Indexed OCR Text
Pages 381-400
لأنه يإضافة العقد إلى هذا الدين ، تقع المقاصة بنفس العقد بلا توقف على إرادة العاقدين لها ، ووجه الجواز: أنه جعل ثمن الدينار دراهم لا يجب قبضها ولا تعيينها بالقبض، وهو جائز إجماعاً؛ لأن التعيين بالقبض للاحتراز عن ربا النسيئة ، ولاربا في دين سقط ، إنما الربا في دين يقع الخطر في عاقبته ( أي احتمال القبض وعدمه)، ولذا لو تصارفا دراهم ديناً بدنانير ديناً، صح لفوات الخطر. ب - إذا باع المدين بالعشرة التي لدائنه ديناراً بعشرة مطلقة عن التقييد بدين عليه، ودفع له الدينار، وتقاصا العشرة الثمن بالعشرة الدين، جاز استحساناً(١)؛ لأنه بالتقابض انفسخ العقد الأول، وانعقد صرف آخر مضاف إلى الدين ؛ لأنها لما غيرا موجب العقد، فقد فسخاه إلى آخر اقتضاه، كما لو جدد البيع بأكثر من الثمن الأول، أي أن المقاصة تتضمن فسخ العقد الأول، ويكون الفسخ ثابتاً اقتضاء. وهاتان الحالتان مقاصة في دين سابق . جـ ـ إذا كان الدين لاحقاً للصرف، كما لو باع ديناراً لآخر بعشرة دراهم، وباع مشتري الدينار لبائعه ثوباً بعشرة دراهم في مجلس الصرف، وسلم الثوب ، ثم تقاصا العشرة بالعشرة في المجلس، جازت المقاصة في أصح الروايتين ؛ لأن العقد الأول ينفسخ اقتضاء ، لما قصدا إلى المقاصة . د - إذا حصل الصرف ببیع عین بدین مطلق ، ثم ثبت للمدین علی دائنه دين في المجلس من طريق قبض مضمون ، وقعت المقاصة جبراً من غير حاجة إلى تراض، كما لو استقرض الدائن من المدين مثل الثمن أو غصبه منه ؛ لأن القبض قد تحقق . ويلاحظ أنه في جميع هذه الحالات ما عدا الصورة الأولى لابد من وقوع المقاصة قبل انتهاء مجلس عقد الصرف، فإذا انتهى المجلس بطلت المقاصة لبطلان الصرف كما بینا . (١) والقياس الذي أخذ به زفر : ألا يجوز، لكونه استبدالاً ببدل الصرف قبل قبضه . - ٣٨١ _ ٢ - المقاصة برأس مال السلم: اتفق الحنفية - على ما عليه عامة الكتب عدا البدائع - والشافعية والحنابلة (١) على أنه لا تجوز المقاصة برأس مال السلم مع دين آخر مطلقاً، سواء وجب الدين بعقد متقدم أو متأخر عن عقد السلم، ولو تراضيا عليها؛ لأن المقاصة تصرف في دين السلم قبل قبضه، وهو غير صحيح ، إذ يشترط قبض جميع رأس مال السلم في مجلس العقد . ٣ - المقاصة بالمسلم فيه : لا تجوز المقاصة أيضاً بالمسلم فيه كما أبان محمد في كتابه ((الأصل))(٣) فمن أسلم إلى رجل في مد حنطة، ثم أسلم الآخر إليه في مد حنطة، وأجلهما واحد، وصفتهما واحدة أو مختلفة، فلا تصح المقاصة بينهما؛ لأنه بيع مالم يقبض ، فكل منهما لم يقبض شيئاً من مد الحنطة ، وإنما أخذ به ديناً عليه، ولا يجوز أن يأخذ إلا رأس ماله أو سلمه الذي أسلم فيه . فإن كان أولهما سلماً والآخر قرضاً، لا يصير أحدهما قصاصاً في الحال؛ لأن المقاصة عبارة عن المساواة ، ولا مساواة بينهما؛ لأن أحدهما معجل، والآخر مؤجل، والمعجل خير من المؤجل، فإن حل أجل السلم، كان أحدهما قصاصاً بالآخر. وإن كان الأول منهما قرضاً والآخر سلماً، فلا مقاصة بينهما، وإن تراضيا على المقاصة .. ٤ - رأس مال السلم بعد الإقالة : حكم رأس مال السلم إذا حصلت فيه إقالة كحكم المسلم فيه ، وبما أنه لاتجوز المقاصة في المسلم فيه ؛ لأنه مبيع منقول لا يجوز التصرف فيه قبل القبض ، لا تجوز تبيين الحقائق: ١٤٠/٤، الأنوار: ٢٦٥/١، كشاف القناع: ٢٩٦/٣ وما بعدها . (١) (٢) المبسوط : ١٦٨/١٢ . - ٣٨٢ - المقاصة في رأس مال السلم بعد الإقالة، فإن تقايلا السلم، لم يكن له أن يشتري من المسلم إليه برأس المال شيئاً حتى يقبضه كله (١)، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك))(٢) أي عند الفسخ، ولأنه أخذ شبهاً بالمبيع، فلا يحل التصرف فيه قبل قبضه . ٥ - شبهة الربا: اتفق الأئمة على تحريم ما فيه شبهة الربا، فكل قرض جر نفعاً فهو ربا حرام، وعملاً بمبدأ سد الذرائع المتفق عليه بين الأئمة، وإن اختلفوا في مداه وتطبيقاته. فإذا أدت المقاصة إلى شيء من الربا، كانت غير جائزة . ومن أمثلتها في بيوع الآجال كما ذكر المالكية (٣) : باع له عشرة أرادب من الطعام بعشرة دراهم أي إلى أجل ، وبعد أن غاب على الطعام وانتفع به ، باع لبائعه عشرين أردباً من نوع ما اشتراه بعشرة دراهم ، وتقاصا العشرة بالعشرة، لم يجز؛ لأنه أسلفه عشرة أرادب انتفع بها، ثم رد إليه عشرين أردباً، والثمن بالثمن ملغى ؛ لأنه مقاصة، فهو قرض جرنفعاً . المبحث الرابع - أحكام المقاصة : عالم يراد بالحكم هنا الأثر المترتب على الشيء أو مقتضاه مقتضى المقاصة(٤): هو الإسقاط، لكنه ليس إسقاطاً محضاً، وإنما هو إسقاط فيه معنى الوفاء، أي إسقاط بعوض، والعوض هو إسقاط فيه معنى الوفاء، أي الهداية مع فتح القدير : ٣٤٥/٥ . (١) هذا أثر رواه عبد الرزاق عن ابن عمر ، وابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو، وروى أبو داود وابن ماجه عن (٢) أبي سعيد الخدري مرفوعاً إلى الرسول ◌َالتر: (( من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره)) ( نصب الراية: ٥١/٤ ) . شرح الرسالة : ١٤٠/٢ . (٣) بحث المقاصة السابق . (٤) - ٣٨٣ - 1 إسقاط بعوض، والعوض هو إسقاط الآخر حقه، كما هو الحال في الطلاق على الإبراء، فكل من الطلاق والإبراء إسقاط، وكل منهما في مقابلة الآخر، فتكون المقاصة إسقاطاً فيها معنى المعاوضة، قال المالكية: إن المقصود من المقاصة: المعاوضة والإبراء. وقال الحنفية: إن في المقاصة وفاء، بل الوفاء في نظرهم لا يكون إلا من طريق المقاصة . وهو إسقاط يقع جبراً، حتى في المقاصة التي لا تكون إلا عن تراض في رأي الحنفية . ولكن ما الذي يسقط بالمقاصة ؟ أهو نفس الدين أو المطالبة به ؟ قال الجمهور غير الحنفية: إن المقاصة تسقط الدينين إن كانا متساويين، وتسقط مقدار الأقل منهما إن كانا متفاضلين ، فيسقط من الأكثر بقدر الأقل إن تفاوتاً قدراً، وتبرأ الذمم بها براءة إسقاط، لا براءة مطالبة فحسب. ويرى الحنفية أن المقاصة لا تسقط أصل الدين، وإنما تسقط المطالبة به فقط ، أما الدين فيبقى شاغلاً للذمة، وإن لم تصح المطالبة به، فهو أشبه بالحق الذي لا تسمع الدعوى به للتقادم، ويترتب عليه أنه يصح الإبراء من الدين بعد المقاصة براءة إسقاط، وتصح هبته، ويصح الحط منه، ويرجع من تبرع بقضاء دین عن إنسان على من أداه له إذا أبرأه غريمه منه، بعد هذا، براءة إسقاط . وهذا في الواقع رأي غريب تأباه العدالة ، فمن أدى دينه إلى غريمه أو قاصه فيه، لا يفهم منه إلا أنه قام بما يلغي تبعته، ويطهر ذمته، لا أنه يسعى إلى دفع المطالبة فقط. وإذا كانت العين خيراً من الدين وتفضله؛ لأن الدين على خطر التوى والضياع، فهذا يظهر في دين يبقى دائماً، لا في دين ثابت يوفيه صاحبه بالعین ، فينقضي بحصول هذا الوفاء. وإذا قلنا بأن الوفاء يثبت به دين في ذمة المستوفي، - ٣٨٤ _ ووجد إذ ذاك دينان متماثلان متلاقيان ، فلم لا يسقط أصل الدين ، وتسقط المطالبة به وحدها(١)؟ نقض المقاصة: إذا تمت المقاصة على وجه صحيح، لا يمكن نقضها لا بالفسخ ولا بغيره ، إذ أن الساقط لا يعود، فمتى سقط الدين وتلاشى لا يمكن النقض . لكن قد يطرأ بعد وقوع المقاصة الصحيحة ما يجعل أحد الدائنين لاحق له في استيفاء كل الدين الذي وقعت فيه المقاصة، فتنقض بالقدر الذي لاحق له في استيفائه، كما أنه يطرأ بعد وقوعها ما يقتضي زوال أحد الدينين، فتنقض من أجل ذلك . ٠- ٠ ۔ مثال الحالة الأولى : إذا كان على رجل ألف دينار قرضاً، ثم باع المقترض لمقرضه في حال الصحة عيناً كسجادة مثلاً بألف دينار مؤجلة، ثم مرض المقترض، وحل الأجل ، وعليه ديون ، وقعت المقاصة. فإن مات وعليه ديون ، كان الغرماء أسوة المشتري فيما عليه من الثمن . ومعنى هذا أن المقاصة وقعت في حياته بكل الثمن ، إذ لا يمكن للغزماء الاعتراض عليه في حياته، لعدم تبين أنه في حالة مرض موت ، فإذا مات في مرضه هذا، تبين أن حق الغرماء متعلق بماله من وقت ثبوت سببه وهو مرض الموت، فلا يكون للمشتري أن يستوفي من دينه إلا بقدر ما يصيبه مع الغرماء، وتبطل المقاصة التي وقعت صحيحة في حياة المريض، بالقدر الذي زاد على حصة المشتري . ٠ ومثال الحالة الثانية : إذا كان على الوكيل دين للمشتري، يصير الثمن قصاصاً . فإذا لم يسلم الوكيل ما باع حتى هلك المبيع في يده، بطلت المقاصة ؛ لأن المبيع لما هلك قبل التسليم ، انفسخ البيع من الأصل، وصار كأن لم يكن . (١) بحث المقاصة للأستاذ سلام مدكور في مجلة القانون - العدد الرابع للسنة ٢٩: ص ٣٤ . - ٣٨٥ - الفقه الإسلامي جـ ٥ (٢٥) . الفصل السّابع عشر الإِكْرَاه خطة الموضوع : الكلام عن الإكراه (١) في المباحث الأربعة التالية : المبحث الأول - حقيقة الإكراه ونوعاه . المبحث الثاني - شروط الإكراه. المبحث الثالث - أثر الإكراه في التصرفات الحسية . المبحث الرابع - أثر الإكراه في التصرفات الشرعية . ونبدأ بها على الترتيب المذكور. المبحث الأول - حقيقة الإكراه ونوعاه : حقيقة الإكراه : الإكراه لغة: حمل الغير على أمر لا يرضاه قهراً. وهذا ينافي المحبة والرضا، ولذا اقترن الحب والإكراه في قوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرلكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرلكم ﴾. وهو في اصطلاح الفقهاء: حمل الغير على أن يفعل مالا يرضاه، ولا يختار (١) هناك تشابه بين الإكراه والحجر، لأن في كل منهما سلب ولاية المختار عن ممارسة تصرفاته ( تكملة الفتح: ٣٠٩/٧ ) . - ٣٨٦ _ مباشرته، لو ترك ونفسه. وقد عرفه السرخسي في المبسوط، بأنه: ((فعل يفعله الإنسان بغيره ، فینتفي به رضاه، أو يزول به اختياره )). والمقصود بالرضا : هو الارتياح إلى فعل الشيء والرغبة به . والمقصود بالاختيار: هو ترجيح فعل الشيء على تركه أو العكس . نوعا الإكراه: الإكراه نوعان : إكراه ملجئ أو كامل ، وإكراه غير ملجئ أو قاصر. والإكراه الملجئ : هو الذي لا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار، وهو بأن يهدده بما يلحق به ضرراً في نفسه، أو في عضو من أعضائه . وحكمه : أنه يعدم الرضا ويفسد الاختيار، مثاله التهديد بالقتل أو التخويف بقطع عضو أو بضرب مبرّح ( أي شديد ) متوال يخاف منه إتلاف النفس أو العضو، سواء قل الضرب أم كثر. والإكراه غير الملجئ أو الناقص: هو التهديد بما لا يضر النفس أو العضو، كالتخويف بالحبس أو القيد ، أو الضرب اليسير الذي لا يخاف منه التلف، أو يإتلاف بعض المال. وحكمه: أنه يعدم الرضا، ولا يفسد الاختيار ). وهناك نوع ثالث عند الحنفية وهو الإكراه الأدبي : وهو الذي يعدم تمام الرضا، ولا يعدم الاختيار، كالتهديد بحبس أحد الأصول أو الفروع، أو الأخ أو الأخت ، أو نحوهم. وحكمه أنه إكراه شرعي استحساناً لاقياساً، كما قرر الكمال بن الهمام من الحنفية، ويترتب عليه عدم نفاذ التصرفات المكره عليها(٢). ويرى الشافعي أن الإكراه نوع واحد وهو الإكراه الملجئ، وأما غير الملجئ فلا (١) البدائع: ١٧٥/٧، تكملة فتح القدير: ٢٩٢/٧ وما بعدها، تبيين الحقائق: ١٨١/٥، درر الحكام : ٢٦٩/٢ وما بعدها ، الدر المختار ورد المختار: ٨٨/٥ وما بعدها، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي للمؤلف: ص ١٨٥ وما بعدها ، الشرح الصغير : ٥٤٦/٢ وما بعدها ، ط دار المعارف. (٢) بحث الإكراه بين الشريعة والقانون للشيخ زكريا البرديسي: ص٣٧٢ . - ٣٨٧ - يسمى إكراهاً. قال الشافعية : يحصل الإكراه بتخويف بمحذور كضرب شديد وحبس طويل وإتلاف مال. ويختلف أثره باختلاف أحوال الناس، فلا يحصل الإكراه بالتخويف بالعقوبة الآجلة كقوله: لأضربنك غداً، ولا بالتخويف بالمستحق كقوله لمن عليه قصاص : افعل كذا وإلا اقتصصت منك. وشرط الإكراه: قدرة المكْرِه على تحقيق ما هدد به بولاية أو تغلب عاجلاً ظلماً، وعجز المستكره عن دفعه بهرب أو غيره وظن أنه إن امتنع من فعل ما أكره عليه حقق المهدد به. ولا ينفذ تصرف المستكره بغير حق ، لكن يقتص منه بمباشرته جناية القتل ونحوه (١). المبحث الثاني - شروط الإكراه : يشترط لتحقق الإكراه شروط ، وهي ما يأتي : الأول - أن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما هدد به، وإلا كان هذياناً، وبناء عليه كان أبو حنيفة يقول : لا إكراه إلا من السلطان ؛ لأن غير السلطان لا يتمكن من تحقيق ما هدد به . وقال الصاحبان والأئمة الثلاثة : يتحقق الإكراه من السلطان وغيره ؛ لأن إلحاق الضرر بالغير يمكن أن يتحقق من كل متسلط. وهذا الاختلاف بين الإمام وصاحبيه اختلاف عصر وزمان ، لا اختلاف حجة وبرهان ، فقد أفتى الإمام بحسب زمانه، ثم تغير الحال في زمان الصاحبين، فتغيرت الفتوى على حسب الحال . قال البغدادي : الإكراه يثبت حكمه إذا حصل ممن يقدر على إيقاع ما توعد به سلطاناً كان أو غيره(٢). الثاني - أن يغلب على ظن المستكره أن المكره سينفذ تهديده لو لم يحقق ما أكره تحفة الطلاب للأنصاري : ص ٢٧٢ . (١) (٢) مجمع الضمانات : ص٢٠٤ . - ٣٨٨ - عليه، وأنه عاجز عن التخلص من التهديد بالهرب أو الاستغاثة أو المقاومة . الثالث - أن يكون الأمر المكره به متضمناً إتلاف نفس أو عضو أومال أو متضمناً أذى بعض الناس الذين يهمه أمرهم، كالتهديد بحبس الزوجة، أو الوالدين، أو يلحق به غماً يعدم الرضا بحسب حاله، فمن الناس من يغتم بكلام خشن، ومنهم من لا يغتم إلا بالضرب المبرح . الرابع - أن يكون المستكره ممتنعاً عن الفعل الذي أكره عليه قبل الإكراه: إما لحقه كبيع ماله، أو لحق شخص آخر كإتلاف مال الغير، أو لحق الشرع كشرب الخمر. والزنا . الخامس - أن يكون المهدد به أشد خطراً على المستكره مما أكره عليه، فلو هدد إنسان بصفع وجهه إن لم يتلف ماله أو مال الغير، وكان صفع الوجه بالنسبة إليه أقل خطراً من إتلاف المال ، فلا يعد هذا إكراهاً . السادس - أن يترتب على فعل المكره به الخلاص من المهدد به : فلو قال إنسان لآخر: (( اقتل نفسك، وإلا قتلتك)) لا يعد هذا إكراهاً عند الجمهور، والراجح عند الحنابلة؛ لأنه لا يترتب على قتل النفس الخلاص مما هدد به، فلا يصح حينئذ للمستكره أن يقدم على ما أكره عليه . السابع - أن يكون المهدد به عاجلاً: فلو كان آجلاً لم يتحقق الإكراه ؛ لأن التأجيل مظنه التخلص مما هدد به بالاستغاثة والاحتماء بالسلطات العامة. وهذا شرط عند الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة . وقال المالكية : لا يشترط أن يكون المهدد به عاجلاً، وإنما الشرط أن يكون الخوف حالاً . وهذا هو الأرجح في تقديري . الثامن - ألا يخالف المستكره المكره بفعل غير ما أكره عليه أو بالزيادة عليه، أو بالنقصان عنه، فإن خالفه في هذه الأحوال الثلاثة، كان طائعاً فيما أتى به ، فلا يكون مستكرهاً . وهذا رأي الشافعية والمالكية . - ٣٨٩ - فلو أكره إنسان شخصاً على طلاق امرأته، فباع داره، أو أكرهه على طلقة واحدة رجعية، فطلقها ثلاثاً، أو أكرهه على طلاق امرأته ثلاثاً، فطلقها واحدة، فهذه الصور الثلاث نافذة عندهم لأنها ليست من الإكراه في شيء. وقال الحنفية والحنابلة: المخالفة بالنقصان، بأن أتى الشخص أنقص مما أكره عليه، تجعل الشخص مكرهاً غير مختار، أما في حالة الزيادة أو فعل غير المكره عليه فلا تجعله مكرهاً، وإنما يكون مختاراً، كما قال الشافعية والمالكية . التاسع - اشترط الشافعية أن يكون المكره عليه معيناً بأن يكون شيئاً واحداً، فلو أكره إنسان على طلاق زوجته ((فلانة)) عد هذا إكراهاً، أما لو أكره على طلاق إحدى امرأتيه، أو على قتل زيد أو عمرو، فلا يعد هذا إكراهاً . ولم يشترط الحنفية والمالكية والحنابلة هذا الشرط، فلو أكره رجل على أن يطلق إحدى امرأتيه، فطلق واحدة منهما، كان مكرهاً، وهو الرأي الأرجح لدي . العاشر - ألا يكون المهدد به حقاً للمكره يتوصل به إلى ماليس حقاً له ولا واجباً: فإذا كان المكره به حقاً للمكره يتوصل به إلى ماليس حقاً له ولا واجباً كتهديد الزوج زوجته بطلاقها إن لم تبرئه من دينها، فلا يكون إكراهاً ، وقال بعضهم : يعتبر إكراهاً لأن الزوج سلطان زوجته، فيتحقق منه الإكراه. وهذا الشرط عند المتأخرين من الشافعية، ويوافقهم الحنفية فيه. أما الإمام أحمد فلم يشترط هذا الشرط، فالإكراه يتحقق عنده، ولو كان المهدد به حقاً للمكره (١) . وهذا هو المعقول. (١) راجع البدائع: ١٧٦/٧، تكملة فتح القدير: ٢٩٣/٧، الكتاب مع اللباب : ١٠٧/٤، تبيين الحقائق: ١٨٢/٥، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين عليه: ٨٩/٥ وما بعدها ، بحث الإكراه بين الشريعة والقانون للأستاذ. زكريا البرديسي: ص ٧ وما بعدها ، مغني المحتاج: ٢٨٩/٣ وما بعدها، المغني: ١٢٠/٧، القوانين الفقهية: ص٢٢٧ وما بعدها . - ٣٩٠ - والخلاصة : اتفق الشافعية والحنابلة على شروط ثلاثة للإكراه هي أولاً - قدرة المكره على تحقيق ما هدد به بسلطان أو تغلب كاللص ونحوه. وثانياً - عجز المستكره عن دفع الإكراه بهرب أو غيره، وأن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن لم يجبه إلى ما طلبه. وثالثاً - أن يكون مما يستضر به ضرراً كثيراً كالقتل والضرب الشديد، والقيد والحبس الطويلين، وإتلاف مال ونحوه. أما الشتم أو السب فليس بإكراه . واشترط الشافعية أيضاً أن يكون الإكراه بغير حق . المبحث الثالث - أثر الإكراه في التصرفات الحسية ( أي الفعلية أو الوقائع المادية ): الذي يقع عليه الإكراه من الفعل أو الترك: إما أن يكون من الأمور الحسية أو من الأمور الشرعية، والمكره به في كل منهما : إما معين أو مخير فيه . أما التصرفات الحسية المعينة فيتعلق بها حكمان: أحدهما بالنسبة للآخرة، والثاني بالنسبة للدنيا . أما أحكام الآخرة في التصرفات الحسية المكره عليها، فتختلف بحسب نوع التصرف، وأنواع التصرف الحسي ثلاثة : مباح، ومرخص فيه، وحرام. ١ - التصرف الحسي المباح بالإكراه: هو أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وشرب الخمر، وحكمه أنه يختلف بحسب نوع الإكراه: فإن كان الإكراه ملجئاً أو تاماً كالتخويف بالقتل أو قطع العضو ونحوه، فتباح هذه الأفعال؛ لأن الله تعالى أباحها عند الضرورة، فقال سبحانه ﴿ إلا ما اضطررتم إليه ) فلو امتنع المستكره عن تناولها حتى قتل يؤاخذ به؛ لأن امتناعه إلقاء بالنفس إلى التهلكة، والله تعالى يقول: ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾. وإن كان الإكراه ناقصاً كالتهديد بالحبس والضرب اليسير، فلا يباح الإقدام - ٣٩١ - عليها ، ولا يرخص فيها أيضاً، حتى إنه يأثم بالإقدام عليها ؛ لأنه يجب عليه تقديم حق الله تعالی علی حق نفسه(١) . والخلاصة : أن هذه التصرفات لاتباح إلا بالإكراه الملجئ. ٢ - التصرف الحسي المرخص بالإكراه: هو كإجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب بالإيمان، أو سب النبي محمد عَ التّ، أو الصلاة إلى الصليب، أو إتلاف مال المسلم، فهذه الأمور لاتباح، ولكن يرخص فعلها عند الإكراه التام، وإن امتنع المستكره عن فعلها حتى قتل، كان مثاباً ثواب الجهاد ؛ لأن تحريمها لم يسقط عن فاعلها . وأما إن كان الإكراه ناقصاً، فلا يرخص فيها أصلاً، ويحكم بكفر فاعلها ، وإن كان قلبه مطمئناً بالإيمان ، وهذا مذهب الحنفية والمالكية. وعليه، لا يرخص بهذا التصرف إلا في حالة الإكراه الملجئ. ورخص الشافعية والحنابلة والظاهرية التلفظ بالكفر عند الإكراه الناقص ؛ لأن الكثير من حوادث الإكراه على الكفر في بدء الإسلام كانت إكراهاً ناقصاً، فهذا هو الراجح إذاً من الرأيين . والترخيص بإجراء كلمة الكفر عند الإكراه التام ثابت بقوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾. وهذا هو مذهب الجمهور والظاهرية. أما المالكية: فلا يبيحون إجراء كلمة الكفر على اللسان إلا في الإكراه على القتل فقط، أما الإكراه بقطع عضو، فلا يعتبرونه مبيحاً لإجراء كلمة الكفر على اللسان . (١) البدائع: ١٧٦/٧، تبيين الحقائق: ١٨٥/٥، الدر المختار: ٩٢/٥، تكملة فتح القدير: ١٩٨/٧، الكتاب مع اللباب : ٠١١٠/٤ - ٣٩٢ - ويلاحظ أن الامتناع عن الكفر أفضل بدليل ما روي أن مسيلمة الكذاب أخذ اثنين من أصحاب رسول الله عَل ◌ٍّ ، فقال لأحدهما : ما تقول في محمد ؟ قال: رسول الله ، قال : فما تقول في ؟ قال: وأنت أيضاً ، فخلى سبيله. وقال للآخر: ما تقول في محمد ؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول في؟ قال: أنا أصم، لا أسمع، فأعاد عليه ثلاث مرات، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله عَ التٍّ، فقال: ((أما الأول فقد أخذ برخصة الله تعالى، وأما الثاني فقد صدع بالحق ، فهنيئاً له))(١). وأما الترخيص بسبِّ النبي ◌ُّ الّ عند الإكراه، فهو جائز لما روي أن عمار بن ياسر رضي الله عنهما، لما أكرهه الكفار على سبِّ محمد عَ ظِلِّ رجع إلى رسول الله، فقال له: ما وراءك يا عمار؟ قال: شر يا رسول الله ، ما تركوني حتى نلت منك، فقال له الرسول ◌ُ له: ((إن عادوا فعد))(١). ولو امتنع المستكره عن سب النبي حتى مات كان مأجوراً بدليل ما روي من قصة خبيب ، فقد أخذه المشركون وباعوه من أهل مكة ، فأخذوا يعاقبونه على أن يذكر آلهتهم بخير، ويسب محمداً، فلم يسب إلا آلهتهم، ولم يذكر محمداً إلا بخير، ولما يئسوا من كفره، أجمعوا على قتله، فسألهم أن يصلي ركعتين، فأوجز في صلاته حتى لا يظنوا أنه يخشى الموت، ثم سألهم أن يلقوه على وجهه ليموت وهو ساجد، فنأبوا عليه ذلك، فرفع يديه إلى السماء، ثم قال : اللهم إني لا أرى إلا وجه عدو، فاقرأ رسول الله مني السلام، ثم قال: اللهم أحص هؤلاء عدداً، واجعلهم بدَدَا ، ولا تبق منهم أحداً، ثم أنشأ يقول : ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي (١) (٢) تفسير القرطبي: ١٨٩/١٠ ، التلخيص الحبير: ص ٣٧١ . رواه الحاكم والبيهقي وأبو نعيم وعبد الرزاق وإسحاق بن راهويه وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ( راجع نصب الراية : ١٥٨/٤ ) . - ٣٩٣ - فلما قتلوه وصلبوه، تحول وجهه نحو القبلة، فقال فيه الرسول صل اله: ((هو سيد الشهداء، وهو رفيقي في الجنة))(١). فهذا دليل على أن الامتناع عن شتم النبي أفضل(٢). وأما إتلاف مال المسلم: فيرخص فيه عند الإكراه التام ؛ لأن مال الغير يستباح للضرورة ، كما في حال المخصمة، والضرورة متحققة هنا؛ لأن الإكراه نوع منها . غير أن أثر الرخصة يظهر في سقوط المؤاخذة الأخروية، لا في سقوط أصل الحرمة ؛ إذ الحرمة قائمة بقوله مر ◌ّة: ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه))(٣) والمراد بالإكراه التام في إتلاف المال : هو الإحراق أو ما في معناه عند الشافعية والحنفية والحنابلة في المعتمد عندهم. ويرى المالكية والظاهرية أنه لا يرخص في الإحراق لتعلق حق العبد به(٤)؛ لأن الشارع حرم إضرار الغير، قال تع الى: ((لا ضرر ولا ضرار)(٥) . تعالى. (١) روى قصة القتل أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة (راجع نصب الراية، المرجع السابق : ص ١٥٩، نيل الأوطار: ٢٥٣/٧ وما بعدها)، وقول الرسول ((هو سيد الشهداء .. الخ)) حديث غريب كما قال الزيلعي ، لأن المعروف أن حمزة سيد الشهداء كما روى الحاكم . المراجع السابقة: البدائع: ص ١٧٦ وما بعدها ، تكملة فتح القدير : ص ٢٩٩ تبيين الحقائق: ص ١٨٦ ، الدر (٢) المختار: ص ٩٣ ، الكتاب مع اللباب: ١١٠/٤ الموافقات: ٣٢٥/١، الوسيط في أصول الفقه للمؤلف : ص ١٠٩ وما بعدها ، الشفاء للقاضي عياض: ٢٢٢/٢ ، بحث الإكراه للأستاذ البرديسي: ص ٥٩ وما بعدها . (٣) رواه مسلم عن أبي هريرة ( الأربعين النووية: ص ٧٦ وما بعدها ) . تكملة فتح القدير : ٣٠٢/٧ ، الدر المختار : ٩٣/٥، بحث الإكراه: ص ٥٣ وما بعدها ، والمراجع السابقة. (٤) رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما منداً عن أبي سعيد الخدري ، ورواه مالك في الموطأ مرسلاً ، وله طرق (٥) يقوي بعضاً عن جماعة آخرين من الصحابة ( مجمع الزوائد: ١١٠/٤، سبل السلام ٨٤/٣، الإلمام: ص ٣٦٣، المقاصد الحسنة : ص ٤٦٨ ) . - ٣٩٤ - ٣ - التصرف الحسي الحرام الذي لا يباح ولا يرخص بالإكراه: هو قتل المسلم بغير حق أو قطع عضو من أعضائه ولو أملة ؛ لأن القتل حرام محض، قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)، ولأن الاعتداء حرام أيضاً، قال تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً﴾، والتحريم سواء أكان الإكراه ناقصاً أم كاملاً. ومثله أيضاً : ضرب الوالدين قل أو كثر، فإنه لا يباح بالإكراه؛ لأنه حرام، قال تعالى : ﴿ فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ﴾ والنهي عن التأفيف نهي عن الضرب من باب أولى ، فلو فعل شيئاً مما ذكر أثم . وكذلك أيضاً : الزنا، فإنه لا يباح ولا يرخص للرجل بالإكراه مطلقاً ، ولو فعل أثم؛ لأن حرمة الزنا ثابتة عقلاً، قال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً﴾. وكذا المرأة لا يرخص لها أيضاً عند الإكراه ولو كان تاماً، كما رجح الكاساني صاحب البدائع(١). والخلاصة: أن الكفر والقتل والزنا لا يباح بحال، وإن رخص بالنطق بالكفر. وأما الأحكام الدنيوية في هذه الأنواع الثلاثة فهي ما يأتي (٢): ١ - النوع الأول، ونتكلم فيه عن : أ - الإكراه على شرب الخمر: إذا كان الإكراه تاماً فلا يجب الحد على المستكره على شرب الخمر اتفاقاً؛ لأن الحد شرع زاجراً عن الجناية في المستقبل، والشرب المكره عليه ليس جناية ، بل هو مباح . راجع البدائع: ١٧٧/٧، تكملة فتح القدير : ٣٠٢/٧، ٣٠٦ تبيين الحقائق : ١٨٦/٥ وما بعدها ، ١٨٩ ، الدر (١) المختار: ٩٣/٥ وما بعدها، الكتاب مع اللباب : ١١٢/٤ وما بعدها . (٢) المراجع السابقة المذكورة عند تفصيل كل نوع من أنواع التصرفات الحسية . - ٣٩٥ _ ولا تنفذ تصرفات السكران المكره على الشرب عند جمهور الفقهاء؛ لأن نفاذ تصرفات السكران حالة الاختيار عند القائلين به(١) كان تغليظاً عليه وزجراً له، ولا معنى للتغليظ في حالة الإكراه؛ لأنه ليس قائم العقل، فهو كالمجنون . وأما إذا كان الإكراه ناقصاً فيجب الحد عند الحنفية؛ لأن شرب الخمر حينئذ يعتبر حراماً، فيطبق عليه حكم الشُّرب . وقال جمهور الفقهاء: لا يجب الحد على المستكره على شرب الخمر إكراهاً ناقصاً، لقوله مَ اللّ: ((إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا علیە))(٢). ب - الإكراه على السرقة: إذا كان الإكراه تاماً فلا إثم على السارق المستكره، ولا حد عليه للحديث السابق: ((رفع عن أمتي ... )) ولأن الحدود تدراً بالشبهات . وإن كان الإكراه ناقصاً، فلا يرتفع الإثم ولا الحد عند بعض الفقهاء (الحنفية)، إذ لا ضرورة لفعل السرقة، ويرى جمهور الفقهاء أنه لا إثم ولا حد،. عملاً بمقتضى إطلاق الحديث السابق: ((رفع عن أمتي)) فهذا الحديث ناطق بالعفو عن موجب الإكراه مطلقاً : تاماً أو ناقصاً . (١) الراجح من مذهب الشافعية ورواية أحمد: هو نفاذ تصرفات السكران باختياره مطلقاً. والحنفية يرون نفاذ تصرفات السكران مختاراً ما عدا الردة ، والإقرار بما يحتمل الرجوع كحد الزنا ، والمالكية يرون نفاذ التصرفات ما عدا الإقرارات والعقود في المشهور من المذهب . والظاهرية ورواية عن أحمد يرون عدم نفاذ التصرفات مطلقاً . رواه الطبراني في الكبير عن ثوبان وأبي الدرداء ، وأخرجه ابن ماجه وابن حبان والحاكم عن ابن عباس (٢) مرفوعاً، ورواه ابن ماجه أيضاً عن أبي ذر، ورواه أبو نعيم عن ابن عمر، بلفظ ((إن الله وضع)) إلا حديث أبي الدرداء وثوبان فهو بلفظ ((إن الله تجاوز عن أمتي ... )) وذكره ابن عدي عن أبي بكرة بلفظ « رفع الله عن هذه الأمة ثلاثا)) ورواه الطبراني في الأوسط عن عقبة بلفظ ((وضع عن أمتي .. )) وفيه ابن لهيعة ، وفيه ضعف. فلفظ ((رفع عن أمتي .. )) ليس موجوداً ( نصب الراية : ٦٢/٢ التلخيص الحبير: ص ١٠٩، مجمع الزوائد : ٢٥٠/٦ ) . - ٣٩٦ - ٢- النوع الثاني وفیه بحثان: أ- الإكراه على الكفر: إذا كان الإكراه تاماً، فلا يحكم بالردة ، ولا تبين امرأة المستكره اتفاقاً بين الفقهاء، ما عدا المالكية فيما إذا كان التهديد بغير القتل ، وأقدم المهدد على الكفر، فإنه يرتد عندهم ؛ لأن غير القتل أقل خطورة من الكفر. وإن كان الإكراه ناقصاً، وتلفظ المستكره بالكفر لا يصبح مرتداً عند الشافعية والحنابلة والظاهرية، عملاً بقوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان .. ) الآية. وقال المالكية والحنفية: يحكم بكفر المستكره إكراهاً ناقصاً، ويصبح مرتداً تلحقه أحكام المرتدين ؛ لأنه ليس بمكره حقيقة بل أقدم على ما أقدم عليه لدفع الغم عن نفسه لا للضرورة. ويظهر أن الرأي الأول أرجح عملاً بالنص . ، ويجري هذا الخلاف في الإكراه على الصلاة للصليب أو على السجود للصنم . وإذا كان الإكراه على الكفر لا يجعل المستكره كافراً، فإن الإكراه على الإسلام يجعل المستكره مسلماً، والفرق بين الحالتين: أن الإيمان في الحقيقة تصديق ، والكفر تكذيب، وذلك يحصل في القلب، والإكراه لا شأن له بالقلب، ففي حالة الاختيار جعل اللسان دليلاً على ما في القلب ظاهراً، وفي حالة الإكراه على الكفر لا يجعل اللسان دليلاً على ما في القلب؛ لأن الإيمان أمر قلبي، أما في حالة الإكراه على الإسلام، فيحكم بالإسلام مع احتمال أنه كافر في قلبه؛ لأن ترجيح جانب الإسلام إعلاء الدين الحق، وإعلاء الدين الحق واجب(١)، قال عليه الصلاة والسلام: ((الإسلام يعلو ولا يعلى عليه))(٢). البدائع: ١٧٨/٦، بحث الإكراه للأستاذ البرديسي: ٦١ - ٦٧ ، تكملة فتح القدير: ٣٠٧/٧، المغني: ١٤٥/٨ ، (١) الكتاب مع اللباب : ١١٤/٤ . (٢) أخرجه الدارقطني عن عائذ عن عمرو بن المزني ، وفيه مجهولان ، ورواه الطبراني والبيهقي عن عمر ، ورواه نهشل عن معاذ، وروي موقوفاً على ابن عباس (راجع نصب الراية: ٢١٣/٣، سبل السلام: ٦٧/٤ ) . - ٣٩٧ - ويلاحظ أن الذي يجوز إكراهه على الإسلام هو الحربي عند جمهور العلماء، وكذا يجوز إكراه الذمي والمستأمن عند الحنفية، ولا يجوز إكراههما عند جمهور العلماء، والأدلة تعرف في كتب الفقه المطولة، والراجح مذهب الجمهور في الذمي، كما أن الراجح في تقديري هو أن الحربي أيضاً لا يكره على الإسلام كما يقرر جماعة من العلماء لقوله تعالى: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾(١). ب - الإكراه على إتلاف المال: إذا أكره شخص غيره على إحراق أثاث منزل لآخر مثلاً، فإن كان الإكراه تاماً، فالضمان على المكره عند الحنفية والحنابلة في الأرجح عندهم وبعض الشافعية ؛ لأن المستكره مسلوب الإرادة، وما هو إلا آلة للمكره، ولا ضمان على الآلة اتفاقاً. وقال المالكية والظاهرية وبعض الشافعية : الضمان على المستكره ؛ لأنه يكون في هذه الحالة كالمضطر إلى أكل طعام الغير، بجامع الإباحة في كل منهما ، وكما يجب ضمان المضطر يجب ضمان المستكره . وقال الشافعية في الأرجح عندهم وفي وجه عند الحنابلة: الضمان على المكره والمستكره ؛ لأن الإتلاف صدر من المستكره حقيقة، ومن المكره بالتسبب، والتسبب في الفعل والمباشرة سواء، لكن يستقر الضمان في النهاية على المكره في الأصح. وإن كان الإكراه ناقصاً: فالضمان على المستكره عند الحنفية والمالكية والظاهرية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة؛ لأن الإكراه الناقص لا يسلب الاختيار أصلاً، فلم يكن المستكره مجرد آلة للمكره، فكان الإتلاف من المستكره، فوجب الضمان عليه(٢). (١) راجع آثار الحرب في الفقه الإسلامي - الطبعة الثانية ، للمؤلف : ص ٧٨ . (٢) المراجع السابقة، البدائع : ص ١٧٩ ، مجمع الضمانات: ص ٢٠٥ اللباب شرح الكتاب : ١١٢/٤، تكملة فتح القدير: ٣٠٢/٧ ، تبيين الحقائق: ص ١٨٦، المحلى لابن حزم : ٣٨١/٨، الأشباه والنظائر للسيوطي : = - ٣٩٨ - ٣ - النوع الثالث، وفيه بحثان : أ - الإكراه على القتل: اتفق الفقهاء على تأثيم من أكره على القتل، فقتل، واختلفوا في القصاص منه إذا كان الإكراه تاماً . فقال أبو حنيفة ومحمد، وداود، وأحمد في رواية، والشافعي في أحد قوليه: لا قصاص على المستكره، وإنما يقتص من المكره، ويعزر المستكره فقط، لقوله عَ لقوله: ((عفوت عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) والعفو عن الشيء عفو عن مقتضاه، فكان مقتضى ما أكره عليه عفواً، ولأن المستكره مجرد آلة للمكره ، إذ القاتل في المعنى هو المكره، وإنما الموجود من المستكره صورة القتل ، فأشبه المستكره الآلة ، ولا قصاص على الآلة . وقال زفر وابن حزم الظاهري : يقتص من المستكره ؛ لأن القتل وجد منه حقيقة حساً ومشاهدة ، ولأنه أتى محرماً عليه إتيانه. وأما المكره فهو متسبب، ولا قصاص بالتسبب عندهم ، ورجح الطحاوي هذا الرأي . وقال أبو يوسف: لا يقتص من المستكره ولا من المكره، للشبهة لأن المكره ليس بقاتل حقيقة وإنما هو مسبب للقتل، وإنما القاتل هو المستكره، ولما لم يجب القصاص على المستكره، فلأن لا يجب على المكره أولى. وإنما يجب على المكره الدية ولا يرجع على المستكره بشيء. وقال المالكية والشافعية في الأرجح، والحنابلة في المذهب عندهم : يقتص من المكره والمستكره ؛ لأن المستكره وجد منه القتل حقيقة، والمكره متسبب في القتل، والمتسبب كالمباشر كما ثبت شرعاً . = ص ١٧٩، قواعد الأحكام : ١٣٢/٢، تهذيب الفروق: ٢٠٣/٢، الفروق: ٢٠٨/٢، كشاف القناع: ٩٨/٤ ، الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي: ٤٤٤/٣، القواعد لابن رجب: ص ٢٨٦ . - ٣٩٩ - ويظهر أن الرأي الأول أرجح الآراء، وهو مذهب أبي حنيفة. وأما إذا كان الإكراه ناقصاً فيجب القصاص على المستكره بلا خلاف؛ لأن الإكراه الناقص لا يسلب الاختيار، فلا يمنع وجوب القصاص(١). وأما الدية حال الإكراه : ففي وجوبها روايتان عند الحنفية أرجحها أنها تجب على المكره . وأما الإرث: فلا يمنع منه المستكره الذي أكره على قتل مورثه عند أئمة الحنفية ما عدا زفر. والمستكره على قطع يد إنسان إذا قطعها يجري فيه الخلاف المذكور في الإكراه على القتل . فإذا أذن المجني عليه للمستكره بقطع يده أو قتله، فلا يباح له الفعل ؛ لأن هذه الجنايات لا تباح بالإذن. فإن تم القطع في هذه الحالة ، فلا ضمان على أحد، لوجود الإذن من جهة المجني عليه، وأما في القتل فلا عبرة بالإذن ، وتجب حينئذ الدية على المكره، كما في ظاهر الرواية. وفي رواية : لا تجب(7). ب - الإكراه على الزنا: الإكراه على الزنا إما أن يقع على المرأة أو على الرجل . فإذا أكرهت المرأة على الزنا : فلا يقام عليها الحد عند جمهور الفقهاء، سواء أكان الإكراه تاماً أم ناقصاً، لقوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن المراجع السابقة، مغني المحتاج: ٧/٢، ٢٨٩/٣، قواعد الأحكام : ١٣٢/٢، القواعد لابن رجب: ص ٢٨٧ ، (١) المغني : ٦٤٥/٧ . البدائع: ١٨٠/٧، مجمع الضمانات: ص ٢٠٤ - ٢٠٥، اللباب شرح الكتاب : ١١٢/٤، مختصر الطحاوي : (٢) ص ٤٠٩ وما بعدها . - ٤٠٠ -