Indexed OCR Text

Pages 481-500

فلو تصرف الورثة بالتركة ببيع أو غيره ، صح تصرفهم ، ولزمهم أداء الدين ،
فإن تعذر وفاؤه فسخ تصرفهم. وتكون زوائد التركة كالنتاج أو الولد من حق
الورثة؛ لأنها حدثت في ملكهم. ولو تصرف الوارث ولم يكن هناك دين ، ثم طرأ
دين برد مبيع معيب، فيظل التصرف في الأصح نافذاً، لكن إن لم يقض الدين ،
فسخ تصرفه ، ليصل المستحق إلى حقه .
ولا خلاف في أن للوارث إمساك عين التركة وقضاء الدين من ماله؛ لأنه
خليفة المورث ، والمورث كان له ما ذكر.
وإذا قسم مال الميت أومال المفلس بين الغرماء، ثم ظهر غريم آخر، رجع على
الغرماء، وشاركهم فيما أخذوه على قدردينه؛ لأن القسمة كانت بحكم الظاهر أنه
لا غريم له غيرهم، فإذا بان خلاف الظاهر، وجب نقض القسمة .
والرأي الثاني المرجوح : أن الدين يمنع نقل التركة إلى الورثة لقوله تعالى:
﴿من بعد وصية يوصي بها أودين ﴾ أي من بعد إعطاء وصية أو إيفاء دين إن
وجد، فجعل التركة للوارث من بعد الدين والوصية، فلا يثبت لهم الملك قبلهما . فلو
تصرف الورثة لم يصح تصرفهم ؛ لأنهم تصرفوا في غير ملكهم إلا أن يأذن الغرماء
لهم .
5
الفقه الإسلامي جـ ٥ (٣١)
- ٤٨١ -

الله تعالى
نف

القسم الرابع
المِلكَيْ وَتَوَابَعَهَا
يتضمن هذا القسم بحث الملكية في بابين : الباب الأول - الملكية، وفيها تمهيد
وستة فصول هي :
الفصل الأول - تعريف الملكية والملك .
الفصل الثاني - قابلية المال للتملك وعدمها .
الفصل الثالث - أنواع الملك.
تعالى
الفصل الرابع - أنواع الملك الناقص .
الفصل الخامس - أسباب الملك التام .
الفصل السادس - طبيعة الملكية أو هل الملكية الفردية في تشريع الإسلام
مطلقة أم مقيدة ؟
وأما الباب الثاني: فهو توابع الملكية ونبحثها في اثني عشر فصلاً، نذكرها بعد
التمهيد التالي :
- ٤٨٣ -

نف
ஸ்டோர்ஸ்

تمهيد
إن الملكية وخصائصها من أخطر ما يقوم عليه النظام الاقتصادي في الماضي
والحاضر، وهي محور الخلاف بين النظامين العالميين المعاصرين: النظام الرأسمالي
والنظام الاشتراكي، لذا كان بحث الملكية وتوابعها من القضايا المهمة التي تشغل
العالم .
وسيجد الباحث أن هناك كثيراً من أوجه الالتقاء والشبه بين الأنظمة الحالية
في أهدافها السامية وبين النظام الإسلامي في تنظيم الملكية، على نحو يحقق مصلحة
الفرد والجماعة، أو مصلحة الشعب والدولة، وبذلك انحلت عقدة الصراع على قضية
الملكية بما كفله الإسلام من صون مبدأ التلك، ولكن مع تقييده بقيود شديدة
ومتعددة لتحقيق مصلحة الجماعة، وتطويقه بوازع الدين الحارس الأمين لكل
مصلحة عامة ، والدافع القوي للمساهمة في دعم الصالح العام.
كما سيجد الباحث مع ملاحظة اختلاف وجهات النظر الفقهية: أن الاموال
العامة كالنفط والمعادن هي حق للجماعة ممثلة بالدولة، كما أن كثيراً من الأحكام
الفقهية القديمة مأخوذ به فعلاً في التقنينات الوضعية الحديثة ، سواء في ميدان العقود
أم في حالة الاعتداء على الأموال، وضمان المتلفات على أساس من العدالة والمساواة بين
الضرر والتعويض، ورعاية حق الملكية، والدفاع عن المقدسات من نفس ومال
وعرض. وهو كله دليل على سمو النظرية الإسلامية وعدالتها في التطبيق . والله
الموفق إلى سواء السبيل .
هذا وقد سبق في النظريات الفقهية بحث الملكية : تعريفها، أسبابها ،
أنواعها ، ولا بأس من إعادة بحثها هنا بنحو أشمل، مع بحث طبيعة الملكية أو هل
- ٤٨٥ _

الملكية الفردية في الإسلام مطلقة أم مقيدة ؟ ثم نبحث ما يتعلق بها، وهو ما يأتي في
الفصول الاثنتي عشرة الآتية، وهي موضوع الباب الثاني.
الفصل الأول - أحكام الأراضي
الفصل الثاني - إحياء الموات
الفصل الثالث - أحكام المعادن والحمى والإقطاع
الفصل الرابع - حقوق الارتفاق
الفصل الخامس - عقود استثمار الأرض - المزارعة، المساقاة، المغارسة
الفصل السادس - اتفاق القسمة
الفصل السابع - الغصب والإتلاف
الفصل الثامن - دفع الصائل
الفصل التاسع - اللقطة واللقيط
الفصل العاشر - المفقود
الفصل الحادي عشر - السبق
الفصل الثاني عشر - الشفعة
الله تعالى
- ٤٨٦ -

الباب الأول
الملكيّة وخصائصها
ـة تعا
فيها ستة فصول نبحثها تباعاً وهي ما يأتي :
الى
+
- ٤٨٧ -

لله تعالى
------
..----
--

الفصل الأول - تعريف الملكية والملك :
الملكية أو الملك: علاقة بين الإنسان والمال أقرها الشرع (١) تجعله مختصاً به،
ويتصرف فيه بكل التصرفات ما لم يوجد مانع من التصرف .
والملك كما يطلق على هذه العلاقة، يطلق أيضاً على الشيء المملوك ، تقول : هذا
الشيء ملكي أي مملوك لي. وهذا المعنى هو المقصود في تعريف المجلة (م ١٢٥) للملك:
بأنه ما ملكه الإنسان، سواء أكان أعياناً أم منافع. وبهذا المعنى يفهم قول الحنفية: إن
المنافع والحقوق ملك وليست بمال.
وبناء عليه فالملك أعم من المال عندهم .
والملك في اللغة: هو حيازة الإنسان للمال والاستبداد به، أي الانفراد بالتصرف
فيه. وقد عرف الفقهاء الملك بتعاريف متقاربة مضمونها واحد(٢)، ولعل أفضلها هو
ما يأتي :
الملك : اختصاص بالشيء يمنع الغير منه، ويمكن صاحبه من التصرف فيه
ابتداء إلا لمانع شرعي .
فإذا حاز الشخص مالاً بطريق مشروع أصبح مختصاً به، واختصاصه به يمكنه
(١) حق الملكية وغيره لا يثبت إلا بإقرار الشرع واعترافه به، لأن الشرع هو مصدر الحقوق ، وليس الحق في
الشريعة حقاً طبيعياً، وإنما هو منحة إلهية منحها الخالق للأفراد وفقاً لمصلحة الجماعة .
(٢) راجع فتح القدير : ٧٤/٥ ، الفروق للقرافي : ٢٠٨/٣ وما بعدها .
- ٤٨٩ -

من الانتفاع به والتصرف فيه إلا إذا وجد مانع شرعي يمنع من ذلك كالجنون أو العته
أو السفه أو الصغر ونحوها . كما أن اختصاصه به يمنع الغير من الانتفاع به أو التصرف
فيه إلا إذا وجد مسوغ شرعي يبيح له ذلك كولاية أو وصاية أو وكالة.
وتصرف الولي أو الوصي أو الوكيل لم يثبت له ابتداء، وإنما بطريق النيابة الشرعية
عن غيره ، فيكون القاصر أو المجنون ونحوهما هو المالك، إلا أنه ممنوع من التصرف بسبب
نقص أهليته أو فقدانها ، ويعود له الحق بالتصرف عند زوال المانع أو العارض.
الفصل الثاني - قابلية المال للتملك وعدمها :
المال في الأصل قابل بطبيعته للتلك، لكن قد يعرض له عارض يجعله غير
قابل في كل الأحوال أو في بعضها للتملك، فيتنوع المال بالنسبة لقابليته للتملك إلى
ثلاثة أنواع :
١ - ما لا يقبل التمليك ولا التملك بحال: وهو ما خصص للنفع العام
كالطرق العامة والجسور والحصون والسكك الحديدية والأنهار والمتاحف والمكتبات
العامة والحدائق العامة ونحوها . فهذه الأشياء غير قابلة للتملك لتخصيصها للمنافع
العامة. فإذا زالت عنها تلك الصفة عادت لحالتها الأصلية، وهي قابلية التملك،
فالطريق إذا استغني عنه أو ألغي جاز تملكه.
٢ - ما لا يقبل التملك إلا بمسوغ شرعي: كالأموال الموقوفة وأملاك بيت
المال، أي الأموال الحرة في عرف القانونيين . فالمال الموقوف لا يباع ولا يوهب إلا إذا
تهدم أو أصبحت نفقاته أكثر من إيراده، فيجوز للمحكمة الإذن باستبداله(١).
(١) أجاز الحنفية الاستبدال بالموقوف أرضاً للحاجة والمصلحة ، فقالوا: يجوز للقاضي النزيه العدل الاذن باستبدال
الوقف، بشرط أن يخرج عن الانتفاع بالكلية ، وأن لا يكون هناك ريع للوقف يعمر به ، وأن لا يكون
البيع بغين فاحش، وأن يستبدل بعقار لا بدراهم ودنانير ( الدر المختار ورد المختار : ٤٢٥/٣ ) .
- ٤٩٠ _
٠

وأملاك بيت المال (أو وزارة المالية، أو الحكومة) لا يصح بيعها إلا برأي
الحكومة لضرورة أو مصلحة راجحة، كالحاجة إلى ثمنها ، أو الرغبة فيها بضعف الثمن
ونحوها؛ لأن أموال الدولة كأموال اليتيم عند الوصي لا يتصرف فيها إلا للحاجة أو
المصلحة ، قال الخليفة عمر رضي الله عنه :
((أنزلت نفسي من بيت مال المسلمين بمنزلة وصي اليتيم)).
٣ - ما يجوز تملكه وتمليكه مطلقاً بدون قيد: وهو ما عدا النوعين
السابقين .
الفصل الثالث - أنواع الملك :
الملك إما تام أو ناقص .
فالملك التام: هو ملك ذات الشيء (رقبته) ومنفعته معاً، بحيث يثبت
للمالك جميع الحقوق المشروعة .
ومن أهم خصائصه: أنه ملك مطلق دائم لا يتقيد بزمان محدود ما دام الشيء.
محل الملك قائماً ، ولا يقبل الإسقاط (أي جعل الشيء بلا مالك)، فلو غصب شخص
عينا مملوكة لآخر، فقال المالك المغصوب منه: أسقطت ملكي ، فلا تسقط ملكيته
ويبقى الشيء ملكاً له، وإنما يقبل النقل، إذ لا يجوز أن يكون الشيء بلا مالك.
وطريق النقل إما العقد الناقل للملكية كالبيع، أو الميراث أو الوصية .
ويمنح صاحبه الصلاحيات التامة من حرية الاستعمال والاستثمار والتصرف فيما
يملك كما يشاء، فله البيع أو الهبة أو الوقف أو الوصية، كما له الإعارة والإِجارة؛ لأنه
يملك ذات العين والمنفعة معاً ، فله التصرف بها معاً، أو بالمنفعة فقط.
وإذا أتلف المالك ما يملكه لا ضمان عليه، إذ لا يتصور مالك وضامن في شخص
- ٤٩١ -

واحد، لكن يؤاخذ ديانة ؛ لأن إتلاف المال حرام، وقد يؤاخذ قضاء، فيحجر عليه
إذا ثبت سفهه .
والملك الناقص : هو ملك العين وحدها ، أو المنفعة وحدها. ويسمى ملك
المنفعة حق الانتفاع. وملك المنفعة قد يكون حقاً شخصياً للمنتفع أي يتبع شخصه
لا العين المملوكة، كالموصى له بمنفعة شيء مدة حياته، وقد يكون حقاً عينياً، أي
تابعاً للعين دائماً، بقطع النظر عن الشخص المنتفع، وهذا يسمى حق الارتفاق ، ولا
یکون إلا في العقار.
الفصل الرابع - أنواع الملك الناقص
وبناء عليه يكون الملك الناقص ثلاثة أنواع :
١ - ملك العين فقط:
وهو أن تكون العين (الرقبة ) مملوكة لشخص، ومنافعها مملوكة لشخص آخر،
كأن يوصي شخص لآخر بسكنى داره أو بزراعة أرضه مدة حياته، أو مدة ثلاث
سنوات مثلاً، فإذا مات الموصي وقبل الموصى له، كانت عين الدار ملكاً لورثة الموصي
بالإرث، وللموصى له ملك المنفعة مدة حياته أو المدة المحددة. فإذا انتهت المدة
صارت المنفعة ملكاً لورثة الموصي ، فتعود ملكيتهم تامة .
وفي هذه الحالة : ليس لمالك العين الانتفاع بها ولا التصرف بمنفعتها ، أو
بالعين، ويجب عليه تسليم العين للمنتفع ليستوفي حقه من منافعها، فإذا امتنع أجبر
على ذلك .
وبه يظهر أن ملكية العين فقط تكون دائمة، وتنتهي دائماً إلى ملكية تامة،
وملكية المنافع تكون مؤقتة لا دائماً ؛ لأن المنافع لا تورث عند الحنفية .
- ٤٩٢ -

٢ - ملك المنفعة الشخصي أو حق الانتفاع(١):
هناك أسباب خمسة لملك المنفعة : وهي الإعارة والإجارة، والوقف والوصية،
والإباحة .
أما الإعارة : فهي عند جمهور الحنفية والمالكية : تمليك المنفعة بغير عوض .
فللمستعير أن ينتفع بنفسه، وله إعارة الشيء لغيره، لكن ليس له إجارته؛ لأن
الإعارة عقد غير لازم ( يجوز الرجوع عنه في أي وقت)، والإجارة عقد لازم،
والضعيف لا يتحمل الأقوى منه ، وفي إجارة المستعار إضرار بالمالك الأصلي .
وعند الشافعية والحنابلة: هي إباحة المنفعة بلا عوض. فليس للمستعير إعارة
المستعار إلى غيره .
وأما الإجارة : فهي تمليك المنفعة بعوض. وللمستأجر استيفاء المنفعة بنفسه،
أو بغيره مجاناً أو بعوض إذا لم تختلف المنفعة باختلاف المنتفعين، حتى ولو شرط
المؤجر على المستأجر الانتفاع بنفسه. فإن اختلف نوع المنفعة كان لا بد من إذن
المالك المؤجر.
(١) يرى الحنفية: أنه لا فرق بين ملك المنفعة وحق الانتفاع، وهما شيء واحد. فللمنتفع أن ينتفع بنفسه، أو
أن يملك غيره المنفعة، إلا إذا وجد مانع صريح من قبل مالك العين ، أو وجد مانع يقتضيه العرف والعادة ،
فمن وقف داره لسكنى الطلاب الغرباء كان للطالب حق السكنى فقط ، وحق الانتفاع بالمرافق العامة
كالمدارس والجامعات والمشافي مقيد بالمنتفع فقط ، وليس له تمليك غيره . وهذا الرأي هو المعمول به قانوناً .
وقال المالكية : هناك فرق بين ملك المنفعة وحق الانتفاع . فملك المنفعة اختصاص يكسب صاحبه أن ينتفع
بنفسه ، وأن يملكها لغيره بعوض أو بغير عوض. وأما حق الانتفاع: فهو مجرد رخصة بالانتفاع الشخصي بناء
على إذن عام كحق الانتفاع بالمنافع العامة كالطرق والأنهار والمدارس والمصحات وغيرها ، أو إذن خاص كحق
الانتفاع بملك شخص أذن له به ، كركوب سيارته ، والمبيت في منزله ، وقراءة كتبه ، ونحو ذلك . فليس.
للمنتفع أن يملك المنفعة لغيره ، فتمليك الانتفاع: هو أن يباشر المنتفع بنفسه ، وتمليك المنفعة أعم وأشمل ،
فيباشر بنفسه ويمكن غيره من الانتفاع بعوض كالإجارة ، وبغير عوض كالإعارة .
( راجع الفروق للقرافي: ١٨٧/١ ، الفرق ٣٠ ).
- ٤٩٣ -

----
وأما الوقف : فهو حبس العين عن تمليكها لأحد من الناس وصرف منفعتها
إلى الموقوف عليه. فالوقف يفيد تمليك المنفعة للموقوف عليه، وله استيفاء المنفعة
بنفسه، أو بغيره إن أجاز له الواقف الاستثمار، فإن نص على عدم الاستغلال، أو
منعه العرف منه ، فليس له الاستغلال .
وأما الوصية بالمنفعة : فهي تفيد ملك المنفعة فقط في الموصى به، وله
استيفاء المنفعة بنفسه، أو بغيره بعوض أو بغير عوض إن أجاز له الموصي الاستغلال.
وأما الإباحة: فهي الإذن باستهلاك الشيء أو باستعماله، كالإذن بتناول
الطعام أو الثمار، والإذن العام بالانتفاع بالمنافع العامة كالمرور في الطرقات والجلوس
في الحدائق ودخول المدارس والمشافي. والإذن الخاص باستعمال ملك شخص معين
کرکوب سيارته، أو السكن في داره .
وسواء أكانت الإباحة مفيدة ملك الانتفاع بالشيء بالفعل أو بإحرازه كما يرى
الحنفية، أم مجرد الانتفاع الشخصي كما يرى المالكية، فإن الفقهاء متفقون على أنه
ليس للمنتفع إنابة غيره في الانتفاع بالمباح له، لا بالإعارة ولا بالإباحة لغيره.
والفرق بين الإباحة والملك هو :
أن الملك يكسب صاحبه حق التصرف في الشيء المملوك ما لم يوجد مانع . أما
الإباحة : فهي حق الإنسان بأن ينتفع بنفسه بشيء بموجب إذن. والإذن قد يكون
من المالك كركوب سيارته، أو من الشرع كالانتفاع بالمرافق العامة، من طرقات
وأنهار ومراعي ونحوها .
فالمباح له الشيء لا يملكه ولا يملك منفعته، بعكس المملوك.
خصائص حق المنفعة أو الانتفاع الشخصي :
يتميز الملك الناقص أو حق المنفعة الشخصي بخصائص أهمها ما يأتي :
- ٤٩٤ _

١ - يقبل الملك الناقص التقييد بالزمان والمكان والصفة عند إنشائه، بعكس
الملك التام، فيجوز لمن يعير سيارته لغيره أو يوصي بمنفعة داره أن يقيد المنتفع بمدة
معينة كشهر مثلاً، وبمكان معين كالركوب في المدينة لا في الصحراء، وأن يركبها
بنفسه لا بغيره .
٢ - عدم قبول التوارث عند الحنفية خلافاً لجمهور الفقهاء: فلا تورث المنفعة
عند الحنفية؛ لأن الإرث يكون للمال الموجود عند الموت، والمنافع لا تعتبر مالاً
عندهم کما بينا .
أما عند غير الحنفية فتورث المنافع في المدة الباقية ؛ لأن المنافع عندهم أموال كما
أوضحنا، فتورث كغيرها من الأموال، فمن أوصى لغيره بسكنى داره مدة معلومة ، ثم
مات قبل انتهاء هذه المدة، فلورثته الحق بسكنى الدار إلى نهاية المدة. وهذا هو
الراجح ؛ لأن المنفعة مال .
٣ - لصاحب حق المنفعة تسلم العين المنتفع بها ولو جبراً عن مالكها . ومتى تسلمها
تكون أمانة في يده ، فيحافظ عليها كما يحافظ على ملكه الخاص ، وإذا هلكت أو تعيبت
لا يضمنها إلا بالتعدي أو بالتقصير في حفظها . وما عدا ذلك لاضمان عليه .
٤ - على المنتفع ما تحتاجه العين من نفقات إذا كان انتفاعه بها مجاناً، كما في
الإعارة . فإن كان الانتفاع بعوض كما في الإجارة فعلى مالك العين نفقاتها .
٥ - على المنتفع بعد استيفاء منفعته تسليم العين إلى مالكها متى طلبها إلا إذا
تضرر المنتفع ، كما إذا لم يحن وقت حصاد الزرع في أرض مستأجرة أو مستعارة ، فله
إبقاء الأرض بيده حتى موسم الحصاد، ولكن بشرط دفع أجر المثل .
انتهاء حق المنفعة :
حق المنفعة حق مؤقت كما عرفنا ، فينتهي بأحد الأمور التالية :
- ٤٩٥ -

١ - انتهاء مدة الانتفاع المحددة.
٢ - هلاك العين المنتفع بها أو تعيبها بعيب لا يمكن فيه معه استيفاء المنفعة.
كانهدام دار السكنى، أو صيرورة أرض الزراعة سبخة أو مالحة. فإن حصل ذلك
بتعدي مالك العين ضمن عيناً أخرى، كالموصى له بركوب سيارة ثم عطلها ، فعليه
تقديم سيارة أخرى .
٣ - وفاة المنتفع عند الحنفية؛ لأن المنافع لا تورث عندهم.
٤ - وفاة مالك العين إذا كانت المنفعة من طريق الإعارة أو الإجارة؛ لأن
الإعارة عقد تبرع، وهو ينتهي بموت المتبرع، ولأن ملكية المأجور تنتقل إلى ورثة
المؤجر، وهذا عند الحنفية، وقال الشافعية والحنابلة: الإعارة عقد غير لازم فيجوز
للمعير أو لورثته الرجوع عنها، سواء أكانت مطلقة أم مؤقتة. وقال المالكية:
الإعارة المؤقتة عقد لازم، فمن أعار دابة إلى موضع كذا، لم يجز له أخذها قبل ذلك،
وإلا لزمه إبقاؤها قدر ما ينتفع بالمستعار الانتفاع المعتاد .
وبه يتبين أن الجمهور يقولون : إن الإعارة لا تنتهي بموت المعير أو المستعير،.
وكذلك الإجارة لا تنتهي بموت أحد العاقدين ؛ لأنها عقد لازم كالبيع .
أما إذا كانت المنفعة من طريق الوصية أو الوقف، فلا ينتهي حق المنفعة بموت
الموصي ؛ لأن الوصية تبدأ بعد موته، ولا بموت الواقف ؛ لأن الوقف إما مؤبد ، أو
مؤقت فيتقيد بانتهاء مدته .
٣ - ملك المنفعة العيني أو حق الارتفاق :
حق الارتفاق : هو حق مقرر على عقار لمنفعة عقار آخر، مملوك لغير مالك
العقار الأول. وهو حق دائم يبقى ما بقي العقاران ، دون نظر إلى المالك ، مثل حق
الشرب ، وحق المجرى وحق المسيل ، وحق المرور، وحق الجوار، وحق العلو.
- ٤٩٦ -

أما حق الشّرب : فهو النصيب المستحق من الماء لسقي الزرع والشجر، أو
نوبة الانتفاع بالماء لمدة معينة لسقي الأرض .
ويلحق به حق الشفة : وهو حق شرب الإنسان والدواب والاستعمال المنزلي .
وسمي بذلك ؛ لأن الشرب يكون عادة بالشفة .
والماء بالنسبة لهذا الحق أربعة أنواع (١):
آ - ماء الأنهار العامة كالنيل ودجلة والفرات ونحوها من الأنهار العظيمة : لكل
واحد الانتفاع به، لنفسه ودوابه وأراضيه، بشرط عدم الإضرار بالغير لحديث :
((الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلاً والنار)) وحديث: ((لا ضرر ولا ضرار)).
ب - ماء الجداول والأنهار الخاصة، المملوكة لشخص : لكل إنسان حق الشفة
منه ، لنفسه ودوابه ، وليس لغير مالكه سقي أراضيه إلا بإذن مالك المجرى .
جــ ماء العيون والآبار والحياض ونحوها المملوكة لشخص: يثبت فيها كالنوع
الثاني حق الشفة دون حق الشرب . فإن أبى صاحب الماء، ومنع الناس من الاستقاء
لأنفسهم ودوابهم ، كان لهم قتاله حتى ينالوا حاجتهم ، إذا لم يجدوا ماء قريباً آخر.
د - الماء المحرز في أوان خاصة: كالجرار والصهاريج، لا يثبت لأحد حق ،
الانتفاع به بأي وجه إلا برضا صاحب الماء؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى
عن بيع الماء إلا ما حمل منه . لكن المضطر إلى هذا الماء الذي يخاف على نفسه الهلاك
من العطش ، له أخذ ما يحتاجه منه، ولو بالقوة ليدفع عن نفسه الهلاك، ولكن مع
دفع قيمته؛ لأن ((الاضطرار لا يبطل حق الغير)).
١
وحق المجرى : هو حق صاحب الأرض البعيدة عن مجرى الماء في إجرائه من
(١)
البدائع : ١٨٨/٦ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ١٤٤/٨، القوانين الفقهية: ص ٣٣٩ ، نهاية المحتاج :
٢٥٥/٤ ، المغني : ٥٣١/٥.
الفقه الإسلامي جـ٥ (٣٢)
- ٤٩٧ -

ملك جاره إلى أرضه لسقيها. وليس للجارأن يمنع مرور الماء لأرض جاره، وإلا كان
له إجراؤه جبراً عنه ، دفعاً للضرر عنه .
وحق المسيل : هو مجرى على سطح الأرض ، أو أنابيب تنشأ لتصريف المياه
الزائدة عن الحاجة، أو غير الصالحة حتى تصل إلى مصرف عام أو مستودع، كمصارف
الأراضي الزراعية أو مياه الأمطار أو الماء المستعمل في المنازل. والفرق بين المسيل
والمجرى : أن المجرى لجلب المياه الصالحة للأرض، والمسيل لصرف الماء غير الصالح عن
الأرض أو عن الدار. وحكمه مثل حق المجرى ، ليس لأحد منعه إلا إذا حدث ضرر
بيِّن .
وحق المرور: هو حق صاحب عقار داخلي بالوصول إلى عقاره من طريق يمر
فيه، سواء أكان الطريق عاماً غير مملوك لأحد، أم خاصاً مملوكاً للغير. فالطريق
العام يحق لكل إنسان المرور فيه. والطريق الخاص : يحق لأصحابه المرور فيه وفتح
الأبواب والنوافذ عليه، وليس لهم سده أمام العامة للالتجاء إليه .
وحق الجوار: الجوار نوعان : علوي وجانبي. وفيه حقان :
أ - حق التعلي : وهو الثابت لصاحب العلو على صاحب السفل.
ب - حق الجوار الجانبي : وهو الثابت لكل من الجارين على الآخر.
ولصاحب حق التعلي حق القرار على الطبقة السفلى، وهو حق ثابت دائماً
لصاحب العلو، لا يزول بهدم العقار كله أو انهدام السفل، وله ولورثته إعادة بنائه
حين يريد، وليس لصاحب العلو أو السفل أن يتصرف في بنائه تصرفاً يضر بالآخر.
وإذا انهدم السفل وجب على صاحبه إعادة بنائه، فإن امتنع أجبر على ذلك قضاء،
فإن رفض كان لصاحب العلو البناء ويرجع على الآخر بالنفقات، إذا بني بإذن
القاضي أو إذن صاحب السفل . فإن بني من غير إذن رجع بقيمة البناء وقت تمامه،
لا بما أنفق ؛ لأنه لم يكن وكيلاً بالإنفاق .
- ٤٩٨ -

وليس لصاحب الجوار الجانبي إلا حق واحد: وهو ألا يضر أحدهما بصاحبه
ضرراً فاحشاً بيناً: وهو كل ما يمنع المنفعة الأصلية المقصودة من البناء كالسكنى أو
يكون سبباً لهدم البناء أو وهن فيه .
فالضرر في كل أنواع الجوار ممنوع، أما التصرفات التي يشكل أمرها في الجوار
العلوي فلا يعلم، أيحصل منها ضرر أم لا ، كفتح باب ونافذة في الطابق الأسفل ، أو
وضع متاع ثقيل في الطابق الأعلى قد يؤثر في السقف ، فهذه مختلف في منعها(١) :
فقال أبو حنيفة: يمنع هذا التصرف إلا بإذن الجار؛ لأن الأصل في تصرفات المالك في
ملكه، التي يتعلق بها حق الغير: هو المنع والحظر؛ لأن ملكه ليس خالصاً، فلا يباح
له إلا ما يتعين فيه عدم الضرر، ويتوقف ما عداه على إذن صاحب الحق ورضاه .
وهذا الرأي هو المفتى به عند الحنفية .
وقال الصاحبان : الأصل في تصرف الجار الإباحة ؛ لأن صاحب العلو تصرف
في ملكه، والمالك حر التصرف في ملكه ما لم يكن فيه ضرر لغيره بیقین، فینع منه
حينئذ، ويبقى ما عداه على الإباحة، وهذا الرأي في تقديري هو المعقول الواجب
الاتباع. فيصبح حكم الجوار الجانبي والعلوي واحداً وهو إباحة التصرف في الملك ما لم
يترتب على التصرف ضرر فاحش بالجار، فإن وقع الضرر، وجب على المتعدي
ضانه، سواء أكان الضرر مباشراً أم بالتسبب. وهو رأي المالكية وباقي المذاهب
أيضاً(٢) .
أمور ثلاثة متعلقة بحقوق الارتفاق :
الأول - الفرق بين حق الارتفاق وحق الانتفاع الشخصي :
يفترق حق الارتفاق عن حق الانتفاع من نواح تالية :
(١) فتح القدير: ٥٠٣/٥، رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين: ٣٧٣/٤ ، ط البابي الحلبي، البدائع: ٢٦٤/٦،
البحر الرائق : ٣٢/٧ ، تبيين الحقائق للزيلعي : ١٩٦/٤ .
المنتقى على الموطأ: ٤٠/٦ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٤١ ، نيل الأوطار : ٢٦١/٥ ، ط العثمانية.
(٢)
- ٤٩٩ -

١ - حق الارتفاق يكون دائماً مقرراً على عقار، فتنقص به قيمة العقار المقرر
عليه . أما حق الانتفاع الشخصي فقد يتعلق بعقار كوقف العقار أو الوصية به أو
إجارته أو إعارته. وقد يتعلق بمنقول كإعارة الكتاب وإجارة السيارة .
٢ - حق الارتفاق مقرر لعقار إلا حق الجوار فقد يكون لشخص أو لعقار. أما
حق الانتفاع فإنه دائماً مقرر لشخص معين باسمه أو بوصفه .
٣ - حق الارتفاق حق دائم يتبع العقار وإن تعدد الملاك. وحق الانتفاع
الشخصي مؤقت ينتهي بأحوال معينة كما تقدم .
٤ - حق الارتفاق يورث حتى عند الحنفية الذين لا يعتبرونه مالاً؛ لأنه تابع
للعقار. وأما حق الانتفاع فمختلف في إرثه بين الفقهاء كما بينا .
الثاني - خصائص حقوق الارتفاق :
لحقوق الارتفاق أحكام عامة وخاصة .
تعـ
فأحكامها العامة أنها إذا ثبتت تبقى ما لم يترتب على بقائها ضرر بالغير، فإن
ترتب عليها ضرر أو أذى وجب إزالتها ، فيزال السيل القذر في الطريق العام، ويمنع
حق الشرب إذا أضر بالمنتفعين ، ويمنع سير السيارة في الشارع العام إذا ترتب عليها
ضرر كالسير بسرعة فائقة، أو في الاتجاه المعاكس، عملاً بالحديث النبوي: ((لا ضرر
ولا ضرار)» ولأن المرور في الطريق العام مقيد بشرط السلامة فيما يمكن الاحتراز
عنه(١)، ولأن ((الضرر لا يكون قديماً)).
وأما الأحكام الخاصة فسوف نذكرها في بحث حقوق الارتفاق المخصص لكل
نوع منها .
(١) الدر المختار ورد المختار: ٤٢٧/٥.
- ٥٠٠ _
١