Indexed OCR Text
Pages 441-460
م وتصح وصيته بمقدار الثلث من ماله، بشرط أن تكون الوصية لجهة خيرية كالإنفاق على الفقراء، أو بناء المساجد أو المشافي أو المدارس؛ لأن الوصية لا تنفذ إلا بعد وفاته . ويجوز إقراره على نفسه بالحدود والقصاص، ولا يصح إقراره بالمال بعد الحجر عليه . وتجب عليه نفقة أولاده وزوجته ومن تجب عليه نفقته من ذوي أرحامه، وتخرج زكاة ماله؛ لأن السفه لا يبطل حقوق الناس . وتصح منه عباداته، ومنها الحج المفروض عليه، لكن لا يسلم القاضي النفقة إليه ، وإنما يسلمها إلى ثقة من الحجاج، ينفقها عليه في طريق الحج، كيلا يتلفها في غير الحج . ويلاحظ أنه لا يثبت الحجر على السفيه أو المدين إلا بقضاء القاضي ، بخلاف الصغر والجنون والعته . ٢ - مذهب المالكية(١): السفيه هو المبذر لماله إما لإنفاقه باتباعه لشهوته، وإما لقلة معرفته بمصالحه وإن كان صالحاً في دينه . والسفه : صرف المال في غير ما يراد له شرعاً . والحجر على السفيه من حقوق الأب إذا كان السفه قريباً من البلوغ كالصبي، فإن كان طروء السفه بعد البلوغ بأكثر من عام، فلا بد من حكم الحاكم بالحجر عليه . وحكم تصرفاته ما يأتي : ينفذ على الراجح قبل الحجر تصرف السفيه الذكر البالغ الذي لا ولي له ولا قيِّم عليه (ويسمى المھْمَل) المحقق السفه، بدون إجازة من أحد، ولو تصرف بغير عوض، سواء أكان سفهه أصلياً (أي حدث قبل البلوغ) غير طارئ، أم طرأ بعد أن بلغ رشيداً . (١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: ٢٩٦/٣ وما بعدها، الشرح الصغير: ٣٨٧/٣ وما بعدها، و ٣٩٣، بداية المجتهد : ٢٧٩/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٢١ . - ٤٤١ - أما غير محقق السفه أي مجهوله فتصرفه نافذ اتفاقاً. وأما الصبي السفيه والأنثى البالغة السفيهة المُهْمَلان (أي لا ولي لهما) فترد تصرفاتها ، إلى أن يبلغ الصبي، وإلى أن تعنس الأنثى وتقعد عن المحيض وهو سن الأربعين أو من خمسين إلى ستين، أو تمضي سنة بعد دخول الزوج بها . وتصح وصية السفيه المحجورِ، وتنفذ، كما ينفذ طلاق زوجته وخلعه لها، ولا تلزمه هبة ولا صدقة ولا عطية، ولا شيء من المعروف. ويصح إقراره بموجب عقوبة من حد أو قصاص. .- وأما تصرف السفيه المحجور بعوض، فهو موقوف على نظر وليه، أي أن حكم تصرفه كحكم تصرف الصبي المميز، المتقدم. ويتصرف الولي على المحجور وجوباً بالمصلحة العائدة على محجوره حالاً أو مآلاً، فله ترك شفعة وقصاص، ولا يعفو عن عمد أو خطأ مجاناً بلا أخذ مال، لما فيه من عدم المصلحة . ٣ - مذهب الشافعية(١): السفه: تبذير(٢) المال، وسوء التصرف، بأن يُضيِّح المال باحتمال غبن فاحش في المعاملة ونحوها، أو يرمي المال وإن قل في بحر أونار، أو نحوه، أو ينفقه في محرَّم ولو معصية صغيرة، لما فيه من قلة الدين. والأصح أن صرف المال، وإن كثر، في الصدقة وباقي وجوه الخير، والمطاعم والملابس التي لا تليق بحاله، ليس بتبذير؛ لأن له في الصرف في الخير غرضاً وهو الثواب، فإنه لا سرف في الخير، كما لا خير في السرف، ولأن المال يتخذ لينتفع به ويلتذ . ولا بد في الحجر على السفيه من حكم القاضي عليه، لا غيره من أب أوجد لأنه محل اجتهاد، ويسن أن يشهد القاضي على حجر السفيه، ليتجنب في المعاملة. ولو (١) مغني المحتاج: ١٦٨/٢، ١٧٠ - ١٧٣، المهذب: ٣٣٢/١. (٢) التبذير : الجهل بواقع الحقوق . والسرف: الجهل بمقادير الحقوق ، وحقيقة السرف: مالا يكسب حمداً في العاجل ، ولا أجراً في الآجل . - ٤٤٢ - عاد رشيداً لا يرتفع الحجر عنه إلا برفع القاضي له، كما لا يثبت إلا به . وولي السفيه : هو القاضي ، إذ ولاية الأب ونحوه قد زالت، فيشرف عليه من له النظر العام. وأما تصرفاته : فيصح بإذن الولي نكاحه. ويصح طلاقه ورجعته وخلعه زوجته بمثل المهر وبدونه ، وظهاره وإيلاؤه، ونفيه النسب لما ولدته زوجته بلعان، واستلحاقه نسب ولد منه . ولا يصح تصرفه المالي في الأصح ولو بإذن الولي ؛ لأن عبارته مسلوبة، کما لو أذن لصبي فلا يصح من المحجور عليه لسفه بيع ولا شراء ولا هبة ، فلو اشترى أو اقترض وقبض وتلف المأخوذ في يده أو أتلفه فلا ضمان علیه، ولا يصح إقراره بدین قبل الحجر عليه أو بعده، كالصبي. كما لا يصح إقراره ياتلاف المال أو جناية توجب المال في الأظهر، كدين المعاملة. ويصح إقراره بالحد والقصاص، لعدم تعلقهما بالمال، ولبعد التهمة. وتقطع يده لو كان الحد سرقة. ولا يلزمه المال لوعفا مستحق القصاص ؛ لأن المال ثبت باختيار غيره، لا ياقراره. وحكمه في العبادة الواجبة مطلقاً، والمندوبة البدنية كالرشيد، لاجتماع الشرائط فيه . أما المندوبة المالية كصدقة التطوع، فليس هو فيها كالرشيد. لكن لا يفرق الزكاة بنفسه؛ لأنه ولاية وتصرف مالي، لكن لو أذن له الولي، وعين له المدفوع إليه، صح صرفه، كالصبي المميز، بشرط أن يكون تصرفه بحضرة الولي أو نائبه، لأنه قد يتلف المال إذا خلا به، أو يدّعي صرفه كاذباً . ويصح نذره في الذمة بالمال، لا بعين ماله. وإذا أحرم بحج مفروض (أصلي أو قضاء أو منذور قبل الحجر)، أعطى الولي كفايته لثقة ينفق عليه في طريقه، کما قال الحنفية. وإن أحرم حال الحجر بتطوع من حج أو عمرة، أو بنذر بعد الحجر، وزادت مؤنة سفره عن نفقته المعتادة في أثناء الإقامة (أو الحضر)، فللولي منعه من - ٤٤٣ - الإتمام، أو الإتيان به، صيانة لماله، والمذهب أنه يكون كُمُحْصَر (ممنوع من إكمال الحج)، فيتحلل ؛ لأنه ممنوع من المضي، ويتحلل بالصوم؛ لأنه ممنوع من المال. لكن لو كان له في طريقه كسب، قدرَ زيادة المؤنة، لم يجز منعه؛ لأن الإتمام بدون التعرض للمال ممكن . ٤ - مذهب الحنابلة(١) : السفيه: هو الذي لا يحسن التصرف. ولا بد للحجر عليه - كما قال سائر الأئمة - من حكم الحاكم، كما أن رفع الحجر عنه لا بد له من الحكم؛ لأنه حجر ثبت بحكمه، فلم يزل إلا به، كالمدين المفلس . ومن حجر عليه الحاكم استحب له إظهاره والإشهاد على الحجر عليه، لتجتنب معاملته ، كما قال الشافعية، ومن عامله بعدئذ فهو المتلف لماله . وولي السفيه: هو الأب، أو وصيه بعده، أو الحاكم عند عدمهما ، إن كان محجوراً عليه صغيراً، واستديم الحجر عليه لسفهه. وإن جدد الحجر عليه بعد بلوغه ، لم ينظر في ماله إلا الحاكم؛ لأن الحجر وإزالته يفتقر إلى حكم حاكم، فكذلك النظر في ماله . وأما تصرفاته: فيصح نكاحه بإذن وليه وبغير إذنه، كما قال الحنفية، إن احتاج إليه ؛ لأنه في هذه الحالة مصلحة محضة، ويتقيد بمهر المثل فلا يزيد عليه ؛ لأن الزيادة تبرع، وليس السفيه من أهله. فإن لم يكن السفيه محتاجاً إلى التزوج، لا يصح تزوجه إلا بإذن ولیه؛ لأنه تصرف يجب به مال، فلم یصح بغير إذن وليه كالشراء . ويصح طلاقه؛ لأن الطلاق ليس بتصرف في المال، كما يصح خلعه زوجته؛ لأنه إذا صح الطلاق بدون دفع مال منه، فالخلع الذي يجلب له المال أولى، لكن لا يدفع العوض إليه. وهو متفق عليه فقهاً ، كما لاحظنا . (١) المغني: ٤٦٩/٤ - ٤٧٥، كشاف القناع: ٤٤٠/٣ - ٤٤٣. - ٤٤٤ - ويصح ظهاره وإيلاؤه ولعانه ونفي النسب باللعان عن السفيه، وإقراره بنسب ولد منه . وتصح وصيته، كما قال سائر الفقهاء، لأنها محض مصلحته ، لأنها تقرب إلى الله تعالى بماله ، بعد استغنائه عنه . ويصح إقراره بما يوجب حداً أو قصاصاً، كما قال سائر الفقهاء، كالزنا والسرقة والشرب والقذف والقتل العمد أو قطع اليد وما أشبهها. وإذا أقر بما يوجب القصاص، فعفا المقرله على مال ، فالصواب : أنه لا يجب المال الذي عفا عليه في الحال، كما قال الشافعية؛ لأن السفيه والمقرله قد يتواطآن على العفو، بل يجب إذا انفك الحجر عنه . ولا يصح إقراره بدين، أو بما يوجب الدين كجناية الخطأ، وشبه العمد وإتلاف المال وغصبه وسرقته ، ولا يلزمه ما أقر به في حال حجره ؛ لأنه محجور عليه لمصلحته، لكن الظاهر من قول الحنابلة : أنه يلزمه ما أقرَّ به بعد فك الحجر عنه . والحكم في السفيه كالحكم في الصبي والمجنون في وجوب الضمان بإتلاف مال الغير بغير إذنه، كما قال سائر الفقهاء . ولا تصح تبرعاته، كالهبة والوقف، كما قال بقية الفقهاء ؛ لأن التبرع ضرر محض، وليس السفيه من أهله، حفظاً لماله. ولا تصح شركة السفيه ولا حوالته ولا الحوالة عليه ، ولا كفالته لغيره، لأن المذكور تصرف مالي، فلم يصح منه كالبيع والشراء . ولا تصح تصرفاته من بيع وشراء بغير إذن وليه، فتكون باطلة ؛ لأنه محجور عليه لحفظ ماله عليه. فإن أذن ولي السفيه له بالبيع والشراء، فهل يصح منه ؟ . علی وجھین : - ٤٤٥ _ أحدهما - يصح لأنه عقد معاوضة، فملكه بالإذن كالنكاح، ويظهر أن هذا هو الأرجح عندهم . والثاني - لا يصح؛ لأن الحجر عليه لتبذيره وسوء تصرفه، فإذا أذن له، فقد أذن فيما لا مصلحة فيه، فلم يصح. وقد عرفنا أن هذا الوجه هو الأصح عند الشافعية . ويلتزم السفيه بواجباته الشرعية كنفقة زوجته وخادمه ومن تلزمه نفقته، وتجب عليه الفرائض الدينية المتعلقة بالأموال، كالزكاة ، لكن لا يباشر توزيعها بنفسه، بل يفرقها وليه، كسائر تصرفاته المالية. ويصح منه نذر كل عبادة بدنية كالحج والصيام والصلاة ؛ لأنه غير محجور عليه في بدنه. ولا يصح منه نذر عبادة مالية كصدقة وأضحية لأنه تصرف في مال . وإن أحرم السفيه بحج فرض ، صح إحرامه به، كسائر عباداته، وتدفع النفقة من ماله إلى ثقة، ينفق عليه في الطريق، حتى يعود، كما قال باقي الفقهاء. وإن كان الحج الذي أحرم به تطوعاً ، وكانت نفقته في السفر كنفقته في الحضر، أو كانت نفقته في السفر أزيد، لكن يكتسب السفيه الزائد في سفره، لم يمنعه وليه من إتمام الحج؛ لأنه وجب بالشروع. فإن كانت نفقة السفر أزید، ولم يكتسبها فلولیه تحلیله من الإحرام بحج النفل، لما عليه من الضرر فيه، ويتحلل بالصيام أي صيام عشرة أيام، كالمعسر إذا أحصر، كما قال الشافعية. وحكم تصرف ولي السفيه، كحكم تصرف ولي الصغير والمجنون مقيد بتحقيق المصلحة للمولى عليه . والخلاصة: أن تصرفات السفيه بالبيع والشراء ونحوهما موقوفة على إجازة وليه عند الحنفية والمالكية، وباطلة ولو بإذن الولي عند الشافعية، وباطلة بغير إذن الولي، وتصح وتنفذ بإذنه عند الحنابلة على الراجح. - ٤٤٦ - المطلب الخامس - أثر الحجر على المغفل : المغفل أو ذو الغفلة : هو من يغبن في البيوع، ولا يهتدي إلى التصرفات الرابحة في بيعه وشرائه، لقلة خبرته وسلامة قلبه. ويختلف عن السفيه بأنه ليس بمفسد لماله، ولا يمتابع هواه، ولا يقصد الإفساد . والسفيه عكسه، مفسد قصداً لماله، متابع لهواه. والمغفل ليس هو المعتوه ؛ لأن المعتوه يخلط في كلامه . ولا يحجر على المغفل عند أبي حنيفة، ويحجر عليه عند الصاحبين، ويفتى بقولهما ، وهو رأي باقي الفقهاء، رعاية لمصلحته وحكم تصرفاته كالسفيه(١). بدء الحجر على السفيه والمغفل ونهايته : قال محمد بن الحسن، وابن القاسم المالكي(٢): يثبت الحجر على السفيه والمغفل من وقت ظهور أمارات السفه أو الغفلة، ويزول بزوالهما ، دون توقف على قرار القاضي بالحجر؛ لأن المسبب يدور مع سببه وجوداً وعدماً . وبناء عليه لا تصح ولا تنفد تصرفاتها بمجرد ظهور الأمارات المذكورة ويكون محجوراً عليهما ولو قبل صدور قرار القاضي. وقال أبو يوسف (ورأيه الراجح عند الحنفية) وجمهور الفقهاء(٢): لا يثبت الحجر على السفيه وذي الغفلة، ولا يرفع إلا بقرار القاضي بثبوته أو رفعه؛ لأن كلاً من السفه والغفلة ليس أمراً محسوساً كالجنون والعته، وإنما يستدل عليه بالتصرفات الحاصلة من السفيه والمغفل، وهذه أمور تقديرية اجتهادية، تختلف باختلاف وجهات النظر، فلابد من حكم القاضي للتثبت من الأمر ورفع الخلاف، ومنعاً من الدر المختار : ١٠٢/٥ وما بعدها، تبيين الحقائق: ١٩٨/٥ وما بعدها، البدائع : ١٦٩/٧. (١) (٢) رد المحتار: ١٠٣/٥، ١٠٦، الشرح الكبير : ٢٩٧/٣ وما بعدها . القوانين الفقهية: ص ٣٢١، رد المحتار: ١٠٣/٥، الشرح الصغير: ٣٨٨/٣، مغني المحتاج: ١٧٠/٢ ، المغني: (٣) ٤٦٩/٤ . - ٤٤٧ _ تغرير المتعاملين معهما ، وعدم إضرارهم بها؛ لأنهم لا يعلمون حقيقة أمرهما إلا بقرار الحجر عليهما . ويترتب على هذا الرأي الراجح لدي لضبطه وعدم إضرار أحد أو تغريره نفاذ تصرفات السفيه والمغفل قبل الحجر القضائي عليهما ، فينفذ مثلاً ما باعه أحدهما قبل حجر القاضي . المطلب السادس - الحجر على الفاسق : اتفقت المذاهب الأربعة في الأصح عند الشافعية(١): على أنه لا يحجر على الفاسق بسبب الفسق وحده دون تبذير ماله، فلو فسق السفيه مثلاً ولم يبذر: أي مع صلاح تصرفه في ماله بعد بلوغه رشيداً، لم يحجر عليه ؛ لأن الفاسق أهل للولاية على نفسه وأولاده، ولأن الحجر شُرع لدفع الإسراف والتبذير، وهو مصلح لماله، ولأن السلف لم يحجروا على الفسقة . والفسق الأصلي بأن بلغ فاسقاً، والطارئ بعد البلوغ : سواء في عدم جواز الحجر على صاحبه . ملاحظة حول الحجر على الغائب : قال الحنفية خلافاً لمبدئهم في عدم جواز القضاء على الغائب(٢): يصح الحجر على الغائب، لكن لا ينحجر ما لم يعلم بالحجر. الدر المختار: ١٠٢/٥، اللباب مع الكتاب: ٧٥/٢، القوانين الفقهية: ص ٢٢٠، الشرح الكبير: ٢٩٢/٣ ، (١) مغني المحتاج : ١٧٠/٢، كشاف القناع: ٤٤٠/٣ . الدر المختار ورد المختار : ١٠٦/٥ . (٢) - ٤٤٨ - ..----- المطلب السابع - الحجر للمصلحة العامة : صرح الحنفية (١) بأنه يجوز الحجر للمصلحة العامة؛ لأنه يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام أو يدفع الضرر الأعلى بالأدنى، فيحجر ( أي يمنع) على الطبيب الجاهل، والمفتي الماجن ، والمكاري المفلس . وذلك بأن يسقي المتطبب الناس دواء مهلكاً، أو لا يقدر على إزالة ضرر دواء اشتد تأثيره على المرضى . والمفتي الماجن : بأن يعلم العوام الحيل الباطلة، كتعليم الارتداد لتبين المرأة من زوجها، أو لتسقط عنها الزكاة ، ولا يبالي بما يفعل من تحليل الحرام، وتحريم الحلال؛ أو أن يفتي عن جهل . والمُكَاري المفلس: وهو الذي يتقبل الكراء، ويؤجر وسائل النقل من إبل أو سيارات مثلاً ، وليست عنده تلك الوسائل، كما أنه لا مال له، ليشتري به الوسائل، ويعتمد الناس عليه، ويدفعون الكراء إليه، ويصرف هو ما أخذه منهم في حاجته، فإذا جاء موعد النقل، يختفي عن الأنظار؟ فتذهب أموال الناس ، وتتعطل مصالحهم . وبكلمة موجزة : المكاري المفلس : هو متعهد النقل بدون إمكانات ، فهو محتال نصاب . فيحجر على هؤلاء وأمثالهم ؛ لأن دفع الضرر العام واجب ، وإن كان فيه إلحاق الضرر الخاص ومصادمة الحريات . والحجر في هذه الحالات عقوبة مناسبة لزجرهم ودرء المفاسد عن الناس ، لهذا روي عن أبي حنيفة أنه كان لا يجري الحجر إلا على هؤلاء الثلاثة؛ لأن الطبيب يضر الأبدان، والمفتي يضر الأديان، والمكاري يضر الأموال . (١) تبيين الحقائق: ١٩٣/٥، الدر المختار: ١٠٢/٥ وما بعدها، البدائع: ١٦٩/٧، الهداية مع تكملة الفتح : ٣١٦/٧ ، الكتاب مع اللباب : ٦٨/٢ . الفقه الإسلامي جـ ٥ (٢٩) - ٤٤٩ _ لكن ليس المراد بالحجر عليهم هو حقيقة الحجر: وهو المنع الشرعي الذي يمنع نفوذ التصرف ؛ لأن المفتي لو أفتى بعد الحجر، وأصاب، جاز، وكذا الطبيب لو باع الأدوية، نفذ بيعه، فدل على أن المراد هو المنع الحسي أي يمنع هؤلاء الثلاثة عن عملهم حساً؛ لأن المنع من العمل من باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بسبب أن الطبيب الجاهل يفسد أبدان الناس، والمفتي الماجن يفسد دين المسلمين، والمكاري المفلس يفسد أموال الناس ، ويلحق ضرراً بهم. المطلب الثامن - الحجر على المريض مرض الموت : مرض الموت : هو الذي يغلب بسببه الموت بحسب رأي الأطباء، أو يحدث منه الموت، ولو لم يحصل الموت به غالباً، أي أن المدار على كثرة الموت من المرض ، ولو لم يكن غالباً(١) . وعرفته مجلة الأحكام العدلية ( م ١٥٩٥ ) بأنه المرض الذي يعجز الرجل أو المرأة عن ممارسة أعمالهما المعتادة، ويتصل به الموت قبل مضي سنة من بدئه، إذا لم يكن في حالة تزايد أو تغير، فإن كان يتزايد، اعتبر مرض موت من تاريخ اشتداده أو تغيره، ولو دام أكثر من سنة. ويقال لصاحبه؛ المريض، ويقابله: الصحيح وهو من ليس في حال مرض الموت ، ولو كان مريضاً بمرض آخر. ويعد المرض الذي صح منه المريض كالصحة ، والمقعد والمفلوج والمسلول إذا تطاول زمن المرض ولم يقعده في الفراش كالصحيح . وبناء عليه قال المالكية(٣) : المريض نوعان: مريض لا يخاف عليه الموت غالباً كالأبرص والمجذوم والأرمد، وغيرهم، فلا حجر عليه أصلاً . ومريض يخاف عليه في العادة كالحُمَّى القوية والسُّل وذات الجنب وشبهها . الشرح الكبير وحاشية الدسوقي : ٣٠٦/٣ . (١) (٢) القوانين الفقهية : ص ٣٢٢ . - ٤٥٠ - وفي رأيي أن تقدير خطر الموت عائد لظروف تقدم الطب في كل عصر. فإذا كان السل مثلاً مرضاً خطيراً في الماضي ، فقد أصبح في عصرنا غير خطير بعد اكتشاف عصيات السل ؛ وعلاجه المناسب له . وقد اتفق أئمة المذاهب(١) على جواز الحجر على مريض الموت لحق الورثة. وصرح المالكية أنه يلحق به: من يخاف عليه الموت كالمقاتل في صف القتال، والمحبوس للقتل، أو المحكوم بالإعدام، والحامل إذا بلغت ستة أشهر، ودخلت في السابع ولو بيوم. واختلف في راكب البحر وقت الهول بشدة ريح أو غيرها، والأصح أنه لا يعتبر كمريض الموت . والذي يحجر به على مريض الموت : هو تبرعاته فقط فيما زاد عن ثلث تركته، حيث لا دين ، فيحجر على المريض في تبرع كهبة وصدقة ووصية ووقف وبيع محاباة، وبيع مشتمل على غبن، فيما يزيد عن ثلث ماله، أي أن حكم تبرعاته كحكم وصيته، تنفذ من الثلث، وتكون موقوفة على إجازة الورثة في الزائد عن الثلث. فإن برئ من مرضه، صح تبرعه. وهذا رأي الحنفية والشافعية والحنابلة . وقال المالكية : لا ينفذ من الثلث تبرع المريض في الحال أو لا ينجز للمتبرع له إلا إذا كان المال المتبرع منه مأموناً أي لا يخشى تغيره وهو العقار كدار وأرض وشجر، فإن كان المال غير مأمون فلا ينفذ وإنما يوقف ولو بدون الثلث حتى يظهر حاله من موت أو حياة . ويمنع عند المالكية تصرف المريض فيما زاد على قدر الحاجة من الأكل والشرب والكسوة والتداوي، كما يمنع من الزواج بما زاد على الثلث . الدر المختار: ٤٨٠/٥ وما بعدها ، شرح السراجية: ص ٥ ، الشرح الكبير: ٣٠٦/٣ وما بعدها ، الشرح الصغير: (١) ٣٩٩/٣ - ٤٠٢، مغني المحتاج: ١٦٥/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٢٢ وما بعدها، المغني : ٤٦٥/٤، كشاف القناع : ٤٠٤/٣ . - ٤٥١ - ولا يمنع من تصرفات المعاوضات المالية كبيع وشراء وقرض وقراض (مضاربة) ومساقاة وإجارة ، إلا إن كان فيها محاباة . فإن مات المريض ، نفذٍ تصرفه من التبرعات في ثلث ماله. وإن عاش، نفذ تصرفه من رأس ماله كله . وقال الحنفية : تنفذ تصرفات المريض الضرورية الخاصة بشخصه وأسرته دون إجازة أحد، وهي النفقات الضرورية اللازمة للطعام والكسوة والسكنى له، ولمن تلزمه نفقته، أو اللازمة للعلاج كأجر الطبيب وثمن الدواء وأجور العملية الجراحية. وله الزواج، لأنه قد يحتاج إلى من يخدمه أو يؤنسه، بشرط کون المهر في حدود مهر المثل، والزائد عنه تبرع في حكم الوصية . وللمريض أن يقر بدين لأجنبي أو لوارث، فإن كان لأجنبي غير وارث فهو صحيح نافذ دون حاجة لإجازة الورثة، لكن يقدم عليه دين الصحة . المطلب التاسع - الحجر على الزوجة : قال المالكية وفي رواية عن أحمد (١): يحجر على المرأة المتزوجة الحرة الرشيدة لصالح زوجها في التصرف بغير عوض كالهبة والكفالة فيما زاد على ثلث مالها قياساً على المريض، ويكون تبرعها بزائد عن الثلث نافذاً ، حتى يرد الزوج جميعه أو ما شاء منه، على المشهور عند المالكية . وبناء على هذا المشهور، ينفذ جميع ما تبرعت به ، إن لم يعلم الزوج بتبرعهاحتى بانت منه بطلاق، أو علم وسکت ، أو مات أحدهما . وللزوج رد جميع ما تبرعت به الزوجة إن تبرعت بزائد على ثلثها ، وله إمضاؤه (١) الشرح الكبير: ٣٠٧/٣ وما بعدها، الشرح الصغير: ٤٠٢/٣، القوانين الفقهية: ص ٢٢٣، المغني: ٤٦٤/٤ ، كشاف القناع : ٤٠٥/٣ . - ٤٥٢ - وإنفاذه، وله رد الزائد فقط. ورد الزوج رد إيقاف على المعتمد، ورد إبطال عند أشهب . وليس للزوجة بعد الثلث تبرع إلا أن يبعد مابين التبرعين بنصف عام على المعتمد عندهم . أما واجبات الزوجة من نفقة أبويها، فلا يحجر عليها فيه، ولو قصدت بالإنفاق ضرر الزوج عند ابن القاسم ، خلافاً لما روي عن مالك من رد الثلث إذا قصدت به ضرر الزوج، ولها أن تهب جميع مالها لزوجها ، ولا اعتراض عليها في الهبة لأحد . ولها التصرف بعوض في جميع مالها . ودليل هذا المذهب أخبار منها: ((لا يجوز لامرأة عطية في مالها إلا بإذن زوجها، إذ هو مالك عصمتها)) (١). وقال الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة في الراجح عندهم)(٢): للمرأة الرشيدة التصرف في مالها كله بالتبرع والمعاوضة، لقوله تعالى: ﴿فإن آنستم منهم رشداً، فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ وهو ظاهر في فك الحجر عنهم ، وإطلاقهم في التصرف. وقد ثبت أن النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((يا معشر النساء! تصدقن، ولو من حُليّكن ... ))(٣)، وأنهن تصدقن ، فقبل صدقتهن ، ولم يسأل، ولم يستفصل . وهذا الرأي هو الأوجه ؛ لأن ذمة المرأة المالية مستقلة عن ذمة الزوج في الإسلام، وهذا من مفاخر الشريعة التي أعطت المرأة أهلية كاملة في التملك والتصرف. رواه الخمسة إلا الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ◌ّ قال في خطبة خطبها : (١) ((لا يجوز للمرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصتها))، وهناك روايات أخرى عند ابن ماجه ( المغني، المكان السابق ، نيل الأوطار : ١٨/٦ ) . (٢) المغني : ٤٦٤/٤ . رواه الترمذي عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود ( سنن الترمذي رقم الحديث: ٦٣٥ ) (٣) - ٤٥٣ - ملحق - هل للمرأة الصدقة من مال زوجها بالشيء اليسير بغير إذنه ؟ هناك روايتان عن الإمام أحمد تمثلان أهم آراء السلف إجمالاً(١): إحداهما - الجواز وهو الأصح، وهي الرواية الراجحة المشهورة في المذهب؛ لأن عائشة قالت: قال رسول الله مع الله: ((ما أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مُفْسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئاً))(٢)، ولم تذكر إذناً، إذ العادة السماح، وطيب النفس به، فجرى مجرى صريح الإذن، كتقديم الطعام بين يدي الضيفان قام مقام صریح الإذن في أكله . لكن إن منعها الزوج من التصدق، أو كان الزوج بخيلاً، فتشك في رضاه، فيحرم عليها الصدقة بشيء من ماله حينئذ، كما يحرم على الرجل الصدقة بطعام امرأته بغير إذنها؛ لأن العادة لم تجر به. ومن يقوم مقام المرأة كالأخت والخادمة والغلام المتصرف في مال سيده، هو كالزوجة ، يجوز له الصدقة بنحو رغيف من مال رب البيت، مالم يمنع أو يكن بخيلاً، أو يضطرب عرف ويشك في رضاه. والرواية الثانية - لا يجوز، لما روى أبو أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله عَ لّ يقول: ((لا تنفق المرأة شيئاً من بيتها إلا بإذن زوجها، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: ذاك أفضل أموالنا))(٣)، ولأنه تبرع بمال غيره، بغير إذنه، فلم يجز كغير الزوجة . قال ابن قدامة الحنبلي: والأول أصح؛ لأن الأحاديث فيها (أي في الرواية المغني: ٤٦٥/٤ وما بعدها ، كشاف القناع: ٤٤٨/٣ وما بعدها ، نيل الأوطار: ١٦/٦. (١) رواه الجماعة ، وهناك أحاديث أخرى في معناها متفق عليها ( نيل الأوطار: ١٥/٦ وما بعدها ) . (٢) رواه سعيد بن منصور في سننه ، وفي معناه أحاديث : حرمة مال الإنسان بغير طيب منه ، وتحريم الأموال (٣) والدماء بين المسلمين . - ٤٥٤ _ الأولى) خاصة صحيحة، والخاص يقدم على العام ويبينه، ويعرِّف أن المراد بالعام غير هذه الصورة المخصوصة. وحديث الباهلي ضعيف. ولا يصح قياس المرأة على غيرها ؛ لأنها بحكم العادة تتصرف في مال زوجها وتتبسط فيه ، وتتصدق منه لحضوره وغيبته، والإذن العرفي يقوم مقام الإذن الحقيقي ، فصار كأنه قال لها : افعلي هذا . المطلب العاشر - الحجر على المدين وأثره (التفليس ): أولاً - تعريف التفليس والمفلس : التفليس لغة : النداء على المفلس، وشهره بين الناس بصفة الإفلاس المأخوذ من الفلوس التي هي أخس الأموال. وشرعاً : جعل الحاكم المديون مفلساً بمنعه من التصرف في ماله أو خلع الرجل عن ماله للغرماء. والفلس: عدم المال، والمفلس في العرف: من لا مال له، وهو المعدم، وفي الشرع: من لا يفي ماله بدينه، أو الذي أحاط الدين بماله، أو من لزمه من الدين أكثر من ماله الموجود. وسمي مفلساً، وإن كان ذا مال ؛ لأن ماله مستحق الصرف في جهة دينه، فكأنه معدوم ، أو باعتبار ما يؤول من عدم ماله بعد وفاء دينه، أو لأنه يمنع من التصرف في ماله إلا الشيء التافه الذي لا يعيش إلا به، كالفلوس ونحوها(١). 5 ثانياً - هل يحجر على المدين المفلس ؟ قال أبو حنيفة(٢): لا أحجر على المفلس في الدّين؛ لأن مال الله غاد ورائح، فهو لا يرى الحجر على المدين المفلس، كما لا يرى الحجر على السفيه؛ لأن في الحجر إهداراً لحريته وإنسانيته وأهليته، فذلك أخطر من ضرر خاص يلحق الدائن . فتنفذ تصرفاته، ولا يباع ماله جبراً عنه، وإنما يؤمر بسداد ديونه؛ فإن امتثل فلا يتعرض له بشيء، وإن امتنع عن الأداء، حبس حتى يسدد دينه، أو يبيع ماله بداية المجتهد: ٢٨٠/٢، القوانين الفقهية: ص ٣١٨، الشرح الكبير: ٢٦١/٣ ، مغني المحتاج : ١٤٦/٢، المغني : (١) ٤٠٨/٤ ، كشاف القناع: ٤٠٥/٣ . (٢) الهداية مع تكملة الفتح : ٣٢٤/٧ وما بعدها ، تبيين الحقائق: ١٩٩/٥، الكتاب مع اللباب : ٧٢/٢ . - ٤٥٥ _ بنفسه، وشرع حبسه دفعاً لظلمه ؛ لأن قضاء الدين واجب عليه، والمماطلة ظلم . وليس للقاضي أن يبيع ماله جبراً عنه؛ لأنه نوع حجر عليه، وهو لا يجوز عنده. والخلاصة : أن أبا حنيفة قال: ليس للحاكم أن يحجر على المفلس، ولا يبيع ماله بل يحبسه، حتى يؤدي أو يموت في السجن . والمفتى به عند الحنفية هو قول الصاحبين، وهو قول جمهور الفقهاء : وهو جواز الحجر على المدين المفلس في تصرفاته المالية ، حفاظاً على حقوق الدائنين وأموالهم من الضياع. بدليل ماروى الدارقطني، والخلال، وصحح الحاكم إسناده: أن النبي مح له حجر على معاذ، وباع ماله في دين كان عليه ، وقسمه بين غرمائه، فأصابهم خمسة أسباع حقوقهم، فقال لهم النبي ◌ُ ◌ّ: ليس لكم إلا ذلك. واختلفت المذاهب في بعض التفصيلات ، منها توقف الحجر على قضاء القاضي وما يتبعه من أمور. ثالثاً - هل يتوقف الحجر على المدين على قضاء القاضي ؟ ١ - مذهب المالكية(١) : للمفلس الذي أحاط الدين بماله أحوال ثلاثة : الحالة الأولى - قبل التفليس أي قبل نزع ماله منه وإعطائه للدائنين : يكون للدائنين الحق في منعه من التصرف في ماله بغير عوض ، وإبطال تصرفه، سواء أكان دينهم حالاً أم مؤجلاً. فينعون من التصرفات الضارة بمصلحتهم، كالتبرع والهبة والصدقة والوقف ، والكفالة والقرض والإقرار بدين لشخص يتهم بأن إقراره له فراراً من الدين، کولده وزوجه. أما من لا يتهم معه ، فيعتبر إقراره له. وما عدا المذكور من تصرفات المعاوضة كالبيع والشراء ، تنفذ منه . ٠٠ (١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: ٢٦١/٣ - ٢٦٤، الشرح الصغير: ٣٤٥/٣ - ٣٥٣، بداية المجتهد: ٢٨٠/٢ وما بعدها ، القوانين الفقهية : ص ٣١٨ وما بعدها . - ٤٥٦ - الحالة الثانية(١) - ألا يرفع الأمر إلى الحاكم، وإنما يقوم الغرماء على المدين، فيستتر منهم ولا يجدونه، فلهم أن يحولوا بينه وبين ماله، ويمنعوه من التبرعات والتصرفات المالية بالبيع والشراء، والأخذ والعطاء، ولو بغير محاباة، ومن التزوج، ولهم قسم ماله بالمحاصة ، أي بنسبة حصص ديونهم . الحالة الثالثة (٢) - حكم الحاكم بتفليسه أي بخلع ماله لغرمائه أي نزع ماله منه وإعطائه للدائنين، لعجزه عن قضاء مالزمه من الديون . ولا تتحقق هذه الحالة إلا بطلب الدائنين (الغرماء) جميعهم أو بعضهم ، وأن يكون الدين حالاً، فلا يصح تفليسه بدين مؤجل، وأن يكون الدين زائداً على ماله ومتى فلسه الحاكم اشترك الجميع في ماله، من طلب ومن لم يطلب. ويترتب على تفليسه في هذه الحال أمور أربعة تحقق معنى الحجر عليه وهي : منعه من التبرعات ؛ ومن المعاوضات المالية، والزواج بأكثر من زوجة واحدة؛ وقسمة ماله بين الدائنين ، وحلول الدين المؤجل، أي يحجر عليه في جميع التصرفات بعوض أو بغير عوض ، وللدائنين منعه من سفر التجارة أو غيرها إن حل دينه أو كان يحل بغيبته، كما لهم طلب سجنه، فيحبسه الحاكم استبراء لأمره. : ٢ - مذهب الجمهور (غير المالكية)(٣): لا يحجر على المدين إلا بقضاء القاضي، فتكون تصرفاته قبل القضاء نافذة. وإذا حجر عليه، فإنه يمنع من جميع التصرفات التي تضر بالدائنين، وهي التبرعات والمعاوضات المالية، والإقرار بالدين في حال الحجر، ويبيع الحاكم ماله، ويقسم ثمنه على الغرماء . وتسمى إفلاساً بالمعنى الأعم . (١) (٢) وتسمى إفلاساً بالمعنى الأخص . تبيين الحقائق: ١٩٩/٥، الدر المختار: ١٠٣/٥، الكتاب مع اللباب: ٧٣/٢، تكملة الفتح: ٣٢٧/٧ وما (٣) بعدها، مغني المحتاج: ١٤٧/٢ - ١٤٩، المهذب: ٣٢٠/١، المغني: ٤٠٩/٤، ٤٧١، كشاف القناع: ٤٠٧/٣ - ٤١١ . - ٤٥٧ - وقد شرط الحنفية في المفتى به وهو قول الصاحبين شرطين للحجر على المدين : أن يكون دينه مستغرقاً أمواله أو يزيد عنها ، وأن يطلب الغرماء الحجر عليه . وشرط الشافعية والحنابلة للحجر على المدين شرطين أيضاً كالشرطين السابقين : أن تكون عليه ديون حالّة تزيد على ماله، وأن يطلب الغرماء الحجر عليه . ويصح تزوج المفلس بمهر المثل ، وطلاقه وخلعه زوجته ورجعتها واستيفاؤه القصاص، وإسقاط القصاص ولو مجاناً. وله أن يرد المبيع الذي اشتراه قبل الحجر بالعيب أو الإقالة ، إن كانت المصلحة في الرد. والأصح عند الشافعية سريان الحجر على ما يتملكه المدين بعد الحجر بالاصطياد والهبة، والوصية، والشراء في الذمة، على القول الراجح بجواز هذا الشراء؛ لأن مقصود الحجر وصول الحقوق إلى أهلها، وهو لا يختص بالمال الموجود وقت الحجر.® وينفق على المدين من ماله وعلى زوجته وأولاده الصغار وذوي أرحامه؛ لأن حاجته الأصلية مقدمة على حق الغرماء . الفرق بين حجر المدين وحجر السفيه : فرق الحنفية(١) بين الحجر بالدين والحجر بالسفه من وجوه منها : 5 ١ - أن حجر السفيه لمعنى في نفسه، وهو سوء اختياره، لا لحق الغرماء، أما الحجر للدين فهو لمصلحة الدائنين ، ويحتاج كلاهما لحكم القضاء ٢ - أن المحجور بالدين لو أقر حالة الحجر ينفذ إقراره بعد زوال الحجر ولو فيا سيحدث له من مال، والمحجور بالسفه لا يجوز إقراره بالدين، لا حال الحجر، ولا بعده، ولا في المال القائم، ولا الحادث . وهذان الوجهان مقرران أيضاً عند الشافعية والحنابلة والمالكية . (١) رد المحتار: ١٠٣/٥، تبيين الحقائق: ١٩٦/٥ - ٤٥٨ - وحجر الفلس أقوى من حجر المرض بدليل أن المريض يتصرف في مرض الموت في ثلث ماله، ولا تتعلق حقوق الورثة بماله إلا بعد الموت . أما حجر الفلس فتتعلق حقوق الغرماء بعين مال المدين في الحال كالمرهون(١). رابعاً - سفر المدين المفلس: للفقهاء في منع المدين من السفر رأيان متقاربان : فقال الحنفية والشافعية(٢): ليس للدائنين منع المدين من السفر قبل حلول الأجل سواء أكان الأجل بعيداً أم قريباً؛ لأنه لاحق لهم في مطالبة قبل حلول الأجل. فإذا حل الأجل لهم منعه من المضي في سفره حتی یوفي دينه . وقال المالكية(٢): للدائن منع المدين من سفر لتجارة أو غيرها إن حل أجل الدين ، أو كان يحل في أثناء غيبته، مطلقاً أي ولو لم يكن الدين محيطاً بمال المدين، إذا لم یوکل من یوفي عنه دينه، أو لم يضمنه موسر. فإن كان الدين مؤجلاً، أو لا يحل أثناء الغيبة في السفر، ليس للدائن منعه من السفر. ويتفق الحنابلة(٤) مع المالكية بالقول: للدائن منع المدين الذي أراد سفراً طويلاً فوق مسافة القصر، إن حل الدين قبل عودته من السفر. وليس له منعه إن كان الدين لا يحل إلا بعد عودته من سفره. لكنهم قالوا : إن كان سفره لجهاد، فله منعه إلا بضين ( كفيل) أو رهن ؛ لأنه سفر يتعرض فيه للشهادة ، وذهاب النفس، فلا يأمن فوات الحق . والخلاصة : أن الرأي الأول للحنفية والشافعية : ليس للدائن المنع من السفر ولا (١) مغني المحتاج : ١٤٨/٢، المهذب :/٣٢١/١. البدائع : ١٧٣/٧، تكملة الفتح : ٣٢٩/٧، اللباب: ٧٤/٢، المهذب: ٣١٩/١، مغني المحتاج: ١٥٧/٢ (٢) (٣) الشرح الكبير: ٢٦٢/٣، الشرح الصغير : ٣٤٨/٣ المغني: ٤٥٥/٤، كشاف القناع: ٤٠٥/٣ وما بعدها . (٤) - ٤٥٩ _ المطالبة بكفيل إذا كان الدين مؤجلاً بحال، سواء أكان الدين يحل قبل العودة من السفر أم بعده، وسواء أكان السفر إلى الجهاد أم إلى غيره؛ لأنه لا يملك المطالبة بالدين، فلم يملك منعه من السفر، ولا المطالبة بكفيل كالسفر الآمن القصير. فإن كان الدين حالاً منع المدين من السفر. والرأي الثاني للمالكية والحنابلة أكثر تشدداً في حفظ حق الدائن، فله المنع من السفر إذا كان الدين يحل قبل العودة من السفر؛ لأنه سفر يمنع استيفاء الدين في أجله، فملك منعه من السفر إن لم يوثق بكفيل أو رهن كالسفر بعد حلول الحق . خامساً - أثر الحجر على المفلس أو أحكام الحجر: يترتب على الحجر آثار أو أحكام : ٦ - تعلق حق الغرماء بعين ماله، ومنعه من التصرف بماله(١): يستحب أن يشهد القاضي على حجر المفلس، ليعلم الناس حاله، ويحذروا معاملته، فلا يعاملوه، إلا على بصيرة (٢). فإذا حجر عليه تعلقت ديون الغرماء بماله كالرهن، فلا ينفذ تصرفه فيه بما يضرهم ؛ لأنه لا ضرر على الغرماء، فتبطل تبرعاته كالهبة والصدقة ، ولا يقبل إقراره أصلاً بعد التفليس على ماله باتفاق الفقهاء، لكن قال المالكية : يقبل إقرار المفلس لغير متهم عليه أي أجنبي ، ولا يقبل لمتهم عليه كابن وأخ وزوجة، وقبول إقراره يكون في المجلس الذي فلس فيه، أوقام عليه الغرماء أو قريباً منه. ويبطل بيعه وشراؤه ونحوهما من المعاوضات المالية عند الحنابلة، والشافعية في الأظهر، لتعلق حق الغرماء بعين ماله كالمرهون، ولأنه محجور عليه بحكم الحاكم، فلا يصح تصرفه في ماله ببيع أو غيره مما يناقض مقصود الحجر. (١) رد المحتار: ١٠٥/٥، تكملة الفتح: ٣٢٨/٧، الشرح الكبير: ٢٦٥/٣، الشرح الصغير: ٣٥٢/٣، ٣٥٥، القوانين الفقهية: ص ٣١٨ وما بعدها ، مغني المحتاج : ١٤٧/٢، المهذب : ٣٢١/١ ، كشاف القناع : ٤١١/٣ ، المغني: ٤٠٩/٤٠، ٤٧١، كشاف القناع: ٤١١/٣ . (٢) المهذب : ٣٢١/١ ، مغني المحتاج : ١٤٨/٢، المغني: ٤٤٠/٤، كشاف القناع: ٤١١/٣. - ٤٦٠ -