Indexed OCR Text
Pages 141-160
ثانيهما - الحرية : وهذا شرط نفاذ للتصرف، فلا يجوز كفالة العبد ؛ لأنها تبرع، والعبد لا يملك التبرع بدون إذن سيده، ولكن الكفالة تنعقد، حتى إن العبد يطالب بموجبها بعد عتقه . شروط الأصيل: يشترط في الأصيل شرطان أيضاً(١): أولهما - أن يكون قادراً على تسليم المكفول به إما بنفسه أو بنائبه. وهذا الشرط خاص عند أبي حنيفة ، فلا تصح الكفالة عنده بالدين عن ميت مفلس مات ولم يترك وفاء لدينه؛ لأنه دين ساقط، فلم يصح ضمانه، كما لو سقط بالإبراء، ولأن ذمة الميت قد زالت بالموت ، فلم يبق فيها دين ، والضمان : ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة به . وقال الصاحبان وجمهور الفقهاء(٢): يصح ضمان الدين عن الميت المفلس بدليل حديث أبي قتادة السابق ذكره ، فإنه ضمن دين ميت لم يترك شيئاً لوفاء دينه . والنبي مُ لّ حض الصحابة على ضمان دين الميت في حديث أبي قتادة بقوله: ((ألا قام أحدكم فضمنه ؟ )» ولأن دین الميت دين ثابت، فصح ضمانه كما لو خلف وفاء لدينه. والدليل على ثبوت هذا الدين : أنه لو تبرع رجل بقضائه، جاز لصاحب الدين اقتضاؤه، وكذا لو ضمنه حياً، ثم مات لم تبرأ ذمة الضامن، مما يدل على أنه لم تبرأ ذمة المضمون عنه . ثانيهما - أن يكون الأصيل معروفاً عند الكفيل : فإذا قال الكفيل : كفلت ما على أحد من الناس، لا تصح الكفالة؛ لأن الناس لم يتعارفوا ذلك، ولأن اشتراط هذا الشرط إنما هو لأجل معرفة المكفول عنه: هل هو موسر أو ممن يبادر إلى قضاء دينه أو يستحق اصطناع المعروف أم لا . ولا يشترط حضرة الأصيل ، فتجوز البدائع، المرجع السابق: ص ٦، الدر المختار: ٢٦٢/٤، ٢٧٨، فتح القدير: ٤١٩/٥. (١) (٢) بداية المجتهد: ٢٩٤/٢، الشرح الكبير للدردير: ٣٣١/٣، المهذب: ٢٣٩/١، المغني: ٤ / ٥٣٧. - ١٤١ - الكفالة عن غائب أو محبوس ؛ لأن الحاجة إلى الكفالة في الغالب تظهر في مثل هذه الأحوال(١). وقال الشافعية : الأصح أنه لا يشترط معرفة المكفول عنه قياساً على رضاه، فإنه ليس بشرط ، وأما اصطناع المعروف فهو معروف، سواء أكان لأهله أم لغير أهله(٢). شروط المكفول له: يشترط في المكفول له وهو الدائن شروط (٣) وهي: أولاً - أن يكون معلوماً: فلو كفل إنسان لأحد من الناس ، فلا تجوز الكفالة ، لأنه إذا كان المكفول له مجهولاً لا يتحقق المقصود من الكفالة وهو التوثق . ويوافق الشافعية على هذا الشرط في الأصح عندهم ؛ لأن مستحقي الدين يتفاوتون عادة في استيفاء الدين تشديداً وتسهيلاً(٤). وأجاز المالكية والحنابلة الضمان مع جهالة المكفول له، نحو: أنا ضامن زيداً بالدين الذي عليه للناس . ويستدلون بقوله تعالى: ﴿قالوا: نفقد صُواع الملك، ولمن جاء به حمل بعير، وأنا به زعيم ) لأن المنادي لم يكن مالكاً، وإنما كان نائباً عن يوسف عليه السلام ، فشرط حمل البعير على يوسف لمن جاء بالصواع، وتحمل هو به عن يوسف(٥) . ثانياً - أن يكون المكفول له حاضراً في مجلس العقد: وهذا شرط انعقاد عند أبي حنيفة ومحمد إذا لم يكن هناك نائب عن المكفول له يقبل الكفالة في المجلس . فلو كفل إنسان الغائب عن المجلس ، فبلغه الخبر، فأجاز لا تجوز الكفالة عندهما إذا لم بداية المجتهد: ٢٩٤/٢، البدائع: ٦/٦، مغني المحتاج: ٢٠٤/٣. (١) (٢) مغني المحتاج: ٢٠٠/٢. راجع البدائع: ٦/٦ وما بعدها، فتح القدير: ٤١٧/٥، المبسوط: ٩/٢٠، الدر المختار: ٤ /٢٨٠ . (٣) (٤) مغني المحتاج، المرجع السابق . أحكام القرآن لابن العربي: ١٠٨٥/٣، المغني: ٥٣٥/٥ وما بعدها . (٥) - ١٤٢ - يقبل عنه حاضر في المجلس . دليلهما : أن في الكفالة معنى التمليك ، والتمليك لا يحصل إلا بالإيجاب والقبول ، فلا بد من توافره لإتمام صيغة العقد . وأما أبو يوسف فعنه روايتان ، والقول المتأخر عنه أن الكفالة عن الغائب تجوز؛ لأن معنى الكفالة وهو الضم والالتزام يتم بإيجاب الكفيل، فكان إيجابه صالحاً وحده لإتمام العقد . ثالثاً - أن يكون المكفول له عاقلاً: وهذا متفرع على مذهب أبي حنيفة ومحمد في اشتراط الشرط السابق ، فلا يصح قبول المجنون والصبي غير المميز، لأنها ليسا أهلاً لصدور القبول عنهما باعتباره ركناً في العقد . شروط المكفول به : يشترط في المكفول به شروط ثلاثة(١): أولاً - أن يكون المكفول به مضموناً على الأصيل، سواء أكان ديناً أم عيناً أم نفساً أم فعلاً عند الحنفية بشرط أن تكون العين مضمونة بنفسها (٢) كالمغضوب والمقبوض بالبيع الفاسد، والمقبوض على سوم الشراء. أما العين التي هي أمانة سواء أكانت غير واجبة التسليم كالودائع ومال الشركات، أم واجبة التسليم كالعارية والمستأجر في يد الأجير أو المضونة بغيرها، كالمبيع قبل القبض ، والرهن ، فلا تصح الكفالة بها ؛ لأن العين التي هي أمانة ليست بمضمونة ، ولأن المضون بغيره ليس بمضمون بنفسه. فإذا هلك المبيع قبل القبض لا يجب على البائع شيء، ولكن يسقط الثمن عن المشتري، وإذا هلك الرهن لا يجب على المرتهن شيء ولكن يسقط الدين عن الراهن بقدره . البدائع: ٧/٦ وما بعدها، فتح القدير: ٤٠٢/٥ وما بعدها، رد المحتار: ٢٦٤/٤، ٢٨١، مجمع الضمانات: (١) ص ٢٧١ . العين نوعان: أمانة ومضمونة. فالأمانة كالودائع ومال الشركات والمضاربات والعارية والمستأجر في يد الأجير، (٢) والمضمونة إما بنفسها كالمغصوب ونحوه، أو بغيرها كالمبيع قبل القبض، فإنه مضمون بالثمن والرهن فإنه مضمون بالدين . - ١٤٣ - والمراد بالفعل المكفول به : هو فعل التسليم مثل الكفالة بتسليم المبيع والرهن ، وتصح الكفالة بالفعل ؛ لأن التسليم مضمون على الملتزم به، فالمبيع مضمون التسليم على البائع، والرهن مضمون التسليم على المرتهن في الجملة بعد قضاء الدين . الكفالة بالنفس : وعلى هذا تصح الكفالة بنفس من عليه الحق لأن الكفالة بالنفس(١) كفالة بالفعل: وهو تسليم النفس، وفعل التسليم مضمون على الأصيل ، فجازت الكفالة به . وقد أجاز الكفالة بالنفس إذا كانت بسبب المال جمهور الفقهاء ومنهم أئمة المذاهب الأربعة، لقوله تعالى: ﴿قال: لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله لتأتُنني به إلا أن يحاط بكم ﴾ ولقوله عليه الصلاة والسلام ((الزعيم غارم)) وهذا يشمل الكفالة بنوعيها ، ولأن ما وجب تسليمه بعقد، وجب تسليمه بعقد الكفالة كالمال ، ولأن الكفيل يقدر على تسليم الأصيل بأن يعلم من يطلبه مكانه ، فيخلي بينه وبينه، أو يستعين بأعوان القاضي في التسليم. وأما قول الشافعي: ((كفالة البدن ضعيفة)) فإنه أراد أنها ضعيفة من جهة القياس ؛ لأن الشخص الحر لا يدخل تحت اليد، ولا يقدر على تسليمه(٢). هذا هو تحقيق مذهب الشافعي بخلاف ما تذكره كتب الحنفية . إلا أن الشافعية قالوا : المذهب صحة الكفالة بالنفس أو البدن لمن عليه مال أو لمن عليه عقوبة لادمي كقصاص وحد قذف، والمذهب منعها في حدود الله تعالى كحد الخمر والزنا والسرقة؛ لأنه يسعى في دفعها ما أمكن . وقال الحنابلة: لا تصح الكفالة ببدن من عليه حد، سواء أكان حقاً لله تعالى، كحد الزنا والسرقة، أم لاّدمي كحد القذف والقصاص. الكفالة بالنفس أو بالبدن وتسمى كفالة الوجه: هي التزام إحضار المكفول إلى المكفول له، للحاجة إليها . (١) (٢) راجع الشرح الكبير: ٣٤٤/٣، بداية المجتهد: ٢٩١/٢، مغني المحتاج: ٢٠٣/٢، المهذب: ٣٤٢/١، المغني : ٥٥٦/٤، المبسوط: ١٦٢/١٩، البدائع: ٨/٦، فتح القدير: ٣٩١/٥. الكتاب مع اللباب: ١٥٣/٢، كشاف القناع: ٣٦٢/٣. - ١٤٤ _ ومن أحكام الكفالة بالنفس أنه إذا شرط الأصيل في الكفالة تسليم المكفول به في وقت بعينه ، لزم الكفيل إحضار المكفول به إذا طالبه به في الوقت ، وفاء بما التزمه كالدين المؤجل إذا حل، فإن أحضره، فبها، وإن لم يحضره، حبسه الحاكم لامتناعه عن إيفاء حق مستحق عليه . وإن أحضره وسلمه في مكان يقدر المكفول له على محاكمته كالمصر، برئ من الكفالة ، لأنه أتى بما التزمه. وإذا تكفل به على أن يسلمه في مجلس القاضي ، فسلمه في السوق برئ أيضاً؛ لأن المقصود هو إمكان الخصومة وإثبات الحق، وهذا حاصل متى سلمه في السوق لتعاون الناس معه على إحضاره إلى القاضي. ثانياً - أن يكون المكفول به مقدور الاستيفاء على الكفيل ليكون العقد مفيداً، وذلك في الأموال عند جمهور العلماء . وعليه لا تجوز الكفالة بالحدود والقصاص لتعذر الاستيفاء من الكفيل (أي لأن النيابة لا تجري في العقوبات)، فلا تفيد الكفالة فائدتها . هذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة(١). ودليلهم ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: ((لا كفالة في حد))(٢) ولأن الكفالة استيثاق، والحدود مبناها على الدرء والإسقاط بالشبهات ، فلا يلائمها الاستيثاق، ولأن الحق لا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر عليه إحضار المكفول به . S ويلاحظ أن عدم جواز الكفالة بالحدود والقصاص معناه عند الحنفية : عدم جواز الإجبار على إعطاء الكفالة ، فإن سمحت نفس المدعى عليه وتبرع بإعطاء الكفالة في حالة القصاص والحد الذي فيه حق للعبد وهو حد القذف وحد السرقة ، - (١) البدائع، المرجع السابق، الشرح الكبير: ٣٤٦/٣، بداية المجتهد: ٢٩٣/٢، المغني: ٤ /٥٥٧، فتح القدير: ٣٩٩/٥، مجمع الضمانات: ص ٢٧٢، الكتاب مع اللباب: ١٥٧/٢ وما بعدها . رواه البيهقي يإسناد ضعيف، وقال: إنه منكر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ورواه ابن عدي في (٢) الكامل، وأعله أيضاً برواية أبي عمر الكلاعي بأن أحاديثه منكرة (راجع سبل السلام: ٦٣/٣، نصب الراية: ٤ /٥٩). الفقه الإسلامي جـ ٥ (١٠) - ١٤٥ - جازت الكفالة بالنفس ؛ لأنها كفالة بمضمون على الأصيل مقدور الاستيفاء من الكفيل ، فتصح كالكفالة بتسليم نفس من عليه الدين . فإن لم يتبرع المدعى عليه وهو الذي توجه عليه الحد أو القصاص ، فلا يجبر عند أبي حنيفة على تقديم كفيل بنفسه بإحضاره في مجلس القضاء لإثبات دعوى المدعى عليه ؛ لأن الكفالة لا تتلاءم مع الحدود كما عرفنا، وحينئذ يحبسه القاضي حتى تقام عليه البينة أو يستوفى الحد. وقال الصاحبان : يجبر على تقديم كفيل بنفسه في القصاص وفي حد القذف ؛ لأن فيها حق العبد . والخلاصة : أنه لا تجوز الكفالة بنفس الحد أو القصاص بدون نفس من عليه الحد، إذ الحد عقوبة لا تجري فيها النيابة ، أما لو كفل بنفس من عليه الحد فتصح الكفالة . وقال الشافعية : المذهب أنه لا تجوز كفالة النفس (أو البدن) في الحدود الخالصة لله تعالى كحد الخمر والزنا والسرقة ، لأنه يسعى في دفعها ما أمكن . وتجوز كفالة تسليم النفس في الحدود الخالصة للآدمي كقصاص وحد قذف وتعزير؛ لأنها حق لاّدمي ، فصحت الكفالة، كسائر حقوق الآدميين المالية(١). ويتفرع على هذا الشرط عند الحنفية : أنه تصح الكفالة بالتزام حمولة شيء في ذمة متعهد النقل بوسيلة نقل غير معينة بذاتها كأي سيارة أو دابة لأن المستحق حينئذ مقدور للكفيل. لكن لا تصح الكفالة بالتزام نقل حمل من مكان إلى آخر على سيارة أو دابة معينة بذاتها دون غيرها ؛ لأن الكفيل قد يعجز عن الحمولة بتلف وسيلة النقل المخصصة . (١) مغني المحتاج: ٢٠٣/٢ وما بعدها، المهذب: ١ /٣٤٣. - ١٤٦ - ثالثاً - أن يكون الدين لازماً صحيحاً: وهو مالا يسقط إلا بالأداء أو بالإبراء. وهذا الشرط خاص بالكفالة بالمال . ويترتب عليه أنه لا تصح الكفالة ببدل الكتابة، لأنه ليس بدين لازم، أو أنه دين ضعيف ؛ لأن للمكاتب إسقاط المكاتب بالفسخ ، فلا معنى للتوثق عليه ، ولا تصح أيضاً الكفالة بما ليس بدين كنفقة الزوجة قبل القضاء بها أو التراضي عليها ؛ لأنها لا تصير ديناً إلا بالقضاء أو الرضا(١). قال البغدادي : لو كفل بالنفقة المقررة الماضية صحت الكفالة مع أنها تسقط بدون الأداء أو الإبراء، بموت الكفيل أو المكفول له. وكذا لو كفل بنفقة شهر مستقبل ، وقد قررلها في كل شهر كذا ، أو بيوم يأتي وقد قررلها في كل يوم ، فإنها . (٢) صحيحة(٢). ولا يشترط في الكفالة بالمال عند جمهور الفقهاء(٢) أن يكون الدين معلوم القدر والصفة والعين ، فتصح الكفالة بالمعلوم كقوله : تكفلت عنه بألف، أو بالمجهول كقوله: تكفلت عنه بما لك عليه، أو بما يدركك في هذا البيع من الضمان؛ لأن الكفالة مبينة على التوسع ، فيحتمل فيها الجهالة ، وقد أجمع الفقهاء على صحة ضمان الدَّرَك (٤): وهو أن يضمن شخص للمشتري الثمن إن خرج المبيع مستحقاً أو معيباً أو الدر المختار مع رد المحتار: ٢٦٢/٤، ٢٧٤، الشرح الكبير: ٣٣٣/٣، المهذب: ١ /٣٤٠، مغني المحتاج: ٢٠١/٢. (١) مجمع الضمانات: ص ٢٦٩ . (٢) البدائع: ٩/٦، فتح القدير: ٤٠٢/٥ وما بعدها، بداية المجتهد: ٢٩٤/٢، المغنى: ٤ /٥٣٦، ٥٣٩، ٥٥٧، (٣) المبسوط: ٢٠/ ٥٠، الدر المختار: ٢٧٤/٤، مجمع الضمانات، المرجع السابق. بفتح الراء وسكونها، وهو التبعة أي المطالبة والمؤاخذة، وإن لم يكن له حق ثابت، لأن الحاجة قد تدعو إلى (٤) معاملة الغريب ويخاف أن يخرج ما يبيعه مستحقاً ولا يظفر به، فاحتيج إلى التوثق به. ويسمى أيضاً ضمان العهدة لالتزام الضامن ما في عهدة البائع رده. والعهدة في الحقيقة عبارة عن الصك المكتوب فيه الثمن، ولكن الفقهاء يستعملونه في الثمن مجازاً (انظر مغني المحتاج، المرجع الآتي) وإذاً فالكفالة بالدرك (بفتحتين): هي الكفالة بما يدرك المال المبيع ويلحق به من خطر بسبب سابق على البيع (المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف ٢٧١) قال بعض الحنفية: الكفالة بالدرك جائزة وهو التزام تسليم الثمن عند استحقاق المبيع، ولا يلزمه حتى يقضى بالاستحقاق على البائع أو على المشتري (مجمع الضمانات: ص ٢٧٥). - ١٤٧ _ ناقصاً إما لرداءته أو لنقص صنجات الوزن التي وزن بها . وصحح الحنفية الكفالة فيما لو قال إنسان لغيره : اسلك هذا الطريق فإن أخذ مالك فأنا ضامن ، فأخذ ماله، صح الضمان، والمضمون عنه مجهول، وكذا لوقال : لو غصب مالك فلان أو واحد من هؤلاء القوم فأنا ضامن ، صح الضمان(١). ومذهب الشافعي الجديد : أنه ينبغي أن يكون الدين المضمون به معلوماً جنساً وقدراً وصفةً وعيناً؛ لأن الضمان إثبات مال في الذمة لادمي بعقد ، فلم يجز مع الجهالة ، كالثمن في البيع ، فلا يصح المجهول ولا غير المعين كأحد الدينين. وأما ضمان الدَّرَك فهو جائز عندهم لحاجة الناس إليه (٢). المبحث الثالث - أحكام الكفالة : للكفالة حكمان(٣) : أحدهما - ثبوت ولاية مطالبة الكفيل بما على الأصيل . والمطالب به يختلف بحسب محل الكفالة. فإن كانت الكفالة بالدين، فيطالب الكفيل بما على الأصيل بالدين كله إن كان واحداً. فإن كان هناك كفيلان والدين ألف مثلاً، فيطالب كل واحد منهما بخمسمائة إذا لم يكفل كل واحد منهما عن صاحبه، لأنهما استويا في الكفالة ، والمكفول به يحتمل الانقسام، فينقسم عليهما في حق المطالبة . ولو أدى أحدهما لا يرجع على صاحبه؛ لأنه يؤدي عن نفسه، لا عن صاحبه، لكن يرجع على الأصیل بما أدى . (١) مجمع الضمانات : ص ٢٧٠ . نهاية المحتاج: ٤٠٣/٣، مغني المحتاج: ٢٠١/٢، المهذب: ١ /٣٤٠ وما بعدها . (٢) البدائع: ١٠/٦ وما بعدها، فتح القدير: ٣٩١/٥، ٤٠٣، المبسوط ١٦٢/١٩، الدر المختار: ٢٦٢/٤، القوانين (٣) الفقهية : ص ٣٢٥. - ١٤٨ - وإن كانت الكفالة بالنفس: فيطالب الكفيل بإحضار المكفول بنفسه إن لم يكن غائباً. وإن كان غائباً يؤخر الكفيل إلى مدة يمكنه إحضاره فيها ، فإن لم يحضر في المدة ولم يظهر عجزه، للقاضي حبسه إلى أن يظهر عجزه له. فإذا ظهر للقاضي أنه لا يقدر على الإحضار بدلالة الحال، أو بشهادة الشهود أو غيرها ، أطلقه من الحبس وأنظره إلى حال القدرة على إحضاره، لأنه بمنزلة المفلس بالنسبة للدين . وإذا أخرجه القاضي فإن الدائنين الغرماء يلازمونه، ولا يحول القاضي بينه وبين الغرماء، ولكن ليس للغرماء أن يمنعوه من أشغاله أو من الكسب وغيره. هذا مذهب الحنفية . وقال الشافعية: يلزم الكفيل بإحضار المكفول إن علم مكانه، فإن جهل مكانه لم يلزم بإحضاره، وإذا لزم بالإحضار يمهل مدة الذهاب والإياب، فإن مضت تلك المدة ولم يحضره حبس إلى أن يتعذر إحضار المكفول بموت أو جهل بموضعه أو إقامة (١) عند شخص يمنعه من إمكان الوصول إليه وإن كانت الكفالة بالعين ، فيطالب الكفيل بتسليم العين إن كانت قائمة وبمثلها أوقيمتها إن كانت هالكة . هل يبرأ الأصيل من الدين ؟ يلاحظ أنه لا يترتب على الكفالة عند جمهور الفقهاء براءة الأصيل(٢)، فيكون الدائن بالخيار بين أن يطالب الأصيل أو يطالب الكفيل إلا إذا كانت الكفالة بشرط براءة الأصيل ؛ لأنها حوالة معنى(٣). مغني المحتاج: ٢/ ٢٠٥ . (١) البدائع، المرجع السابق، مغني المحتاج: ٢٠٨/٢، بداية المجتهد: ٢٩٢/٢، المغني: ٥٤٦/٤، ٥٤٧، فتح القدير: ٣٩٠/٥. (٢) المبسوط : ٤٦/٢٠ . (٣) - ١٤٩ _ ولم يجز الشافعية في الأصح عندهم الكفالة بشرط براءة الأصيل ؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الضمان . وقال الإمام مالك في أحد قوليه : ليس للدائن أن يطالب الكفيل إلا إذا تعذر مطالبة المكفول عنه ؛ لأن الضمان وثيقة، فلا يستوفى الحق منها إلا عند تعذر استيفائه من الأصيل کالرهن . وقال ابن أبي ليلى وابن شُبْرمة وأبو ثور وابن سيرين والظاهرية والإمامية : إن الكفالة توجب براءة الأصيل ، وينتقل الحق إلى ذمة الكفيل ، فلا يملك الدائن مطالبة الأصيل أصلاً كما في الحوالة، واحتجوا بقصة ضمان أبي قتادة رضي الله عنه الدينارين عن ميت، فإن الرسول ◌ُ لّ قال له: «جزاك الله خيراً وفك رهانك كما فككت رهان أخيك)»(١) فدل هذا على أن المضمون عنه برئ من الضمان . والصحيح هو قول الجمهور؛ لأن الكفالة معناها ضم ذمة إلى ذمة في حق المطالبة أو في حق أصل الدين على الخلاف السابق، والبراءة تنافي الضم، ولأنَّ الكفالة لو كانت مبرئة ، لكانت حوالة، وهما متغايران؛ لأن تغاير الأسامي دليل تغاير المعاني في الأصل. واستدلوا من السنة بقوله مع اليه: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه))(٢). وقوله في قصة أبي قتادة: ((الآن بردت جلدته))(٣) حين أخبره أنه قضى دينه. وأما صلاة النبي ◌ُ ◌ّ على المضمون عنه، فلأنه بالضمان صار له وفاء، وإنما ذكرنا سابقاً أن رواية علي ضعيفة كما قال ابن حجر، والأصح منها رواية القصة عن أبي قتادة. (١) (٢) رواه أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة. وفي معناه روى الطبراني في الأوسط عن البراء بن عازب عن رسول الله ◌ُ ◌ّم قال: ((صاحب الدين مأسور بدينه يشكو إلى الله الوحدة)) وفيه مبارك بن فضالة وثقه عفان وابن حبان وضعفه جماعة ( راجع الجامع الصغير: ١٨٨/٢، مجمع الزوائد: ١٢٩/٤). هذا ثابت في رواية جابر بن عبد الله عند أحمد والدارقطني والحاكم بلفظ ((الآن بردت عليه جلده)) وفي (٣) رواية: «قبره)) ( راجع التلخيص الحبير: ص ٢٥١، نيل الأوطار: ٢٣٩/٥). - ١٥٠ - ---- ---- امتنع عن الصلاة على مدين لم يخلف وفاء. وأما قوله: ((فك الله رهانك إلخ)) فإنه كان بحال لا يصلي عليه النبي ◌ُ ◌ٍّ، فلما ضمن عنه فكه عن ذلك أو عما في معناه(١). وهناك فرق بين وضع الكفالة ووضع الغاصب وغاصب الغاصب، فإن للمالك المغصوب منه أن يضمن أيهما شاء، وإذا اختار تضمين أحدهما لا يملك اختيار تضمين الآخر. ووجه الفرق : أن المالك المغصوب منه إذا اختار تضمين الغاصب أو غاصب الغاصب أي إن قضى القاضي عليه فاختياره يتضمن التمليك منه للمضمون ، فيبرأ الآخر بالضرورة، بخلاف المطالبة بمقتضى الكفالة، فإنها لا تقتضي التمليك للمضمون ؛ لأن مقتضى الكفالة هو الضم ، ولا يحصل التمليك فيها، حتى ولو قضى القاضي ما لم توجد حقيقة الاستيفاء . الحكم الثاني للكفالة : هو ثبوت ولاية مطالبة الكفيل الأصيل إذا كانت الكفالة بأمره في جميع أنواع الكفالات ، فإذا كانت الكفالة بدين مثلاً يطالب الكفيل المكفول عنه بالخلاص إذا طولب، وإن حبس فله أن يحبس المكفول عنه؛ لأنه هو الذي أوقعه في هذه المسؤولية ، فكان عليه تخليصه منها . أما إذا كانت الكفالة بغير أمر الأصيل فليس للكفيل حق ملازمة الأصيل إذا لوزم ، ولا حق الحبس إذا حبس . وليس للكفيل أن يطالب بالمال قبل أن يؤدي هو، وإن كانت الكفالة بأمر الأصيل ؛ لأن ولاية المطالبة إنما تثبت بحكم القرض والتمليك، وكل ذلك يقف على الأدلة ولم يوجد، وهذا بخلاف الوكيل بالشراء، فإن له مطالبة الموكل بالثمن بعد الشراء قبل أن يؤدي هو من مال نفسه؛ لأن الثمن هنا يقابل المبيع ، وملك المبيع وقع للموكل ، فكان الثمن عليه، فيكون للوكيل الحق في أن يطالبه به . وأما في الكفالة فإن حق المطالبة هو بسبب القرض أو التمليك ، ولم يوجد بعد . (١) فتح القدير: ٣٩٠/٥ والمراجع السابقة. - ١٥١ _ فإذا أدى الكفيل كان له أن يرجع على الأصيل إذا كانت الكفالة بأمره ؛ لأن العلاقة بينهما تكون حينئذ علاقة قرض واستقراض، فالأصيل مستقرض والكفيل بأداء المال مقرض، والمقرض يرجع على المستقرض بما أقرضه . المبحث الرابع - انتهاء الكفالة : نستعرض هنا طرق انتهاء الكفالة بإيجاز بحسب كل نوع من أنواعها . فإذا كانت الكفالة بالمال فهي تنتهي بأحد أمرين(١): أولهما - أداء المال إلى الدائن أوما هو في معنى الأداء، سواء أكان الأداء من الكفيل أم من الأصيل؛ لأن حق المطالبة بالدين طريق إلى الأداء، فإذا وجد فقد حصل المقصود من الكفالة، فينتهي حكم العقد . وتنتهي الكفالة إذا وهب الدائن المال إلى الكفيل أو إلى الأصيل؛ لأن الهبة بمنزلة الأداء . ومثل الهبة التصدق بالدين على الكفيل أو على الأصيل. ومثله أيضاً إذا مات الدائن وورثه الكفيل أو الأصيل ؛ لأن بالميراث يملك ما في ذمته، فإن كان الوارث هو الكفيل فقد ملك ما في ذمته ، فيرجع على الأصيل، كما لو ملكه بالأداء. وإن کان الوارث هو المکفول عنه برئ الکفیل ، أنه أدى . ثانيهما - الإبراء وما هو في معناه: إذا أبرأ الدائن الكفيل أو الأصيل انتهت الكفالة ، غير أنه إذا أبرأ الكفيل لا يبرأ الأصيل، وإذا أبرأ الأصيل يبرأ الكفيل ؛ لأن الدين على الأصيل لا على الكفيل ، فكان إبراء الأصيل إسقاطاً للدين عن ذمته، فيسقط حق المطالبة للكفيل بالضرورة؛ لأنه إذا سقط الأصل سقط الفرع. أما إبراء الكفيل فهو إبراء عن المطالبة لا عن الدين ، إذ لا دين عليه وليس (١) البدائع: ١١/٦ وما بعدها، مختصر الطحاوي: ص ١٠٤، الدر المختار: ٢٨٥/٤، مجمع الضمانات: ص ٢٧٤ . - ١٥٢ - من ضرورة إسقاط حق المطالبة عن الكفيل سقوط أصل الدين عن الأصيل ، لأنه إذا سقط الفرع لا يسقط الأصل . ولو قال الدائن للكفيل أو المدين: ((برئت إلي من المال)» يبرأ، لأن هذا إقرار بالقبض والاستيفاء؛ لأنه جعل نفسه غاية لبراءته(١)، وتلك هي براءة القبض والاستيفاء، ويبرأ الكفيل والأصيل جميعاً؛ لأن استيفاء الدين يوجب براءتها جميعاً، فيرجع الكفيل على الأصيل إذا كانت الكفالة بأمره . وإذا قال الدائن للكفيل أو للمدين: ((برئت من المال)) ولم يقل: «إلي)» فيبرأ أيضاً عند أبي يوسف مثل الصورة السابقة. فهو إقرار بالقبض ؛ لأن البراءة المضافة إلى المال تستعمل في الأداء عرفاً وعادة فتحمل عليه . وعند محمد: يبرأ الكفيل دون الأصيل، مثل قوله: ((أبرأتك)) لأن البراءة عن المال قد تكون بالأداء، وقد تكون بالإبراء، فلا تحمل على الأداء إلا بدليل زائد، وقد وجد هذا في الصورة السابقة وهي قوله: ((إلي)) لأن الكلام ينبئ عن معنى الأداء لما ذكرنا، ولم يوجد هنا . وإذا أحال الكفيل أو المدين الدائن بمال الكفالة على رجل ، وقبل المحال، فتنتهي الكفالة ؛ لأن الحوالة مبرئة عن الدين والمطالبة جميعاً . وكذلك تنتهي الكفالة بالصلح: بأن يصالح الكفيل الدائن على بعض المدعى به ، ويبرأ حينئذ الكفيل والأصيل في حالتين: إحداهما - أن يقول على أني والمكفول عنه بريئان من الباقي . والثانية - أن يقول: ((صالحتك على كذا)) مطلقاً عن شرط البراءة. (١) أي أن مفاد هذا التركيب براءة من المال مبدؤها من الكفيل، ومنتهاها صاحب الدين، وهذا هو معنى الإقرار بالقبض من الكفيل، فكأنه قال ((دفعت إلي)». - ١٥٣ - ويبرأ الكفيل وحده في حال واحدة وهي أن يقول: ((على أني بريء من الباقي»(١). وإذا كانت الكفالة بالنفس فإنها تنتهي بثلاثة أمور(٢): الأول - تسليم النفس (٣) إلى المطالب بها في موضع يقدر على إحضاره مجلس القاضي، مثل أن يكون في مصر من الأمصار؛ لأن الكفيل أتى بما التزمه، وحصل المقصود من الكفالة بالنفس : وهو إمكان المحاكمة عند القاضي، وإذا تحقق المقصود تنتهي الكفالة . فإن سلمه في صحراء أو برية ، لم يبرأ الكفيل؛ لأنه لا يقدر على المحاكمة فيها، فلم يحصل المقصود . وكذا إذا سلمه في بلد ليس فيها قاض أو أعوان القاضي، كالشرطة مثلاً، لعدم إمكان المحاكمة فيها. وإن سلمه في السوق أو في المصر، فإنه يبرأ؛ لأن المطلوب هو أن يتحقق التسليم في مكان يقدر فيه على إحضاره إلى مجلس القاضي . وإن شرط على الكفيل أن يسلم المكفول بنفسه في مصر معين ، فسلمه في مصر آخر، فيبرأ عند أبي حنيفة لوجود القدرة على المحاكمة في المصر المعين . ولا يبرأ عند الصاحبين إلا بتسليمه في المكان المشروط ؛ لأن التقييد بالمصر قد يكون لغرض مفيد ، کان یکون له شهود فیما عینه دون غيره . ولو شرط على الكفيل أن يسلم المكفول بنفسه عند الأمير، فسلمه عند القاضي ، فإنه يبرأ . المبسوط: ٢٠/ ٥٨، ٩١، البدائع، المرجع السابق: ص ١٢ فتح القدير: ٤١٢/٥، مختصر الطحاوي: ص ١٠٥ ، (١) مجمع الضمانات : ص ٢٧٤ . (٢) البدائع: ١٢/٦ وما بعدها، المبسوط: ١٩/ ١٦٦، ١٧٥، فتح القدير: ٣٩٣/٥ وما بعدها، ٤١١، الدر المختار: ٢٦٧/٤ وما بعدها، مجمع الضمانات: ص ٢٦٦، ٢٧٤ ، الكتاب مع اللباب: ١٥٣/٢ وما بعدها . (٣) التسليم يتحقق بالتخلية بين المكفول بنفسه والمكفول له . - ١٥٤ - الثاني - الإبراء : أي أن يبرئ صاحب الحق الكفيل من الكفالة بالنفس فتنتهي الكفالة ؛ لأن مقتضى الكفالة ثبوت حق المطالبة بتسليم النفس ، فإذا أسقط حق المطالبة بالإبراء فينتهي الحق ضرورة . ولا يبرأ الأصيل في هذه الحالة ؛ لأن الإبراء صدر للكفيل دون الأصيل. فإن صدر الإبراء للأصيل برئا جميعاً . الثالث - موت المكفول بنفسه : إذا مات الأصيل المكفول به برئ الكفيل بالنفس من الكفالة؛ لأنه عجز عن إحضاره، ولأنه سقط الحضور عن الأصيل ، فيسقط الإحضار عن الكفيل . وكذلك تنتهي الكفالة إذا مات الكفيل ؛ لأنه لم يبق قادراً على تسليم المكفول بنفسه . وأما ماله فلا يصلح لتنفيذ هذا الواجب بخلاف الكفيل بالمال . ولو مات المكفول له فلا تسقط الكفالة بالنفس كما لا تسقط الكفالة بالمال ؛ لأن الكفيل ما زال قادراً على تنفيذ واجبه، ويقوم الوصي أو الوارث مقام الميت في المطالبة . وأما الكفالة بالأعيان المضمونة بنفسها ، فتنتهي بأحد أمرين(١): أحدهما - تسليم العين المضمونة بنفسها إن كانت قائمة ، وتسليم مثلها أو قيمتها إن كانت هالكة . الثاني - الإبراء: أي إبراء الكفيل من الكفالة، بأن يقول له: ((أبرأتك من الكفالة)» فيبرأ؛ لأن الكفالة حقه، فيسقط بإسقاطه كالدين، أو إبراء الأصيل. (١) البدائع: ٠١٣/٦ - ١٥٥ _ المبحث الخامس - رجوع الكفيل على الأصيل : نتكلم في هذا البحث عن ناحيتين : شرائط الرجوع، وبيان ما يرجع به ومتى يرجع . أما شرائط الرجوع فهي ما يأتي(١) : ١ - أن تكون الكفالة بأمر المكفول عنه أي بإذنه: فإن لم تكن بأمره لم يرجع بما يؤديه ؛ لأن الكفيل حينئذ یکون متبرعاً بما أدی ولو کان له الرجوع لما صلى النبي ◌َ ◌ّ على الميت بضمان أبي قتادة، هذا هو مذهب الحنفية والشافعية(٢). وقال الإمام مالك والإمام أحمد في رواية عنه : لا يشترط أن يكون الضمان بإذن المضمون عنه، لأنه قضاء مبرئ من دين واجب ، فكان من ضمان من هو عليه، كالحاكم إذا قضاه عنه عند امتناعه، كما قال ابن قدامة . وأما أبو قتادة فإنه تبرع بالقضاء والضمان، إذ أنه قضى دين الميت قصداً لتبرئة ذمته، ليصلي عليه النبي عد اله مع علمه بأنه لم يترك وفاء، والمتبرع لا يرجع بشيء (٣). ٢ - أن تكون الكفالة بإذن صحيح: أي بإذن شخص أهل لصدور الإقرار على نفسه بالدين ، فلا يعتبر إذن الصبي المحجور عن التصرفات، وبالتالي لا يحق للكفيل الرجوع عليه بما أداه عنه ؛ لأن العلاقة علاقة استقراض ، واستقراض الصبي لا يتعلق به الضمان . ٣ - إضافة الضمان إلى الأصيل بأن يقول للكفيل: اضمن عني، لأنه إذا لم يضف إلى نفسه ، فلا يتحقق معنى الإقراض الذي تقوم عليه العلاقة بين الكفيل والأصيل ؛ لأن الكفالة بالنسبة للمكفول عنه استقراض (أي طلب القرض) وبالنسبة للكفيل بعد الأداء إقراض للمكفول عنه ونائب عنه في الأداء إلى المكفول البدائع، المرجع السابق: ص ١٣ وما بعدها، فتح القدير: ٤٠٨/٥ وما بعدها، المبسوط: ١٩ / ١٧٨ . (١) (٢) المهذب: ٣٤١/١، مغني المحتاج: ٢٠٩/٢. بداية المجتهد: ٢٩٤/٢، المغني: ٤٤٩/٤ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٢٥. (٣) - ١٥٦ - له . أما بالنسبة للمكفول له: فهو تمليك ما في ذمة المكفول عنه من الكفيل بما أخذه من المال، فيرجع عليه بما أقرضه . ٤ - ألا يكون للأصيل على الكفيل دين مثل الدين الذي أداه الكفيل ؛ لأنه إذا أدی الدین ، حصلت مقاصة بینهما : ولو وهب صاحب الدين المال للكفيل يرجع على الأصيل؛ لأن الهبة في معنى أداء المال. وإذا وهب الدين إلى الأصيل برئ الكفيل ؛ لأن هذا وأداء المال سواء. ولو مات الدائن فورثه الكفيل يرجع على الأصيل، ولو ورثه الأصيل يبرأ الكفيل ؛ لأن الإرث من أسباب الملكية، ومتى ملك الأصيل المال برئ، فيبرأ الكفيل . ولو أبرأ الدائن الكفيل لا يرجع على الأصيل ؛ لأن الإبراء إسقاط وهو بالنسبة للكفيل إسقاط حق المطالبة لا غير. الموا شى وإذا أبرأ الكفيل الأصيل مما ضمنه عنه بإذنه أو وهبه منه جاز، فلو أدى الكفيل الدين بعدئذ، لا يرجع على الأصيل . ولو قال الدائن للكفيل: ((برئت إليَّ من المال)» يرجع الكفيل على الأصيل باتفاق الحنفية ؛ لأن هذا إقرار بالقبض والاستيفاء، باعتبار أن اللفظ يستعمل في الأداء، فيرجع : أي أن هذه البراءة لا تكون إلا بالإيفاء فكان ذلك بمنزلة قوله : («دفعت إليَّ المال أو قبضته منك)» وهو إقرار بالقبض . أما إذا قال: ((برئت من المال)) فهو إقرار بالقبض عند أبي يوسف كأنه قال : ((برئت إليَّ من المال)) لأنه أقر ببراءة خاصة بالكفيل وهو يكون بفعل صادر عنه، كما إذا قيل: ((قمت وقعدت مثلاً)) وهذا الفعل هنا هو الإيفاء. وعند محمد: لا يرجع الكفيل على المكفول عنه؛ لأن هذا بمنزلة قوله: ((أبرأتك - ١٥٧ - من المال)) لأنه يحتمل البراءة بالأداء إليه (أي بالقبض والإبراء) فيثبت القدر الأدنى وهو براءة الكفيل ، وأما الزائد عليه (وهو الأداء) ففيه شك، فلا يثبت القبض بالشك، وبالتالي لا يحق للكفيل الرجوع حينئذ على المكفول عنه، وهذا هو الرأي الأرجح عند الحنفية . وأما سبب عدم رجوع الكفيل على المكفول عنه في قول الدائن له: ((أبرأتك)) فهو أن هذا اللفظ يفيد تخصيص البراءة بالكفيل، ولا يتعدى أثره إلى غيره بإسقاط الدين عن المدين، فلم يكن هذا اللفظ متضمناً إقرار الدائن بإيفاء الدين . والفرق بين هذه الصورة وصورة: ((برئت من المال)) عند أبي يوسف: هو أن البراءة بالإبراء لا تتحقق بفعل الكفيل بل بفعل الدائن، فلا يكون الفعل حينئذ منسوباً إلى الكفيل(١) . والخلاصة: أن الراجح عند الحنفية هو أن الكفيل لا يرجع على الأصيل في قول الدائن للكفيل: ((برئت)) بدون إلي أو ((أبرأتك)) لأنه إبراء لا إقرار بالقبض. رجوع الكفيل على الأصيل حالة تعدد الكفلاء : إذا کفل رجلان رجلاً بألف ليرة مثلاً، ولم يكفل كل واحد منهما عن صاحبه، فأدى أحدهما ما عليه، فلا يرجع على صاحبه بشيء مما أدى ؛ لأنه أدى عن نفسه لا عن صاحبه، ولكنه يرجع على الأصيل ؛ لأنه کفیل عنه بأمره . فإن كفل واحد منهما عن صاحبه بما عليه ، فالقول قول الكفيل فيما أدى أنه من كفالة الكفيل الآخر، أو من كفالة نفسه ؛ لأنه لزمه المطالبة بالمال من وجهين : أحدهما - من جهة كفالة نفسه عن الأصيل . والثاني - من جهة الكفالة عن صاحبه. وليس أحد الوجهين أولى من الآخر، فكان له ولاية الأداء عن أيها شاء . (١) المبسوط: ٩٣/٢٠، فتح القدير: ٤١٣/٥، رد المحتار على الدر المختار: ٢٨٧/٤ وما بعدها. - ١٥٨ - وإذا كفل كل واحد منهما عن صاحبه بما عليه ، فما أدى كل واحد منهما ، يكون عن نفسه إلى نصف المكفول به : وهو خمسمائة ليرة في مثالنا . ولا يقبل قوله فيه أنه أدى عن شريكه لا عن نفسه، بل يكون عن نفسه إلى هذا القدر، فلا يرجع على شريكه. كما لا يقبل قوله أيضاً حين الأداء أنه يؤدي عن شريكه لا عن نفسه . ولا يرجع على شريكه ما لم يزد المؤدى عن نصف المكفول به وهو خمسمائة في مثالنا ، فإن زاد على خمسمائة يرجع بالزيادة إن شاء على شريكه، وإن شاء على الأصيل . وهذه القاعدة تنطبق أيضاً في فروع أخرى منها : لو اشترى رجلان شيئاً بألف ليرة ، وكفل كل واحد منهما عن صاحبه بحصته من الثمن ، فما أدى أحدهما يقع عن نفسه، ولا يرجع على شريكه حتى يزيد على النصف . ومنها : أن الشريكين شركة مفاوضة إذا افترقا وعليهما دين ، فلصاحب الدين أن يطالب كل واحد منهما ، وأيهما أدى شيئاً لا يرجع على شريكه حتى يزيد المؤدى على النصف(١). وأما ما يرجع به الكفيل على الأصيل : فهو أنه يرجع عند الحنفية بما ضمن ، لا بما أداه ؛ لأنه بالأداء ملك ما في ذمة الأصيل، فيرجع بما تمت الكفالة عليه . فلو كانت الكفالة على شيء جيد، فأدى ما هو أدون منه، فإنه يرجع على الأصيل بالجید . وكذلك إذا كفل ديناً نقدياً، فأدى عنه مكيلاً أو موزوناً أو عروض تجارة، فإنه يرجع بما كفل ، لا بما أدى . وهذا بخلاف الوكيل بقضاء الدين ، فإنه يرجع على الموكل بما أدى لا بالدين، (١). البدائع: ١٤/٦ وما بعدها، فتح القدير: ٤٣٧/٥ وما بعدها، المبوط: ٢٤/٢٠، الدر المختار: ٢٩٨/٤. - ١٥٩ - لأنه بالأداء ما ملك الدين ، بل أقرض ما أداه الموكل ، فيرجع عليه بما أقرضه . أما في حالة الصلح على بعض الدين فإنه يرجع بما صالح به، لا بكل الدين ، لأنه بأداء البعض لم يملك ما في ذمة الأصيل وهو كل الدين ، إذ لا يمكن اعتبار الصلح تمليكاً؛ لأنه يؤدي إلى الربا(١). وقال المالكية والشافعية في الأصح عندهم: يرجع الكفيل بما غرم (أي بما أدى فعلاً) لأنه هو الشيء الذي بذله. وكذلك في حالة الصلح أو الإبراء من بعض الدين يرجع الكفيل بما أدى(٢). وقال الحنابلة: يرجع الكفيل على الأصيل بأقل الأمرين مما قضى أو قدر الدين ؛ لأنه إن كان الأقل هو الدين ، فالزائد لم يكن واجباً، فهو متبرع بأدائه . وإن كان المقضي أقل فإنما يُرجع بما غرم(٣)، فيكون مذهبهم كالمالكية والشافعية . متى يرجع الكفيل على الأصيل ؟ ليس للكفيل أن يطالب الأصيل (المكفول عنه) بالمال الذي كفله عنه قبل أن يؤديه عنه؛ لأنه لا يملكه قبل الأداء، بخلاف الوكيل بالشراء، حيث يرجع قبل الأداء كما بينا سابقاً؛ لأنه بمنزلة البائع . فإن لوزم الكفيل بالمال المكفول به، كان له أن يلازم الأصيل المكفول عنه. وإن حبس به، كان له أن يحبسه، حتى يخلصه؛ لأنه لم يلحقه من السوء ما لحقه، إلا بسببه ، فيجازى بمثله(٤) . (١) البدائع ، المرجع السابق : ص ١٥ . (٢) الشرح الكبير للدردير: ٣٤٦/٣، مغني المحتاج: ٢٠٩/٢ وما بعدها . (٣) المغني : ٤ / ٥٥١ . الكتاب مع اللباب : ١٥٧/٢ . (٤) - ١٦٠ -