Indexed OCR Text

Pages 101-120

ادعاء الوكالة عن الغائب في قبض الدين : إذا ادعى إنسان أنه وكيل
فلان الغائب في قبض دينه، فصدقه المدين، أمر بتسليم الدين إليه(١)؛ لأن تصديق
المدين إياه معناه: أنه أقر بالدين على نفسه، ومن أقر على نفسه بشيء أمر بتسليمه إلى
المقرله .
وحينئذ إذا حضر رب الدين الغائب ، فصدق مدعي الوكالة بأنه وكيله، فبها
ونعمت، وإن لم يصدقه، فهناك ثلاثة أوجه :
أحدها : إن صدق المدين مدعي الوكالة ، ودفع الدين إليه ، فإنه يدفع إلى
الدائن دينه مرة أخرى؛ لأنه إذا أنكر الوكالة، لم يثبت للدائن استيفاء حقه، والقول
في إنكار الوكالة قول رب الدين مع يمينه؛ لأن الدين كان ثابتاً ، والمدين يدعي أمراً
عارضاً وهو سقوط الدين بأدائه إلى الوكيل، ورب الدين ينكر الوكالة، ومن
المعروف أن القول قول المنكر مع يمينه، وإذا لم يثبت الاستيفاء يفسد الأداء إلى
مدعي الوكالة، وحينئذ يجب الدفع ثانية إلى رب الدين ؛ لأن أداء الدين واجب على
المدين ، ثم يرجع المدين بما دفعه ثانياً على مدعي الوكالة إن كان المال باقياً في يده ؛
لأن غرض المدين من الدفع إلى الوكيل براءة ذمته من الدين ، ولم تحصل تلك
البراءة ، فيحق للمدين أن ينقض قبض الوكيل . وإن كان ما دفعه إليه، ضاع في
يده، لم يرجع المدين على الوكيل ؛ لأن المدين بتصديق الوكيل اعترف أن الوكيل
محق في القبض ، والمحق في القبض لا رجوع عليه ، ولأن المدين بتصديقه اعترف أنه
مظلوم في أخذ الدين مرة ثانية ، والمظلوم لا يظلم غيره .
ولكن إذا قال مدعي الوكالة : إني وكيل فلان الغائب بقبض الوديعة التي
عندك ، فصدقه الوديع ، لم يؤمر بالتسليم إليه ؛ لأنه أقر له بمال الغير، بخلاف الدين ،
لأن الدين حق شخصي ثابت في الذمة، فيلزم المدين إذا صدق المدعي بتسليمه الدين
(١) أي إلى مدعي الوكالة.
- ١٠١ -

عملاً بإقراره، أما في حالة الوديعة فلا يلزم بتسليمها إلى مدعي الوكالة ؛ لأن حق
المودع فيها حق عيني ، وهو الملكية المتعلقة بعينها ، فلا يعمل بإقراره لمساسه بحق
الغير. أما الدين فيقتصر أثر الإقرار فيه على المقر فينفذ.
والثاني : إن صدق المدين مدعي الوكالة وضمنه عند الدفع بأن يقول له : اضمن
لي ما دفعته عن الدائن ، حتى لو أخذ مني الدائن ماله آخذ منك ما دفعته إليك ،
فإن المدين يرجع على الوكيل حينئذ بما دفعه له أولاً ؛ لأن الذي أخذه الدائن منه
مرة ثانية ضامن له في زم الوكيل والمدين ؛ لأن الدائن في نظرهما يعتبر غاصباً فيما
يقبضه ثانياً. وكأن هذا يعتبر كفالة من مدعي الوكالة كما لوقال: ((أنا ضامن لك
ما يقبضه منك فلان))، وهذه الكفالة صحيحة؛ لأنها كالكفالة المضافة إلى حال
وجوب شيء في المستقبل على المكفول عنه أي بما يجب على إنسان في المستقبل .
والثالث: إذا كذب المدين مدعي الوكالة ، أو لم يصدق ولم يكذب ومع ذلك
دفع الدين إليه على ادعائه، فإن رجع صاحب المال على المدين ، رجع المدين على
الوكيل، لأنه إذا كذبه، صار الوكيل في حقه، بمنزلة الغاصب ، وللمغصوب منه حق
الرجوع على الغاصب قطعاً. وإذا لم يصدقه ولم يكذبه في ادعاء الوكالة ، فهو إنما دفع
إليه على رجاء أن يجيزه صاحب المال، فإذا انقطع رجاؤه بسبب أخذ الدائن حقه
منه، رجع المدين الغريم على الوكيل(١).
٤ - الوكيل بالبيع : الوكيل بالبيع إما أن يكون مطلق التصرف أو مقيد
التصرف. فإن كان مقيد التصرف، فيراعى فيه القيد بالاتفاق ، فإذا خالف قيده،
لا ينفذ تصرفه على الموكل، ولكن يتوقف على إجازته إلا إذا كانت مخالفته إلى
خير؛ لأنه محقق لمقصوده ضمناً . بيانه بالمثال : أن يقول الموكل : بع بستاني هذا بألف
(١) تكملة فتح القدير مع العناية: ١١٣/٦ وما بعدها، البدائع: ٢٦/٦، مجمع الضمانات: ص ٢٥٣، الكتاب مع
اللباب: ٢ / ١٥٢.
- ١٠٢ -

ليرة ، فباعه بأقل من ألف، لا ينفذ لأنه خلاف إلى شر، وإن باعه بأكثر من ألف
ليرة نفذ لأنه خلاف إلى خير. وإذا وكله بالبيع نقداً، فباع مؤجلاً لم ينفذ، بل
يتوقف على إجازة الموكل . أما إذا وكله بالبيع مؤجلاً فباع نقداً نفذ .
وإذا وكله بالبيع في مكان معين لكون الثمن فيه أجود أو أكثر، لا يجوز له البيع
في غيره عند الشافعية والحنابلة ؛ لأنه قد يفوت غرضه. وكذا عند الحنفية إن أكده
بالنفي ، فقال له : لا تبعه إلا في سوق كذا .
وإذا وكله بالبيع في زمان معين ، لزمه بيعه فيه ؛ لأنه قد يحقق له مصلحة أو
حاجة في ذلك الزمان بعينه .
وإذا وكله بالبيع من رجل بعينه، لا يجوزله أن يبيعه لغيره ؛ لأنه قد يؤثر
الموكل تمليك هذا الرجل دون غيره؟
وإذا وكله بالبيع بمئة مثلاً، لا يجوز أن يبيع بأقل منها، لفوات المقدار
المنصوص عليه .
وإن كان الوكيل مطلق التصرف، فيعمل بمقتضى الإطلاق عند أبي حنيفة،
فيجوز له أن يبيع بأي ثمن كان، قليلاً أو كثيراً، وإن كان بغين فاحش ، أو كان الثمن
عيناً أو ديناً في الذمة. دليله: أن الأصل في اللفظ المطلق أن يجري على إطلاقه، ولا
يجوز تقييده إلا بدليل كوجود تهمة ، فيتناول كل ما يطلق عليه البيع، ولا يعتمد
على العرف ؛ لأن العرف متعارض، فإن البيع بغبن فاحش ليتوصل بثمن المبيع إلى
شراء ما هو أربح منه متعارف أيضاً، فلا يجوز تقييد المطلق مع تعارض العرف.
وقال الصاحبان وبه أخذ الطحاوي وهو الراجح المفتى به عند الحنفية :
لا يجوز للوكيل بالبيع مطلقاً أن يبيع إلا بالنقود الرائجة في البلد (أي الأثمان
المطلقة في اصطلاح الفقهاء) وبمثل القيمة ، فلا يجوز البيع إلا بما يتغابن الناس فيه
عادة، والمقدار الذي يتغابن الناس فيه عند الطحاوي كما ذكر محمد في الجامع الصغير:
- ١٠٣ -
1

هو نصف العشر فأقل منه، ودليلهما : أن الوكالة بالبيع مطلقاً تنصرف إلى البيع
المتعارف، والبيع بغير النقود أو بغين فاحش ليس بمتعارف، وإنما المتعارف هو البيع
بالنقود وبثمن المثل ، فيتقيد الإطلاق بالعرف، كما في التوكيل بالشراء (١).
والصحيح في تقدير الغبن الذي يفصل بين الغبن اليسير والغبن الفاحش : هو
ما روي عن محمد رحمه الله في النوادر: وهو أن كل غبن يدخل تحت تقويم المقومين ،
فهو يسير، وما لا يدخل تحت تقويم المقومين فهو فاحش(٢).
وضبطاً للمقاييس القضائية حددت مجلة الأحكام العدلية (م ١٦٥) الغبن
الفاحش بما يعادل ٥٪ في المنقولات، و ١٠٪ في الحيوان، والخمس أو ٢٠٪ في
العقارات ، أو أزيد من ذلك ، وما دونه غبن یسیر.
وقال جمهور العلماء بما قال به الصاحبان ، فلم يجيزوا البيع بأقل من ثمن المثل بما
لا يتغابن الناس به من غير إذن الموكل؛ لأن الوكيل منهي عن الإضرار بالموكل،
مأمور بالنصح له، كما لم يجيزوا البيع بغير نقد البلد ( أي بلد البيع) بدلالة القرينة
العرفية عليه(٢). فإن كان في البلد نقدان باع بالغالب منهما، وإن استويا باع بما هو
أنفع للموكل .
ويجري هذا الخلاف في صفة البيع نقداً أو نسيئة : فقال أبو حنيفة : يملك
الوكيل البيع بالنقد وبالنسيئة ، لإطلاق الوكالة .
وقال الصاحبان وجمهور العلماء: لا يملك الوكيل إلا البيع بالنقد أي حالاً غير
البدائع: ٢٧/٦، مختصر الطحاوي: ص ١١١، تكملة ابن عابدين: ٣٨٢/٧، تكملة فتح القدير: ٧٠/٦ وما
(١)
بعدها. مجمع الضمانات: ص ٢٤٩، مختصر خليل: ص ٢١٦ وما بعدها، المجموع: ١٣ / ٥٦٣، المهذب: ١ /٢٥٣ وما
بعدها، الكافي لابن قدامة: ٢٥٤/٢، طبع المكتب الإسلامي، كشاف القناع: ٤٦٣/٣ وما بعدها .
(٢)
تكملة فتح القدير، المرجع السابق: ص ٧٦ - ٧٧، البدائع: ٦/ ٣٠، الدر المختار: ٤ /٤٢٥.
الشرح الكبير: ٣٨٢/٣، المهذب: ٣٥٣/١ وما بعدها، مغني المحتاج: ٢٢٣/٢ وما بعدها، المغني: ١٢٤/٥،
(٣) .
بداية المجتهد: ٢٩٨/٢، قواعد الأحكام لابن عبد السلام، ط الاستقامة: ٢ / ١٠٧.
- ١٠٤ -

مؤجل ؛ لأن الأصل في البيع النقد، وإنما يحصل التأجيل لظروف طارئة كما في
أحوال الكساد(١).
وأما الوكيل بالشراء: فلا يجوز له بالاتفاق أن يشتري إلا بثمن المثل أو بما
يتغابن الناس في مثله عادة ، ولا يجوز بما لا يتغابن الناس في مثله. ففي الوكالة
بالشراء يتفق أبو حنيفة مع بقية العلماء. والسبب في تفرقته بين البيع والشراء: هو
أن الشراء يشتمل على التهمة ، فإن الوكيل الذي يشتري الشيء الموكل به يستحسن
هذا الشيء فيشتريه لنفسه ، فإذا لم يوافقه بأن تبين فيه الغبن ، ألحق الشراء بغيره وهو
الموكل، ومثل هذه التهمة غير متحققة في البيع (٢).
بيع الوكيل بعض الموكل ببيعه : إذا باع الوكيل بعض الموكل ببيعه فهو
علی وجھین :
أ - إن كان ذلك مما لا ضرر في تبعيضه، جاز باتفاق الحنفية ، وذلك مثل المكيل
والموزون، أو بيع شيئين كدارين ، فباع إحداهما ، جاز اتفاقاً .
ب- وإن كان في تبعیضه ضرر بأن وكله ببیع کتاب، فباع نصفه، جاز عند أبي
حنيفة رحمه الله . وعند الصاحبين والشافعية والحنابلة: لا يجوز إلا بإجازة الموكل،
أو ببيع النصف الباقي، دليلهم : أن التوكيل ينصرف إلى المتعارف، وبيع النصف غير
متعارف، لما فيه من ضرر الاشتراك بملكية الأعيان ، ويجب دفع الضرر.
ودليل أبي حنيفة: هو أنه كما يجوز للوكيل بيع الكل بهذا القدر من الثمن الذي
باع به، يجوز بيع البعض به من باب أولى ؛ لأنه نفع موكله حيث أمسك البعض على
ملكه .
(١)
المراجع السابقة .
(٢)
البدائع، المرجع السابق، تكملة الفتح، المرجع السابق: ص ٧٥، رد المحتار: ٤٢٤/٤، تكملة المجموع: ١٣ / ٥٧٣،
المغني : ٥ / ١٢٧.
- ١٠٥ -

وأما الوكيل بالشراء: فلا يجوز له باتفاق الحنفية أن يشتري البعض إلا بإجازة
الموكل، أو بشراء البعض الآخر. والفرق بين الوكيل بالشراء والوكيل بالبيع عند أبي
حنيفة: هو أن الشراء تتحقق فيه التهمة بعكس البيع، كما عرفنا ، فلا يجوز للوكيل
بالشراء أن يشتري البعض بثمن الكل(١).
وقد أخذ الشافعية والحنابلة بمذهب الصاحبين في بيع بعض الموكل ببيعه(٢).
وأما المالكية فقالوا: إن لفظ الموكل العام يتخصص بالعرف(٣). والعرف في بيع كتاب
مثلاً أن يعقد علی جمیعه .
إبراء المشتري من الثمن : الوكيل بالبيع يملك عند أبي حنيفة إبراء المشتري
من الثمن ، وله أن يؤخره عنه كما له أن يأخذ عوضاً به أو أن يصالحه على شيء، أو
يحال به على شخص آخر، ويكون حينئذ ضامناً الثمن للموكل . دليله: أن قبض الثمن
من حق الوكيل، فتكون هذه التصرفات حقاً له، ولكن يضمن الثمن للموكل ؛ لأنه
وإن كان التصرف في حق نفسه، لكنه تعدى إلى ملك غيره بالإتلاف، فيجب عليه
(٤)
الضمان(٤).
ولا يملك الوكيل عند الصاحبين شيئاً مما ذكر؛ لأنه تصرف في حق الموكل بغير
إذنه .
توكيل الوكيل بالبيع غيره: ليس للوكيل بالبيع بالاتفاق أن يوكل غيره
بدون إذن موكله ؛ لأن الوكالة ملحوظ فيها خصوص شخص الوكيل لاعتبارات
تتعلق بالرأي والخبرة والأمانة ونحوها(٥) . واستثنوا مما قالوا ما يأتي:
البدائع: ٢٧/٦ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٧٨/٦ وما بعدها .
(١)
(٢)
المهذب: ١ / ٣٥٣، المغني: ٠١٢٦/٥
(٣)
الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي: ٣٨١/٣.
(٤)
البدائع: ٢٨/٦، مجمع الضمانات: ص ٢٤٥.
البدائع، المرجع السابق، تكملة ابن عابدين: ٣٥٦/٧، الشرح الصغير: ٥١٣/٣، مغني المحتاج: ٢٢٦/٢، المغني :
(٥)
٨٨/٥ وما بعدها .
- ١٠٦ -

أ - أن يكون الموكل فيه مما لا يليق بمروءة الوكيل،. كبيع دابة في السوق،
والحال أن الوكيل شريف النفس لا يناسبه تولي مثل البيع بنفسه .
ب - أن يكون الموكل فيه كثيراً مما لا يمكنه تولي العمل كله بنفسه إلا بمساعدة
غيره .
جـ - أن يكون الموكل فيه مما يحتاج إلى مهارة خاصة كالهندسة ونحوها،
والوكيل ليس أهلاً لذاك . وهذا في الوكيل الخاص، أما الوكيل العام عند الحنفية
والمالكية فيجوز له توكيل غيره مطلقاً .
التصرفات المشبوهة: ليس للوكيل بالبيع أن يبيع لنفسه ؛ لأنه متهم في
تصرفه، ولأن حقوق العقد تعود إلى الوكيل ، فيؤدي بيعه من نفسه إلى أن يكون
الشخص الواحد في زمان واحد مسلماً ومتسلماً مطالباً ومطالَباً، وهذا محال . وبناء
عليه اشترط الفقهاء لانعقاد البيع تعدد العاقد . من
كما أنه ليس للوكيل عند أبي حنيفة أن يبيع أو يشتري بثمن المثل أو أقل(١) من
أبيه وجده وولده وسائر من لا تقبل شهادته له كولد ولده وزوجته ؛ لأن البيع من
هؤلاء بيع من نفسه من حيث المعنى، لاتصال منافع ملك كل واحد منهم به (٢)، فكان
في بيعه لهم تهمة بإيثار العين المبيعة لهم، بدليل أنه لا تقبل شهادة أحدهما لصاحبه
بخلاف الأجنبي .
وقال الصاحبان : يجوزله أن يبيع لهؤلاء أي لا لنفسه بمثل القيمة؛ لأن
التوكيل مطلق، والبيع من هؤلاء ومن شخص آخر أجنبي عنهم سواء ، ولا تهمة هنا ؛
لأن أملاكهم متباينة ، فلا يملك أحدهم ما يملكه الآخر، وإذا كانت الأملاك متباينة
تكون المنافع منقطعة فيما بينهم(١).
أما بأكثر من ثمن المثل فيجوز.
(١)
بدليل أن كل واحد منهم ينتفع بمال الآخر عادة، فصار مال كل واحد منهم كمال صاحبه من وجه.
(٢)
(٣)
البدائع، المرجع السابق، تكملة فتح القدير: ٦٧/٦ وما بعدها، رد المحتار: ٤ /٤٢٤، مجمع الضمانات: ص ٢٦١.
- ١٠٧ -

وقال المالكية : لا يجوز للوكيل أن يبيع ما وكل ببيعه لنفسه أو من في حجره
من صغير أو سفيه أو مجنون ، ويجوز أن يبيع لزوجته ووالده الرشيد إذا لم يحابها،
وروي عن الإمام مالك أنه يجوز للوكيل أن يشتري الشيء لنفسه(١).
وقال الشافعية في الأصح عندهم، والحنابلة في إحدى الروايتين عن أحمد:
لا يجوز للوكيل أن يبيع لنفسه وولده الصغير، ويجوز أن يبيع لأبيه وجده وابنه
البالغ وسائر فروعه المستقلين؛ لأنه باع بالثمن الذي لو باع به لأجنبي لصح ، فلا
تهمة حينئذ، فهو كما لو باع من صديقه(٢). وبه يتبين أن الحنفية لا يجيزون مطلقاً
بيع الوكيل لنفسه، وأما الجمهور فلا يجيزون هذا البيع إلا إن أذن له الموكل بالبيع .
واشترط المالكية أيضاً شرطين آخرين :
أ - أن يكون البيع بحضرة الموكل ولم ينكر عليه .
٣ً - أن تتناهى الرغبات فيه ويسمى الثمن.
ومنع أبو حنيفة البيع الأصول والفروع والزوجة، وأجاز الجمهور البيع للأصول
والزوجة بثمن المثل دون الفروع. ورأي أبي حنيفة أرجح لدي لا سيما في عصرنا بعداً
عن التهمة .
5
والخلاصة : أن على الوكيل أن يلتزم بواجباته، وتنفيذ ما التزم به في حق
الموكل. وعلى الموكل واجب تحمل الخسارة العارضة إن لم تكن بتعدٍ أو تقصير،
وواجب دفع ما يستحقه الوكيل من أجر إذا كانت الوكالة مأجورة ، وأدى الوكيل
العمل المأمور به .
٥ - تصرفات الوكيل بالشراء: تكلمنا عن حكم الجهالة في نوعي الوكالة
الشرح الكبير: ٣٨٧/٣ وما بعدها، المغني: ١٠٧/٥ وما بعدها، الخرشي: ٧٧/٦ وما بعدها .
(١)
(٢)
مغني المحتاج: ٢٢٤/٢ وما بعدها، المغني : ١٠٧/٥ وما بعدها .
- ١٠٨ -

بالشراء العامة والخاصة ، ونتكلم هنا عن تصرفات الوكيل بالشراء في نوعي الوكالة
المطلقة والمقيدة(١).
فإذا كانت الوكالة مقيدة فإنه يراعى فيها القيد ما أمكن ، سواء أكان القيد
راجعاً إلى الْمُشتَرى، أم إلى الثمن، فإذا خالف الوكيل لا يلزم الموكل بالشراء إلا إذا
کان خلافاً إلی خیر، فیلزمه.
مثال القيد العائد للمشترى : أن يقول الموكل : اشتر لي ثلاجة من صنع بلدة
معينة ، فاشترى ثلاجة من صنع بلدة أخرى ، فلا يلزم الموكل بالشراء، ويلزم
الوكيل ؛ لأن الأصل في كل مقيد اعتبار القيد فيه إلا قيداً لا فائدة من اعتباره،
وهذا القيد المذكور مفيد .
ومثال القيد العائد للثمن : أن يقول الموكل : اشتر لي ثلاجة بألف ليرة ، فاشترى
ثلاجة بأكثر من الألف ، فيلزم الشراء بالوكيل دون الموكل ؛ لأنه خالف أمر الموكل،
فيصير مشترياً لنفسه .
وإن اشترى ثلاجة بثمانمائة ليرة ، ومثله يشترى عادة بألف، لزم الشراء الموكل ؛
لأن الخلاف إلى خير لا يكون خلافاً معنى .
وإن وكله بشراء شيء فاشترى بعضه : فإن كان في تبعيضه ضرر كالسيارة لم يلزم
الموكل بشراء البعض ، وإن لم يكن في تبعيضه ضرر، كالأرض الواسعة ، لزم الموكل
الشراء عند الحنفية والشافعية والحنابلة .
ولو وكله بالشراء بالتقسيط أو مؤجلاً، فاشترى بثمن حال، لزم الشراء الوكيل،
لأنه خالف قيد الموكل. فإن كانت الوكالة بالعكس ، فاشترى بالتقسيط أو مؤجلاً ،
(١) راجع التفصيل في البدائع: ٢٩/٦ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٧٥/٦ وما بعدها، مختصر الطحاوي:
ص ١١٠ وما بعدها، المبسوط: ١٩ / ٣٩، الدر المختار: ٤٢١/٤ وما بعدها، مجمع الضمانات: ص ٢٤٩.
- ١٠٩ -

لزم الشراء الموكل ؛ لأنه وإن خالف الوكيل مخالفة صورية، فقد وافق طلب الموكل
في المعنى ، والعبرة للمعنى لا للصورة .
ولو وكله أن يشتري ويشترط الخيار للموكل، فاشترى بغير خيار، لزم الشراء الوكيل.
وإذا وكله بشراء شيء بعينه، فاشترى الوكيل غيره، يكون الموكل عند الحنفية
مخيراً بين القبول والرد ، وعند الجمهور: إن الشراء لازم للوكيل.
وفي الجملة : إن القاعدة العامة هي أن الوكيل بالشراء إذا خالف أمر الموكل
يكون عند الحنفية مشترياً لنفسه إلا إذا كان خلافاً إلى خير فيلزم به الموكل باتفاق
الفقهاء، والوكيل بالبيع إذا خالف أمر الموكل يتوقف بيعه على إجازة الموكل .
والفرق بينهما كما عرفنا سابقاً: هو أن الوكيل بالشراء متهم في جعل الشراء لنفسه،
فینفذ عليه(١) .
وبناء عليه : إذا وكله في شراء شاة بدينار فاشترى بالدينار شاتين يلزم الموكل
بها عند الحنفية؛ لأنه خلاف إلى خير. وكذا يلزم الموكل بها بلا خيار عند المالكية.
ويلزم بها عند الشافعية والحنابلة إن ساوت كل واحدة منهما أو إحداهما ديناراً(٢) عملاً
بقصة عروة البارقي وكيل النبي عز ال .
وإذا كانت الوكالة مطلقة فيراعى فيها الإطلاق ما أمكن إلا إذا قام دليل على
التقييد من عرف أو غيره، فيتقيد به. وعليه إذا وكل رجلاً بشراء دابة وسمى نوعها
وثمنها ، بأن قال : حماراً أو نحوه، فاشترى دابة عوراء، جاز الشراء ولزم الموكل، وكذا
إذا اشترى دابة عمياء أو مشلولة اليدين أو الرجلين ، ألزم الموكل بالشراء عند أبي
(١)
المبسوط : ١٩ / ٠١١٧
تكملة ابن عابدين: ٣١١/٧، مختصر خليل: ص ٢١٧، الخرشي: ٧٥/٦، المهذب: ١ / ٣٥٥، تكملة المجموع :
(٢)
١٣ / ٥٨٤، المغني: ١٢٨/٥.
- ١١٠ -

حنيفة؛ لأن اسم الدابة بإطلاقها يقع على هذه الدابة، كما يقع على سليمة الأعضاء، فلا
يجوز تقييد المطلق إلا بدليل .
وقال الصاحبان : لا يلزم الموكل بهذا الشراء، ويلزم الوكيل به؛ لأن الدابة
تشترى لاستخدامها عرفاً وعادة، وغرض الاستخدام لا يحصل عند فوات جنس
المنفعة ، فيتقيد المشترى بالسلامة عن هذه الصفة بدلالة العرف .
وإذا وكل إنسان بشراء شيء وكالة صحيحة ولم يسمّ له الموكل ثمناً، فاشترى
الوكيل الشيء بمثل القيمة، أو بأقل من القيمة، أو بزيادة يتغابن الناس في مثلها،
جاز الشراء على الموكل. وإن اشترى الوكيل بزيادة لا يتغابن الناس في مثلها ، يلزم
الوكيل بالشراء ؛ لأن الزيادة القليلة مما لا يمكن الاحتراز عنها، فجاز الشراء على
الموكل، حتى لا يضيق الأمر على الوكلاء، ولتأمين حاجة الناس إلى الوكالات ،
وهذا هو الراجح لدى الحنفية .
وأما الزيادة الكثيرة فلا ضرورة فيها، لإمكان الاحتراز عنها (١).
والضابط المميز بين الزيادة القليلة والكثيرة في الراجح عند الحنفية هو كما
عرفنا سابقاً : إن كانت الزيادة داخلة تحت تقويم المقومين لثمن الشيء، فهي قليلة،
وإن كانت غير داخلة تحت تقويمهم فهي كثيرة ؛ لأن الزيادة حينئذ تكون متحققة .
ومنعاً من الاختلاف: لا بد للموكل الذي يوكل غيره بشراء شيء من تسمية
جنسه وصفته، أو جنسه ومقدار ثمنه، إلا أن يوكله وكالة عامة، فيقول : اشتر لي
ما رأيت؛ لأنه فوض الأمر إلى رأيه، فأي شيء يشتريه يكون ممتثلاً في رأي أبي
حنيفة خلافاً للصاحبين إذ يتقيد بالعرف والعادة(٢).
الخلاصة أن الشراء بالغبن الفاحش لا ينفذ على المشتري باتفاق أئمة الحنفية، أما البيع بغبن فاحش ففيه
(١)
اختلاف، قال أبو حنيفة: ينفذ البيع على الموكل عملاً بإطلاق التوكيل، وقال الصاحبان: لا ينفذ البيع؛ لأن
المطلق مقيد بالعرف، وهو الراجح .
الكتاب مع اللباب: ١٤٢/٢، ١٤٧.
(٢)
- ١١١

وقال المالكية والشافعية والحنابلة : إذا كانت الوكالة بالشراء مطلقة، فيلزم
المشتري أن يشتري بثمن المثل ، ولا يشتري بأكثر من ثمن المثل بما لا يتغابن الناس به
من غير إذن الموكل ؛ لأن الوكيل منهي عن الإضرار بالموكل ، مأمور بالنصح له ، وفي
الزيادة على ثمن المثل في الشراء إضرار وترك للنصح(١).
وإذا وكل رجل بشراء شيء بعينه لا يملك أن يشتريه لنفسه ، وإذا اشترى يقع
الشراء للموكل ؛ لأن شراءه لنفسه عزل لنفسه عن الوكالة، وهو لا يملك العزل إلا
بمحضر من الموكل.
أما إذا وكل بشراء شيء بغير عينه، فيكون الشراء لنفسه ، إلا أن ينويه للموكل .
والوكيل بالشراء لا يملك الشراء من نفسه، كما لا يملكه الوكيل بالبيع، وهذا باتفاق
الحنفية والشافعية والحنابلة ؟ لأن حقوق العقد كما عرفنا ترجع عند الحنفية والشافعية
إلى الوكيل، ولا يمكن أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلماً ومتسلماً،
مطالباً ومطالَباً، ولأنه متهم في الشراء من نفسه. وروي عن الإمام مالك : أنه يجوز
للوكيل أن يشتري من نفسه بثمن المثل فأكثر ).
كذلك لا يملك الشراء من أبيه وجده وولده وولد ولده وزوجته، وكل من
لا تقبل شهادته له عند أبي حنيفة. وأما عند الصاحبين: فيجوز إذا اشترى بمثل
القيمة أو بأقل أو بزيادة يتغابن الناس في مثلها. وقد ذكرنا أدلة مختلف الآراء في
الوكالة بالبيع، وتعرف آراء المذاهب في الشراء لنفسه وأصوله وفروعه من حكم البيع
لنفسه .
وإذا وكل إنسان بشراء طعام، فيراد به الحنطة والدقيق بقرينة الشراء في
العرف .
بداية المجتهد: ٢٩٨/٢، الشرح الكبير: ٣٨٢/٣، المهذب: ٣٥٤/١، المغني: ١٢٤/٥.
(١)
(٢)
بداية المجتهد، المرجع السابق، المغني: ١٠٧/٥ وما بعدها، الميزان للشعراني: ٨٥/٢.
- ١١٢ -

وإذا وكل بشراء لحم ينصرف المقصود إلى اللحم الذي يباع في السوق، ويشتري
الناس منه في الأغلب من لحم الضأن والمعز والبقر والإبل إن جرت العادة بشرائه ،
ولا ينصرف المراد إلى المشوي والمطبوخ إلا إذا كان مسافراً، ولا إلى لحم الطير
والوحش والسمك ولا إلى شاة حية ولا إلى مذبوحة غير مسلوخة ، لعدم جريان
العادة بشرائه ، ولا إلى البطن والكرش والكبد والرأس والكراع، لأنها ليست بلحم
عرفاً .
ولو وكل إنسان بشراء سمك ، فيراد به الطري الكبير، لا المالح ولا الصغير،
لأن العادة كذلك .
ولو وكل بشراء الرأس ، فيقصد منه الرأس النيء لا المطبوخ والمشوي ويحدد
المطلوب برأس الغنم دون الإبل والبقر إلا في موضع جرت العادة بما اشتراه .
ولو وكل بشراء فاكهة ، فله أن يشتري أي فاكهة تباع في السوق عادة . وإذا
وكل بشراء البيض فيراد به بيض الدجاج. وإذا وكل بشراء لبن فيراد به ما يباع عادة
في السوق من الغنم والبقر والإبل .
وبه يلاحظ أن المقصود فيما يوكل الإنسان بشرائه يتحدد بحسب العرف السائد
5
عادة وفعلاً بحسب كل زمان ومكان .
علاقة الوكيل بالشراء بموكله :
إذا دفع الوكيل بالشراء الثمن من ماله من غير صريح إذن الموكل وقبض المبيع ،
فله أن يرجع به على الموكل لوجود الإذن دلالة ؛ لأن حقوق العقد كما سنبين لما كانت
عائدة إلى العاقد وقد علم الموكل بالثمن ، يكون راضياً بدفعه. فإن هلك المبيع في يد
الوكيل قبل حبسه عن الموكل ، هلك من مال الموكل ، ولم يسقط الثمن ؛ لأن يده كيد
الموكل . وللوكيل بالشراء أن يحبس المبيع في يده حتى يستوفي الثمن ، وإن لم يكن قد
دفعه بعد ؛ لأنه مع الموكل بمنزلة البائع. فإن حبسه لاستيفاء الثمن ، فهلك في يده،
- ١١٣ -
الفقه الإسلامي جـ ٥ (٨)

كان مضموناً عليه ضمان الرهن عند أبي يوسف، فيضمن الأقل من قيمته ومن الثمن ،
وضمان الغصب عند زفر فيجب مثله أو قيمته بالغة ما بلغت، وضمان المبيع عند أبي
حنيفة ومحمد، فيسقط الثمن قليلاً كان أو كثيراً(١).
وأما علاقة الوكيل بمن تعامل معه لحساب الموكل فهي تنفيذ حقوق العقد ،
كدفع الثمن والرد بالعيب ما دام المبيع في يده .
ثانياً - حقوق العقد وحكمه في الوكالة :
حقوق العقد : هي الأعمال التي لا بد منها للحصول على الغاية والغرض من
العقد، مثل تسليم المبيع ، وقبض الثمن ، والرد بالعيب أو بخيار الرؤية أو الشرط ،
وضمان رد الثمن إذا استحق المبيع مثلاً(٢).
وقد اتفق الفقهاء على أن الوكيل إذا أضاف العقد إلى الموكل في العقود التي تتم
بالإيجاب والقبول كالبيع ، تنصرف حقوق العقد إلى الموكل . فإن أضاف العقد إلى
نفسه، فالقاعدة العامة في التوكيل بالبيع والشراء : أن حقوق العقد ترجع عند
الجمهور إلى الوكيل، فهو الذي يلتزم بتسليم المبيع ويقوم بتسليمه فعلاً وبقبضه، وهو
الذي يقبض الثمن ويطالب به ، ويخاصم في الرد بالعيب، ونحوها .
وعند الحنابلة ترجع إلى الموكل ، على تفصيل سيأتي قريباً .
قال الحنفية : الوكالة : منها - ما لا حقوق له إلا ما أمر به الوكيل، كالوكالة
بتقاضي الدين ، والوكالة بالملازمة(٣) ونحوهما .
الكتاب مع اللباب: ١٤٣/٢، الهداية: ١٤٠/٣، تكملة ابن عابدين: ٣٠٤/٧، الدسوقي: ٣٨١/٣، المهذب :
(١)
٣٥٣/١، كشاف القناع: ٣ /٤٦٠، ٤٦٧.
الاستحقاق : هو أن يدعي أحد ملكية شيء موجود في يد غيره ويثبتها بالبينة ، ويقضى له بها .
(٢)
هو أن يقول إنسان لآخر : وكلتك بأن تلازم فلاناً بمال لي عليه حتى يدفعه لي ، ويختار للملازمة عادة أسفه
(٣)
الناس ومن يتأذى المدين بملازمته .
- ١١٤ -

ومنها - ما تعود حقوقه للوكيل ، ومنها ما تعود حقوقه للموكل .
أ - والقاعدة العامة في هذا عند الحنفية أن كل عقد لا يحتاج فيه إلى
إضافته إلى الموكل ويكتفى فيه بالإضافة إلى نفسه : فحقوقه راجعة إلى
العاقد، كالبياعات والأشرية والإجارات والصلح الذي هو في معنى البيع (أي الصلح
عن إقرار) فحقوق هذه العقود ترجع للوكيل وعليه ، مثل تسليم المبيع ، وقبض
الثمن ، والمطالبة بالثمن إذا اشترى ، وقبض المبيع ، والمخاصمة بالعيب.
فيجب عليه تسليم المبيع إلى المشتري، وقبض الثمن . وإذا وجد المشتري بالمبيع
عيباً فله أن يخاصم الوكيل ، وإذا ظهر أن المبيع مستحق لغير البائع، فيجب على
الوكيل الضمان ، إلا إذا كان العاقد ليس من أهل لزوم العهدة (أي ليس أهلاً
للمسؤولية والتزام الحقوق ) كالصبي المحجور عن التصرف، والقاضي ، وأمين القاضي،
ونحوهم ، فحينئذ ترجع حقوق العقد للموكل نفسه لا إلى الوكيل، وكذلك ترجع
حقوق العقد للموكل ، إذا أضاف الوكيل العقد إلى الموكل .
وللوكيل أن يوكل غيره في تحمل حقوق العقد، وليس للموكل أن يباشر شيئاً
منها بنفسه ما دام الوكيل قائماً ، فإذا طالب الموكل بالبيع المشتري بالثمن ، فللمشتري
أن يمنعه من قبضه؛ لأنه أجنبي عن العقد وحقوقه؛ لأن الحقوق إلى العاقد. فإن دفع
المشتري الثمن إلى الموكل جاز؛ لأن نفس الثمن المقبوض يعتبر حقه، وليس للوكيل أن
يطالبه به ثانياً لعدم الفائدة لأنه لو أخذه منه لوجب عليه إعادته له .
ب - وكل عقد يحتاج فيه إلى إضافته إلى الموكل ، أي أن يذكر اسم
الموكل في عبارته ليدل على أنه يتصرف له : فحقوقه ترجع إلى الموكل
كالنكاح، والطلاق على مال، والخلع ، والصلح عن دم العمد، والصلح عن إنكار
المدعى عليه، ونحوها ، فحقوق هذه العقود تكون للموكل وعليه، والوكيل فيها
يكون سفيراً ومعبراً محضاً، حتى إن وكيل الزوج في النكاح لا يطالب بالمهر، وإنما
- ١١٥ -

يطالب به الزوج ، إلا إذا ضمن المهر، فحينئذ يطالب به بحكم الضمان ، ووكيل المرأة
في النكاح لا يملك قبض المهر، ولا يلزم وكيل المرأة تسليمها . وكذا الوكيل بالخلع
لا يملك قبض بدل الخلع إن كان وكيلاً عن الزوج، وإن كان وكيلاً عن المرأة
لا يطالب ببدل الخلع إلا بالضمان، وكذا الوكيل بالصلح عن دم العمد .
جــ وكذلك العقود التي لا تتم إلا بالقبض ، أي العقود العينية كالهبة
والقرض والإعارة والرهن ونحوها لا بد من إضافتها إلى الموكل وترجع الحقوق له،
وإلا وقع العقد للوكيل. والسبب في أن هاتين الفئتين من العقود لا بد فيها من
نسبة العقد للأصيل : هو أنه يكون للاعتبار الشخصي فيها المقام الأول .
هذا مذهب الحنفية(١، ويذكرون في كتبهم كعادتهم في كثير من الأحيان : أن
الشافعية يخالفونهم، فيجعلون حقوق العقد راجعة للموكل دون الوكيل(٣)، إلا أن
الواقع يوجب الاعتماد في نقل أحكام المذاهب على الكتب المعتمدة عند أصحابها ، ففي
كتاب المنهاج للنووي نص صريح على أن أحكام العقد أي ( حقوقه) تتعلق بالوكيل
دون الموكل(٢)، فهم كالحنفية في هذا .
وكذلك قال المالكية : ترجع حقوق العقد للوكيل من قبض الثمن وغيره لا
للموكل (٤).
(٤)
(١) مختصر الطحاوي: ص ١٠٩، البدائع: ٣٣/٦ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ١٦/٦ وما بعدها، رد المحتار:
٤١٩/٤ ، مجمع الضمانات: ص ٢٤٣ ، الكتاب مع اللباب : ١٤١/٢ .
(٢)
راجع البدائع مثلاً: ٣٣/٦، تبيين الحقائق للزيلعي: ٢٥٦/٤، تكملة فتح القدير: ١٧/٦ .
نهاية المحتاج شرح المنهاج للرملي : ٤٧/٤، مغني المحتاج للخطيب الشربيني: ٢٣٠/٢ وما بعدها، المهذب :
(٣)
٣٥٣/١ .
الشرح الصغير: ٥٠٦/٣ وما بعدها، المدونة الكبرى: ٨٣/١٠، ١٨٦، ط ١٣٢٣ هـ . قال العلامة خليل
(٤)
وشارحه الدردير: ٣٨٢/٣: وطولب الوكيل بالعهدة من عيب أو استحقاق ما لم يعلم المشتري أنه وكيل ( أي
كالسمسار) وإلا فالطلب على الموكل لا الوكيل إلا أن يكون مفوضاً أي فإن كان مفوضاً كان للعاقد الرجوع
عليه وعلى الموكل ، كالشريك المفوض .
- ١١٦ -

أما الحنابلة فيقولون: إن حقوق العقد ترجع للموكل دون الوكيل ؛ لأن
الوكيل عندهم مجرد سفير ومعبر عن العاقد الأصيل(١). وفي هذا الرأي إضاعة للغرض
من الوكالة ؛ لأن الموكل يوكل غيره في أموره ليخفف من عناء مباشرته لها بنفسه أو
لأنه لا يليق به أن يباشرها، أو لعدم قدرته على القيام بها ، فإذا عادت الحقوق
للموكل نفسه لم يتحقق له الغرض من الوكالة(٢).
هذا الاختلاف بين المذاهب محصور فيما إذا لم يصرح الوكيل بأن التعاقد لحساب
الأصيل، فإن صرح بأن التعاقد باسم الأصيل فالمذاهب مجمعة على ثبوت حكم العقد
وحقوقه معاً تقع للأصیل دون النائب .
يستفاد من هذا البحث معرفة حقوق كل من الموكل والوكيل وواجباتها في
البيع ، فواجبات الموكل في الوكالة بالبيع : تحمل الخسارة العارضة إذا لم يكن تعد أو
تفريط، ودفع الأجر للوكيل إن كانت الوكالة بأجر ونفذ العمل ، وحق الموكل تنفيذ
الوكيل ما التزم به في حقه .
وواجبات الوكيل بالبيع : التقيد بالقيود ومراعاة الشروط المبينة في الوكالة
المقيدة، ومراعاة العرف والعادة في الوكالة المطلقة .
وواجبات الموكل في الوكالة بالشراء : دفع ثمن السلعة المشتراة، وتحمل الخسارة
العارضة في التصرف الموكل فيه إذا لم تكن بتعدٍ أو تفريط ، ودفع أجر الوكيل إن
كانت الوكالة بأجر.
وواجبات الوكيل بالشراء : الشراء بثمن المثل عملاً بالعرف، وشراء السلعة
السليمة من العيوب عند الجمهور غير أبي حنيفة ، وعليه عند الحنفية شراء الشيء المعين
كشاف القناع: ٤٦٧/٤، المغني: ٩٧/٥، غاية المنتهى: ١٥٦/٣، مطالب أولي النهى : ٤٦٢/٣.
(١)
(٢)
الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى : ص ٣٧٦ .
- ١١٧ -

للموكل لا لنفسه وأقاربه، وعليه عند المالكية فعل كل ما فيه مصلحة للموكل ، فإن
خالف الوكيل شروط الموكل كان عند الحنفية مشترياً لنفسه.
وحقوق الوكيل بالشراء : الشراء بأقل مما عينه له الموكل ؛ لأنه خلاف إلى خير،
والرجوع على الموكل بما دفع من ماله ثمناً للسلعة المشتراة للموكل، وحبس ما اشتراه
للموكل حتى يستوفي الثمن منه ، والرد بالعيب ما دام المعيب في يده .
حكم العقد : تكلمنا عن حقوق عقد الوكالة التي ترجع إلى الوكيل عند الحنفية
والشافعية . وقد رأينا من المناسب أن نذكر حكم العقد هنا استطراداً .
المراد بحكم العقد : هو الغرض والغاية منه :
أ - ففي عقد البيع ونحوه مما يتوقف على الإيجاب والقبول يكون الحكم هو
ثبوت الملكية في المبيع للمشتري وفي الثمن للبائع . وقد اتفق الفقهاء على أن حكم العقد
الذي يتم بواسطة وكيل يقع للموكل نفسه لا للوكيل ؛ لأن الوكيل متكلم باسم الموكل
وعاقد له، فهو قد استمد ولايته منه. وينصرف حكم العقد للموكل عند الجمهور
مطلقاً، سواء أضاف الوكيل العقد لنفسه أم أسنده إلى الموكل . وعند المالكية :
ينصرف الحكم للموكل إذا أعلن الوكيل في العقد أنه يعمل لحساب موكله .
--
وتثبت الملكية للموكل مباشرة بمجرد تمام العقد أي من ابتداء الأمر دون حاجة
لثبوتها للوكيل أولاً ، ثم انتقالها عنه لموكله، وهذا في المذاهب الأربعة ؛ لأن الوكيل
يعمل في الحقيقة لموكله وبأمره (١). ويترتب عليه أن المسلم لو وكل ذمياً بشراء خمر أو
خنزير لم يصح الشراء؛ لأن المسلم ليس له أن يتملك شيئاً من هذين . هذا هو مذهب
الحنفية لا ما تذكره كتب الحنابلة والمالكية من أن مذهب أبي حنيفة أن الملكية
تنتقل إلى الوكيل ثم إلى الموكل .
(١) تبيين الحقائق للزيلعي: ٢٥٦/٤، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص ١٣٧ ، المغني لابن
قدامة: ١٢٠/٥، مغني المحتاج: ٢٢٩/٢ وما بعدها ، بداية المجتهد: ٢٩٨/٢، المهذب: ٢٥٦/١ .
- ١١٨ -

ب - العقود التي لا تتم إلا بالقبض كالهبة والإعارة: يقع حكم العقد
للموكل ولو أضاف الوكيل العقد لنفسه بأن قال: وهبت أو أعرت هذا الشيء؛ لأن
الوكيل في هذه العقود مجرد سفیر ومعبر .
جــ عقد الزواج: إذا أضاف العقد لموكله بأن قال: تزوجك فلان ، انصرف
حكمه إلى الموكل . وإذا أضافه إلى نفسه فقال : تزوجتك، كان الزواج له لا لموكله .
د - الطلاق مثل الزواج في التفصيل السابق، إن كان وكيلاً عن الزوج، فإن
كان وكيلاً عن الزوجة ، فلا بد من إضافة الطلاق إليها ، فيقول : طلِّق فلانة على
كذا .
ثالثاً - حال المقبوض في يد الوكيل :
اتفق الفقهاء على أن المقبوض في يد الوكيل يعتبر أمانة بمنزلة الوديعة ونحوها؛
لأن يده يد نيابة عن الموكل بمنزلة يد الوديع، فيضمن بما يضمن في الودائع ، ويبرأ بما
يبرأ فيها، ويكون القول قوله في دفع الضمان عن نفسه(١). ومجمل القول في سبب
الحكم: هو أن الوكيل أمين فلا ضمان عليه لموكله إلا إذا حدث منه تعد أو تفريط ،
ويتحمل الموكل الخسارة العارضة إذا لم تكن بتعدٍ أو تفريط من الوكيل .
وبناء على هذه القاعدة ذكر ابن قدامة في المغني حكم ستة أحوال يختلف فيها
الوكيل والموكل عادة ، نذكرها باختصار:
أحدها - أن يختلفا في تلف أو ضياع المال ، فقال الوكيل : تلف مالك في يدي ، أو
ضاع ، فيكذبه الموكل ، فالقول بالاتفاق قول الوكيل مع يمينه ، لأنه أمین ، وهذا مما يتعذر
(١) راجع البدائع: ٣٤/٦، مجمع الضمانات: ص ٢٥١، درر الحكام: ٢٨٧/٢ ، بداية المجتهد: ٢٩٩/٢ ، الشرح
الصغير: ٥١٩/٣، مغني المحتاج: ٢٣٠/٢، المهذب: ٣٥٧/١ وما بعدها ، المغني : ٩٤/٥.
- ١١٩ -

إقامة البينة عليه ، فلا يكلف بالبينة كالوديع . واستثنى الحنابلة حالة ادعاء الوكيل التلف
بأمر ظاهر كالحريق والنهب ونحوهما ، فعليه إقامة البينة على وجود التلف.
ثانيها - أن يختلفا في تعدي الوكيل أو تفريطه في الحفظ ومخالفته أمر الموكل ،
مثل : أن يدعي عليه أنه حمل الدابة فوق طاقتها أو فرط في حفظها ، أو أمره برد
المال فلم يفعل ، ونحوها ، فالقول قول الوكيل أيضاً مع يمينه، لأنه أمين كما ذكرنا .
والمشهور عند المالكية أن يحكم بقول الموكل(١).
والوكيل أمين سواء أكانت الوكالة بجعل أم بغير جعل ؛ لأن الوكيل نائب عن
الموكل في اليد (أي الحيازة) والتصرف، فكان الهلاك في يده كالهلاك في يد المالك،
فلا یضمن ما تلف في يده بلا تعد .
ثالثها - أن يختلفا في التصرف، فيقول الوكيل : بعت الثوب وقبضت الثمن ،
فتلف ، فيقول الموكل : لم تبع ولم تقبض . أو يقول : بعت ولم تقبض شيئاً، أي أن
الخلاف إما في حدوث البيع ، أو في قبض الثمن بعد الاتفاق على البيع ، فالقول قول
الوكيل عند الحنابلة والحنفية؛ لأنه يملك البيع والقبض ، فيقبل قوله فيهما(٢).
وعند الشافعية قولان : أصحهما أنه يصدق قول الموكل بيمينه ؛ لأن الأصل عدم
التصرف ، وبقاء ملك الموكل(٣).
رابعها - أن يختلفا في رد الشيء الموكل فيه إلى الموكل، فيدعيه الوكيل وينكره
الموكل ، فالقول قول الوكيل عند أئمة المذاهب الأربعة في الراجح منها ، سواء أكانت
الوكالة بجعل أم بغير جعل ؛ لأن الموكل ائتمنه، وإذا كانت الوكالة بجعل، فإن الوكيل
ينتفع بالعمل بالعين لا بالعين نفسها ، فلم يكن قبضه لنفع نفسه كالمستعير(٤).
بداية المجتهد : ٢٩٩/٢ وما بعدها .
(١)
(٢)
البدائع: ٣٦/٦، المغني : ٩٥/٥ .
(٣)
مغني المحتاج : ٢٣٥/٢، المهذب : ٣٥٧/١ .
البدائع، المرجع السابق، المبسوط: ١٠/١٩، المغني، المرجع السابق: ص ٩٦، مغني المحتاج: ٢٣٥/٢، المهذب:
(٤)
١ / ٣٥٨، بداية المجتهد: ٢٩٩/٢.
- ١٢٠ -