Indexed OCR Text
Pages 521-540
قيود الملكية : قيود الملكية ثلاثة : أولها - أن تكون في دائرة منع الضرر. ثانيها - ليس كل شيء قابلاً للتلك الفردي . ثالثها - للجماعة أو للدولة حقوق مفروضة على الملكية الخاصة . القيد الأول - منع الإضرار بالآخرين : إن الحقوق المقررة على الملكية أساسها أمران : ١ - منع ضرر الغير؛ لأن كل حق في الإسلام مقيد بمنع الضرر. ٢ - نفع الغير إن لم يكن ثمة ضرر لاحق به (١). والضرر أربعة أقسام عند العلماء(٢): ١ ١ - الضرر المؤكد الوقوع: وهو أن يترتب على تصرف المالك في ملكه ضرر مؤكد بغيره عند استعمال حقه المأذون فيه. وحكمه أنه إذا تمكن صاحب الحق من استعمال ملكه دون إضرار بغيره، فيمنع من الضرر؛ لأنه يتحمل الضرر الخاص في سبيل دفع الضرر العام. وإذا كان الضرر خاصاً بالآحاد، فيكون حق صاحب الحق أولى بالاعتبار. ٢ - الضرر الغالب وقوعه: وهو أن يكون الضرر كثير الوقوع عند القيام بالفعل ، وهذه الحال تلحق بسابقتها : وهي المقطوع فيها بوقوع الضرر؛ لأن غلبة الظن تقوم مقام اليقين في الأحكام العملية . ٣ - الضرر الكثير غير الغالب: وهو أن يكون ترتب المفسدة على الفعل كثيراً في ذاته إذا وقع ، ولكن لا يغلب على الظن وقوعه . التكافل الاجتماعي للاستاذ محمد أبو زهرة : ص ٢٤ . (١) (٢) المصدر السابق : ص ٦٤ - ٦٦ . - ٥٢١ - وفيه اختلف الفقهاء، فالمالكية والحنابلة يرون العمل بقاعدة ((دفع المضار مقدم على جلب المصالح)» واحتمال وقوع الضرر كاف لمنع الفعل. والحنفية والشافعية يرون أن الفعل مشروع في أصله، واحتمال الضرر لا يصلح دليلاً على الضرر المتوقع، فلا يمنع حق مجرد احتمال الضرر. ٤ - الضرر القليل: وهو أن يكون الضرر المترتب على استعمال الحق المأذون فيه نادر الوقوع، أو كان في ذاته قليلاً، وهو لا يلتفت إليه لقلته، إذ العبرة بأصل الحق الثابت ، فلا يعدل عنه إلا لعارض الضرر الكثير بالغير. القيد الثاني - منع الملكية الخاصة في بعض الحالات : ليست كل الأموال قابلة للتملك الفردي ، فهناك أنواع ثلاثة من المال لا تقبل الملكية الفردية وإنما هي مملوكة للجماعة(١)، وما عداها من المرافق الخاصة كالمزروعات والمصنوعات، يجوز للأفراد تملكها والتصرف فيها. وتلك الأنواع هي ما يأتي : النوع الأول : الأموال ذات النفع العام كالمساجد والمدارس والطرقات والأنهار والأوقاف الخيرية ونحوها من المنافع العامة التي لا تؤدي غايتها إلا إذا كانت للجماعة . 5 النوع الثاني : الأموال الموجودة بخلق الله تعالى، كالمعادن والنفط والأحجار والماء والكلاً والنار، فهذه الأشياء لم يوجدها البشر وإنما هي مخلوقة بخلق الله تعالى. وكون المعادن كلها مملوكة للدولة وتستخدم من أجل المرافق العامة هو الحق وهو الرأي الراجح عند المالكية، وهو رأي الحنابلة في المعادن الظاهرة أو السائلة: وهي التي يحصل عليها من غير مؤنة ينتابها الناس، كالملح والماء والكبريت والنفط (١) انظر التكافل الاجتماعي للاستاذ أبي زهرة : ص ٢٩ وما بعدها . - ٥٢٢ - والكحل والياقوت ونحوها . أما المعادن الجامدة فتلك بملك الأرض التي هي فيها(١). وأما الحنفية فعندهم تفصيلات تعرف في كتبهم، ولكنهم يقرون أن للدولة فيها حظاً كبيراً. ويظهر رأي الحنابلة في قول ابن قدامة الحنبلي: ((وجملة ذلك أن المعادن الظاهرة : وهي التي يوصل ما فيها من غير مؤنة ينتابها الناس وينتفعون بها كالملح والماء والكبريت والقير والمومياء(٢) والنفط والكحل والبرام(٣) والياقوت ومقاطع الطين وأشباه ذلك لا تملك بالإحياء، ولا يجوز إقطاعها لأحد من الناس ولا احتجازها دون المسلمين ؛ لأن فيه ضرراً بالمسلمين وتضييقاً عليهم)) (9). النوع الثالث : الأموال التي تؤول ملكيتها للدولة من الأفراد أو يكون للدولة عليها الولاية . فالأولى مثل ما يؤول إلى بيت المال كالأموال الضائعة، أو التي لا وارث لها؛ لأن ((بيت المال وارث من لا وارث له)) والثاني مثل الأراضي الخراجية الزراعية التي آلت إلى المسلمين بالفتح كأراضي الشام ومصر والعراق وفارس وما وراءها تعتبر كالمعادن مملوكة للدولة ، وتعتبر اليد القائمة عليها يد اختصاص وانتفاع فقط، لا يد تملك تام أي (للرقبة والمنفعة معاً). وإذا كانت أغلب أراضي المسلمين هي أراضي خراجية، ويد الزراع عليها ليست يد ملك مطلق، فإن لولي الأمر عند الضرورة أن ينتزع الأراضي من أيدي واضعي اليد عليها ، ويعوضهم عنها إذا اقتضت المصلحة العامة نزعها، وقد ثبت أن رسول الله م التر حمى أرضاً بالمدينة وهو النقيع (موضع معروف بالمدينة ) لترعى فيها خيل المسلمين (٥) أي أنه جعلها مشاعة لجميع الناس، أي (١) المغني : ٢٨/٣، ٥٢٠/٥ . (٢) نوع من الدواء . (٣) البرام - بكسر الباء جمع برمة - بضم الباء : وهي القدر من الحجارة . (٤) المغني : ٥٢٠/٥ . روى أحمد وابن حبان عن ابن عمر أن النبي ◌َ ◌ّ حمى النقيع للخيل - خيل المسلمين. ورواه أحمد وأبو داود = (٥) - ٥٢٣ - مؤمة للجماعة بتعبير العصر. وحمى عمر رضي الله عنه أرضاً بالرَبذة والشرف (وهما موضعان بين مكة والمدينة) وجعل كلاهما للمسلمين كافة ، فجاءه أهلها يشكون قائلين: ((يا أمير المؤمنين، إنها أرضنا، قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها، علام تحميها؟)) فأطرق عمر وقال: ((المال مال الله، والعباد عباد الله، والله لولا ما أحمل في سبيل الله - أي إعداد خيول الجهاد - ما حميت من الأرض شبراً في شبر)) وظاهر هذا الأثر أن حمى عمر كان في أرض لأهلها فيها منافع ومرافق بسبب الجوار، ولم يمنعه من حمايتها على أهلها حين دعت إلى ذلك مصلحة عامة(١)، مثل شركات المياه والكهرباء والنفط وخطوط النقل الجوية والبرية والبحرية ونحوها من المرافق الحيوية ذات النفع العام للبلاد . القيد الثالث - حقوق الجماعة في ملكيات الأفراد : للجماعة أو للدولة حقوق في أموال وملكيات الأفراد يترتب على أدائها تفتيت الثروات الضخمة؛ لأن الإِسلام يكره تكديس الأموال واكتنازها وتضخيم الملكيات(٢)، فيجب مساهمة ذوي الحاجات في أموال الأغنياء تحقيقاً للعدالة = عن الصعب بن جثامة أن النبي صَ لّ حمى النقيع، وقال ((لا حمى إلا لله ولرسوله)) للبخاري منه: ((لا حمى إلا لله ولرسوله)) وقال: ((بلغنا أن النبي ◌ُّ حمى النقيع، وأن عمر حمى الشرف والربذة)) (انظر جامع الأصول: ٣٢١/٣، مجمع الزوائد: ١٧١/٤، نيل الأوطار: ٣٠٨/٥) ويكون حمى الأرض بجعلها حرماً يمنع غير حاميها من الرعي والإقامة ، والحمى كان الغرض منه مجرد انتفاع مقصور على الحامي مدة موقوتة تتحدد بصلاحية المكان للرعي ، فإذا انتهت صلاحيته انتهت حمايته . الأموال لأبي عبيد: ص ٢٩٤ - ٣٠٢، بحث الاستاذ علي الخفيف ((الملكية الفردية وتحديدها في الإسلام)): (١) ص ١٠٨ من كتاب المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية . ٠٠٠٠ .. ..- (٢) هناك آيات قرآنية كثيرة في هذا المعنى مثل قوله تعالى ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ﴾ ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء ﴾ ﴿ كلا إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى﴾ ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ﴾ . - ٥٢٤ - -------- الاجتماعية في توزيع الثروات، كما يجب على الأغنياء المساهمة في دعم موارد الخزينة العامة للمحافظة على كيان الأمة . وهذه الحقوق العامة للجماعة في أموال الأغنياء أو الموارد المالية للدولة تتلخص فيما يأتي(١) : ١ - الزكاة : هي تشريع إلزامي في الإسلام يجب على الأغنياء القيام بتنفيذه، وتقوم الدولة بجباية الزكوات من أصحاب رؤوس الأموال، ولها أن تجبرهم على أدائها ، فليست الزكاة صدقة ممتهنة، كما فهم بعض الكاتبين في الصحافة الحديثة، كما أنها ليست إذلالاً للفقير، وإنما هي حق مستقيم واجب ديانة وقانوناً، وهي تؤخذ من الأموال النامية المنتجة، وهي أربعة أقسام في عرف المسلمين في الماضي : أ- النعَم: وهي الإبل والبقر والغنم التي ترعى أغلب العام في عشب مباح، ومقادير المأخوذ منها معروفة في كتب السنة والفقه . ب - النقدان: الذهب والفضة بنسبة ربع العشر ٢,٥٪، ويمثلها في عصرنا الأوراق النقدية . جـ ـ أموال التجارة بنسبة ربع العشر. د - الزروع والثمار بنسبة العشر فيما يسقى بغير آلة، ونصف العشر إن كانت تسقى بآلة . ٢ - تأمين حاجيات الدفاع عن البلاد: إذا اقتضت حاجات الدفاع عن الأمة أو الجهاد في سبيل الله بعض الأموال، ولم يكن في الخزينة العامة ما يكفي لسد تلك الحاجة ، فعلى الدولة أن تفرض في أموال الناس من الضرائب بقدر ما يندفع به الخطر عملاً بالمصالح المرسلة، وقد نص على ذلك كثير من علماء الإسلام مثل الغزالي انظر اشتراكية الإسلام للسباعي: ص ١٢١، ١٢٦ وما بعدها ، التكافل الاجتماعي في الإسلام للأستاذ محمد أبو (١) زهرة . ص ٧٩ وما بعدها . - ٥٢٥ - والقرافي والشاطبي والقرطبي وابن حزم والعز بن عبد السلام وابن عابدين(١) . ٣ - كفاية الفقراء: وللدولة أيضاً أن تطالب الأغنياء بإغناء الفقراء، فهي ممثلة لهم، قال عليه الصلاة والسلام - فيما يرويه علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم ، ولن يجهد الفقراء إذا جاءوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياؤهم ، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً ويعذبهم عذاباً أليماً))(٢) وقال عليه السلام أيضاً ((أيما أهل عَرْصة (أي بقعة) أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى))(٣). وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً: ((إن في المال حقاً سوى الزكاة)) (٤)، وقال سيدنا عمر رضي الله عنه: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء، فرددتها إلى الفقراء)). قال ابن حزم(٥) في كتاب المحلى: ((فرض على الأغنياء (١) انظر الوسيط في أصول الفقه للمؤلف: ص ٤٢٤، الاعتصام: ١٢١/٢، ط التجارية، الفروق: ١٤١/١، ط دار إحياء الكتب، المستصفى: ٣٠٣/١، حاشية ابن عابدين: ٤٢/٢، ط اليمنية، المحلى: ١٥٦/٦ - ١٥٩ ط ١٣٤٩ هـ . رواه الطبراني في الأوسط والصغير وقال : تفرد به ثابت بن محمد الزاهد ، قال الحافظ ابن حجر: وثابت ثقة (٢) صدوق روى عنه البخاري وغيره ، وبقية رواته لابأس بهم ، وروي موقوفاً على علي رضي الله عنه وهو أشبه ( انظر الترغيب والترهيب: ٥٣٨/١، مجمع الزوائد: ٦٢/٣ ). رواه الحاكم وأحمد بلفظ « من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله ، وبرئ الله منه ، وأيما أهل عرصة (٣) أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله)) وفي إسناده أصبغ بن زيد وكثير بن مرة ، والأول مختلف فيه ، والثاني قال ابن حزم : إنه مجهول ، وقال غيره : معروف ، ووثقه ابن سعد، وروى عنه جماعة واحتج به النسائي ( انظر نيل الأوطار : ٢٢١/٥ ). رواه الترمذي عن فاطمة بنت قيس بلفظ (( إن في المال حقاً سوى الزكاة )» وتلا قوله تعالى ﴿ ليس البر أن (٤) تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر). وقال: ((إسناده ليس بذاك)) ( انظر التلخيص الحبير: ص ١٧٧ أحكام القرآن للجصاص: ١٥٣/١) وروى ابن حزم عن ابن عمر أنه قال: (( في مالك حق سوى الزكاة )) ثم قال: وصح عن الشعبي ومجاهد وطاوس وغيرهم كلهم يقول : في المال حق سوى الزكاة ، ثم ذكر أنه لاخلاف في هذا إلا عن الضحاك بن مزاحم ، وهو ليس بحجة . (٥) يعتبر ابن حزم بعد أبي ذر الغفاري مفكر الاشتراكية الإسلامية، فهو أول من نظر في استنباط الأحكام إلى الحياة الإنسانية التي جاءت الأحكام لتنظيمها ، فأحس بمشكلة الفقر في المجتمع ، وأهم مظاهر الفقر: الجوع = - ٥٢٦ - من كل بلد أن يقوموا بفقرائها، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه، ومن اللباس في الشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعیون المارة»(١). ٤ - الإنفاق على الأقارب : يجب على الإنسان أن يكفي أقاربه إذا كانوا محتاجين كالآباء والأجداد والأبناء وفروعهم. وأما الإخوة وفروعهم والأعمام والعمات والأخوال والخالات، فقد اختلفت المذاهب في أمر الإنفاق عليهم، فأوجب الحنفية الإنفاق على كل ذي رحم محرم كالعم والأخ وابن الأخ والعمة والعم والخال، وألزم الحنابلة النفقة لكل قريب وارث بفرض أو تعصيب كالأخ والعم وابن العم ، ولا تجب لذوي الأرحام كبنت العم والخال والخالة . ٥ - صدقات الفطر: تجب صدقة الفطر على الرجل بالنسبة لمن تلزمه نفقتهم من زوجة وولد وخادم. ٦ - الأضاحي: تجب الأضحية مرة في كل عام عند أبي حنيفة، وهي سنة مؤكدة عند جمهور الأئمة. ٧ - النذور والكفارات: يجب على المسلم أن يفي بنذره إذا نذر أن يتبرع لله بمال، كما يجب عليه الكفارة بإطعام الفقراء والمساكين جزاء لبعض الآثام كالحنث في اليمين والظهار، أو بسبب الإخلال ببعض الواجبات الدينية كالإفطار في رمضان = والعري وفقد المأوى ، وهذه في الواقع هي الحاجات الأساسية للبشرية ، ثم قرر أن الزكاة ليست كل الواجب ، وأن الواجب الإسلامي لا يتم إلا بتحقيق وسائل الحياة الكريمة للطبقة الفقيرة ، وبذلك يكون للفقراء حق في أموال الأغنياء غير مقيد بالزكاة ، وأن للدولة أن تأخذ من الأغنياء ما يمكن أن يسد حاجات الفقراء ( انظر بحث الدكتور إبراهيم اللبان وموضوعه ((حق الفقراء في أموال الأغنياء)» المنشور مع بحوث المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية : ص ٢٤٩ وما بعدها . (١) المحلى: ٤٥٢/٦ م ٧٢٥ . - ٥٢٧ - بالنسبة للعاجز أو الذي ينتهك حرمة الصيام بالجماع نهاراً، ونحوه كالواجبات التي تجب أثناء الإحرام بالحج. وهناك أوجه كثيرة للإنفاق في سبيل الله حث عليها الإسلام، كما أن هناك موارد أخرى لبيت المال كالأوقاف والغنائم، وهو ما يحقق معنى التكافل الاجتماعي في الإسلام. وهناك أيضاً قيود أخلاقية دينية على الأموال، فينبغي على الدولة ملاحظة المكاسب لمنع الاستغلال واختلال توازن الثروات، مثل تحريم الربا والاحتكار والميسر والغش والتغرير والغبن والتدليس وإنقاص المكيال والميزان ونحوه . والخلاصة : أن هناك قيوداً كثيرة في الإسلام على حق الملكية الشخصية، منها ما هو قانوني إلزامي ، ومنها ما هو أخلاقي ديني يتطلب فهماً صحيحاً وتطبيقاً شاملاً لدين الإسلام؛ لأن الإسلام منهج عام شامل للحياة وكل لا يتجزأ، وتشريعاته حتى العبادات منها يكمل بعضها بعضاً ،لمعالجة كل متطلبات الحياة الحديثة وضرورات الاقتصاد المعاصر. تعالى - ٥٢٨ _ الباب الثاني توابع الملكية وتشمل اثني عشر فصلاً : الله تعالى - ٥٢٩ - الفقه الإسلامي جـ ٥ (٣٤) الله تعالى الفصل الأول أحكام الأراضي الأراضي الخاضعة للسلَطة الإسلامية إما جديدة آلت إلى المسلمين بالاستيلاء أو الفتح، وإما قديمة استقر بها المسلمون . وسنبحث هذين النوعين على النحو التالي : أولاً - أحكام الأراضي المستولى عليها بالفتح. ثانياً - أحكام الأراضي المستقرة في داخل الدولة. ونبدأ بالنوع الأول . أولاً - أحكام الأراضي المستولى عليها بالفتح : الأراضي التي استولى عليها المسلمون تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أرض ملكت عَنْوة وقهراً، وأرض ملكت عفواً لجلاء أهلها عنها ، وأرض استولي عليها صلحاً . ١ - الأراضي التي فتحت عنوة : تنتقل ملكية الأراضي إلى الفاتحين بمجرد الاستيلاء عليها عند المالكية على المشهور، والحنابلة والشيعة الإمامية والزيدية ؛ لأنها مال زال عنه ملك المحاربين بالاستيلاء عليه ، فصار كالمباح تسبق إليه اليد، فيتم تملكه یإحرازه. - ٥٣١ - وعند الشافعية: تملك الأراضي والمنقولات بالاستيلاء والقسمة بالتراضي أو اختيار تملكها . وعند الحنفية : لا تنتقل ملكية الأراضي إلا بالضم إلى دار الإسلام أو حيازتها فعلاً ، وجعلها جزءاً من دار الإسلام. وموات الأرض التي فتحت عنوة أو صلحاً لا يملك إلا بالإِحياء بالاتفاق(١). واختلف الفقهاء في حكم مالك هذه الأرض بعد الاستيلاء عليها : أ- فذهب جمهور الصحابة والشافعية والظاهرية(٢): إلى أنه تنتقل ملكية هذه الأراضي من أصحابها إلى المسلمين، كالغنائم، الخمس لمن ذكرتهم آية الغنائم: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول .. ﴾ والغنائم ما أخذ من أموال أهل الحرب عنوة بطريق القهر والغلبة . والأربعة الأخماس الباقية للغانمين . فإن طابت بتركها نفوس الغانمين بعوض أو غيره، وقفها ولي الأمر على مصالح المسلمين . ب - وقال المالكية في المشهور عندهم، والإمامية (٢): تصبح هذه الأراضي وقفاً على المسلمين، بمجرد الحيازة ، دون أن تحتاج إلى وقف الإمام، ولا تكون ملكاً لأحد، ويصرف خراجها(٤) في مصالح المسلمين من أرزاق المقاتلة، وبناء القناطر والمساجد، الخرشي، الطبعة الثانية : ١٢٨/٣ ، تأسيس النظر للدبوسي: ص ٥٧ ، مغني المحتاج : ٢٣٤/٤ ، المهذب : (١) ٢٤١/٢، القواعد لابن رجب: ص ١٨٩، ٤١١ وما بعدها، المغني: ٤٢٢/٨، مفتاح الكرامة: ٧/٧ ، البحر الزخار : ٢١٥/٢ . الأم : ١٠٣/٤، ١٩٢، مخطوط الروضة للنووي: ٢ ق ٢٤/ب، المحلى : ٢٤١/٧. (٢) الخرشي : ١٢٨/٣، ط ثانية، المدونة: ٢٧/٣، الحطاب: ٣٦٦/٣، القوانين الفقهية: ص ١٤٨، ط تونس، (٣) الكافي للكليني: ٦٢٦/١ ، مفتاح الكرامة : ٢٣٩/٤ وما بعدها، الشرح الرضوي: ص ٣١٠ ، الروضة البهية: ٢٢٢/١، المختصر النافع في فقه الإمامية: ص ١٣٨ . الخراج لغة : هو ما حصل عليه من ريع أرض أو كرائها أو أجرة غلام ونحوه ، ثم سمي ما يأخذه السلطان (٤) خراجاً ، فيقع على الضريبة والجزية ومال الفيء ، ويختص في الغالب بضريبة الأرض . - ٥٣٢ - وغيرها من سبل الخير، إلا أن يرى ولي الأمر في وقت من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة . ج - وقال الحنابلة في أظهر الروايات عن أحمد (١): إن الإمام يفعل ما يراه الأصلح من قسمتها ووقفها، نظير خراج دائم يقرر عليها كالأجرة ، وتكون أرضاً عشرية خراجية، العشر على المستغل، والخراج على رقبة الأرض . د - وقال الحنفية والزيدية(٢): الإمام بالخيار، إن شاء قسمها بين المسلمين ، كمافعل رسول الله ◌ُعَ لّ بخيبر، وإن شاء أقر أهلها عليها، ووضع على رؤوسهم الجزية، وعلى أراضيهم الخراج، فتكون أرض خراج ، وأهلها أهل ذمة. قال ابن عابدين: القسمة بين الغانمين أولى عند حاجتهم، وتركها بيد أهلها أولى عند عدم الحاجة لتكون عدة للمسلمين في المستقبل . الأدلة : يتضح مما سبق أن الفقهاء متفقون على جواز قسمة الغنائم بين الغانمين ، لعموم قوله تعالى ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء، فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل .. ﴾ أي أن خمس الغنيمة لمن ذكرتهم الآية، أو للدولة ، والأربعة الأخماس الباقية ملك للغانمين من غير خلاف بين الأئمة ، بدليل إسناد الحق في الغنية للغانمين في قوله تعالى: ﴿غنمتم ﴾ أسنده إليهم إسناد الملك إلى مالكه . وبدليل ما بينته السنة بقوله ◌ُ ◌ّ وفعله، أما قوله فمثل: ((أيما قرية أتيتموها (١) زاد المعاد: ١٧٣/٢، الشرح الكبير للمقدسي: ٥٣٨/١، المحرر: ١٧٨/٢، أحكام أهل الذمة لابن القيم: ص ٠١٠٢ المبسوط: ١٥/١٠، ٣٧، درر الحكام: ٢٨٥/١، فتح القدير: ٣٠٣/٤، حاشية ابن عابدين: ٣١٦/٣، ٣٥٣، (٢) البحر الزخار : ٩١٢/٢ . - ٥٣٣ - وأقمتم بها فسهمكم فيها ، وأيما قرية عصت الله ورسوله ، فإن خمسها لله ورسوله، ثم هي لكم)) (١)، فالمراد بالقرية الأولى: الفيء، ويصرف مصارفه، والمراد بالقرية الثانية: ما أخذ عنوة، فيكون غنيمة يخرج منه الخمس، وباقيه للغانمين، وهو معنى قوله: ((ثم هي لكم)) أي باقيها . وأما ما فعله عليه الصلاة والسلام : فالثابت عنه أنه قسم خيبر بين الغانمين بعد أن فتحت عنوة أي قهراً لا صلحاً، وقسم أيضاً أموال بني قريظة وبني النضير(٣) كما ذكر ابن القيم في زاد المعاد . وأما المدينة ففتحت بالقرآن وأسلم عليها أهلها فأقرت بحالها . وأما مكة ففتحها الرسول ◌ُ ◌ّه عنوة، ولم يقسمها. مـ وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((أما والذي نفسي بيده، لولا أن أترك آخر الناس بّاناً(٣)، ليس لهم شيء، ما فتحت علي قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله عَز ◌ِّ خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم، يقتسمونها))(٤)، فكان رأي عمر أن يترك الأرض ولا يقسمها . هل القسمة ملزمة للإمام أم له الخيار في أمور أخرى ؟ أ- قال الشافعية والظاهرية: يجب قسمة الأراضي بين الغانمين، كسائر الأموال، عملاً بمقتضى القرآن والسنة، إذ لا فرق بين العقار والمنقول، وعموم آية رواه أحمد ومسلم وأبو داود ( شرح مسلم للنووي : ٦٩/١٢ ، الأموال لأبي عبيد : ص ٥٧). (١) انظر شرح مسلم: ٩١/١٢، ١٦٤، عيني بخاري: ٤٦/١٥، سنن أبي داود: ٢١٧/٣، زاد المعاد: ٦٨/٢، نيل (٢) الأوطار : ١٢/٨. ۔ البيان : المعدم الذي لا شيء له . والمعنى : لولا أني أتركهم فقراء معدومين لاشيء لهم أي متساوين في الفقر ، (٣) لأنه إذا قسم البلاد المفتوحة على الغانمين بقي من لم يحضر الغنيمة ، ومن يجيء بعد من المسلمين بغير شيء منها ، فلذلك تركها لتكون بينهم جميعاً ( فتح الباري: ٣٩٥/٧ ، النهاية لابن الأثير: ٦٩/١ ). (٤) صحيح البخاري : ٨٦/٤ . - ٥٣٤ _ الغنائم: ﴿ واعلموا أنما غنمتم ... ﴾ بوجوب القسمة يتفق مع فعله صل الله الذي يجري مجرى البيان للمجمل، فضلاً عن العام(١). وأما آية الحشر: ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم .. ﴾ فهي في الفيء (أي الأموال الآيلة للمسلمين بدون قتال) على ما هو الظاهر منها . وإذا لم يقسم الإمام الأرض ، فعليه أن يستطيب الغانمين ، كما استطاب رسول الله ◌ُلٍّ أنفس الغامين يوم حنين ممن صار في يديه سبي هوازن، وكما فعل في خيبر وبني قريظة(٢)، وكما استطاب عمر بن الخطاب الغانمين بعد فتح سواد العراق بعوض أو بغيره، فصارت الأرض وقفاً أي فيئاً للمصالح العامة بعد أن كانت غنية، فقد أعطى عمر جريراً البَجَلي عوضاً من سهمه، وأعطى امرأة بجلية عوضاً من سهم أبيها؛ لأن حق الغانمين قد ثبت في الغنية بعد الفتح بالاستيلاء، فلا يملك الإمام إبطال هذا الحق بترك الأرض في أيدي أهلها كالمنقول، ومن يطب نفساً منهم فهو أحق بحقه (٣). ب - وقال المالكية في المشهور عندهم والإمامية (٤): تصبح الأرض وقفاً بمجرد الاستيلاء عليها، أي كأثر طبيعي لازم دون حاجة لصيغة الإمام ، ولا لتطيب أنفس المجاهدين، محتجين بفعل عمر، حيث وقف الأراضي التي افتتحها كمصر والشام والعراق . جـ - وقال الحنفية والحنابلة: إن الأصل المقرر أن يكون للإمام الخيار في الأراضي، فله أن يقسمها، وله أن يتركها وقفاً، وعمر رضي الله عنه قد استعمل (١) بداية المجتهد : ٣٨٨/١ ، مجمع الزوائد : ٣٤٠/٥. (٢) رواه البخاري والبيهقي وغيرهما ( سنن البيهقي: ٦٤/٩، ١٣٦، البداية والنهاية: ٣٥٢/٤). (٣) مغني المحتاج : ٢٣٤/٤ ، شرح المجموع: ٢٧٤/١ . الخطاب : ٣٦٦/٣، منح الجليل: ٧٣٥/١، بداية المجتهد: ٣٨٧/١، القوانين الفقهية: ص ١٤٨ ، مفتاح (٤) الكرامة : ٦/٧ . - ٥٣٥ - حقه، فقرر أن تكون وقفاً، أي ملكاً للجماعة الإسلامية بأن تكون ملكية الرقبة للدولة، وملكية المنفعة فقط لأهلها القائمين عليها . أدلة القائلين بإعطاء الخيار للإمام في وقف الأرض : استدل هؤلاء، وهي في الواقع أدلة لعمر بما يأتي : ١ - إن آية الأنفال: ﴿ واعلموا أنما غنمتم .. ﴾ وآيات الحشر: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم .. ﴾ (٦ - ١٠) واردة في موضوع واحد، ولكن آية الحشر مخصصة لآية الأنفال، أي أنه بعد أن كانت الثانية شاملة للأرض والمنقول، خصصتها آية الحشر بما عدا الأرض . أما الأرض فقد أعطت آية الحشر الحق للإمام في أن يتصرف بما يجده من المصلحة : إما أن يقف الأرض، أو يقرها في أيدي أهلها ويضع عليها الخراج ؛ لأن آية الأنفال توجب التخميس وآية الحشر توجب القسمة بين المسلمين جميعاً دون التخميس، والدولة مفوضة في الأمر، فيكون الإمام مخيراً بين التخميس وترك التخميس، وبذلك يجمع بين الآيتين (١)، والجمع بين الأدلة عند كثير من الأصوليين مقدم على القول بالنسخ، أي بنسخ آية الحشر لآية الأنفال، كما قال بعضهم (٢). والرسول عليه السلام قد عمل بآية الأنفال، وعمر قد عمل بآية الفيء، وليس فعل النبي ◌َّه براد لفعل عمر؛ لأن فعل الرسول إما على سبيل الإباحة لجهالة صفة الفعل منه ، وإما على سبيل الوجوب فهو واجب مخير، بدليل الآية التي استنبط منها عمر خصلة الواجب الأخرى(٢)، قال عمر: فاستوعبت هذه الآية (آية الحشر) الناس الفيء : ما أخذ بغير قتال ، مصروفاً لمصالح المسلمين يفعل ولي الأمر في ذلك ما يراه مصلحة ، ولا يخمس (١) الفيء عند الجمهور خلافاً للشافعية والزيدية. ( بداية المجتهد: ٣٢١/١ ، القوانين الفقهية: ص ١٤٧، ١٥٠ ، نهاية المحتاج : ١٠٦/٥، البحر الزخار : ٤٤٢/٥). (٢) المقدمات الممهدات لابن رشد : ٢٧١/١ وما بعدها . (٣) مخطوط الدرة اليتيمة في الغنية للشيخ الفزاري : ق ١٠٢ . - ٥٣٦ - إلى يوم القيامة(١)، وقال أيضاً: (( والله ما من أحد من المسلمين إلا وله حق في هذا المال أعطي منه أو منع، حتى راعٍ بعدن)»(٣). وبناء عليه شملت آية الحشر جميع المؤمنين، وشركت آخرهم بأولهم في الاستحقاق. ولا سبيل إليه إلا بعدم قسمة الأرض، وهو معنى وقفها عند المالكية . وليس معناه الوقف الذي يمنع من نقل الملك في الرقبة، بل يجوز بيع هذه الأرض، كما هو عمل الأمة، وقد أجمع العلماء على أنها تورث، والوقف لا يورث، إلى آخر ما هنالك من فروق(٣) . ٢ - ترك رسول الله صَ لّ قرى لم يقسمها، وقد ظهر على مكة عنوة (٤)، وفيها أموال، فلم يقسمها، وظهر على قريظة والنضير، وعلى غير دار من دور العرب ، فلم يقسم شيئاً من الأرض غير خيبر. فكان الإمام بالخيار: إن قسم كما قسم رسول الله ◌َ ◌ّ فحسن، وإن ترك كما ترك رسول الله غير خيبر فحسن(٥). ٣ - إجماع الصحابة رضي الله عنهم، على ما ارتآه عمر، حينما فتح سواد العراق، فقد ترك الأراضي في أيدي أهلها، وضرب على رؤوسهم الجزية، وعلى أراضيهم الخراج، بمحضر من الصحابة محتجاً بآيات الحشر السابق ذكرها، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر، فكان ذلك إجماعاً منهم. ومن خالف منهم في مبدأ الأمر كبلال وسلمان ، عاد فوافق بعدئذ(٦). رواه أبو داود ( سنن أبي داود: ١٩٥/٣، القسطلاني: ٢٠١/٥). (١) رواه ابن أبي شيبة والبيهقي ( سنن البيهقي: ٣٥١/٦). (٢) (٣) المنتقى على الموطأ: ٢٢٣/٣ وما بعدها ، زاد المعاد : ٦٩/٢ . كما خرج مسلم في صحيحه ، وهو الأصح عند العلماء ( بداية المجتهد: ٣٨٨/١). (٤) القسطلاني شرح البخاري: ٢٠٢/٥، زاد المعاد: ٦٩/٢ ، الخراج لأبي يوسف: ص ٦٨ ، القياس لابن تيمية : (٥) ص ٤٠. أنظر الخراج لأبي يوسف: ص ٢٧، ٣٥، شرح السير الكبير: ٢٥٤/٣، القسطلاني: ٢٠٠/٥ ، الأموال: ص (٦) ٥٨ ٠ . - ٥٣٧ - ٤ - المعقول : إذا قسمت بين الغانمين الأرض المفتوحة التي كادت أن تشمل معظم العالم في أوج الفتوحات الإسلامية، فماذا يبقى لمن يأتي بعدهم ؟ ومن أين تجد خزانة الدولة نفقاتها لإنفاقها في المصالح العامة للمسلمين ؟ لهذا قال عمر، بعد أن تلاآيات الفيء في سورة الحشر: ((قد أشرك الله الذين يأتون من بعدكم في هذا الفيء، فلو قسمته لم يبق لمن بعدكم شيء ، ولئن بقيتُ ليبلغن الراعي بصنعاء نصيبه من هذا الفيء، ودمه في وجهه)» وقال أيضاً: «أرأيتم هذه الثغور لابد لها من رجال يلتزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام، كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر، لابد لها من أن تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج؟)) فقالوا جميعاً: الرأي رأيك، فنعم ما قلت وما رأيت(١). وإذا قسمت الأرض بين الغانمين واشتغلوا بالزراعة، وتركوا الجهاد ، فسرعان ما تضعف الأمة الإسلامية، وتصبح نهبة للطامعين؛ بل إن في ذلك أمراً مهماً بالنسبة للاقتصاد العام، حيث يحافظ على الإنتاج، لو تركت الأرض في أيدي أهلها لطول خبرتهم بها، وتمرنهم على شؤون الزراعة ، بخلاف العرب الذين لم يكونوا يألفون حياة الزراعة والاستقرار في المدينة . يتلخص من هذه الأدلة : أنه قد حصل بدلالة الآية وإجماع السلف والسنة تخيير الإمام في قسمة الأرضين، أو تركها ملكاً لأهلها ، ووضع الخراج عليها . وأرجح اعتبار الفيء والغنيمة بمعنى واحد: وهو كل ما جاء من العدو، كما تقضي اللغة ، فيخير الإمام بكل منهما على حدة بين القسمة وعدمها وفق مقتضيات المصلحة العامة کما رأى عمر رضي الله عنه . --------------- (١) شرح السير الكبير: ٢٥٤/٣، الخراج لأبي يوسف: ص ٢٤ وما بعدها، الأموال لأبي عبيد: ص ٥٧ ، فتوح البلدان : ص ٢٧٥ . - ٥٣٨ _ ٢ - الأرض التي جلا عنها أصحابها خوفاً: هذا النوع الثاني من الأرضين هو المعروف لدى الفقهاء بالفيء: وهو المال الذي حصل من الحربيين بلا قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كالجزية والعشور التجارية(١). وحكمها أنها تنتقل ملكيتها إلى بيت المال بالاستيلاء عليها، وتصير أملاك دولة ، وعبر عنها الفقهاء بأنها تصير وقفاً : أي ملكاً للأمة الإسلامية بمجرد الاستيلاء عليها، ويضع الإمام عليها خراجاً يؤخذ كأجرة ممن يعامل عليها من مسلم أو معاهد . وصيرورتها وقفاً لأنها ليست غنيمة، فكان حكمها حكم الفيء يكون للمسلمين كلهم. ولم يختلف في هذا فقهاؤنا بالنسبة للعقار، إلا أن الشافعية والحنابلة في قول عندهم ذكروا أن وقفها يحتاج إلى صيغة من الإمام، لتصبح هذه الأرض وقفاً، والراجح خلافه(٢). أما المنقول في الفيء: فيوقف أيضاً عند الجمهور، ويصرف لمصالح المسلمين ، أي الأمر فيه للإمام يفعل ما يراه مصلحة. ويخمس عند الشافعية المنقول كالغنيمة؛ لأن آية الفيء؛ ﴿ما أفاء الله على رسوله .... ﴾ مطلقة، وآية الغنيمة: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء .... ) مقيدة، فحمل المطلق على المقيد، جمعاً بينهما لاتحاد الحكم، فإن الحكم واحد، وهو رجوع المال من الحربيين للمسلمين ، وإن اختلف السبب بالقتال وعدمه(٣). غير أن مذهب الجمهور في هذا أصح، ودليلهم ما روى مالك بن أنس عن عمر، بداية المجتهد : ٣٨٩/١، المهذب: ٢٤٧/٢، نهاية المحتاج : ١٠٥/٥، أحكام أهل الذمة لابن القيم : ص ١٠٦ . (١) (٢) فتح القدير: ٢٥٢/٤، الخراج: ص ٢٣، الشرح الكبير للدردير: ١٧٥/٢، القوانين الفقهية: ص ٦٦ ، الأحكام السلطانية للماوردي: ص ١٣٣ ، ولأبي يعلى: ص ١٣٢ ، مغني المحتاج : ٩٩/٢، الشرح الكبير للمقدسي: ٥٤٢/١٠ ، كشاف القناع: ٧٥/٣ ، ط أنصار السنة، المحرر: ١٧٩/٢. زاد المعاد: ٢٢٠/٣، القوانين الفقهية: ص ١٤٨، ط تونس، مغني المحتاج: ٩٣/٣. (٣) - ٥٣٩ - قال : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي ◌ُ ◌ّ خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الْكُراع (الخيول) والسلاح عُدَّة في سبيل الله(١) . فقوله: ((كانت النبي ◌ُ ◌ّ خاصة)» يؤيد مذهب الجمهور في أنه لا يخمس الفيء، إذ من المعروف أن فدَك والعوالي (أموال بني النضير في المدينة)(٢) كانت للرسول مَّ الّ خاصة، ولمن بعده من الأئمة، لقوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم .. ﴾ ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ﴾ أراد أن الفيء لا يقسم كالغنائم ، بدليل قوله تعالى: ﴿ كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ وإذا أراد الإمام تفريق الفيء بين المسلمين اتخذ ديواناً يحفظهم ويرتبهم، ويجعل العطاء على حسب ما يتيسر له شهرياً أو غيره(٣). ٣ - الأرض التي فتحت صلحاً: يتحدد حكم هذا النوع من الأراضي بموجب عقد الصلح، فهو إما أن يقع الصلح على أن تكون الأرض للمسلمين ، وإما أن يقع على أن تكون الأرض لأصحابها كأرض اليمن والحيرة . ففي الحالة الأولى : تصبح الأرض وقفاً للمسلمين ، كأرض العنوة، وتعتبر من بلاد الإسلام، كالأرض التي جلا عنها أهلها؛ لأن النبي ◌ُظلّ فتح خيبر، وصالح أهلها على أن يعمروا أرضها، ولهم نصف ثمرتها ، فكانت للمسلمين دونهم . قال ابن عمر رضي الله عنهما: ((عامل النبي ◌ُ ◌ّ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع))(٤)، وصالح شرح مسلم : ٧٠/١٢ ، قال النووي : كانت أموال بني النضير أي معظمها . (١) (٢) سيرة ابن هشام : ٣٢٧/٢ . (٣) البحر الزخار : ٤٤٢/٥، المهذب : ٢٤٨/٢ . رواه البخاري والبيهقي وأبو داود ( صحيح البخاري: ١٠٥/٢، ١٤٠/٥، سنن البيهقي: ١١٣/٦، سنن أبي (٤) داود : ٢٥٧/٣ ) . - ٥٤٠ - :