Indexed OCR Text
Pages 321-340
الفضولي وكيلاً، وتجب الزيادة على المشتري . وإن كانت بغير إذن المشتري ، فعلى التفصيل السابق الذي ذكرناه في الصلح(١). المبحث الثالث - أحكام الصلح : للصلح أحكام هي(٢) : أولاً - انقطاع الخصومة والمنازعة بين المتداعيين شرعاً : فلا تسمع دعواهما بعدئذ ، وهذا حكم ملازم جنس الصلح . ثانياً - حق الشفعة للشفيع : إذا كان المدعى به داراً وبدل الصلح ليس داراً، وإنما هو نقد أو غيره، فإن حق الشفعة يثبت للشفيع إذا كان الصلح عن إقرار من المدعى عليه ؛ لأن الصلح حينئذ يكون في معنى البيع بالنسبة لطرفي العقد . أما إذا كان الصلح عن إنكار من المدعى عليه، فلا يثبت حق الشفعة، لأنه ليس في معنى البيع بالنسبة للمدعى عليه ، بل هو بذل المال لدفع الخصومة واليمين . وإن كان بدل الصلح داراً، والصلح عن إقرار المدعى عليه يثبت حق الشفعة للشفيع في الدارين ، لما عرفنا أن الصلح هنا في معنى البيع من الطرفين . وإن كان الصلح عن إنكار يثبت للشفيع حق الشفعة في الدار التي هي بدل الصلح، ولا يثبت في الدار المدعاة؛ لأنها لم تعتبر مبيعة، إذ أن الصلح عن إنكار يعتبر معاوضة بالنسبة للمدعي ، وأما بالنسبة للمدعى عليه فليس بمعاوضة ، بل هو إسقاط للخصومة ودفع اليمين عن نفسه، فلم يكن للدار المدعاة حكم المبيع في حقه، فلا يثبت للشفيع حق أخذها بالشفعة . (١) البدائع : ٥٢/٦ . (٢) البدائع: ٥٣/٦ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٢٩/٧، المبسوط: ١٦٣/٢٠، تبيين الحقائق: ٣٣/٥، الدر المختار مع رد المحتار : ٤٩٤/٤ . - ٣٢١ - الفقه الإسلامي جـ ٥ (٢١) ثالثاً - حق الرد بالعيب، وحكم الاستحقاق : فحق الرد بالعيب يثبت لطرفي عقد الصلح إن كان الصلح عن إقرار؛ لأنه بمنزلة البيع . وإن كان عن إنكار يثبت حق الرد بالنسبة للمدعي، ولا يثبت بالنسبة للمدعى عليه ؛ لأن هذا الصلح بمنزلة البيع بالنسبة للمدعي ، لا بالنسبة للمدعى عليه . وتطبق هذه الأحكام إذا كان الصلح عن إقرار، واستحق بعض المصالح عنه، فيرجع المدعى عليه على المدعي بحصة المستحق من العوض المصالح به؛ لأن الصلح مع الإقرار كالبيع، وهذا هو حكم الاستحقاق في البيع. وإذا كان الصلح عن إنكار أو سكوت فاستحق المتنازع فيه كله، رجع المدعي بالخصومة على المستحق ، لقيامه مقام المدعى عليه، ورد العوض المصالح به على من أخذه منه(١)؛ لأن المدعى عليه ما بذل العوض للمدعي إلا ليدفع خصومته عن نفسه ، فإذا ظهر الاستحقاق تبين أنه لا خصومه له ، فيبقى العوض في يده غير مشتمل على غرضه، فيسترده. وإن استحق بعض المتنازع فيه ، رد حصته ، ورجع بالخصومة فيه على المستحق . رابعاً - الرد بخيار الرؤية في نوعي الصلح : لأن الخيار ثبت للمدعي فيستدعي کون الصلح معاوضة عن حقه . خامساً - إنه لا يجوز التصرف في بدل الصلح قبل القبض إذا كان منقولاً في نوعي الصلح ؛ فلا يجوز للمدعي بيعه وهبته ونحوهما . وإن كان عقاراً يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد : لا يجوز، كما هو معروف في بحث عقد البيع . ويجوز للمصالح في الصلح عن القصاص أن يبيع بدل الصلح أو يبرئ عنه قبل القبض ، كما يجوز البيع ونحوه في المهر والخلع ؛ لأن المانع من جواز التصرف في الشيء (١) تكملة فتح القدير مع العناية، المرجع السابق: ص ٢٩، المبسوط: ١٤٩/٢٠ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٣٢/٥، ٣٤، الكتاب مع اللباب: ١٦٤/٢ . - ٣٢٢ - قبل القبض : هو المحافظة على العقد من الانفساخ نتيجة هلاك الشيء، واحتمال الفسخ لا يتأتى في الصلح عن القصاص، لأنه مما لا يحتمل الفسخ، فلا حاجة إلى ٠ القول بعدم جواز التصرف في بدل الصلح قبل القبض . سادساً - إن الوكيل بالصلح يلتزم ببدل الصلح دون المدعى عليه إذا كان الصلح في معنى المعاوضة، كما إذا تم الصلح على جنس آخر خلاف جنس حق المدعي ، لأنه يكون حينئذ جارياً مجرى البيع ، وحقوق البيع ترجع إلى الوكيل . وإن كان الصلح في معنى استيفاء عين الحق، كمن له على آخر ألف ليرة ، فصالحه على خمسمائة ، فيلتزم الوكيل ببدل الصلح إن ضمنه، وإن لم يضمنه لم يلزمه؛ لأنه يكون حينئذ سفيراً بمنزلة الرسول ، فلا ترجع إليه حقوق العقد. أما إن ضمنه لزمه بحكم الكفالة لا بحكم العقد . وقد سبق أن أشرنا إليه . والخلاصة: أن الصلح كما قال الشافعية إذا كان عن إقرار وجرى على عين غير لمدعاة، فهو بيع بلفظ الصلح تثبت فيه أحكامه ، كالشفعة ، والرد بالعيب، ومنع التصرف قبل القبض ، واشتراط التقابض إن اتفق المصالح عنه والمصالح عليه في علة الربا(١) . المبحث الرابع - مبطلات عقد الصلح وحكمه بعد البطلان : مبطلات الصلح : يبطل الصلح بأشياء هي ما يأتي(٣): ١ - الإقالة في غير حالة الصلح على القصاص: فلو أقال أحد المتصالحين الآخر انفسخ الصلح ؛ لأن فيه معنى معاوضة المال بالمال ، فكان محتملاً للفسخ كالبيع ونحوه . أما القصاص : فالصلح فيه إسقاط محض لحق ولي الدم في استيفاء القصاص من القاتل ؛ لأنه عفو عن القاتل ، فلا يحتمل الفسخ كالطلاق ونحوه . (١) مغني المحتاج: ١٧٧/٢، المهذب : ٣٣٣/١. (٢) البدائع: ٥٤/٦ وما بعدها ، تبيين الحقائق للزيلعي: ٣٢/٥، ٣٤ ، الدر المختار مع رد المحتار : ٤٩٤/٤. - ٣٢٣ - ٢ - لحاق المرتد بدار الحرب أو موته على الردة عند أبي حنيفة: وهذا مبني على القاعدة المقررة عنده: وهي أن تصرفات المرتد موقوفة على العودة إلى الإسلام أو اللحاق بدار الحرب أو الموت، فإن أسلم نفذت تصرفاته، وإن لحق بدار الحرب وقضى القاضي بلحاقه ، أو قتل أومات على الردة بطلت تصرفاته . وعند الصاحبين : تعتبر تصرفات المرتد نافذة . ٣ - الرد بخيار العيب أو الرؤية : لأن الرد يفسخ العقد. ٤ - هلاك أحد المتعاقدين في الصلح على المنافع قبل انقضاء المدة : لأن في الصلح على المنفعة معنى الإجارة، والإجارة تبطل بموت أحد العاقدين . وكذا يبطل الصلح إذا هلك ما وقع الصلح على منفعته . حكم الصلح بعد بطلانه : إذا بطل الصلح يرجع المدعي إلى أصل دعواه إن كان الصلح عن إنكار. ويرجع المدعي على المدعى عليه بالمدعى به لا غيره إن كان الصلح عن إقرار؛ لأنه إذا بطل الصلح ، جعل كأن لم يكن ، فعاد الأمر على ما كان من قبل . لكن في الصلح عن القصاص : يرجع المدعي على القاتل بالدية دون القصاص، وفي الصلح عن المنفعة ، إذا بطل بموت أحد العاقدين ونحوه من المبطلات في أثناء المدة، يرجع المدعي بالمدعى به، بقدر مالم يستوف من المنفعة إن كان الصلح عن إقرار. وإن كان عن إنكار رجع المدعي إلى أصل الدعوى في قدر مالم يستوف من المنفعة(١) . الصلح عن التركة (التخارج): يصح الصلح عن حصة الوارث في التركة ، وتطبق أحكام البيع ، ويسمى هذا الصلح مخارجة . والمخارجة : هي عقد يتصالح فيه (١) البدائع: ٥٥/٦ وما بعدها، المبسوط: ٣٤/٢١، تبيين الحقائق: ٣٣/٥، الدر المختار ورد المختار: ٤٩٥/٤ . - ٣٢٤ - أحد الورثة على أن يخرج من التركة، فلا يأخذ نصيبه، نظير مال يأخذه من التركة، أو من غيرها. ويختلف الحكم فيما إذا كانت التركة أشياء عينية، أو أشياء نقدية. فإن كانت التركة أشياء عينية كعقار أو عروض تجارية، صح الصلح مهما كان مقدار العوض قليلاً كان أو كثيراً؛ لأنه بيع، وقد صالح عثمان امرأة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم على ربع ثمنها على ثمانين ألف دينار. أما إن كانت التركة نقداً ذهباً أو فضة، فيصح الصلح مهما كان العوض إذا كان من جنس غير جنس مال التركة، كإعطاء ذهب بفضة أو بالعكس ؛ لأنه بيع الجنس بخلاف الجنس ، فلا يعتبر التساوي، ولكن بشرط قبض العوضين في مجلس العقد ، لأنه عقد صرف . وإن كانت التركة خليطاً من أشياء عينية ونقدية وهو الغالب فلابد من أن يكون العوض أكثر من نصيبه في التركة ، حتى يتساوى نصيبه بمثله، وتغطي الزيادة الأشياء العينية الأخرى مثل العروض التجارية والعقارات ونحوها ، منعاً من الوقوع في الربا، ولابد من التقابض فيما يقابل نصيبه من الذهب أو الفضة؛ لأن هذا عقد صرف في هذا القدر (١) . والخلاصة : أنه يشترط عند الحنفية كون التركة معلومة ، ولا يشترط أن يكون التخارج بمقدار الحصة تماماً؛ لأن هذا العقد بيع، والعلم بالمبيع شرط لإمكان التسليم ، ولا يلزم كون الثمن مساوياً لقيمة المبيع، لكن يشترط أن يكون المتخارج عالماً بنصيبه من التركة خشية الغرر، ويشترط أيضاً التقابض فيما هو عقد صرف، لعدم الوقوع في الربا . (١) اللباب شرح الكتاب : ١٧٠/٢، تكملة رد المحتار : ٢٠٥/٧ وما بعدها . - ٣٢٥ _ : الفصل الرابع عشر الإبراء فيه ستة مباحث تشمل تعريف الإبراء ومشروعيته، وأركانه، وشروطه ، ومحله، وأنواعه، وحكمه . المبحث الأول - تعريف الإبراء ومشروعيته: الإبراء لغة : التنزيه والتخليص والمباعدة عن الشيء. وفقهاً: هو إسقاط شخص حقاً له في ذمة آخر أو قِبَله، كإسقاط الدائن دينه الذي له في ذمة المدين . فإذا لم يكن الحق في ذمة شخص ، كحق الشفعة ، وحق السكنی الموصى به، فلا يعتبر التنازل عنه أو تركه إبراء، بل هو إسقاط محض، وعليه يكون كل إبراء إسقاطاً ، وليس كل إسقاط إبراء. والإبراء وإن تضمن معنى الإسقاط ، ففيه معنى آخر وهو التمليك فهو إسقاط من الدين، وتمليك للمدين . وقد رجح كل مذهب أحد المعنيين . فالحنفية(١) رجحوا معنى الإسقاط مع بقاء معنى التمليك، ورتبوا عليه عدم صحة الإبراء عن الأعيان ؛ لأنه إسقاط، وملكية الأعيان لا تقبل الإسقاط، فلو أسقط أحد ملكيته عن شيء مملوك له، لا تسقط ويبقى ملكاً له، ولا يصح الإبراء عن المبيع؛ لأنه إسقاط، وإسقاط العين لا يصح، والإبراء عن العين المغصوبة لا يكون سبباً لملكها، وإنما يكون إبراء عن ضمانها ، وتصير أمانة في يد الغاصب. - ٣٢٦ - ولكن يصح إبراء الدين الثابت في الذمة كضمان قيمة المغصوب المتلف، ويصح الإبراء عن الدعوى المتعلقة بالأعيان. ولا يصح إقالة الإبراء عن الدين ولا إقالة السلم ؛ لأن الإبراء يسقط الدين من الذمة ، والساقط لا يعود؛ لأنه معدوم ، والمسلم فيه دين سقط. ويعد الإبراء من الدين تبرعاً؛ لأن فيه معنى التمليك، وإن كان في صورة إسقاط . والراجح عند المالكية كما أبان الدسوقي(١) أن الإبراء نقل للملك فيكون من قبيل الهبة ، فيحتاج لقبول . والجديد عند الشافعية(٢): أن الإبراء تمليك المدين ما في ذمته، فيشترط علم الطرفين به إن كان في ضمن معاوضة كخلع، وإلا فيكفي علم المبرئ فقط ، والإبراء من المجهول باطل . وقال بعض الشافعية: الأصح أن الإبراء إسقاط . والراجح عند الحنابلة (٣) أن الإبراء إسقاط، ولا مانع يمنع الإنسان من إسقاط بعض حقه أو هبته، فقد كلم النبي ◌ُ ◌ّ غرماء جابر ليضعوا عنه . مشروعية الإبراء : الإبراء في الحكم الغالب له مندوب ، قال الخطيب الشربيني : الإبراء مطلوب ، فوُسِّع فيه بخلاف الضمان (أي الكفالة)؛ لأنه نوع من الإحسان والبر والصلة ، لتضمنه إسقاط الحق عن المدين، ولو لم يكن معسراً، قال تعالى: ﴿وإن كان ذو عُسْرَة، فَنَظِرة إلى مَيْسرة، وأن تَصدَّقُوا خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ . حاشية الدسوقي على الشرح الكبير : ٩٩/٤، الفروق : ١١١/٢ . (١) المحلي على المنهاج مع حاشية القليوبي وعميرة: ٣٢٦/٢ وما بعدها ، مغني المحتاج : ٢٠٢/٢ ، أشباه السيوطي : (٢) ص ١٥٢ . (٣) كشاف القناع: ٣٧٩/٣، ٣٨٥، ٢٣٦/٤، المغني: ٤٨٣/٤. - ٣٢٧ - المبحث الثاني - ركن الإبراء : ركن الإبراء عند الحنفية : هو الإيجاب فقط الصادر من صاحب الحق المبرئ، الدال دلالة واضحة على ترك حقه والتنازل عنه. باعتبار أن الركن هو جزء الشيء الذي لا يتحقق بدونه. أما بقية عناصر الإبراء من متعاقدين ومحل فهي أطراف العقد ، وليست ركناً أما الجمهور فقالوا: للإبراء أركان أربعة: صاحب الحق المبرئ، والمدين ( المبرأ)، والصيغة، والمبرأ منه (محل الإبراء من دين أو عين أو حق)، باعتبار أن الركن: هو كل ما يتوقف عليه وجود الشيء، سواء أكان جزءاً داخلاً فيه وهو الإيجاب وحده، أو الإيجاب والقبول معاً، أم خارجاً عنه كالأطراف والمحل . هل يحتاج الإبراء إلى قبول ؟ يرى الجمهو غير المالكية(١): أن الإبراء لا يحتاج إلى قبول، فينعقد بمجرد الإيجاب؛ لأنه عند الحنفية والحنابلة إسقاط، والإسقاطات كالطلاق والعتق لا تحتاج إلى قبول، سواء أكان التعبير بلفظ الإبراء أم بلفظ هبة الدين للمدين ، وطالب بعض الحنفية بالقبول في هبة الدين للمدين ، والمشهور هو الأول . وبالرغم من أن الراجح لدى الشافعية أن الإبراء تمليك المدين ما في ذمته كما بينا ، فلا يحتاج إلى القبول ؛ لأن المقصود منه الإسقاط . ومثال الإيجاب: أن يقول: أبرأتك من ديني، أو أحللتك منه، أو أسقطته عنك، أو ملكتك إياه، أو تركته لك، ونحو ذلك. نصت المادة ١٥٦١ مجلة: ((إذا قال أحد : ليس لي مع فلان نزاع ولا دعوى، أوليس لي عند فلان حق ، أو فرغت (١) المراجع السابقة . - ٣٢٨ - من دعواي التي هي مع فلان ، أو تركتها ، أوما بقي لي عنده، أو استوفيت حقي من فلان بالتمام، يكون قد أبرأه)). ويرى المالكية على الراجح : أن الإبراء يحتاج إلى قبول ؛ لأنه نقل للملك، كالهبة فلا بد من القبول في هبة الدين ، لمن هو عليه ؛ لأنه إبراء . ويكون القبول في مجلس العقد بالاتفاق ، إلا أن الشافعية (١) اشترطوا القبول لفظاً فوراً فيما لو وكله في إبراء نفسه ، ولو من الحاكم. وظاهر المذهب المالكي جواز تأخير القبول عن الإيجاب، وعبارتهم : من سكت عن قبول صدقته زماناً، فله قبولها بعدئذ . واستثنى الحنفية من عدم توقف الإبراء على القبول : الإبراء عن بدلي الصرف، وعن رأس مال السلم، فيتوقف فيهما الإبراء على القبول؛ لأن الإبراء يؤدي إلى تفويت القبض المستحق ، وفواته يوجب بطلان العقد، ونقض العقد لا ينفرد به أحد العاقدين ، بل لا بد من قبول الطرف الآخر، فإن قبله برئ، وإن لم يقبله لم يبرأ، وإذا تم الإبراء مع القبول انفسخ عقد الصرف والسلم، لعدم تحقق القبض المشروط لصحة كل منهما . أما الإبراء عن المسلم فيه أو عن ثمن المبيع ، فيجوز من غير قبول ؛ لأن قبض المسلم فيه أو الثمن ليس بشرط ، والإبراء عن دين لا يجب قبضه شرعاً إسقاط لحق المبرئ لا غير، فيملك الإبراء من نفسه فقط(٢). رد الإبراء : ذهب الشافعية في الراجح والحنابلة : إلى أن الإبراء يتم بالإيجاب دون حاجة إلى حاشية القليوبي : ٣٤٠/٢، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص ١٥٢. (١) (٢) البدائع : ٢٠٣/٥ . - ٣٢٩ - قبول، ولا يرتد بالرد من المدين ؛ لأنه إسقاط عند الحنابلة، كإسقاط القصاص والشفعة ، والمقصود منه الإسقاط عند الشافعية، فيصح الإبراء من الدين ولو رده المدين . وذهب الحنفية والمالكية : إلى أن الإبراء يرتد بالرد ، في المجلس أو بعده، ما دام لم يحدث منه قبول صريح قبل رده؛ لأن الإبراء عند المالكية يفتقر إلى القبول، ولأن فيه معنى التمليك. ولمراعاة معنى التمليك عند الحنفية وإن كان إسقاطاً (١)، فنظراً لما فيه من معنى التمليك فإنه يرتد بالرد . والرد المعتبر: هو ما يصدر من المبرأ، أو من وارثه بعد موته. واستثنى الحنفية مسائل أربعة لا يرتد فيها الإبراء بالرد وهي(٢) : ١ و٢ - الإبراء في الحوالة، والكفالة على الراجح؛ لأن الإبراء فيها إسقاط محض، ليس فيه تمليك مال، والإسقاط المحض لا يحتمل الرد، لانعدام الساقط وتلاشيه، فلو أبرأ المحال المحال عليه فرده لا يرتد، ولو أبرأ الدائن الكفيل فرده لا یرتد . ٣ - إذا تقدم من المبرأ على الإبراء طلب بأن قال للمبرئ: أبرئني، فأبرأه، فردّ، لا یرتد . ٤ - إذا سبق للمبرأ أن قبل الإبراء، فإذا رده بعدئذ لا يرتد. أما المجلة العدلية فقد نصت في المادة ١٥٦٨ على ما يلي بالنسبة للقبول والرد أخذاً برأي الحنفية : ((لا يتوقف الإبراء على القبول، ولكن يكون بالرد مردوداً؛ لأنه إذا أبرأ أحد آخر، فلا يشترط قبوله، ولكن إذا رد الإبراء في ذلك المجلس بقوله : لا أقبل ، يكون ذلك (١) العناية بهامش تكملة فتح القدير: ٤٤/٧، الفتاوى الهندية: ٣٦٥/٤، ٣٨٤، الدر المختار ورد المختار: ٥٤٤/٤، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص ١٥٢ ، كشاف القناع: ٢٢٦/٤ ، حاشية الدسوقي : ٩٩/٤ . (٢) رد المحتار على الدر المختار : ٥٤٤/٤ . - ٣٣٠ - الإبراء مردوداً، يعني لا يبقى له حكم، لكن لو رده بعد قبول الإبراء لا يكون الإبراء مردوداً، وأيضاً إذا أبرأ المحال له المحال عليه ، أو صاحبُ الطلب الكفيل، ورد ذلك المحال عليه أو الكفيل، لا يكون الإبراء مردوداً)). المبحث الثالث - شروط الإبراء : هناك شروط في المبرئ، وشروط في المبرأ، وشروط في صيغة الإبراء، وشروط في المبرأ منه ( محل الإبراء). أولاً - شروط المبرئ: يشترط في المبرئ ما يلي(١) : آ - أن يكون من أهل التبرع، أي عاقلاً بالغاً رشيداً غير محجور لسفه أو الدين؛ لأن الإبراء تبرع من الدائن ؛ إذ لا يقابله عوض من المدين . وشرط عدم الحجر لدين عند الحنفية على المفتى به من رأي الصاحبين بجواز الحجر على المدين هو شرط نفاذ ، فإبراء المحجور عليه بسبب الدين صحيح موقوف على إجازة الدائنين ، حفاظاً على حقوقهم . ٣ - أن يكون ذا ولاية على الحق المبرأ منه: بأن يكون مالكاً له، أو موكلاً بالإبراء منه، أو وصياً على الدائن . والإجازة اللاحقة عند من يجيز تصرف الفضولي لها حكم الوكالة السابقة . والعبرة عند الحنفية والحنابلة في ولاية المبرئ بالواقع لا في الظن ، فلو أبرأ عن شيء من مال أبيه ظاناً أنه حي ، فتبين حين الإبراء أنه ميت، صح الإبراء ؛ لأنه إسقاط ولأن الشيء المبرأ منه كان مملوكاً له في الواقع، كبيع مال مورثه الميت مع ظن الحياة . وإذا اعتبر الإبراء تمليكاً كما يرى الشافعية في الأصح، لم يصح هذا الإبراء. الدر المختار: ٥٣١/٤، تكملة ابن عابدين: ٣٢٨/٢، الفتاوى الهندية: ٣٥٥/٤، مرشد الحيران: م ١٨٤، (١) ١٨٥، ١٩٧، ١٩٨، الشرح الكبير: ٩٨/٤، القليوبي وعميرة: ٣٢٦/٢، و١٥٩/٣، ١٦٢، كشاف القناع: ٣٢٩/٤، ٣٣٦، مغني المحتاج: ٢٠٢/٢، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص ١٥٢ . - ٣٣١ - ٣ - الرضا: يشترط الرضا والاختيار من المبرئ، فلا يصح إبراء المكرَه. التوكيل بالإبراء : يصح التوكيل بالإبراء، بشرط وجود إذن خاص به، ولا يكفي له الإذن بعقد ما. ولا يجوز عند الحنفية للوكيل المأذون بالإبراء توكيل غيره . ويكفي عند الشافعية(١) في صحة الوكالة بالإبراء: علم الموكل بقدر الدين، وإن جهله الوكيل والمديون . ولا يصح عندهم بناء على أن الإبراء تمليك توكيل المدين ليبرئ نفسه، كما لو وكله ليبيع من نفسه، وأما بناء على القول الثاني وهو أن الإبراء إسقاط فيصح تو کیل المدین ليبرئ نفسه . الإبراء في مرض الموت : يتفرع عن الشرط الأول ألا يكون المبرئ مريضاً مرض الموت: فإن أبرأ المريض وارثاً، توقف الإبراء على إجازة الورثة، ولو كان الدين أقل من الثلث. وإن أبرأ أجنبياً ، والدين يجاوز ثلث التركة، توقف الإبراء في الزائد عن الثلث على إجازة الورثة؛ لأن الإبراء تبرع له حكم الوصية. وإن أبرأ المريض أحد المدينين ، وكانت التركة مستغرقة بالديون ، لم ينفذ إبراؤه، لتعلق حق الغرماء(٢). ثانياً - شروط المبرأ : يشترط باتفاق الفقهاء على المذهب لدى الحنابلة(٣) في الطرف المبرأ أن يكون معلوماً معيناً، غير مجهول، ولا مبهم، فلو أبرأ أحد غريميه (مدينيه)، فقال لهما : (١) مغني المحتاج: ٢٢٢/٢، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص ١٥٢. الفتاوى الهندية: ٣٨٢/٤، العناية بهامش فتح القدير: ٢٨١/٦، فتح القدير: ٢٣/٧ ، القليوبي وعميرة : (٢) ١٥٩/٣، ١٦٢، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص ١٥٢، المجلة العدلية: م ١٥٧٠، ١٥٧١، الشرح الكبير : ٠٩٨/٤ جامع الفصولين: ١٢٥/١، ط الأزهرية سنة ١٣٠٠ هـ، الخرشي: ٩٩/٦، ط صادر، الأشباه والنظائر (٣) للسيوطي: ص ١٥٢، كشاف القناع: ٣٣٧/٤ . - ٣٣٢ - أبرأت أحدكما، فلا يصح. وكذا لوقال: أبرأت كل مدين لي، أو كل مدين لمورثي، لا يصح كما أن الإقرار ببراءة كل مدين له، لا يصح ، إلا إذا قصد مديناً معيناً أو أناساً محصورين . فإذا قال : أبرأت هؤلاء المدينين لي، صح . وعلل الشافعية عدم صحة الإبراء مع جهالة المدين المبرأ بأن الإبراء فيه معنى التمليك، ولا يصح تمليك المجهول، والإبراء تمليك من المبرئ، إسقاط عن المبرأ عنه، فيشترط علم الأول دون الثاني . وقد نصت المجلة (م ١٥٦٧) على هذا الشرط : يلزم أن يكون المبرأون معلومين ومعينين ، بناء عليه، لو قال أحد : أبرأت كافة مديونيّ ، أو ليس لي عند أحد حق ، لا يصح إبراؤه. وأما لو قال : أبرأت أهالي المحلة الفلانية، وكان أهل تلك المحلة معينين، وعبارة عن أشخاص معدودين ، فيصح الإبراء . ويصح إبراء المبرأ، سواء أكان مقراً بالحق أم منكراً له، بل ولو حلف المنكر؛ لأن الإبراء عند الجمهور غير المالكية ينعقد بمجرد الإيجاب، ولا يفتقر إلى القبول، ولا حاجة فيه إلى تصديق الغريم . ثالثاً - شروط المبرأ منه ( محل الإبراء ): يشترط في المحل المبرأ منه ما يلي (١) : اً - أن يكون عند الشافعية في الجديد معلوماً: فلا يصح الإبراء من المجهول : وهو ما لا تسهل معرفته ، ويكون الإبراء من المجهول جنساً أو قدراً أو صفة باطلاً؛ لأن الإبراء تمليك وهو يتوقف على الرضا، ولا يعقل الرضا مع الجهالة . ولو أبرأه من الدراهم التي عليه، ولا يعلم قدرها ، برئ من ثلاثة ؛ لأنها أقل الجمع على المعتمد . (١) تكملة ابن عابدين: ١٨٢/٢ - ١٨٣، الشرح الكبير مع الدسوقي: ٤١١/٣، مغني المحتاج: ٢٠٢/٢ وما بعدها ، القليوبي: ٣٢٦/٢ وما بعدها ، كشاف القناع: ٣٣٦/٤. - ٣٣٣ - لكنهم قالوا: طريق الإبراء من المجهول : أنه يذكر عدداً يتحقق أنه يزيد على قدر الدين، كمن لا يعلم ، هل له عليه خمسة أو عشرة، فيبرئه من خمسة عشر مثلاً. واستثنوا من بطلان الإبراء من المجهول: الإبراء من إبل الدية فيصح الإبراء منها ، وإن كانت مجهولة الصفة ؛ لأنها معلومة السن والعدد، فيرجع في صفتها إلى غالب إبل البلد . واستثنوا أيضاً: ما لو أبرأه بعد موته، فيصح مع الجهل ؛ لأنه وصية . ولم يشترط الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) هذا الشرط، وأجازوا الإبراء من المجهول قدراً ووصفاً، ولو لم يتعذر علمه؛ لأنه إسقاط حق أو إسقاط محض كالإعتاق والطلاق، فينفذ مع العلم والجهل ، فلو أبرأه من أحد الدينين صح الإبراء، لكن قال الحنابلة : لو كتم المدين الدين عن الدائن خوفاً من أن الدائن لو علم الدين، لم يبرئه، وجهله رب الدين، لم تصح البراءة عنه؛ لأن فيه تغريراً للمبرئ، وقد ميلاد أمكن التحرز عنه . ٣ - ألا يكون المبرأ منه عيناً من الأعيان: لأن العين لا تثبت في الذمة، والإبراء إسقاط، والذي يقبل الإسقاط: ما يشغل الذمم من الحقوق، فيكون الإبراء من الأعيان باطلاً، فلو غصب إنسان كتاباً ، لم يصح الإبراء منه . ويصح الإبراء من الديون، ولو كان الدين من الأعيان كالدية من الإبل مثلاً. ويصح الإبراء من الحقوق، كالإبراء عن حق الدعوى، وإبراء الدائن الكفيل من الكفالة ، والمحال عليه من الحوالة، إذ البراءة فيهما عن حق الكفالة أو الحوالة . ٣ - أن يكون المبرأ منه موجوداً عند الإبراء: فيبطل الإبراء من الحق قبل وجوده، كأن تبرئ شخصاً مما سيقرضه لك، أو مما سيجب له. وبناء عليه لم يجز الحنفية إبراء الزوجة زوجها من نفقة مستقبلة، ولا من نفقة العدة قبل أن يطلقها ؛ لأن الإبراء إسقاط، وما سيوجد ساقط فعلاً، فلا يقبل إسقاطاً . - ٣٣٤ - واستدل الفقهاء لعدم صحة الإبراء من الدين قبل وجوبه، بقوله م له: ((لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك)) (١) والإبراء في معناهما . رابعاً - شروط صيغة الإبراء : يشترط في صيغة الإبراء وذاته أربعة شروط هي ما يلي(٣) : ١ - أن يكون منجزاً غير معلق بشرط ولا مضاف للمستقبل(٣): وهذا شرط عند الجمهور غير المالكية. فالتنجيز شرط كأن يقول الدائن لمدينه: أبرأتك من ديني ؛ لأن في الإبراء معنى التمليك، والتمليكات لا تقبل التعليق . والتعليق على شرط: إن كان على شرط موجود بالفعل، فهو في حكم المنجز. وإن كان على شرط ملائم ، مثل: إن كان لي عليك دين، أو إن مت ، فأنت بريء، فهو جائز اتفاقاً ، بدليل قول أبي اليسر الصحابي لغريمه: «إن وجدتَ قضاء فاقض، وإلا فأنت في حلّ)) ولم ينكر ذلك عليه. ومنه قول الحنفية في الإبراء من الكفالة أو الحوالة : إذا قال الدائن للكفيل : إن وافيتني بالدين غِداً، فأنت بريء من الكفالة، فإن وافاه في الغد برأ منها . وإن علق على الموت، صح في رأي الحنفية والحنابلة؛ لأنه يكون حينئذ في معنى الوصية ، والوصية بالبراءة من الدين جائزة . (١) حديث حسن رواه أبو داود والحاكم بلفظ ((لا طلاق إلا فيما يملك، ولا عتق إلا فيما يملك)) ورواه ابن ماجه عن المسور بلفظ «لا طلاق قبل النكاح، ولا عتاق قبل ملك)) .* (٢) تكملة فتح القدير: ٤١/٧، ٤٤ وما بعدها، الدر المختار: ١٧٦/٤، تكملة ابن عابدين: ٣٣٠/٢، الفتاوى الهندية: ٣٧٨/٤، ٣٨٤، البدائع: ٤٥/٦، ٥٠، ١١٨، الدسوقي: ٣٠٧/٢، و٨٩/٤، ٩٩، ١٠٠ ، فتح العلي المالك: ٢٢٩/١، ٣٢٢، ٣٣٥، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص ١٥٢، المجموع: ١٠٠/١٠، القليوبي : ٢٩٢/٢، ٤٥/٣، ٨٣، ٣١٠، ٣٦٨/٤، كشاف القناع: ٣٠٥/٣، ٣٣٧/٤، المغني: ٤٨٣/٤ وما بعدها، و ٥٦٤/٥ ، مغني المحتاج: ٦٦/٢ . التعليق: ربط وجود الشيء بوجود غيره ، فهو مانع لانعقاد العقد . والتقييد : لا يمنع الانعقاد ، بل هو (٣) لتعديل آثار العقد الأصلية . والإضافة: لتأخير بدء الحكم في زمن مستقبل . - ٣٣٥ _ وإن علق الإبراء على الشرط المتعارف، لم يجز في مذهب الحنفية، وجاز عند بعض الحنفية . أما إن كان التعليق على غير ما ذكر فلا يجوز عند الجمهور، لما في الإبراء من معنى التمليك، والتمليكات لا تقبل التعليق ، والتعليق مشروع في الإسقاطات المحضة . وأجاز المالكية تعليق الإبراء مطلقاً، لما فيه من معنى الإسقاط . وأما التقييد بالشرط : فيجوز تقييد الإبراء بشرط صحيح باتفاق المذاهب الأربعة، ولا يصح التقييد بشرط غير صحيح، فإذا أبرأه على أنه بالخيار، صح الإبراء وبطل الشرط ، وإذا أبرأه عن كل حق له عليه، شمل حق الخيار، لكن بالنسبة لسقوط الخيار، يصح الإبراء ويبطل الشرط ؛ لأن الإبراء دون الهبة في كونه تمليكاً . وأما إضافة الإبراء إلى المستقبل ولو إلى وقت معلوم غير الموت، فلا يصح؛ لأن الأصل في الإبراء هو التنجيز، ولأن الإبراء فيه معنى التمليك، والتمليك لا يحتمل الإضافة للوقت . وأما الإبراء بشرط أداء البعض : آ- فإن صدر مطلقاً عن الشرط : كأن يعترف له بدين في ذمته، فيقول الدائن : قد أبرأتك من نصفه أو ثلثه، فأعطني الباقي، فالإبراء صحيح اتفاقاً؛ لأنه منجز غير معلق ولا مقيد بشرط ، والمبرئ متطوع بإسقاط بعض حقه بطيب من نفسه، وقد صح أن النبي ◌ُ الثّ قال لكعب: ((ضع الشطر من دَيْنك))(١). ب - وإن كان الإبراء فيه معلقاً على أداء الباقي ، لم يجز عند الجمهور، وجاز عند المالكية، كما بينا في حكم التعليق . (١) رواه البخاري ومسلم عن زياد بن أبي حَدْرد . - ٣٣٦ - جـ - وإن كان الإبراء فيه مقيداً بشرط أداء الباقي، مثل أن يقول من له على آخر ألف : أبرأتك عن خمسمائة، بشرط أن تعطيني ما بقي ، جاز عند الحنفية والمالكية والشافعية ؛ لأنه استيفاء البعض ، وإبراء عن الباقي . واشترط الشافعية الجمع بين لفظي الإبراء والصلح، ليكون من أنواع الصلح، لكن لا يحتاج لقبول ، نظراً للفظ الإبراء. ولا يصح الإبراء المقيد بشرط أداء البعض عند الحنابلة؛ لأنه إبراء عن بعض الحق في مقابل بقیته ، فكأنه عاوض بعض حقه ببعض . هذا إذا كان الشرط أداء الباقي، أما إن أبرأه عن البعض بشرط تعجيل الباقي، لم يجز كما أبان الشافعية؛ لأنه يشبه ربا الجاهلية. فإن عجل المدين وفاء بعض الدين بغير شرط ، فأخذه منه الدائن ، وأبرأه مما بقي ، فإنه يصح . ٣ - ألا يتنافى مع الشرع: كالإبراء من شرط التقابض في الصرف، والإبراء من حق السكنى في بيت العدة، والإبراء من حق الولاية على الصغير، فلا يصح؛ لأن كل ما يؤدي إلى تغيير المشروع باطل ، ولا يستطيع أحد تغيير حكم الله تعالى . ويشترط أيضاً ألا يؤدي الإبراء إلى ضياع حق الغير، كالإبراء الصادر من الأم. المطلقة عن حق الحضانة ، لأنه حق للصغير وللحاضنة . ٣ - أن يكون للمبرئ ملك سابق في الحق المبرأ منه: لأنه لا يصح تصرف الإنسان في ملك غيره دون إنابة منه، أو فضالة عنه عند من يصحح تصرف الفضولي. وهذا شرط متفق عليه ؛ لأن تصرف الفضولي جائز عند القائلين به في حالة الظهور بمظهر المالك، وإلا كان من بيع ما لا يملك، وهو منهي عنه . أما الإبراء بعد سقوط الحق أو وفائه : أي بعد قضاء الدين، فهو صحيح عند الحنفية؛ لأن الساقط بقضائه هو المطالبة ، لا أصل الدين ، فتسقط مطالبة كل من طرفي الدين للآخر، لانشغال ذمة كل منهما بدين الآخر، وأما الدينان فيتساقطان - ٣٣٧ - الفقه الإسلامي جـ٥ (٢٢) بطريق المقاصة ؛ لأن الديون تقضى بأمثالها . فإذا أبرأ الدائن المدين بعد وفاء الدين، كان للمدين الرجوع بما أداه، إذا أبرأه براءة إسقاط، أما إذا أبرأه براءة استيفاء فلا رجوع. ويعرف نوع البراءة عند الإطلاق بالعرف. وعليه لو تبرع إنسان بقضاء دين لآخر، ثم أبرأ الدائن المدين على وجه الإسقاط ، فللمتبرع أن يرجع على المبرئ بما تبرع به . هذا رأي الحنفية، ووافقهم الحنابلة فيه (١) . ٤ - أن يقع الإبراء بعد وجوب الحق المبرأ منه أو وجود سببه: لأن الإبراء إسقاط ما في الذمة، ويكون بعد انشغالها . وقد اتفق الفقهاء على عدم صحة الإبراء قبل وجود السبب، إذ لا معنى لإسقاط ما هو ساقط فعلاً، ويكون الإبراء مجرد وعد ، وهو غير ملزم . أما بعد وجود السبب ففيه خلاف : أما الجمهور غير الماليكة فاشترطوا كون الإبراء من الدين بعد وجود السبب، فلا يصح الإبراء قبله، للحديث المتقدم: ((لا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك)) والإبراء في معناهما . والأمثلة عند الحنفية : الإبراء عن نفقة الزوجية قبل القضاء بتقديرها ، والإبراء عن ثمن ما تشتريه مني غداً، فلا يصح الإبراء في الحالتين ، لأنه قبل وجود السبب . ومثل الشافعية بإبراء المفوّضة (٢) عن مهرها قبل التقدير والدخول، والإبراء عن المتعة قبل الطلاق، لعدم الوجوب. واستثنوا صورة يصح فيها الإبراء قبل الوجوب: وهي ما لو حفر بئراً في ملك غيره بلا إذن، وأبرأه المالك من ذلك التصرف أو رضي ببقاء البئر، فإن حافرها يبرأ مما يقع فيها. ولو أبرأ المشتري البائع عن ضمان المبيع إذا تلف قبل القبض ، لم يبرأ في الأظهر؛ لأنه أبرأ عما لم يجب . (١) القواعد لابن رجب : ص ١٢٠ . المرأة المفوضة : هي التي مات عنها زوجها قبل أن يدخل بها ولم يكن لها صداق مفروض . (٢) - ٣٣٨ - أما المالكية فاختلفوا على قولين في صحة الإبراء قبل وجود السبب، وهو التصرف الذي ينشأ به الحق المبرأ منه، مثل إسقاط المرأة عن زوجها نفقة المستقبل، والقول الراجح أنه يلزمها ذلك أي يصح ابراؤها . ومثل : إسقاط الشفيع شفعته قبل الشراء، في لزومه قولان . ومثل: عفو المجروح عما يؤول إليه الجرح، وكإجازة الوارث الوصية للوارث أو بأكثر من الثلث للأجنبي في مرض الموصي ، ونحوهما، فيه قولان . المبحث الرابع - محل الإبراء : محل الإبراء: إما الأعيان وإما الديون، وإما الحقوق(١): أما الإبراء عن الأعيان : فقد يكون عن دعوى العين أو عن العين نفسها . أما الإبراء عن دعوى العين فيشمله الكلام الآتي عن الإبراء عن الحقوق . وهو صحيح بالاتفاق ؛ لأنه إسقاط لحق . وأما الإبراء عن العين نفسها بمعنى إسقاط ملكية الأعيان فهو غير صحيح اتفاقاً؛ لأن الأعيان - كما بينا في شروط محل الإبراء - لا تقبل الإسقاط، فلا يترتب على الإبراء عنها بذاتها أي أثر، فلا يتملكها المبرأ، بل تظل في يد واضع اليد عليها مملوكة له، فالإِبراء عن الأعيان بمعنى تمليكها لمن هي في يده لا يصح، ويحق لمن ظفر بها أن يأخذها . وإذا أطلق هذا التعبير أي البراءة عن العين كان المراد منه عند الحنفية والشافعية والحنابلة سقوط حق الادعاء بها بعد الإبراء. وفي بعض كتب الحنفية : یبقی له حق الادعاء بها . (١) تكملة ابن عابدين: ١٨٢/٢ وما بعدها، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: ٤٩٥/٤، الدسوقي : ٤١١/٣، القليوبي وعميرة : ٣٢٧/٢، القواعد لابن رجب : ص ١١٩ وما بعدها . - ٣٣٩ - وعند المالكية: يراد بها سقوط الطلب بقيمة العين إذا فوتها المبرأ، وسقوط الطلب برفع اليد عنها إن كانت قائمة . وهناك أثر آخر عند الحنفية للإبراء عن العين نفسها إذا كانت مضمونة كالدار المغصوبة: وهو سقوط ضمانها ، سواء أكانت قائمة أم هالكة، فتصير العين بعد الإبراء عنها أمانة كالوديعة في يد الغاصب. فإذا كانت العين قائمة كان الإبراء عنها إبراء عن ضمانها لو هلكت، فتصبح كالأمانة لا تضمن إلا بالتعدي عليها. وإذا كانت العين هالكة، كان الإبراء عنها إبراء عن قيمتها . وأما الإبراء عن أعيان هي أمانة فلا محل له، ولا وجه للإبراء عنها ، إذ لم تلحقه عهدتها ، فلا يجوز للقاضي أن يسمع دعواه بها بعد البراءة، فتصح البراءة قضاء، لكن لا تعتبر ديانة بمعنى أنه إذا ظفر بها صاحبها أخذها . وأما الإبراء عن الديون الثابتة في الذمم : فهو صحيح بالاتفاق ؛ لأن مدار الإبراء هو إسقاط ما في الذمم. وأما الإبراء عن الحقوق : آ - فإن كان عن الحقوق الخالصة للعبد كالكفالة والحوالة فهو صحيح اتفاقاً . ب - وإن كان عن الحقوق الخالصة لله عز وجل كحد الزنا، وحد القذف وحد السرقة بعد الرفع للحاكم عند الحنفية والمالكية ، فلا يصح الإبراء عنها . جـ - وإن كان عن الحقوق التي يغلب فيها حق العبد كالتعزير والقصاص والدية وحق القسم بين الزوجات وحق الانتفاع وحق الفسخ بخيار العيب وغرامة تلف المال، ونحوها من الحقوق الشخصية التي تثبت في الذمم ، فيصح الإبراء عنه . ويجوز الإبراء عن دين المدين بعد وفاته بالاتفاق ، وهل يرتد بالرد من الوارث ؟ فيه خلاف عند الحنفية . - ٣٤٠ -