد النص . وأما حديث أبي رافع: ((الجار أحق بصقبه)) فليس بصريح في الشفعة، فيحتمل أنه أراد بالصقب: إحسان جاره وصلته وعيادته ونحوها. وخبر جابر صريح صحيح، فيقدم ، وبقية الإحاديث في أسانيدها مقال، فحديث سمرة يرويه عنه (١) رواه الدارقطني في كتاب العلل بإسناده عن أنس ، وأبي بكر ، لكن في إسنادهما بابل بن نجيج ، ضعفه الدارقطني وابن عدي . (٢) المغني : ٣٥٨/٥ وما بعدها ، كشاف القناع: ١٨٣/٤. (٣) رواه أبو داود ، ومالك مرسلاً ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن . - ٨٠٢ - شو الحسن، ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة. ويتعين حمل أحاديث شفعة الجوار على مثل ما دلت عليه أحاديث شفعة الشركة، فيكون لفظ الجار مراداً به الشريك. وهذا الرأي في تقديري أولى ؛ لأن الشفعة تثير مشكلات متعددة ، والأصل المقرر في الشريعة هو حرية التعاقد، فيقتصر فيها على حالة الشركة فقط . وقد توسط ابن القيم بين الرأيين ، فقرر ثبوت الشفعة للجار إذا كان شريكاً مع جاره في حق من حقوق الارتفاق الخاصة ، مثل الطريق أو الشرب ، وإلا فلا شفعة له (١). وارتأى الشوكاني وبعض الشافعية هذا الحل الوسط عملاً بلفظ في حديث جابر: ((إذا كان طريقهما واحداً))(٢) ثانياً - مراتب الشفعة ( أو أسباب استحقاقها) وكيفية التوزيع عند تزاحم الشفعاء: قال الحنفية (٢): الشفعة واجبة للخليط (الشريك) في نفس المبيع، ثم إذا لم يكن ، أو كان وسَلَّم (تنازل عن الشفعة) تثبت للشريك في حق من حقوق الارتفاق الخاصة بالمبيع : وهو الذي قاسم وبقيت له شركة في حق العقار الخاص، كالشرب والطريق الخاصين ، ثم تثبت الشفعة لجار ملاصق . ولا فرق في ثبوت حق الشفعة لصاحب حق الارتفاق بين الأرض المجاورة للمبيع والبعيدة عنه، ولا بين التي تسقى من المجرى الخاص مباشرة، أو من جدول مأخوذ منه، مادام أن الكل يشرب من المجرى، وأن سبب الاستحقاق واحد : وهو الاشتراك في المرفق الخاص . راجع أعلام الموقعين : ١٢٣/٢ - ١٣٢ ، تحقيق عبد الحميد . (١) (٢) نيل الأوطار : ٣٣٣/٥. تكملة الفتح: ٤٠٦/٧، ٤١٢ وما بعدها ، الدر المختار ورد المختار: ١٥٤/٥ وما بعدها، البدائع: ٨/٥ - ٩، (٣) تبيين الحقائق : ٢٣٩/٥، اللباب: ١٠٦/٢ وما بعدها، م (١٠٠٨ ) مجلة. - ٨٠٣ - : والمقصود من الشرب الخاص عند أبي حنيفة ومحمد(١): شرب نهر صغير: وهو الذي لا يجري فيه أصغر السفن ، وما تجري فيه السفن فهو عام، وعامة المشايخ على أن الشركاء في النهر إن كانوا يحصون، فصغير، وإلا فكبير. وما لا يحصى : قيل أربعون ، وقيل خمسمائة ، وقيل: الأصح تفويضه إلى رأي كل مجتهد في زمان . والمقصود بالطريق الخاص : هو الذي لا يكون نافذاً، فكل أهله شفعاء. فإن كان الشرب والطريق عامين، فلا شفعة بها . والمراد بعدم نفاذ الطريق : أن يكون بحيث يمنع أهله من أن يستطرقه غيرهم . وتصور الشفعة بسبب الشرب مثلاً: إذا بيعت أرض لها حق الشرب في مجرى نهر خاص مشترك بين قوم تسقى أراضيهم منه، فلكل أهل الشرب الشفعة ، سواء أكانت أراضيهم المجاورة للنهر ملاصقة له ، أم بعيدة عنه . ودليل الحنفية على ترتيب الشفعاء على النحو المذكور (الشريك في المبيع، ثم شريك الارتفاق، ثم الجار) هو قوله عليه الصلاة والسلام: ((الشريك أحق من الخليط، والخليط أحق من الشفيع)) (٢) ولأن الاتصال في المبيع أقوى من غيره، والاتصال في حق الارتفاق أقوى من الجار؛ لأنه اشتراك في مرافق الملك، والترجيح يكون بقوة السبب ؛ ولأن دفع ضرر مؤنة القسمة، وإن لم يصلح علة عند الحنفية لاستحقاق الشفعة، صلح مرجحاً للأخذ عند تزاحم الشفعاء. (١) وقال أبو يوسف: الشرب الخاص: أن يكون نهراً يسقى منه قراحان أو ثلاثة، وما زاد على ذلك فهو عام ( اللباب : ١٠٧/٢ ) والقراح : المزرعة التي ليس عليها بناء ولا فيها شجر . (٢) قال عنه الزيلعي: غريب: وقال عنه ابن الجوزي: إنه حديث لا يعرف. وقال شريح: (( الخليط أحق من الجار، والجار أحق من غيره )) وقال إبراهيم النخعي: الشريك أحق بالشفعة، فإن لم يكن شريك ، فالجار، والخليط أحق من الشفيع، والشفيع أحق ممن سواه )) ( نصب الراية : ١٧٦/٤ ) - ٨٠٤ - كيفية التوزيع عند تزاحم الشفعاء : وبهذا يتبين كيفية توزيع حق الشفعة عند تزاحم الشفعاء، بأن كانوا أكثر من واحد، وكل منهم يطلب الشفعة . أ - فإن لم يكونوا من مرتبة واحدة: بأن كان أحدهم شريكاً في المبيع، والآخر شريكاً في حق الارتفاق، والآخر جاراً ملاصقاً، فيقدم الشريك في المبيع أولاً ، ثم الشريك في حق المبيع (حق الارتفاق)، ثم الجار (م ١٠٠٩) مجلة . والمشارك في حائط الدار في حكم المشارك في نفس الدار. وأما صاحب الأخشاب الممتدة على حائط جاره، فيعد جاراً ملاصقاً، لاشريكاً (م ١٠١٢) مجلة . وكل من صاحب الطابق الأعلى والأسفل: جار ملاصق (م ١٠١١) مجلة. وحق الشرب مقدم على حق الطريق (م ١٠١٦) مجلة. وإذا باع صاحب حق الشرب أو الطريق الخاص أرضه فقط ، دون حق الارتفاق، فليس للشركاء في الارتفاق شفعة (م ١٠١٥) مجلة . وإذا اجتمع صنفان من الشركاء يقدم الأخص على الأعم، فالمشترك في شرب من جدول من الشرب أولى من المشترك في الشرب (م ١٠١٤) ب - وإن كان الشفعاء من مرتبة واحدة، كالشركاء في المبيع، قسم العقار المشفوع فيه بين الطالبين جميعاً، بالتساوي بحسب عدد الرؤوس، لا بمقدار الملك أو السهام، عند الحنفية(١) والظاهرية(٢)، لاستوائهم في سبب استحقاق الشفعة، وهو الاتصال بالشركة أو الجوار، أي لأنهم متساوون في أصل الملك . البدائع : ٦/٥، تبيين الحقائق: ٢٤١/٥، الكتاب مع اللباب: ١١٦/٢، الدر المختار: ١٥٤/٥، تكملة (١) الفتح : ٤١٤/٧، م ١٠١٣ مجلة (٢) المحلى : ١٢٠/٩، م ١٦٠٩ - ٨٠٥ - وقال الجمهور(١) (غير الحنفية والظاهرية): يقسم الغقار المشفوع فيه بين الشفعاء على قدر حصصهم أو أنصبائهم في الملك، لا على الرؤوس ؛ لأن الشفعة حق ناشئ بسبب الملك، فكان على قدر الملك ، كالغلة والثمرة والأجرة المستفادة من الملك ، وكالربح في شركة الأموال، فيأخذ كل واحد من الشركاء الشفعاء بقدر ما يملكه في العقار (المشفوع به وفيه). فلو كانت الأرض بين ثلاثة، لواحد نصفها، ولآخر ثلثها ، ولآخر سدسها ، فباع الأول حصته، أخذ الثاني سهمين، والثالث سهماً . ولأن الشفعة شرعت لإزالة الضرر، والضرر داخل على كل واحد من الشركاء بحسب نسبة ما يملكه، لا بحسب التساوي، فوجب أن يكون استحقاقهم لدفع الضرر على تلك النسبة من الحصص . وقال المالكية في تزاحم الشركاء الشفعاء(٢): يقدم في الأخذ بالشفعة الأخص في الشركة على غيره، وهو المشارك في السهم أي الفرض ، فلو مات ذو عقار عن جدتين وزوجتين وأختين، فباعت إحداهن نصيبها، فالشفعة لمن شاركها في السهم ، دون بقية الورثة، حتى ولو كان المشارك في السهم أختاً لأب مع أخت شقيقه، أو بنت ابن مع بنت، فإذا باعت الشقيقة أو البنت نصيبها، فالأخت لأب أو لبنت الابن الأخذ بالشفعة، دون العاصب . ويدخل الأخص(٣) من ذوي السهام (الفروض) على الأعم، وهو غير المشارك في السهم أي غير ذوي الفروض وهو غير الأقوى في القرابة ، كالعاصب وغيره، فإذا مات شخص عن بنت فأكثر، وعن أخوين أو عمين، فباع أحد الأخوين ، فإن البنات يدخلن في الشفعة، ولا يختص الحق بالأخ أو العم الذي لم يبع. وإذا مات شخص عن (١) الشرح الصغير: ٦٤٦/٣، الشرح الكبير: ٤٨٦/٣ وما بعدها، بداية المجتهد : ٢٥٧/٢ ، القوانين الفقهية: ص ٢٨٧ ، مغني المحتاج: ٣٠٥/٢، المهذب: ٣٨١/١، المغني: ٣٣٥/٥، كشاف القناع: ١٦٤/٤ (٢) الشرح الكبير: ٤٩٢/٣ ، الشرح الصغير: ٦٥٠/٣ وما بعدها (٣) الأخص أي الأقوى والأزيد في القرب - ٨٠٦ - ثلاث بنات، ثم ماتت إحداهن عن بنتين ، فباعت إحدى أخوات الميتة حصتها ، فأولاد الميتة يدخلن على خالاتهن ، إذ الطبقة السفلى أخص ؛ لأنهن أقرب للميت الثاني، والعليا أعم . ويدخل الوارث ذو الفرض أو العاصب على الموصى لهم بعقار، باع أحدهم حصته، فلا يختص بالشفعة بقية الموصى لهم ، بل يدخل معهم الوارث . ثم يقدم الوارث مطلقاً، سواء أكان ذا فرض أم عاصباً، على أجنبي. ثم يقدم الأجنبي ، إن أسقط الوارث حقه. ثالثاً - غيبة بعض الشفعاء: قال الحنفية(١): لو كان بعض الشفعاء حين البيع وطلب الشفعة غائباً، فطلبها الحاضر، يقضى له بالشفعة ؛ لأن الحاضر ثابت بيقين، والغائب مشكوك في طلبه الشفعة، فلا يؤخر الحاضر؛ لأن المشكوك فيه لا يزاحم المتيقن ، لاحتمال عدم طلب الغائب ، فلا يؤخر بالشك . ثم إذا جاء الغائب وطلب الشفعة، وكان مع الحاضر في مرتبة واحدة، قاسم الحاضر فيما أخذ، أي تنقض القسمة الأولى، ويعاد تقسيم العقار. وإن لم يكن الغائب في مرتبة واحدة مع الحاضر الذي أخذ بالشفعة - وهذا لا يتصور إلا عند الحنفية - كالشريك والجار، فإن كان الغائب فوق الحاضر (أعلى منه) كالشريك مع الجار قضي له بكل المشفوع فيه، وإن كان دونه كالجار مع الشريك منع من الشفعة . ويتفق المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية(٢) مع الحنفية في ثبوت حق (١) البدائع : ٦/٥، الدر المختار: ١٥٦/٥، تبيين الحقائق : ٢٤٢/٥ (٢) الشرح الكبير: ٤٩٠/٣، مغني المحتاج: ٣٠٦/٢، المغني: ٣٠٥/٥ وما بعدها، ٣٣٩ ، كشاف القناع: ١٦٤/٤، المحلى : ١١٥/٩، م ١٥٩٨ ، الشرح الصغير: ٦٤٤/٣ . - ٨٠٧ - : : الشفعة للغائب، لعموم قوله عليه السلام: ((الشفعة فيما لم يقسم))، ولأن الشفعة حق مالي، وجد سببه بالنسبة إلى الغائب، فيثبت له، كالإرث ، ولأن الغائب شريك لم يعلم بالبيع ، فتثبت له الشفعة عند علمه كالحاضر، إذا كتم عنه البيع. ويندفع ضرر المشتري المشفوع عليه بدفع القيمة له . رابعاً - إسقاط بعض الشفعاء حقه : قال الحنفية(١) : إذا أسقط بعض الشفعاء حقه : ۔ أ - فإن كان قبل أن يقضى لهم ، فلمن بقي أخذ كل المشفوع فيه، لزوال المزاحمة . ب - وأما إن أسقط حقه بعد القضاء بالشفعة، فليس لمن بقي أخذ نصيب التارك؛ لأنه بالقضاء قطع حق كل واحد منهم في نصيب الآخر. وقال المالكية، والشافعية في الأصح، والحنابلة(٢): إذا أسقط بعض الشفعاء حقه في الشفعة ، بأن عفا، سقط حقه، كسائر الحقوق المالية، وتخير الآخر بين أخذ جميع المشفوع فيه، أو تركه كله، وليس له أخذ حقه فقط ، أو الاقتصار على حصته؛ لأن الشفيع الواحد إذا أسقط بعض حقه ، سقط كله كالقصاص، لئلا تتبعض الصفقة على المشتري. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على هذا؛ لأن في أخذ البعض إضراراً بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه ، والضرر لا يزال بالضرر. الدر المختار : ١٥٦/٥، تبيين الحقائق: ٢٤١/٥، م ١٠٤٣ مجلة . (١) (٢) الشرح الكبير: ٤٩٠/٣، مغني المحتاج: ٣٠٦/٢، كشاف القناع: ١٦٤/٤، المغني: ٣٣٨/٥. - ٨٠٨ - المبحث الرابع - أحكام الشفعة : أولاً - طريق التملك بالشفعة : قال الحنفية(١): الشفعة تجب بعقد البيع أي تستحق بعد البيع، حتى ولو كان البيع فاسداً وسقط الفسخ بوجه ما، أو كان مشتملاً على خيار للمشتري، ولا شفعة بمجرد الشراء الفاسد لأنه مستحق الفسخ شرعاً ، وفي إثبات حق الشفعة تقرير الفساد ، فلا يجوز، فإن سقط الفسخ بوجه من الوجوه كالتصرف بالمبيع أو البناء عليه. وجبت الشفعة لزوال المانع . كما لا شفعة إذا كان الخيار للبائع؛ لأنه يمنع زوال الملك عن البائع، أما خيار المشتري فلا يمنع زوال الملك عن البائع، والشفعة تبتنى عليه . ولا بد من طلب المواثبة (أي طلب الشفعة كما سمع، على وجه السرعة)، وتستقر بالإشهاد بعد الطلب أي بالطلب الثاني: وهو طلب التقرير، وتملك بالأخذ بالتراضي، أو بقضاء القاضي. أي أن طريق التملك بالشفعة للشفيع يكون بأحد طريقين : إما بتسليم المشتري المبيع للشفيع بالتراضي ، وإما بقضاء القاضي أي بحكم الحاكم من غير أخذ ؛ لأن الملك للمشتري قد تم بالشراء، فلا ينتقل إلى الشفيع إلا بالتراضي، أو قضاء القاضي ، كما في الرجوع في الهبة ؛ لأن للحاكم ولاية عامة، فيقدر على القضاء في ضمن الحكم بالحق . ويترتب عليه: أنه لا يثبت للشفيع في شفعته شيء من أحكام الملك قبل تملكه بأحد الأمرين المذكورين ، فلا تورث عنه عند الحنفية إذا مات في هذه الحالة، وتبطل شفعته إذا باع داره التي يشفع بها ، ولو بيعت دار بجنبها في هذه الحالة لا يستحقها بالشفعة لعدم ملکه فيها . (١) البدائع: ٢٣/٥ وما بعدها، تكملة الفتح: ٤١٧/٧، تبيين الحقائق: ٢٤٢/٥، ٢٥٤، الدر المختار: ١٥٤/٥، اللباب : ١٠٧/٢، ١١٤، م ١٠٣٦، ١٠٣٨ مجلة . - ٨٠٩ - والتملك بأحد هذين الطريقين متفق عليه بين المذاهب(١)، لكن قال المالكية: تملك الشفعة بأحد أمور ثلاثة: بحكم من حاكم، أو دفع ثمن للمشتري، أو إشهاد بالأخذ بالشفعة ولو في غيبة المشتري . ولا شفعة عند غير الحنفية في بيع فاسد ؛ لأنه باطل عندهم أي منعدم شرعاً . واستثنى المالكية حالة تصرف المشتري بشراء فاسد بالشيء إلى غيره ببيع صحیح ، فللشفيع أن يأخذه من المشتري الثاني بما دفعه من الثمن . فإن طرأ في يد المشتري على المبيع بيعاً فاسداً ما يغير ذاته كالهدم مثلاً، فللشفيع الأخذ بما لزم المشتري : وهو القيمة إن كان الفساد متفقاً عليه، والثمن إن كان الفساد مختلفاً فيه . وتملك العقار بالشفعة هو بمنزلة شراء جديد مبتدأ ، فيثبت للشفيع حق الرد بخيار الرؤية وخيار العيب(٢)، كما هو مقرر في كل عقد بيع . والذي يتملكه الشفيع بالشفعة : هو الذي ملكه المشتري بالشراء، سواء ملكه أصلاً ، أو تبعاً لغيره إذا كان متصلاً به وقت التملك بالشفعة، كالبناء والغرس والزرع والثمر. وهذا استحسان عند الحنفية؛ لأن الحق إذا ثبت في العقار، ثبت فيما هو تبع له إن كان منقولاً متصلاً به؛ لأن حكم التبع حكم الأصل(). ثانياً - ما يلزم الشفيع دفعه أو ما يؤخذ به المشفوع : أ - الثمن الواجب دفعه : اتفق الفقهاء على أن الشفيع يأخذ المبيع بالثمن ، أو العوض الذي ملك به، أو بمثل الثمن الذي تملك به المشتري، لا يمثل المبيع الذي يملكه المشتري ؛ لأن الشرع أثبت الشرح الصغير: ٦٤٠/٣، ٦٤٧، مغني المحتاج: ٣٠٠/٢، كشاف القناع: ١٧٧/٤، المغني: ٣٤٦/٥ وما (١) بعدها ، الشرح الكبير : ٤٨٧/٣. (٢) البدائع : ٢٤/٥، م ١٠٣٧ مجلة ، تبيين الحقائق : ٢٤٦/٥ وما بعدها . البدائع : ٢٧/٥ وما بعدها . (٣) : - ٨١٠ - للشفيع ولاية التملك على المشتري بمثل ما يملك به(١) قدراً وجنساً، لحديث جابر ((فهو أحق به بالثمن))(٢)، كما يلزم الشفيع بما أنفقه المشتري كأجرة دلال وكاتب ورسوم فإن كان الثمن مثلياً كالمكيل والموزون ، أخذه الشفيع بمثله (أي مثل الثمن) لأنه من ذوات الأمثال، وإن لم يكن الثمن مثلياً، أخذه الشفيع بقيمته (أي قيمة الثمن)؛ لأنها بدله في القرض والإتلاف، وقت لزوم العقد ؛ لأنه حين استحقاق الأخذ. وإن بيع عقار بعقار (مقايضة)، وكان شفيعهما واحداً، أخذ الشفيع كل واحد من العقارين بقيمة الآخر، لأنه بدله، وهو من ذوات القيم (القييات)، فيأخذه بقيمته . وإن اختلف شفيعهما، يأخذ شفيع كل منهما ماله فيه الشفعة بقيمة الآخر. وإن اشترى ذمي داراً بخمر أو خنزير، وكان الشفيع ذمياً، أخذها بمثل الخمر، وقيمة الخنزير، وإن كان الشفيع مسلماً أخذها عند غير الحنابلة بقيمة الخمر والخنزير. أما الخنزير فظاهر أنه مال قيمي ، وأما الخمر فلمنع المسلم عن التصرف فيه، فالتحق بغير المثلي . وتحسب قيمة الشيء المبيع يوم البيع، لا يوم الأخذ بالشفعة ، باتفاق الفقهاء، لأنه وقت إثبات العوض ، واستحقاق الشفعة . وقال الحنابلة(٢) : لا شفعة فيما اشتراه الذمي بخمر أو خنزير، لأنهما ليسا بمال. ؛ تكملة الفتح: ٤٢٧/٧، تبيين الحقائق: ٢٤٩/٥، اللباب: ١١٤/٢ - ١١٥، الشرح الصغير: ٦٣٥/٣، ٦٣٧ ، (١) مغني المحتاج: ٣٠١/٢، المهذب: ٣٧٨/١ وما بعدها ، المغني : ٣٢٢/٥، كشاف القناع: ١٧٧/٤ ، بداية المجتهد : ٢٥٦/٢ . رواه أبو اسحق الجوزجاني في المترجم . (٢) كشاف القناع : ١٥٢/٤ (٣) - ٨١١ - : ب - الحط من الثمن أو الزيادة عليه : قال الحنفية(١): إذا حط البائع عن المشتري بعض الثمن سواء قبل الأخذ بالشفعة أم بعدها ، سقط قدر المحطوط عن الشفيع ؛ لأن حط البعض يلتحق بأصل العقد، فيظهر ذلك في حق الشفيع؛ لأنه يأخذ الشفعة بالثمن ، والثمن هو الباقي المستقر عليه . أما إن حط البائع عن المشتري جميع الثمن ، لم يسقط عن الشفيع منه شيء ؛ لأن حط الكل لا يلتحق بأصل العقد بحال، لخروج العقد عن موضوعه، فيصبح هبة ، ولم يبق ما يعد ثمناً . وإذا زاد المشتري البائع في الثمن، أو جَدَّد العقد بأكثر من الثمن الأول، لم تلزم تلك الزيادة الشفيع، لأن في الزيادة ضرراً به، لاستحقاقه الأخذ بالثمن الأول الأصلي، بخلاف مسألة الحط من الثمن، لأن فيه منفعة له . والخلاصة : أنه يثبت في حق الشفيع الحط أو النقص من الثمن دون الزيادة . واتفق بقية الفقهاء مع الحنفية على أنه لو حط البائع جميع الثمن ، فلا شفعة، لانتفاء البيع . وقال الشافعية والحنابلة(٢): لو حط بعض الثمن عن المشتري أو زيد قبل لزوم العقد أي في مدة الخيار، انحط عن الشفيع مقدار النقص ، ويلزم بالزيادة؛ لأن حق الشفيع إنما يثبت إذا تم العقد، وزال الخيار، والتغيير يلحق العقد. فأما إذا انقضى الخيار وانبرم العقد ، فحط أو زيد في الثمن ، لم يلحق بالعقد؛ لأن النقص حينئذ إبراء المبسوط: ١٠٧/١٤، الكتاب مع اللباب : ١١٥/٢ وما بعدها، تكملة الفتح : ٤٢٧/٧، تبيين الحقائق : ٢٤٨/٥ (١) وما بعدها ، البدائع : ٢٧/٥ (٢) نهاية المحتاج : ١٤٩/٤، المغني : ٢٢٢/٥، كشاف القناع : ١٧٧/٤ - ٨١٢ - مبتدأ جديد، ولا يثبت ذلك في حق الشفيع ، والزيادة بعد مدة الخيار هبة، تطبق عليها شروط الهبة . جــ تأجيل الثمن : قال الحنفية ما عدا زفر، والشافعية في الأظهر من أقوال الشافعي في الجديد(١): إذا أجل الثمن كله أو بعضه، ليس للشفيع الاستفادة من هذا الأجل الممنوح للمشتري ، وإنما يكون الشفيع بالخيار بين أن يعجل ( يدفع الثمن حالاً) ويأخذ المبيع ( أو الشقص أي الحصة) في الحال، أو يصبر حتى ينقضي الأجل ، ولا يسقط حقه بتأخيره إلى حلول الأجل، لعذره، لكن يجب عليه طلب الشفعة في حينها، وإلا سقط حقه فيها ؛ لأن العقد هو شرط ثبوتها ، وقد وجد . والسبب في عدم إفادته من الأجل : هو أن الشفعة ليست تحويل الصفقة بصفتها للشفيع من المشتري ، وإنما هي نقض العقد الذي تم بين البائع والمشتري ، ثم انعقاد بيع آخر للشفيع . وقال زفر: للشفيع الاستفادة من الأجل ؛ لأن الأجل وصف في الثمن كالزيافة ، والأخذ بالشفعة يكون بالثمن ، فيأخذه به وصفاً وأصلاً . وقال المالكية والحنابلة(٢): للشفيع الاستفادة من تأجيل الثمن الذي تم به العقد، إذا كان مليئاً ثقةً، أو كفله مليء ثقة. فإن لم يكن موسراً، ولا ضمنه مليء، وجب عليه دفع الثمن حالاً ، رعاية للمشتري . وهذا الرأي أولى بالاتباع ضماناً لمصلحة المشتري الذي فقد الصفقة بسبب الشفعة . المبسوط: ١٠٣/١٤، البدائع: ٢٤/٥، ٢٧، تكملة الفتح : ٤٢٨/٧، تبيين الحقائق : ٢٤٩/٥، نهاية (١) المحتاج: ١٥٠/٤ ، مغني المحتاج : ٣٠١/٢ ، الإفصاح لابن هبيرة : ص ٢٧٧ (٢) الشرح الصغير: ٦٣٧/٣، بداية المجتهد: ٢٥٦/٢، المغني: ٣٢٣/٥، كشاف القناع : ١٧٩/٤ - ٨١٣ - د - هل يتوقف القضاء بالشفعة على دفع الشفيع الثمن ؟ قال الحنفية في ظاهر الرواية، والشافعية والمالكية والحنابلة(١): لا يشترط في التملك بالشفعة حكم الحاكم، ولا إحضار الثمن، ولا حضور المشتري، فلا يتوقف صدور الحكم القضائي بالشفعة على إحضار الشفيع الثمن إلى مجلس القضاء ؛ لأن حقه ثبت بمجرد البيع لأجنبي دفعاً للضرر عنه، فصار كما لو صدر الشراء له من البائع من أول الأمر، أو لأن الشفيع يصير متملكاً المشفوع فيه بمقتضى القضاء بالشفعة، فكأنه اشتراه من البائع، والتملك بالشراء لا يتوقف على إحضار الثمن ، كالشراء أو البيع المبتدأ بجامع أنه تملك بعوض . لكن قال المالكية: إن قال الشفيع: أنا آخذ الشفعة، أجل ثلاثة أيام لإحضار الثمن ، فإن أتى به فيها وإلا سقطت شفعته . وقال محمد بن الحسن : لا يقضي القاضي بالشفعة حتى يحضر الشفيع الثمن ، دفعاً للضرر عن المشتري ؛ لأن الشفيع ربما يكون مفلساً، فيتوقف القضاء على إحضار الثمن، ويؤجله القاضي يومين أو ثلاثة تمكيناً له من نقد الثمن، إذ لا يصح دفع الضرر عن الشفیع یاضرار غيره . لكن ما يخشاه محمد من هذا المحذور يمكن دفعه، كما يقول أبو حنيفة وأبو يوسف، بأن للمشتري حبس العين في يده، حتى يدفع الشفيع الثمن . ووفق الكاساني بين الرأيين ، فقال : هذا عندي ليس باختلاف على الحقيقة، وللقاضي أن يقضي بالشفعة قبل إحضار الثمن بلا خلاف؛ لأن لفظ محمد رحمه الله : ((ليس ينبغي للقاضي أن يقضي بالشفعة، حتى يحضر الشفيع المال)) لا يدل على أنه (١) المبسوط: ١١٩/١٤، تبيين الحقائق: ٢٤٥/٥، تكملة الفتح: ٤٢٢/٧، اللباب: ١١٢/٢، البدائع: ٢٤/٥ وما بعدها ، مغني المحتاج: ٣٠٠/٢ ، الشرح الصغير: ٦٤٧/٣ - ٣٤٩، كشاف القناع: ١٧٧/٤ - ٨١٤ - ليس له أن يقضي ، بل هو إشارة إلى نوع احتياط، ولهذا لو قضى جاز، ونفذ قضاؤه ، نص عليه محمد . هـ- استحقاق المشفوع فيه : إذا استحق المشفوع فيه فمن الذي يتحمل العهدة وضمان الثمن ؟ الأمر مختلف فيه على رأيين . والمراد بالعهدة : رجوع من انتقل الملك إليه وهو الشفيع على من انتقل الملك عنه من بائع أو مشتر بالثمن عند الاستحقاق أو الأرش (التعويض) عند ظهور عيب من العيوب . فقال الحنفية(١): إن ضمان الثمن عند الاستحقاق يكون على المشتري، إن أخذ الشفيع المبيع منه، ونقده الثمن ؛ لأنه هو الذي قبض الثمن ، ولأن المبيع قد انتقل منه إلى الشفيع . وهذا هو الغالب . وقد يكون على البائع، إذا كان الشفيع قد أخذ المبيع منه قبل تسليمه إلى المشتري ؛ لأنه هو الذي قبض الثمن ، وانتقل المبيع منه إلى الشفيع . وقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (٢): إذا أخذ الشفيع الشقص (الجزء المبيع المشترك فيه)، فظهر مستحقاً أو معيباً، فيرجع بالثمن أو الأرش (التعويض) على المشتري ، ويرجع المشتري على البائع ؛ لأن الشفيع أخذ المبيع من المشتري على أنه ملكه، فیرجع بالعهدة علیه کما لو اشتراه منه . و- اختلاف الشفيع والمشتري في قدر الثمن : إذا اختلف الشفيع والمشتري في قدر الثمن ، فادعى المشتري - بطبيعة الحال - الأكثر، وادعى الشفيع الأقل، فمن الذي يصدق قوله ؟ تكملة الفتح : ٤٣٣/٧، الدر المختار: ١٦٠/٥، الكتاب مع اللباب: ١١٩/٢، البدائع: ٣٠/٥. (١) (٢) الشرح الكبير: ٤٩٣/٣، المهذب: ٣٨٣/١، المغني: ٣٤٤/٥ وما بعدها ، كشاف القناع: ١٨٢/٤. - ٨١٥ - يرى جمهور الفقهاء (في المذاهب الأربعة وغيرها)(١): أن الشفيع والمشتري إذا اختلفا في قدر الثمن، فقال المشتري اشتريته بمائة، وقال الشفيع : بل بخمسين ، فالقول قول المشتري بيمينه ؛ لأنه أعلم بما باشره من الشفيع، ولأن الشفيع مدع الأقل، والمشفوع عليه مدعى عليه، ينكر ذلك، والقول قول المنكر مع يمينه. إلا أن المالكية قيدوا الأخذ بقول المشتري بقيد، فقرروا أن القول قول المشتري إذا أتى بما يشبه تقدير المقدرين ، أو ثمن المثل ، وإلا أي إن أتى بما لا يشبه تقديرهم، بأن ادعى ما شأنه ألا يكون ثمناً، فالقول قول الشفيع إن أتى بما يشبه التقدير المعقول . فإن لم يكن قول كل من المشتري والشفيع مشبهاً التقدير المعقول، حُلِّف كل منهما على مقتضى دعواه، ورد دعوى صاحبه، ورد الثمن إلى القيمة الوسط بين الناس وهي قيمة الحصة يوم البيع ، كما لو نكلا معاً عن حلف اليمين . وأضاف الحنفية (٢) أن القول قول المشتري إذا اختلف مع الشفيع في جنس الثمن أو في صفته، مثال الأول: أن يقول المشتري : اشتريت بمائة دينار، وقال الشفيع: لا ، بل بألف درهم ، فالقول قول المشتري ؛ لأن الشفيع يدعي عليه التملك بهذا الجنس، وهو ينكر، والقول قول المنكر مع يمينه، ولأن المشتري أعرف بجنس الثمن من الشفيع ؛ لأن الشراء وجد منه، لا من الشفيع، فكان أعرف به من الشفيع ، فيرجع في معرفة الجنس إليه . ومثال الاختلاف في صفة الثمن : أن يقول المشتري : اشتريت بثمن معجل ، وقال الشفيع: لا ، بل اشتريته بثمن مؤجل ، فالقول قول المشتري ؛ لأن الحلول في (١) البدائع: ٣٠/٥ - ٣٢، تكملة الفتح: ٤٢٤/٧، اللباب مع الكتاب: ١١٥/٢، بداية المجتهد: ٢٦١/٢ ، الشرح الصغير : ٦٥٦/٣، مغني المحتاج: ٣٠٤/٢، المغني: ٣٢٨/٥، ٣٣٣. (٢) البدائع : ٣٠/٥ - ٣٢ . - ٨١٦ - الثمن أصل ، والأجل عارض، والمشتري يتمسك بالأصل، فيكون القول قوله بيمينه، ولأن العاقد أعرف بصفة الثمن من غيره، ولأن الأجل يثبت بالشرط ، والشفيع يدعي عليه شرط التأجيل، وهو ينكر، فكان القول قوله . المبحث الخامس - شروط الشفعة : للأخذ بالشفعة شروط ، وقع في بعضها اختلاف بين الفقهاء، وهي ما يلي: ١ - خروج العقار عن ملك صاحبه خروجاً باتاً لا خيار فيه . ٢ - أن يكون العقد عقد معاوضة وهو البيع وما في معناه . ٣ - أن يكون العقد صحيحاً . ٤ - أن يكون الشفيع مالكاً وقت الشراء وإلى القضاء له بالشفعة: ( شرط ملك الشفيع ) . ٥ - عدم رضا الشفيع بالبيع . واشترط الجمهور غير الحنفية أن يكون الشفيع شريكاً ، فلا شفعة لجار عندهم، وقد بحثناه في بحث الشفيع، كما اشترطوا أن يكون المبيع شقصاً ( جزءاً) مشاعاً مع شريك قابلاً لقسمة الإجبار، وقد بحثناه في بحث المشفوع فيه، ولم يشترطه الحنفية . واشترط كل الفقهاء أن يأخذ الشريك جميع الشقص المبيع، لئلا يتضرر المشتري بتبعيض الصفقة في حقه، بأخذ بعض المبيع، وترك البعض الآخر؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، فإن أخذ البعض وترك البعض سقطت شفعته . ولم أجد حاجة للكلام عن اشتراط كون المشفوع فيه عقاراً، فقد تكلمنا عنه في بحث مستقل في المبحث الثاني . كما لا داعي للبحث في اشتراط عدم كون المشفوع فيه ملكاً للشفيع وقت البيع ، - ٨١٧ - الفقه الإسلامي جـ٥ (٥٢) فإن كان ملكاً له لم تجب الشفعة، لاستحالة تملك الإنسان مال نفسه. فهذا مفهوم بداهة، إذ لا يثير نزاعاً يؤدي إلى اللجوء إلى الشفعة . وأما اشتراط المبادرة إلى طلب الشفعة بالتراضي أو بالتقاضي، فمحله بحث مستقل في إجراءات الشفعة . الشرط الأول - خروج العقار عن ملك صاحبه خروجاً باتاً : يجب أن يزول ملك البائع عن العقار المبيع، من طريق البيع البات النهائي اللازم الذي لا خيار فيه، فلا تستحق الشفعة في العقار إذا بيع بشرط الخيار. وهذا شرط متفق عليه بين المذاهب الأربعة، فقد اتفق فقهاؤهم على أن البيع المشتمل على خيار فيه للبائع ، لا شفعة فيه، حتى يجب البيع أو يلزم. وعلى هذا لو كان الخيار لكل من العاقدين ، فلا شفعة ، لأجل خيار البائع. واختلفوا في البيع المشتمل على خيار للمشتري ، فقال الحنفية، والشافعية في الأظهر الراجح عندهم(١): لو كان الخيار للمشتري، تجب الشفعة؛ لأن خياره عند الحنفية لا يمنع زوال المبيع عن ملك البائع، ولأن المبيع في زمن الخيار للمشتري على الراجح عند الشافعية. هذا في خيار الشرط . أما خيار العيب والرؤية، فلا يمنع وجوب الشفعة؛ لأنه لا يمنع زوال ملك البائع . وقال المالكية والحنابلة(٢): لا تثبت الشفعة في بيع الخيار قبل انقضائه، سواء أكان الخيار لكل من البائع والمشتري، أم لأحدهما، فوجود الخيار للمشتري يمنع البدائع: ١٣/٥، الهداية مع تكملة الفتح: ٤٣٨/٧، تبيين الحقائق: ٢٥٣/٥ وما بعدها، الدر المختار: ١٦٠/٥، (١) ١٦٧، الكتاب مع اللباب: ١١٤/٢، مغني المحتاج: ٢٩٩/٢ . (٢) بداية المجتهد : ٢٥٦/٢، الشرح الصغير: ٦٣٣/٣، المغني: ٢٩٤/٥، كشاف القناع: ١٨١/٤. - ٨١٨ - الشفعة؛ لأن الأخذ بالشفعة يلزم المشتري بالعقد بغير رضاه، ويوجب العهدة(١) عليه ، ويفوت حقه من الرجوع في عين الثمن ، فلم يجز، كما لو كان الخيار للبائع . الشرط الثاني - أن يكون العقد عقد معاوضة: لا يثبت الحق في الشفعة إلا إذا خرج العقار عن ملك صاحبه بعقد معاوضة ، وهو البيع، أو ما في معناه كالهبة بشرط العوض إن تقابضا، والصلح عن مال لأنه معاوضة ، سواء أكان العقار المبيع وقفاً أم غير وقف . ففي البيع تجب الشفعة ، لانتقال المبيع إلى المشتري بعوض ، لحديث جابر السابق: ((فإن باعه، ولم يؤذنه، فهو أحق به)). وفي الهبة بعوض تجب الشفعة عند الحنفية إن تقابضا ، لوجود معنى المعاوضة، عند التقابض ؛ لأن الهبة لا تثبت إلا بالقبض فإن قبض أحدهما دون الآخر، فلا شفعة عند أئمة الحنفية الثلاثة (أبي حنيفة وصاحبيه)، وعند زفر: تجب الشفعة بنفس العقد ؛ لأن الهبة بشرط العوض عند الثلاثة : تقع تبرعاً ابتداء، معاوضة انتهاء، وبناء عليه: يشترط ألا يكون الموهوب ولا عوضه شائعاً، لأنه هبة ابتداء. وعند زفر: تقع معاوضة ابتداء وانتهاء . ولم يشترط التقابض عند الجمهور غير الحنفية في الهبة بشرط العوض (الثواب)؛ لأن الهبة عندهم عقد لازم ، ولأن الموهوب له يملك الموهوب بعوض هو مال، فلم يفتقر إلى القبض في استحقاق الشفعة . وتجب الشفعة في الدار التي هي بدل الصلح، سواء أكان الصلح على الدار عند الحنفية عن إقرار أم إنكار، أم سكوت، لوجود معنى المعاوضة. المـ اد بالعهدة هنا : رجوع من انتقل الملك إليه من شفيع أو مشتر على من انتقل عنه الملك من بائع أو مشتر (١) بالثمن أو الأرش عند استحقاق الشقص ( الحصة من المبيع) أو عيبه ( كشاف القناع :- ١٨٢/٤ ) . - ٨١٩ - وهذا الشرط متفق عليه بين الفقهاء في المشهور عن مالك (١)، فلا شفعة بناء عليه إذا زالت ملكية البائع عن ملكه بلا عوض مطلقاً، كالهبة بغير شرط العوض ، والوقف، والوصية والميراث ؛ لأن الشفعة حق تملك جبري، يملك به المبيع جبراً عن المشتري بمثل ما ملك (أي بالثمن والتكاليف التي دفعها)، وهذه التصرفات تؤدي إلى نقل الملكية بغير عوض أي بالمجان ، فلا يتأتى تحقق شرط الشارع في تملك الشفعة وهو البيع بمعاوضه وما في معناه . لكن الفقهاء اختلفوا في التملك بعوض غير مالي، كالمهر، وبدل الخلع ، أو أجر طبيب أو محام مثلاً، أو أجرة دار، أو عوض في الصلح عن دم عمد . فقال الحنفية والحنابلة(٢): يشترط أن يكون عقد المعاوضة معاوضة مال بمال، فلا شفعة إذا كان العوض غير مال ، كما في هذه الأحوال، لأن الشيء في المعاوضة غير المالية يشبه الموهوب والموروث ، ولأن هذه الأعواض لا مثل لها، حتى يأخذ الشفيع الشيء بمثلها ، فلا يمكن مراعاة شرط الشرع فيه، وهو التملك بما تملك به المشتري ، فلم يكن مشروعاً . وأوضح الحنابلة أنه لا تجب الشفعة بفسخ يرجع به المبيع إلى البائع، كرده بعيب أو إقالة. وقال الحنفية: إذا اقتسم الشركاء العقار المشترك بينهم فلا شفعة لجارهم بالقسمة ، لأنها ليست بمعاوضة مطلقاً، ولأن الشريك أولى من الجار. وإذا سلّم (تنازل) الشفيع الشفعة، ثم رد المشتري ما اشتراه بخيار رؤية أو شرط أو عيب بقضاء قاض ، فلا شفعة للشفيع ؛ لأن هذا الرد فسخ تام ، فعاد المبيع القديم ملكه، والشفعة تكون في حالة إنشاء العقد. وإن كان الرد للمبيع بغير قضاء، أو تقايلا (فسخا) البيع، فللشفيع الشفعة ؛ لأن الرد فسخ في حق الطرفين، وبيع (١) البدائع: ١١/٥، تبيين الحقائق: ٢٣٩/٥، ٢٥٢، الهداية مع التكملة: ٤٣٦/٧ - ٤٣٨، الدر المختار: ١٥٧/٥، ١٦٥، الكتاب مع اللباب: ١١٠/٢، بداية المجتهد: ٢٥٥/٢ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٢٨٧ ، الشرح الصغير: ٦٣٣/٣ وما بعدها، مغني المحتاج: ٢٩٨/٢ ، المهذب: ٣٧٦/١ وما بعدها ، المغني : ٢٩١/٥، كشاف القناع : ١٥٢/٤ (٢) تبيين الحقائق : ٢٣٩/٥، ٢٥٢ - ٢٥٣، المغني : ٢٩٢/٥ - ٨٢٠ -