Indexed OCR Text
Pages 741-760
۔ ولا فرق بين أن يقع الإتلاف مباشرة: وهو إلحاق الضرر من غير واسطة بمحل التلف، أو تسبباً : وهو ارتكاب فعل في محل يفضي إلى تلف غيره . كما لا فرق في ضمان الإتلاف بين العمد والخطأ، ولا بين وجود البلوغ أو التمييز أو عدمه ، فالمتلف عمداً أو خطأ ضامن باتفاق المذاهب الأربعة، والكبير أو الصغير أو المجنون أو النائم المتلف ضامن أيضاً عند جمهور الفقهاء. وفرق المالكية بين الصبي المميز وغيره، فيغرم المميز ما أتلفه إن كان له مال، فإن لم يكن له مال اتبع به. أما غير المميز فلا شيء عليه فيما أتلفه من نفس أومال كالعجماء، ومثله المجنون(١). إلا أن الفقهاء اختلفوا في تقدير وجود السبب في بعض الحالات ، منها ما يأتي : أولاً - فتح الباب أو حل الرباط : من فتح باب حانوت، ثم تركه مفتوحاً، فسرق ، أو دل لصاً أو ظالماً على شيء فأخذه أو فتح قفص طائر، فطار، أو حل رباط دابة فهربت، أو فتح باب الإصطبل فخرجت، أو حل رباط سفينة، فغرقت أو ذهبت بها الريح . لا يضمن المتسبب في هذه الأمثلة عند أبي حنيفة وأبي يوسف(٢)؛ لأن مجرد الفتح ونحوه ليس بإتلاف مباشرة ولا تسبباً ، لتدخل عنصر آخر من التلف، وهو السرقة أو الطيران أو الهرب أو الغرق ونحوها، والسارق هو المباشر، والطير أو الدابة هو الذي اختار الهرب، والماء أو الريح كان السبب في الإغراق أو الضياع، فلم يكن مجرد فتح الباب أو حل الرباط سبباً محضاً، فلا حكم له . (١) تبيين الحقائق: ١٣٩/٦، الأشباه والنظائر لابن نجيم: ٧٧/١، الدر المختار وحاشيته: ٣٧٨/٥، ٤١٥، بداية المجتهد : ٤٠٤/٢ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٣٢، ٣٣٣، مغني المحتاج: ٢٧٧/٢ ، كشاف القناع : ١٢٨/٤ (٢) البدائع : ١٦٦/٧، جامع الفصولين : ١١٥/٢ وما بعدها ، مجمع الضمانات: ص ١٤٨ . - ٧٤١ _ 1 ويضمن هذا المتسبب عند المالكية والحنابلة ومحمد بن الحسن(١)؛ لأنه تسبب في الإتلاف، وحدوث الضرر أمر متوقع في الطبع أو العادة . وهو الرأي المنطقي العادل في تقديري ، وقد أخذت به المجلة : م (٩٢٢). وفصل الشافعية في الأمر(٢) فقالوا: من فتح قفصاً عن طائر، وهيجه، فطار في الحال، ضمنه، لأنه ألجأه إلى الفرار، وان اقتصر على الفتح، فالأظهر أنه إن طار في الحال : ضمن ؛ لأن طيرانه في الحال يشعر بتنفيره، وإن وقف ثم طار، فلا يضمنه؛ لأن طيرانه بعد الوقوف يشعر باختياره. وهذا التفصيل ينطبق على حل رباط بهيمة ، أو فتح باب اصطبل ونحوه . وكذلك لو حلّ رباطاً عن علف في وعاء، فأكلته بهيمة في الحال، ضمنه ، أما من فتح باب حانوت فسرقه إنسان، أو دلَّ سارقاً، فسرق، فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يوجد منه سبب یمکن تعليق الضمان علیه به . وإن حلّ رباط سفينة، فغرقت ، فإن غرقت في الحال ضمن ؛ لأنها تلفت بفعله . وإن وقفت ، ثم غرقت : فإن كان بسبب حادث كريح هبت، لم يضمن لأنها غرقت بغير فعله . وإن غرقت من غير سبب حادث ففيه رأيان : أحدهما - لا يضمن كالزِّق إذا ثبت بعد فتحه ، ثم سقط . والثاني - يضمن لأن الماء أحد المتلفات. ثانياً - فتح وعاء السمن (الزق ): لو فتح إنسان زقا (ظرفا) فيه زيت أو سمن ونحوهما ، فخرج مافيه : (١) الشرح الكبير للدردير: ٤٥١/٣، القوانين الفقهية: ص ٣٣٢، كشاف القناع: ١٢٨/٤ وما بعدها، المغني: ٢٨٠/٥، ٢٨٢، القواعد لابن رجب: ص ٢٨٥ . فتح العزيز شرح الوجيز بهامش المجموع: ٢٤٥/١١ وما بعدها، مغني المحتاج: ٢٧٨/٢، المهذب: ٣٧٤/١ وما (٢) بعدها . - ٧٤٢ - فقال أبو حنيفة وأبو يوسف(١): إن كان الزيت ذائباً، فسال منه، ضمن . وإن كان السمن جامداً، فذاب بالشمس، وزال، لم يضمن؛ لأن المائع يسيل بطبعه إن وجد منفذاً بحيث يستحيل استمساكه عادة ، فكان حل الرباط إتلافً له تسْبيباً، أما الجامد فلا يسيل بطبعه ، فإن سال بحرارة الشمس ، فلا يعد فاتح الظرف سبباً في إتلافه ، ولا مباشراً له . وقال المالكية والحنابلة ومحمد بن الحسن (٢): يضمن من شق زق إنسان فيه دهن مائع، فسال، وهلك . أو حل وكاء زق جامد ، فأذابته الشمس ، فاندفق . أو بقي الزق بعد حله قاعداً، فألقته ريح، أو زلزلة، فاندفق ، فخرج ما فيه كله في الحال، أو خرج قليلاً قليلاً، أو خرج منه شيء بلَّ أسفله فسقط فاندفق؛ لأن المتسبب متعد في جميع ذلك، سواء حدث الضرر عقب فعله أو تراخى عنه. وهذا الرأي هو المعقول . وفصل الشافعية فقالوا (٣) : إذا كان الزِّق مطروحاً على الأرض، فخرج مافيه بالفتح وتلف ، يضمن ، حتى ولو كان التقاطر بإذابة شمس، أو حرارة، أو ريح، مع مرور الزمن ؛ لأن الإتلاف ناشئ عن فعله، سواء حضر المالك، وأمكنه تدارك الأمر، فلم يفعل ، أم لا. وهذا كما قال المالكية ومن معهم أما إذا كان الزق منصوباً على شيء، ففتحه : فإن سقط بالفتح وخرج ما فيه أو بابتلال أسفله منه، ضمن، وإن سقط بسبب ريح، أو نحوها كزلزلة، ووقوع طائر، أو جهل الحال، فلم يعلم سبب سقوطه ، لم يضمن ؛ لأن التلف لم يحصل بفعله . ثالثاً - الترويع: إذا بعث الحاكم إلى امرأة يستدعيها إلى مجلس القضاء، فأجهضت جنينها فزعاً، أو زال عقلها : (١) البدائع : ١٦٦/٧، مجمع الضمانات: ص ١٤٨، ١٥٣ . (٢) القوانين الفقهية: ص ٣٣٢ ، كشاف القناع: ١٢٩/٤، البدائع : ١٦٦/٧ . مغني المحتاج : ٢٧٨/٢، المهذب: ٣٧٥/١ ، نهاية المحتاج : ١١١/٤ وما بعدها . (٣) - ٧٤٣ - فقال أبو حنيفة وابن حزم(١): لاضمان في شيء من ذلك على أحد ، إذ ليس السبب متصلاً بالنتيجة قطعاً . وقال جمهور الفقهاء(٢): يضمن الحاكم الدية، لحادثة عمر الذي استدعى امرأة فأجهضت ، وقد سبق الكلام عنها في الجنايات . رابعاً - الحيلولة والحبس : من حبس المالك عن ماله حتى تلف المال ، أو عن ماشيته حتى تلفت ، فقال جمهور الحنفية(٣): إن كان المال منقولاً ضمن، وإن كان عقاراً لم يضمن . وهذا هو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف اللذين يريان إمكان تحقق الغصب في المنقول دون العقار. وقال محمد : يجري الغصب فيهما . وقال المالكية والحنابلة(١٤: على من فعل ذلك ضمان ما تلف به؛ لأنه سبب هلا که . وقال الشافعية(٥): إن قصد المتسبب منع المالك عن ملكه، ضمن، وهو مبدأ الحيلولة: وهي أن يحول بين الشخص وبين ملكه حائل حتى تلف. وإن لم يقصد منعه عن ملكه، ولم يضمن لأنه لم يتصرف في المال، وإنما تصرف في المالك. وبه يظهر أن الحيلولة بين المالك وملكه سبب رابع من أسباب الضمان بعد (العقد، واليد، والإتلاف) عند جمهور الفقهاء، وعند الحنفية في المنقول دون غيره . الدر المختار: ٣٩٧/٥، مجمع الضمانات: ص ١٧٢، اللآلئ الدرية في الفوائد الخيرية بهامش جامع الفصولين : (١) ١١٢/٢، ط الأولى بالأزهرية، المحلى: ٢٩/١١ وما بعدها . (٢) الشرح الكبير : ٢٤٤/٤، المهذب : ١٩٢/٢، المغني: ٨٣٢/٧ وما بعدها . جامع الفصولين: ١١٧/٢، اللباب شرح الكتاب : ١٨٩/٢ . (٣) الشرح الكبير للدردير: ٢٤٢/٤، المغني: ٢٢٣/٥، ٠٨٣٤/٧ (٤) فتح العزيز شرح الوجيز بهامش المجموع: ٢٤٧/١١، نهاية المحتاج: ١١٢/٤، مغني المحتاج: ٢٨٣/٢. (٥) - ٧٤٤ _ المطلب الثاني - شروط إيجاب الضمان بالإتلاف : يشترط لإيجاب الضمان بسبب الإتلاف ما يأتي(١): ١ - أن يكون الشيء المتلف مالاً، فلا ضمان بإتلاف الميتة وجلدها، والدم، والتراب العادي ، والكلب، والسرجين النجس ، ونحوها مما ليس بمال عرفاً وشرعاً . ٢ - أن يكون متقوّماً بالنسبة للمتلف عليه، والمتقوم: هو ما يباح الانتفاع به شرعاً في غير حال الاضطرار، فلا ضمان بإتلاف خمر أو خنزير لمسلم، سواء أكان المتلف مسلماً أم ذمياً، لعدم تقوم الخمر والخنزير في حق المسلم، إذ لا يباح له الانتفاع بها شرعاً ، فلا قيمة لهما . أما خمور وخنازير غير المسلم أي الذمي ، فيضمنها المتلف مسلماً أو غيره، ويلزم المسلم بالقيمة، وغير المسلم بالمثل ، عند الحنفية والمالكية ، لتعديه عليها ، ولأنها مال محترم عند غير المسلمين . ولا تضمن عند الشافعية والحنابلة؛ إذ لاقيمة لها كالدم والميتة وسائر الأعيان النجسة ، وما حرم الانتفاع به لم يضمن ببدل عنه ، كما بينا في غصب غير المتقوم . ولا ضمان عند جمهور الفقهاء ومنهم الصاحبان بإتلاف الأصنام وآلات اللهو والفساد كالمزمار والرباب والعود ونحوها من أدوات الموسيقا، لعدم تقوّمها؛ لأن منفعتها محرمة لا تقابل بشيء باعتبارها أدوات لهو، فلا قيمة لها، كما بينا في غصب غير المتقوم . البدائع: ١٦٧/٧ وما بعدها، المبسوط: ٥٣/١١، درر الحكام: ٢٦٨/٢، تبيين الحقائق: ٢٣٣/٥ - ٢٣٧، تكملة (١) الفتح: ٢٩٧/٧، اللباب شرح الكتاب: ١٩٥/٢، الشرح الكبير: ٢٠٤/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٣٣ ، نهاية المحتاج: ١١١/٤، مغني المحتاج : ٢٧٧/٢، كشاف القناع : ١٢٨/٤، ١٤٦ وما بعدها . - ٧٤٥ _ وقال أبو حنيفة والشافعي : تضمن باعتبارها خشباً منحوتاً فقط ؛ لأن هذه الآلات كما تصلح للهو والفساد، تصلح للانتفاع بها من وجه آخر، فكانت مالاً متقوماً من تلك الناحية فقط . ولا ضمان أيضاً بإتلاف الأموال المباحة التي ليست مملوكة لأحد لعدم تقوّمها؛ لأن التقوم ينبني على كون الشيء عزيز المنال، خطير الأهمية، وهذا المعنى لا يتحقق إلا بالإحراز والاستيلاء. ولا ضمان كذلك بتحريق كتب الفسق والضلال، لاشتمالها على الكذب ولإلحاقها ضرراً بعقيدة الناس ووحدتهم، فيجب إتلافها وإعدامها، وهي أولى بالإتلاف من إتلاف آلات اللهو والمعازف وإتلاف آنية الخمر الذي أمر به الرسول ◌ُ اله(١)، فإن ضررها أعظم من ضرر هذه، ولا ضمان فيها كما لاضمان في كسر أواني الخمر وشق زقاقها (أي ظروفها وأوعيتها)، وقد حرق الصحابة جميع المصاحف المخالفة للمصحف الموحد الخط : وهو مصحف عثمان ، لما خافوا على الأمة من الاختلاف في التلاوة لاختلاف اللهجات وطرائق النطق(٢). ٣ - أن يكون التلف (أو الضرر) محققاً بشكل دائم: فإذا أعيد الشيء إلى الحالة التي كان عليها فلا ضمان، كأن عولج المرض أو نبتت سن الحيوان في المدة التي بقي فيها الشيء في يد المعتدي ؛ لأن النقص الحاصل عندما أزيل أو السن عندما نبتت ثانياً، جعل الضرر كأن لم يكن ، ويرد على المعتدي ما أخذ منه بسبب النقصان، لأنه تبين أن النقصان لم يكن موجباً للضمان لعدم تحقق شرط الوجوب وهو العجز عن الانتفاع على طريق الدوام . وهذا رأي أبي حنيفة . (١) انظر نيل الأوطار : ٣٢٩/٥ وما بعدها . الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن قيم : ص ٢٧١ وما بعدها ، ٢٧٥ ، ط السنة المحمدية . . (٢) - ٧٤٦ - وقال الصاحبان: على الجاني الأرش كاملاً؛ لأن الجناية وقعت موجبة له ، والذي نبت نعمة جديدة من الله(١) . ٤ - أن يكون المتلف أهلاً لوجوب الضمان : فلا يضمن المالك ماتتلفه بهيته من أموال ؛ لأن فعل العجماء جُبَار أي هدر. ولا يشترط التمييز عند غير المالكية الإيجاب الضمان كما بينا(٢). ٥ - أن يكون في إيجاب الضمان فائدة : حتى يتمكن صاحب الحق من الوصول إلى حقه ، فإن لم يكن في التضمين فائدة، أي عدم القدرة على تنفيذ الحكم الصادر بالتعويض ، فلا ضمان . وعليه فلا ضمان على المسلم بإتلاف مال الحربي(٣)، ولا على الحربي بإتلاف مال المسلم في دار الحرب ؛ إذ ليس لحاكم بلد سلطة أو ولاية لتنفيذ الأحكام على رعايا بلد آخر. وليس مال الحربي بالنسبة للمسلم وعكسه محترماً، أي مصوناً يجب الحفاظ عليه، وإنما هو هَدَر. لهذا اشترط الفقهاء في الضمان أن يكون المال محترماً، فمال الحربي في نظر الشرع مباح، فمن أخذه لا يعد غاصباً(6) .. ولا ضمان أيضاً على العادل إذا أتلف مال الباغي ، ولا على الباغي إذا أتلف مال العادل(٥)، لعدم إمكان الوصول إلى الضمان لعدم وجود الولاية والسلطة . البدائع : ١٥٥/٧، ١٥٧، تبيين الحقائق: ١٢٧/٦، اللباب شرح الكتاب: ١٩٠/٣ . (١) (٢) وعلى هذا نصت المجلة : م /٩١٦ . (٣) الحربي : هو من بيننا وبين بلاده عداوة وحرب . (٤) نهاية المحتاج: ١١١/٤. العادل ضد الباغي ، وجمعه بغاة ، والبغاة قوم كالخوارج لهم شوكة ومنعة خالفوا جماعة المسلمين في بعض (٥) الأحكام الشرعية بتأويل فاسد لبعض النصوص ، وظهروا على بلدة من البلاد الإسلامية ، ونظموا عسكراً لهم ، ونفذوا أحكامهم الخاصة . - ٧٤٧ - وقيّد غير الحنفية (١) عدم الالتزام بالضمان بين العادلين والبغاة بحال الحرابة (أو الحرب أو الخروج على الإمام) لعذر البغاة بالتأويل. وأضاف الشافعية(٢) على هذه الشروط أن تثبت اليد على المال : فلا يضمن الشخص طائراً فزع من مسيره من غير قصد ، فخرج من القفص الذي كان مفتوحاً، ولا يضمن المشتري مبيعاً تلف قبل القبض . وأما شروط الضمان في الإتلاف تسبباً فهي ثلاثة كما ذكر الحنفية(١): ١ - التعدي : أن يحدث تعد من فاعل السبب. والتعدي: هو تجاوز الحق ، أو ما يسمح به الشرع، كأن يحفر شخص بئراً في الطريق العام من غير إذن الحاكم، أو في غير ملكه عدواناً ، أو لا يتخذ الاحتياطات الواقية من وقوع الضرر ولو بإذن ، فإذا سقط فيه إنسان أو حيوان ، فالحافر ضامن. ومثله أن يؤجج رجل ناراً في يوم ريح عاصف، فيتعدى إلى إتلاف مال الغير؛ أو يحل وكاء وعاء فيه شيء مائع فاندفق ؛ أو يمزق وثيقة فضاع ما فيها من الحقوق ؛ أو يفتح قفصاً عن طائر، فطار في رأي غير أبي حنيفة وأبي يوسف، أو يحمل حملاً في الطريق ، فيقع على شيء فيتلفه، أو يعثر أحد بالحمل ، فيضمن في كل تلك الحالات لأنه أثر فعله الذي هو تعدي . ٢ - التعمد: وهو أن يصدر الفعل عن قصد وإرادة، كأن يتلف شِرْب(٤) إنسان بأن يسقي أرضه بشرب غيره، أو يسد الماء عن أرض جاره، فتيبس مزروعاته، أو يجذب ثوب إنسان فيسقط منه ما يحمله فيه ، فيتلف، فيضمن . أما إذا لم يكن هناك الشرح الكبير: ٤٤٢/٣، ٢٠٠/٤ ، مغني المحتاج: ٢٧٧/٢ وما بعدها ، كشاف القناع: ١٢٨/٤ . (١) (٢) نهاية المحتاج : ١١٣/٤ . جامع الفصولين: ١١٦/٢، ١٢٢، ١٢٤، مجمع الضمانات: ص ٣٢٣ ، شرح المجلة للشيخ خالد الأتاسي : (٣) ٤٦٤/٣، المادة ٩٢٤ من المجلة، وانظر القواعد لابن رجب: ص ١٩٠ وما بعدها، الفروق للقرافي: ٢٧/٤ ، ٢٠٨/٢ ، مغني المحتاج : ٢٧٨/٢ . (٤) الشرب: النصيب من الماء لإرواء الأراضي. وحق الشفة: هو حق شرب الإنسان والدواب. - ٧٤٨ _ تعمد ، كما لو جفلت دابة من رجل ، فهربت وضاعت ، فلا يضمن ، لأنه غير متعمد أو غير متعد في الأدق . والحقيقة أن المراد بالتعمد هو التعدي ، سواء أكان هناك قصد أم لا ، فلو صاح مجنون بدابة شخص ، فجفلت ووقع الراكب أو الحمل ، فتلف ، كان ضامناً المال. وإن لم يكن عنده قصد الإضرار، لكنه متعدي . وتكون القاعدة : ((المتسبب لا يضمن إلا بالتعدي)) و((المباشر ضامن وإن لم يتعد)). ٣ - أن يؤدي السبب إلى النتيجة قطعاً، دون تدخل سبب آخر حسب العادة : وبعبارة أخرى : ألا يتخلل بين السبب والمسبب فعل شخص آخر، أو ألا يكون التلف قد نشأ عن فعل آخر مختار مباشر، فإن تدخل عنصر آخر مختار، نسب الفعل إليه مباشرة . أي إن اشترك المباشر والمتسبب، ضمن المباشر إن كان السبب لا يؤثر في التلف بانفراده عادة، كمن حفر بئراً في مكان عدواناً، فجاء غير الحافر، وأردى فيه إنساناً أو حيواناً، فالضمان عليه دون الحافر، أما إن تردى فيه بهيمة أو غيرها بنفسها ، فالحافر هو الضامن . وإن كان السبب يؤثر بانفراده، فإن المتسبب والمباشر يشتركان في الضمان ، كما لو نخس رجل دابة آخر بإذنه، فوطئت إنساناً، فالضمان عليهما ؛ لأن السبب هنا يؤثر بانفراده، كما أوضحنا سابقاً في الجنايات . هذا ... ولا يشترط في الضامن التمييز أو كونه بالغاً عاقلاً عند غير المالكية ، فإن الصبي والمجنون يضمنان ما يتلفانه من أموال، كما بينا سابقاً في تعريف الإتلاف. ولا تكون حالة الضرورة سبباً للإعفاء من الضمان ، فمن اضطر حال الجوع مثلاً لتناول مال الغير، فإنه يلزمه ضمانه بالرغم من إباحة التناول حفاظاً على النفس من الهلاك؛ لأن القاعدة تقول: ((الاضطرار لا يبطل حق الغير)). ولا يصلح الجهل بكون المال المتلف مال الغير سبباً أيضاً للتخلص من الضمان . - ٧٤٩ - فالعلم بكون المتلف مال الغير، ليس بشرط لوجوب الضمان ، فمن أتلف مالاً ظاناً أنه ملكه، ثم تبين أنه مملوك لغيره، ضمنه ؛ لأن الإتلاف واقعة مادية لا يتوقف وجودها على العلم بكون المتلف مال الغير. كل ما في الأمر أن الإتلاف إذا تم مع العلم، فيوجب الضمان والإثم الأخروي، وإذا حدث جهلاً فيوجب الضمان فقط، ويرتفع الإثم ؛ لأن الخطأ مرفوع المؤاخذة شرعاً، لقوله معلقة: ((إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه))(١) . المطلب الثالث - كيفية الضمان أو ماهيته : الواجب بالإتلافات المالية هو الواجب بالغصب: وهو ضمان المثل إن كان المتلف مثلياً، وضمان القيمة يوم الإتلاف فيما لا مثل له؛ لأن ضمان الإتلاف ضمان اعتداء، والاعتداء لم يشرع إلا بالمثل. فعند الإمكان يجب العمل بالمثل المطلق (وهو المثل صورة ومعنى)، وعند التعذر يجب المثل معنى، وهو القيمة، كما في الغصب(٢) .. تعالى حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما من حديث ابن عباس رضي الله عنها . (١) البدائع: ١٦٨/٧، القوانين الفقهية: ص ٣٣٢، مغني المحتاج: ٢٨٤/٢، غاية المنتهي : ٢٤٦/٢. لكن إن تلف (٢) المغصوب المثلي ، وفقد مثله ، فتجب قيمته يوم انقطاع المثل عند الحنابلة ، لأن القيمة وجبت في الذمة حينئذ ( المغني : ٢٥٨/٥ ) . - ٧٥٠ - الفصل الثامن دفع الصائل وحكم ضمان الفعل الدفاعي - الدفاع الشرعي وفيه مباحث أربعة : في مشروعية الدفاع ومراحله وحكمه، وشروطه، وهل هو حق أم واجب، وضمان الفعل . المبحث الأول - مشروعية الدفاع ومراحله وحكمه : إذا اعتدى إنسان على غيره في نفس أومال أو عرض ، أو صال عليه يريد ماله أو نفسه ظلماً ، أو يريد امرأة ليزني بها أو صالت عليه بهيمة ، فالمعتدى عليه، أو المصول عليه ، ولغيره : أن يرد العدوان بالقدر اللازم لدفع الاعتداء حسب تقديره في غالب ظنه، وللغير أن يعاونه في الدفاع ، ولو عرض اللصوص لقافلة، جاز لغير أهل القافلة الدفع عنهم . ويبتدئ المدافع بالأخف فالأخف إن أمكن ، فإن أمكن دفع المعتدي بكلام واستغاثة بالناس ، حرم عليه الضرب ، وإن أمكن الدفع بضرب اليد، حرم استخدام السوط، وإن أمكن الدفع بالسوط ، حرم استعمال العصا، وإن أمكن الدفع بقطع عضو، حرم القتل ، وإن لم يمكن الدفع إلا بالقتل أبيح للمدافع القتل ؛ لأنه من ضرورات الدفع . فإن شهر عليه سيفاً أبيح للمدافع أن يقتله ؛ لأنه لا يقدر على الدفع إلا بالقتل، إذ لو استغاث بالناس لقتله، قبل أن يلحقه الغوث، إذ تأثير السلاح فوري . - ٧٥١ - والخلاصة: أن المدافع إن كان يعلم أن المهاجم ينزجر بصياح أو ضرب بما دون السلاح، فعل، وإلا جازله استعمال السلاح، فالقتل أو السلاح جوز للضرورة استثناء من قاعدة ((الضرر لا يزال بالضرر)) ولا ضرورة في الأثقل مع إمكان تحصيل المقصود بالأسهل. ومن المعلوم أن ((الضرورة تقدر بقدرها)) حتى إن تمكن المعتدى عليه أو المصول عليه من الهرب أو الالتجاء لحصن أو جماعة، فيجب عليه ذلك ، كما أوضح الشافعية والمالكية ، وفي وجه عند الحنابلة، ويحرم قتال المعتدي أو الصائل حينئذ؛ لأن المعتدى عليه مأمور بتخليص نفسه بالأهون ، وبما أن الهرب ونحوه أسهل من غيره، فلا يلجأ إلى الأشد(١)، قال العز بن عبد السلام: ((إذا انكف الصوال عن الصیال حرم قتالهم وقتلهم »(٣). وأدلة مشروعية الدفاع كثيرة في القرآن والسنة والمعقول : أما من القرآن فقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ، واتقوا الله، واعلموا أن الله مع المتقين ) فالأمر بالتقوى دليل على ضرورة التزام مبدأ الماثلة أو التدرج في الأخذ بالأخف فالأخف. ومن السنة : أحادیث منها «من قتل دون دينه فهو شهيد ، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد))(٣) فهذا دليل على جواز الدفاع عن الدين والنفس والمال والعرض، لأن النبي ◌ُاقر لما جعل المدافع شهيداً ، دل على أن له القتل والقتال. وأما جواز الدفاع عن الغير: فأساسه الحفاظ على الحرمات مطلقاً من نفس أو البدائع: ٩٣/٧، الدر المختار ورد المختار: ١٩٧/٣، الشرح الكبير: ٣٥٧/٤، بداية المجتهد : ٣١٩/٢ ، مغني (١) المحتاج: ١٩٦/٤ - ١٩٧، المغني: ٣٢٩/٨ - ٣٣١ . (٢) قواعد الأحكام : ١٩٥/١ . رواه أصحاب السنن الأربعة وصححه الترمذي عن سعيد بن زيد ( سبل السلام : ٤٠/٤ ) . (٣) - ٧٥٢ - مال، فلولا التعاون ، لذهبت أموال الناس وأنفسهم ؛ لأن قطاع الطرق مثلاً إذا انفردوا بأخذ مال إنسان لم يُعنه غيره، فإنهم يأخذون أموال الكل واحداً واحداً ، وكذلك غيرهم. وقد قال النبي ◌ُ ◌ّ ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قيل: كيف أنصره ظالماً؟ قال: تحجزه عن الظلم، فإن ذلك نصره))(١) وقال أيضاً: ((من أُذلٌ عنده مؤمن ، فلم ينصره، وهو يقدر على أن ينصره ، أذله الله على رؤوس الأشهاد يوم القيامة)) (١) وفي حديث ((إن المؤمنين يتعاونون على الفُتّان))(٣). وحكم الدفاع الشرعي : هو الإباحة، فتكون أفعال الدفاع مباحة باتفاق الفقهاء(٤)، فلا مسؤولية على المدافع من الناحيتين المدنية والجنائية، إلا إذا تجاوز حدود المشروع، فيصبح عمله جريمة يسأل عنها مدنياً وجزائياً، وعليه القصاص. ولا يجوز للمدافع القتل إلا إذا ثبت ببينة أن الصائل لم يندفع إلا به، كأن يرى الشهود أن الصائل أقبل بسلاح مشهور على المدافع ، فضربه هذا. ولا يقبل القول بمجرد ادعاء المدافع أنه قد هاجم منزله، فلم يمكنه دفعه إلا بالقتل ، كما لا يقبل قول الشهود بأنهم رأوا الصائل داخلاً الدار ولم يذكروا سلاحاً. فإن لم يحضر أحد من الناس يقبل عند المالكية قول المدافع بيمينه (٥). المبحث الثاني - شروط دفع الصائل : يشترط لجواز دفع الصائل أربعة شروط وهي(١) : ١ - أن يكون هناك اعتداء في رأي جمهور الفقهاء، وعند الحنفية: أن يكون رواه أحمد في مسنده والبخاري والترمذي عن أنس بن مالك . (١) رواه أحمد في مسنده عن سهل بن حنيف ( نيل الأوطار: ٣٢٧/٥ ). (٢) رواه أبو داود ولفظه ((المؤمن أخو المؤمن يسعهما الماء والشجر، ويتعاونان على الفتان)) أي الشيطان . وبضم (٣) الفاء : جمع . المراجع السابقة في بدء هذا المطلب ، نظرية الضرورة الشرعية للمؤلف: ص ١٤٠ _ ١٤٢ . (٤) (٥) الشرح الكبير للدردير : ٣٥٧/٤ ، المغني: ٣٣٣/٨. راجع التفصيل في التشريع الجنائي الإسلامي للمرحوم عبد القادر عودة: ٢٧٨/١ وما بعدها . (٦) الفقه الإسلامي جـ ٥ (٤٨) - ٧٥٣ - الاعتداء جريمة معاقباً عليها . وعلى هذا فمارسة حق التأديب من الأب أو الزوج أو المعلم، وفعل الجلاد لا يوصف بكونه اعتداء. وفعل الصبي والمجنون وصيال الحيوان لا يوصف بكونه جريمة عند الحنفية . فإذا قتل الإنسان الجمل الصؤول ونحوه، ضمن قيمته على كل حال عند الحنفية؛ لأن الأموال تضمن حال الضرورة إلى إتلافها، والقاعدة عندهم أن ((الاضطرار لا يبطل حق الغير)) وأن جناية (العجماء جُبَار)) أي هدر. وقال الجمهور عند الحنفية : لا غرم ولا ضمان على المدافع إذا لم يقدر على الامتناع منه إلا بضربه وقتله، لأنه قتله أثناء الدفاع الجائز، ولدفع شره، وقياساً على قتل الإنسان الصائل ، وحرمة النفس أعظم من حرمة المال. وقياساً أيضاً على إهدار دم الصيد الحرمي إذا صال. ويختلف هذا عن حالة المضطر إلى طعام الغير، بأن الطعام لم يلجئ المضطر إلى إتلافه، ولم يصدر منه ما يزيل عصمته(١). ومذهب غير الحنفية في صيال الحيوان والصبي والمجنون هو المعقول. ٢ - أن يكون الاعتداء حالاً: أي واقعاً بالفعل، لا مؤجلاً ولا مهدداً به فقط . ٣ - ألا يمكن دفع الاعتداء بطريق آخر، فإذا أمكنه ذلك بوسيلة أخرى كالاستغاثة أو الاستعانة بالناس أو برجال الأمن ، ولم يفعل ، فهو معتد . ٤ - أن يدفع الاعتداء بالقوة اللازمة : أي بالقدر اللازم لرد الاعتداء بحسب ظنه بالأيسر فالأيسر، كما بينا في المطلب الأول. (١) البدائع: ٢٧٣/٧، بداية المجتهد: ٣١٩/٢، المغني: ٣٢٨/٨ وما بعدها، المهذب : ٢٢٥/٢، كشاف القناع : ١٤٣/٤، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير : ٣٥٧/٤ . - ٧٥٤ _ المبحث الثالث - هل دفع الصائل حق مباح أم واجب ؟ الكلام على هذا المطلب يقتضي التفصيل في كل حالة من حالات الدفاع الشرعي على حدة . حكم الدفاع عن النفس : إذا هوجم إنسان بقصد الاعتداء على نفسه، أو عضو من أعضائه، سواء أكان الهجوم من إنسان آخر أم من بهيمة، فيجب على المعتدى عليه أن يدافع عن نفسه في رأي أبي حنيفة والمالكية، والشافعية (١)، إلا أن الشافعية قيدوا وجوب دفع الصائل في هذه الحالة بما إذا كان الصائل كافراً أو بهيمة؛ لأن الاستسلام للكافر ذل في الدين، والبهيمة تذبح لاستبقاء نفس الإنسان. وأما إذا كان الصائل مسلماً فالأظهر عند الشافعية أنه يجوز الاستسلام له، بل يسن لخبر أبي داود: ((كن خير ابني آدم)» يعني قابيل وهابيل، واشتهر ذلك عن ! الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، ولم ينكر عليه أحد، وأضاف الشافعية بأن الدفع عن نفس غيره في الإيجاب وعدمه کالدفع عن نفسه . وقيد المالكية وجوب الدفاع بأن يكون بعد الإنذار ندباً كالمحارب إن أمكن : بأن يقول له : ناشدتك الله إلا ما تركتني ونحوه، فإن لم ينكف أو لم يمكن ، جازله دفعه بالقتل وغيره . ودليل القائلين بإيجاب الدفاع عن النفس قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وقوله سبحانه ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ﴾ ﴿فمن تبيين الحقائق: ١١٠/٦، البدائع: ٩٣/٧، تكملة فتح القدير: ٢٦٩/٨، الدر المختار ورد المختار: ١٩٧/٢ ، (١) ٢٨٧/٥، الفتاوى الهندية: ٧/٦، ٥١، مواهب الجليل للحطاب: ٣٢٣/٦، الشرح الكبير والدسوقي: ٣٥٧/٤ ، المنتفى على الموطأ: ٦١/٦، تنوير الحوالك شرح الموطأ: ٢٢٠/٢، الفروق: ١٨٥/٤، مغني المحتاج: ٢١/٤ ، ١٩٥، المهذب : ٢٢٥/٢. - ٧٥٥ _ اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ وبما أن الإنسان يجب عليه صيانة نفسه بأكل ما يجده حال الجوع، فيجب عليه الدفاع عن نفسه . وقال الحنابلة(١)، ورأيهم هو المتفق مع السنة : إن دفع الصائل على النفس جائز لا واجب سواء أكان الصائل صغيراً أم كبيراً أم مجنوناً، لقول النبي ◌ُ التّ في حال الفتنة: ((اجلس في بيتك، فإن خفت أن يَبهرك شعاع الشمس، فغطِّ وجهك)» وفي لفظ ((تكون فتن، فكن فيها عبد الله المقتول، ولا تكن القاتل))(٣) وقد صح أن عثمان رضي الله عنه منع عبيده أن يدافعوا عنه، وكانوا أربعمائة، وقال: ((من ألقى سلاحه فهو حر)). قالوا: وهذا مخالف لحال المضطر إلى الطعام: يلزمه الأكل منه؛ لأن في القتل شهادة، وإحياء نفس غيره، وفي الأكل إحياء نفسه من غير مساس بنفس أحد غيره . المبحث الرابع - ضمان الفعل : اتفق الفقهاء(٢) على أن المعتدى عليه (المدافع) إذا قتل الصائل، فلا مسؤولية عليه من الناحيتين المدنية والجنائية، فلا دية ولا قصاص، لقوله عليه السلام: ((من شهر سيفه ثم وضعه - ضرب به -، فدمه هَدَر)) (٤)، ولأن الصائل باغ، والمصول عليه كان يؤدي واجبه في الدفاع عن نفسه، ودفع الشر(٥) . المغني : ٣٢٩/٨ وما بعدها ، كشاف القناع: ١٤٣/٤ . (١) أخرجه ابن أبي خيثمة والدارقطني عن عبد الله بن خباب بن الأرت ، وأخرج أحمد نحوه عن خالد بن (٢) عرفطة . (٣) المراجع السابقة . أخرجه النسائي واسحق بن راهويه والطبراني عن عبد الله بن الزبير (نصب الراية: ٣٤٧/٤) . (٤) قال الحنيفة: ((من شهر على رجل سلاحاً ليلاً أو نهاراً، أو شهر عصا ليلاً في مصر، أو نهاراً في طريق غير (٥) مصر ، فقتله المشهور عليه عمداً، فلا شيء عليه)) ( مجمع الضمانات : ص ١٦٦ ) . - ٧٥٦ _ إلا أن الحنفية استثنوا مما ذكر: ما إذا كان الصائل صبياً أو مجنوناً أو دابة ، فقتله المصول عليه، فيسأل مدنياً فقط لا جنائياً، فلا قصاص عليه ، وإنما يدفع الدية عن الصبي والمجنون، ويضمن قيمة الدابة كما بينا في المبحث الثاني . وروي عن أبي يوسف : أنه يكون مسؤولاً مدنياً فقط عن قيمة الحيوان ، ولا تجب الدية عليه في قتل الصبي والمجنون . ودليل الحنفية بالنسبة للدابة قوله عزوج اته: ((العجماء جُرْحها جُبَار)(١) أي هَدر. وأما فعل الصبي والمجنون فلا يوصف بكونه جريمة أو بغياً، فلا تسقط به عصمة النفس ، ولا يتوافر بالتالي شرط جواز الدفاع عن النفس ؛ لأن من شرائطه أن يكون هناك اعتداء أو عدوان عندهم، كما بينا ، ولأن الدفاع شرع لدفع الجرائم، ولا جريمة ههنا . وقال أبو يوسف : يعد فعل الصبي والمجنون جريمة ، بدليل أنه يجب عليهما ضمان المتلفات ، إلا أنه رفع العقاب عنهما لعدم الإدراك . أما فعل الدابة، فليس جريمة، ولا يجب الضمان على ما تتلفه؛ لأن العجماء جبار، والشرط أن يكون الاعتداء جريمة . 5 والخلاصة : أن أبا حنيفة لا يرى وجوداً لحالة الدفاع في صيال الصبي والمجنون والحيوان ، وإنما يحق الدفاع على أساس الضرورة، أي فيجب الضمان أو التعويض. وأما أبو يوسف فيرى وجود حالة الدفاع إذا صال الصبي أو المجنون ، كما هو رأي غير الحنفية . أما إذا صال الحيوان فيدفع على أساس الضرورة، فتجب قيمته بإتلافه . وأما جمهور الفقهاء فيرون توافر حالة الدفاع في كل الحالات المذكورة ؛ لأن من واجب الإنسان أن يدافع عن النفس والمال عند كل اعتداء، وإن فعل الاعتداء بذاته (١) رواه الجماعة عن أبي هريرة رضي الله عنه (نيل الأوطار: ٢٣٤/٥). - ٧٥٧ - لا يحل دم الصائل، ولكنه يوجب أو يجيز منع الاعتداء، على الخلاف السابق بينهم على رأيين، فالمطالبة بمنع الاعتداء هو الذي أحل دم الصائل، وليس الاعتداء ذاته، فلا يشترط إذاً أن تكون ذات الاعتداء جريمة معاقباً عليها . ورأي الحنابلة(١): أن من دفع صائلاً عن نفسه أو عن ولده ونسائه ومحارمه كأخته وعمته بالقتل لم يضنه، ولو دفعه عن غيره بالقتل ضمنه . حكم العاض : وأما من عض يد إنسان، فانتزعها منه ، فسقطت أسنانه، فلا ضمان عليه ، أي لا يسأل مدنياً بدفع الدية عند غير المالكية ، بدليل حديث عمران بن حصين ((أن رجلاً عض يد رجل، فنزع يده من فيه، فوقعت ثنيتاه(٢)، فاختصوا إلى النبي ◌َِِّّ، فقال: يَعضُّ أحدكم يدْ أخيه، كما يعض الفَحْل(٢)، لادية لك))(9) وحديث يعلى بن أمية قال: ((كان لي أجير، فقاتل إنساناً ، فعض أحدهما صاحبه، فانتزع أصبعه، فأنذر ثنيته (أي أزالها)، فسقطت، فانطلق إلى النبي ◌ُ ◌ّرِ، فأهدر ثنيته، وقال: أيدع يده في فيك، تقضَها كما يَقْضَم الفحل))(٥) . وقال المالكية: إنه يجب الضمان في مثل ذلك، لقوله ◌َّ ل: ((في السن خمس من الإبل)) (٦) ولكن قال يحيى بن يعمر وابن بطال: لو بلغ مالكاً هذا الحديث - حديث ابن الحصين ويعلى - لم يخالفه(٧). (١) كشاف القناع : ١٤٣/٤ . (٢) الثنية : واحدة الثنايا أي أسنان مقدم الفم ، ثنتان من فوق ، وثنتان من أسفل . (٣) الفحل : الذكر من كل حيوان . رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة ما عدا أبا داود . (٤) (٥) رواه الجماعة ( أحمد وأصحاب الكتب الستة ) إلا الترمذي . (٦) رواه أبو داود في المراسيل والنسائي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان وأحمد . المغني : ٣٣٣/٨ وما بعدها ، مغني المحتاج: ١٩٧/٤، نيل الأوطار: ٢٥/٧، الميزان للشعراني: ١٧٣/٢ ، (٧) والمهذب : ٢٢٥/٢ . واشترط الشافعية لعدم ضمان رمي الناظر إلى البيوت: عدم وجود محرم وزوجة للناظر ، فإن كان له شيء من ذلك حرم رميه لأن له في النظر شبهة . - ٧٥٨ _ حكم الدفاع عن العرض : إذا أراد فاسق الاعتداء على شرف امرأة، فيجب عليها باتفاق الفقهاء(١) أن تدافع عن نفسها إن أمكنها الدفع ؛ لأن التمكين منها للرجل حرام ، وفي ترك الدفاع تمكين منها للمعتدي ، ولها قتل الرجل المكره، ولو قتلته كان دمه هدراً، إذا لم يمكن دفعه إلا بالقتل . وكذلك يجب على الرجل إذا رأى غيره يحاول الاعتداء على امرأة أن يدفعه، ولو بالقتل إن أمكنه الدفاع، ولم يخف على نفسه؛ لأن الأعراض حرمات الله في الأرض ، لا سبيل إلى إباحتها بأي حال، سواء عرض الرجل أو عرض غيره . ولا يسأل المدافع جنائياً ولا مدنياً، فلا قصاص ولا دية عليه، لظاهر الحديث: ((من قتل دون أهله فهو شهيد))(٢) ولما ذكره الإمام أحمد من حديث الزهري بسنده عن عبيد بن عمير: ((أن رجلاً أضاف ناساً من هذيل ، فأراد امرأة على نفسها ، فرمته بحجر فقتلته، فقال عمر: والله لا يودى أبداً))، ولأنه إذا جاز الدفاع عن المال الذي يجوز بذله وإباحته، فدفاع المرأة أو الرجل عن نفسها ، وصيانتها عن الفاحشة التي لاتباح بحال : أولى . الزاني بامرأته : كذلك لاقصاص ولا دية في المذاهب الأربعة (٢) على من وجد رجلاً يزني بامرأته، فقتله، لما روي ((أن عمر رضي الله عنه بينما هو يتغدى يوماً، إذ أقبل رجل يعدو، ومعه سيف مجرد ملطخ بالدم ، فجاء حتى قعد مع عمر، فجعل يأكل ، وأقبل جماعة من الناس ، فقالوا: يا أمير المؤمنين ، إن هذا قتل صاحبنا مع الدر المختار: ١٩٧/٣، ٣٩٧/٥، البدائع: ٩٣/٧ ، بداية المجتهد: ٢١٩/٢ ، مجمع الضمانات: ص ٢٠٣ ، مغني (١) المحتاج : ١٩٤/٤ وما بعدها، المهذب: ٢٢٥/٢، المغني: ٣٣١/٨ وما بعدها، كشف الأسرار: ١٥٢٠/٤، الشرح الكبير للدردير : ٣٥٧/٤ . (٢) سبق تخريجه . (٣) المراجع السابقة ، المغني : ٣٣٢/٨. - ٧٥٩ - امرأته ، فقال عمر: ما يقول هؤلاء ؟ قال : ضرب الآخر فخذي امرأته بالسيف، فإن كان بينهما أحد ، فقد قتله، فقال لهم عمر: ما يقول ؟ قالوا: ضرب بسيفه فقطع فخذي امرأته ، فأصاب وسط الرجل ، فقطعه باثنين ، فقال عمر: إن عادوا فعد))(١). وإذا كانت المرأة مطاوعة فلا ضمان عليه فيها . وإن كانت مكرهة فعليه القصاص . ولا بد من البينة كما بينا في حكم الدفاع . وفي البينة روايتان عند الحنابلة: في رواية : أنها أربعة شهداء لما روي عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن رجل دخل بيته ، فإذا مع امرأته رجل ، فقتلها وقتله، قال علي : إن جاء بأربعة شهداء، وإلا فليعط برمته أي تضمن ديته. ولما روى أبو هريرة ((أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله، حتى آتي بأربعة شهداء ؟ فقال النبي ◌ُّ : نعم))(٣). وفي رواية أخرى : إنه يكفي شاهدان، لأن البينة تشهد على وجوده على المرأة، وهذا يثبت بشاهدين ، وإنما الذي يحتاج إلى أربعة هو الزنا، وهذا لا يحتاج إلى إثبات الزنا . فإن لم تكن بينة فادعى الزوج علم ولي المرأة بالزنا، فالقول قول الولي بيمينه، عند الحنابلة . الاطلاع على داخل البيوت : لواطلع إنسان بدون إذن على بيت إنسان من ثقب أوشق باب أو نحوه، فرماه صاحب البيت بحصاة أوطعنه بعود ، فقلع عينه ، فلا مسؤولية عليه جنائياً ولا مدنياً أي (١) رواه هشيم عن مغيرة عن إبراهيم ، وأخرجه سعيد بن منصور. أخرجه الطبراني من حديث عبادة بن الصامت ( فتح الباري : ١٥٤/١٢ ) (٢) - ٧٦٠ -