Indexed OCR Text
Pages 1-20
الفِقَةُ الإِسْلامِ وَالْلِيَةُ الشّامل للأدلّة الشرعيّة والآراء المذهبيّة وأهم النظريات الفقهيّة وتحقيق الأحاديث النبوية وتخريجها وَفَهْرَة الفَبَائِيَّة للمَوْضُوعَاتِ وَأَهَمّ المَسَائِلِ الفِقهِيَّة ((مَن يُرِدِ اللَّهِ بِهِ خَيرًا يُفْقِّهُهُ فِي الِيَّنِ)) تأليف بازحلي الدكتور وهبةالسبع الى الجزء الخامس تمس العقود، الملكية وتوابعها دار الفكر قفـ الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ = ١٩٨٥ م ط ١ ١٤٠٤ هـ = ١٩٨٤ م . الله تعالى جميع الحقوق محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير ، كما يمنع الاقتباس منه ، والترجمة إلى لغة أخرى ، إلا بإذن خطي من دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر بدمشق سورية - دمشق - شارع سعد الله الجابري - ص.ب ( ٩٦٢) - س. ت ٢٧٥٤ هاتف ٢١١٠٤١، ٢١١١٦٦ - برقياً: فكر - تلكس Tx FKR 411745 Sy الصف التصويري : على أجهزة .C.T.T السويسرية الإفشاء (أوفست) : في المطبعة العلمية بدمشق وقَمْـ ◌ُ اللهِالرّحْزِ الرَّحَيْ ١٠ لله تعالى الفِقَةُ الإِسْلامِ وَالأَلِنَّةُ الله تعالى قف الفصل السّادس الهبة خطة الموضوع : بيان الهبة في المباحث الستة الآتية : المبحث الأول - تعريف الهبة ومشروعيتها . المبحث الثاني - ركن الهبة . المبحث الثالث - شروط الهبة . المبحث الرابع - حكم الهبة . المبحث الخامس - موانع الرجوع في الهبة . المبحث السادس - عطية الأبناء . لله تعالى المبحث الأول - تعريف الهبة ومشروعيتها : الهبة تشمل الهدية والصدقة ؛ لأن الهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة ، فإن قصد منها طلب التقرب إلى الله تعالى بإعطاء محتاج، فهي صدقة، وإن حملت إلى مكان المهدى إليه ، إعظاماً له وتودداً، فهي هدية، وإلا فهي هبة . والعطية : الهبة في مرض الموت. والهبة في الاصطلاح الشرعي: عقد يفيد التمليك بلا عوض حال الحياة تطوعاً(١)، وعرفها الحنابلة(٢) بأنها: تمليك جائز التصرف مالاً مغني المحتاج: ٢٩٦/٢، المغني: ٥٩١/٥، فتح القدير: ١١٣/٧ حاشية ابن عابدين: ٤ /٠٥٣٠ (١) (٢) غاية المنتهى: ٣٢٨/٢، كشاف القناع: ٣٢٩/٤. - ٥ - معلوماً أو مجهولاً تعذر علمه(١)، موجوداً، مقدوراً على تسليمه، غير واجب، في الحياة ، بلا عوض، بما يعد هبة عرفاً(٢) من لفظ هبة وتمليك ونحوهما . والقيود احتراز عن العارية، ونحو كلب، وحَمُل، ونفقة زوجة، ووصية، ونحو بيع. فكلمة تمليك لإخراج العارية، والمال لإخراج ما ليس بمال كالكلاب، والمقدور على تسليمه لإخراج الحمل، وغير الواجب لإخراج الديون والنفقات، وفي الحياة لإخراج الوصية، وبلا عوض لإخراج عقود المعاوضات . والهبة مشروعة مندوب إليها لقوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾. وقوله سبحانه: ﴿ وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ... ) الآية. ولقوله ح لل: ((تهادوا تحابوا))(٣)، وقوله عليه السلام: ((لا تحقرن جارة أن تهدي لجارتها ولو فرسن شاة))(٤): أي ظلفها، وهو في الأصل خف البعير، فاستعير للشاة، وقوله أيضاً: ((العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه))(٥). بأن اختلط مال اثنين على وجه لا يتميز، فوهب أحدهما الآخر ماله. (١) قوله بما يعد هبة : متعلق بتمليك، والباء للسببيةٌ. (٢) أخرجه أصحاب الكتب المشهورة عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعائشة، وروي (٣) مرسلاً، فحديث أبي هريرة رواه البخاري في الأدب المفرد وأبو يعلى والنسائي والبيهقي وابن عدي، وقال ابن حجر: ((إسناده حسن)) وذلك لكثرة شواهده. وإن كان في كل رواته مقال. وحديث ابن عمرو رواه الحاكم. وحديث ابن عمر رواه ابن القاسم الأصبهاني، وحديث عائشة رواه الطبراني في الأوسط. وأما الحديث المرسل : فرواه مالك في الموطأ عن عطاء الخرساني (راجع نصب الراية: ١٢٠/٤، سبل السلام: ٩٢/٣، نيل الأوطار: ٣٤٧/٥، التلخيص الحبير: ص ٢٥٩). (٤) رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة (راجع جامع الأصول: ١٢ / ٢٦٢، التلخيص الحبير: ص ٢٥٩، سبل السلام: ٩٣/٣). (٥) أخرجه أصحاب الكتب الستة عن ابن عباس ولفظه: ((ليس لنا مثل السوء: الذي يعود في هبته كالكلب يقيء، ثم يعود في قيئه)) وفي رواية: ((كالكلب يقيء، ثم يعود فيه فيأكله)) وفي رواية أبي داود: ((العائد في هبته كالعائد في قيئه)) قال قتادة: ((ولا نعلم القيء إلا حراماً)» (راجع جامع الأصول: ١٢ /٢٦٥، نصب الراية: ٤ / ١٢٦). - ٦ - وانعقد الإجماع على استحباب الهبة بجميع أنواعها، قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾. وهي للأقارب أفضل ؛ لأن فيها صلة الرحم(١). واتفق الأئمة على أن الهبة تصح بالإيجاب والقبول والقبض ، وأجمعوا على أن الوفاء بالوعد في الخير مطلوب، وعلى أن تخصيص بعض الأولاد بالهبة مكروه، وكذا تفضيل بعضهم على بعض(٢) . المبحث الثاني - ركن الهبة : ركن الهبة عند الحنفية: هو الإيجاب والقبول قياساً؛ لأنه عقد كالبيع، وكذا القبض ركن كما في المبسوط ؛ لأنه لابد منه لثبوت الملك ، بخلاف البيع. واستحساناً عند الكاساني وبعض الحنفية : ليس القبول من الموهوب له ركناً، وإنما الركن فقط هو الإيجاب من الواهب؛ لأن الهبة في اللغة عبارة عن مجرد إيجاب المالك من غير شرط القبول، وإنما القبول لثبوت حكمها أي الأثر المترتب عليها، وهو نقل الملكية . وفائدة الاختلاف تظهر فيمن حلف لا يهب هذا الشيء لفلان، فوهبه منه، فلم يقبل: يحنث استحساناً ، ولا يحنث قياساً، وأكثر شراح الحنفية(٣) على أن الهبة تتم بالإيجاب وحده في حق الواهب، وبالإيجاب والقبول في حق الموهوب له؛ لأن الهبة عقد تبرع، فيتم بالمتبرع كالإقرار والوصية، لكن لا يملكه الموهوب له إلا بالقبول والقبض ، لكن نصت المادة ٨٣٧ من المجلة على أنه ((تنعقد الهبة بالإِيجاب والقبول، وتتم بالقبض)). وأركان الهبة عند الجمهور(٤) أربعة: هي الواهب، والموهوب له، والموهوب ، والصيغة . المبسوط : ٤٧/١٢ وما بعدها، والمراجع السابقة قبل تخريج هذه الأحاديث. (١) (٢) الميزان للشعراني: ٩٩/٢، فتح القدير، المرجع السابق. المبسوط: ٥٧/١٢، البدائع: ١١٥/٦، العناية على تكملة فتح القدير معها: ١١٣/٧ وما بعدها، حاشية ابن (٣) عابدين: ٤ /٥٣١، تكملة ابن عابدين: ٣٢٩/٢. القوانين الفقهية: ص ٣٦٦، الدسوقي: ٩٧/٤ وما بعدها . (٤) - ٧ - أما الواهب: فهو المالك إذا كان صحيحاً مالكاً أمر نفسه. فإن وهب المريض ثم مات، كانت هبته في ثلث تركته عند الجمهور. وأما الموهوب له : فهو كل إنسان ويجوز أن يهب الإنسان ماله كله لأجنبي اتفاقاً. وأما هبة جميع ماله لبعض ولده دون بعض أو تفضيل بعضهم على بعض في الهبة، فمكروه عند الجمهور، وإن وقع جاز. وأما الموهوب : فكل مملوك . وأما الصيغة : فكل ما يقتضي الإيجاب والقبول من قول أو فعل كلفظ الهدية والهبة والعطية والنحلة ، وشبه ذلك . والإيجاب: إما صريح، مثل : أن يقول الواهب: وهبت هذا الشيء لك، أو ما يجري مجرى الصريح كقوله، ملكته منك، أو جعلته لك أو هو لك، أو أعطيته، أو نحلته، أو أهديته إليك، أو أطعمتك هذا الطعام، أو حملتك على هذه الدابة، ونوى به الهبة ؛ لأن تمليك العين للحال أو جعلها له من غير عوض هو معنى الهبة، ولأن بقية الألفاظ تفيد التمليك في الحال في عرف الناس أو في استعمالهم . هذا في الإيجاب المطلق ، أما إذا كان مقروناً بقرينة فهي لا تخلو إما أن تكون القرينة وقتاً، أو شرطاً، أو منفعة(١). مثال الإيجاب المقترن بقرينة الوقت (العمرى): أن يقول: ((أعمرتك هذه الدار، أو جعلت هذه الدار لك عمري(٢)، أو عمرك، أو حياتك أو حياتي، فإذا مت أنا فهي رد على ورثتي)) فهذا كله هبة ، وهي للمعمر له في حياته، ولورثته بعد راجع التفصيل في البدائع: ١١٦/٦ وما بعدها . (١) (٢) العمرى: ما يجعل للإنسان طول عمره، وإذا مات ترد عليه، بأن يقول الرجل: أعمرتك داري هذه أو عمري، أو مدة حياتك أو ما حييت. فالعمرى نوع من الهبة، مأخوذة من العمر، كذا كانوا يفعلونه في الجاهلية، فأبطل الشرع ذلك . - ٨ - وفاته، لصحة التمليك، والتوقيت باطل، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أمسكوا عليكم أموالكم، لا تعمروها، فإن من أعمر شيئاً، فإنه لمن أعمره))(١) أي المعمر له أو الموهوب له؛ ولأن الهبة لا تبطل بالشرط الفاسد بخلاف عقود المعاوضات المالية، ومنها البيع فإنها أي المعاوضات تفسد بالشرط الفاسد للنهي عن بيع وشرط . ومثال الإيجاب المقترن بشرط (الرقبى): أن يقول: ((هذه الدارلك رقبى(٢) أو حبيسة)) فهي عارية في يده، ويأخذها منه متى شاء عند أبي حنيفة ومحمد، واستدلا بما روي عن الرسول ع قيل أنه أجاز العمرى وأبطل الرقبى(٣)، ولأن قوله ذلك تعليق للتمليك بأمر على خطر الوجود وخطر العدم، والتمليكات لا تحتمل التعليق بالخطر الاحتمالي المتردد بين الوجود وعدم الوجود فلم تصح هبة، وصحت عارية ؛ لأنه دفع الدار إليه، وأطلق له الانتفاع به، وهذا معنى العارية . وقال أبو يوسف والشافعية والحنابلة (٤): إذا قبضها فهي هبة، وقوله: ((رقبى، وحبيسة)) باطل: ودليلهم ما روي عن الرسول ◌َ ◌ّ أنه أجاز العمرى والرقبى(٥)، (١) أخرجه البخاري ومسلم والموطأ وأحمد وأصحاب السنن الأربعة بألفاظ مختلفة عن جابر بن عبد الله، منها: ما اتفق عليه الشيخان بلفظ: ((العمرى لمن وهبت له)) ومنها: ما رواه مسلم وأحمد بلفظ: ((أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً، ولعقبه)). (راجع جامع الأصول: ١١٢/٩، نيل الأوطار: ١٣/٦، سبل السلام: ٩٢/٣). الرقبى: أن يقول: ((إن مت أنا قبلك فهو لك، وإن مت أنت قبلي فهو لي)) سميت بذلك، لأن كلاً منهما (٢) يترقب، وينتظر موت الآخر قبل موته. قال الزيلعي عن هذا الحديث: غريب (راجع نصب الراية: ٤ /١٢٨). (٣) المغني : ٦٢٤/٥ ، تحفة الطلاب : ص ١٧٢ . (٤) هذا الحديث ثابت في رواية عن جابر في الحديث السابق الذي خرجناه بلفظ: (( العمرى جائزة لأهلها ، (٥) والرقبى جائزة لأهلها )) ويؤيد ذلك أحاديث منها : ما روي عن ابن عمر مرفوعاً عند النسائي وابن ماجه : (( لا عمرى ولا رقبى، فمن أعمر شيئاً، أو أرقبه، فهو له حياته ومماته)» ومنها : ما أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه عن زيد بن ثابت بلفظ: (( من أعمر شيئاً فهو لمعمره حياته ومماته ، ولا ترقبوا ، فمن أرقب شيئاً فهو سبيله)) ومنها : ما روى النسائي عن ابن عباس ، وما روى الترمذي عن سمرة بن جندب، وغير ذلك ( راجع جامع الأصول: ١١١/٩ - ١١٥، نصب الراية: ١٢٨/٤ ، نيل الأوطار: ١٢/٦ ومابعدها، سبل السلام: ٩١/٣ ، التلخيص الحبير: ص ٢٦٠). - ٩ - ولأن قوله: ((داري لك)) تمليك العين، لا تمليك المنفعة، وقياساً على قوله: ((هي عمری)». أما المالكية(١) فقد أجازوا العمرى وأبطلوا الرقبى كالحنفية، وعرفوا العمرى بأنها تمليك منفعة عقار أو غيره لشخص بغير عوض مدة حياته. فإذا مات المعمر له رجع الشيء المعمر لمن أعمره له، إن كان حياً، ولورثته إن كان ميتاً. وأما الرقبى : فهي اتفاق اثنين على أن من مات منهما قبل الآخر يكون ماله للآخر الحي . والخلاصة: أجاز أكثر العلماء العمرى والرقبى، على أنها نوعان من الهبة يفتقران إلى الإيجاب والقبول والقبض ونحوه. ومنع الحنفية والمالكية الرقبى وأجازوا العمرى . ومثال الإيجاب المقترن بالمنفعة (المنحة): أن يقول: ((هذه الدارلك سكنى))، أو ((هذه الشاة، أو هذه الأرض لك منحة)) فهي عارية باتفاق الحنفية(٢)؛ لأنه لما ذكر ((السكنى)) دل على أنه أراد تمليك المنافع، ولأن المنحة عبارة عن بذل المنافع ، فإذا أضاف ذلك إلى عين ينتفع بها مع بقائها ، عمل بحقيقته . أما إذا أضاف إلى شيء لا ينتفع به إلا باستهلاكه، كما إذا منحه طعاماً ، أو لبناً ،. فإنه يكون هبة ؛ لأنه لا منفعة له مع قيام عينه . وبناء على هذه التفرقة قالوا: إن عارية الأعيان تمليك المنافع، وعارية المكيل والموزون ومنها الدراهم والدنانير قرض، ويكون تمليك العين(٣) ، فالعارية: هي عارية استعمال . والقرض : هو عارية استهلاك . الشرح الكبير مع الدسوقي : ٩٧/٤ وما بعدها . (١) هذا في استعمال الماضين ، وفي عصرنا يراد بالمنحة الهبة تماماً . (٢) (٣) البدائع : ٢١٥/٦ . - ١٠ - وكذا لوقال: ((هذه الدار لك سكنى عمرى، أو عمرى سكنى» فهي عارية، لأنه لما ذكر السكنى دل على أنه أراد تمليك المنافع، ولأن قوله: ((سكنى)) موضوع للمنفعة لا تستعمل إلا لها. وكلمة ((عمرى)) صفة أو نعت وهي قيد في الموصوف قبلها ، فدل على أنها عارية . وكذا إذا قال: ((هبة سكنى، أو سكنى هبة)) فهي عارية، لأنه لما ذكر ((سكنى)) بعد ذكر ((الهبة)) كان تفسيراً للهبة ، لأن الهبة تحتمل هبة العين ، وهبة المنافع ، فإذا قال: ((سكنى)) فقد عيَّن هبة المنافع(١)؛ لأن هذه الكلمة نعت أو صفة لما تقدمها، والصفة قيد في الموصوف . وإن قال: ((هذه الدار لك عمرى تسكنها، أو صدقة تسكنها)) فهي هبة وصدقة ، لأن في هذا المثال لم يفسر الهبة عن طريق النعت ، وإنما وهب الدار منه، ثم أشار عليه فيما يعمل بملكه، والمشورة في ملك الغير باطلة، فيكون شرطاً فاسداً، والهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة(٢)، فتعلقت الهبة بالعين. وأما قوله ((تسكنها)) فهو بمنزلة قوله ((لتسكنها)) كما إذا قال: ((وهبتها لك لتؤجرها)). ولو قال: ((هي لك هبة تسكنها)) كانت هبة أيضاً، كما في المثال السابق(١). المبحث الثالث - شروط الهبة : هناك شروط في الواهب، وشروط في الموهوب. وقد ذكر الحنابلة (٤) أحد عشر شرطاً في الهبة وهي : كونها من جائز التصرف، مختار جادّ، بمال يصح بيعه، بلا (١) المرجع السابق: ١١٨/٥، فتح القدير: ٧ /١٢٠. هذا بخلاف البيع فإنه يفسد بالشرط الفاسد، للنهي الوارد فيه، ولا نهي في الهبة، وإنما على العكس ورد فيها (٢) ما يدل على عدم فسادها بالشرط الفاسد، لأنه عليه السلام أجاز العمرى، وأبطل شرط المعمر ( انظر البدائع : ١١٧/٦، حاشية ابن عابدين: ٤ /٥٣٢). (٣) البدائع : ٦ /٠١١٨ غاية المنتهى: ٢/ ٣٣٤، كشاف القناع: ٣٢٩/٤، ط مكة. (٤) - ١١ - عوض ، لمن يصح تملكه، مع قبوله، أو وليه قبل تشاغل بقاطع ، مع تنجيز، وعدم توقيت . وجائز التصرف : هو الحر المكلف الرشيد . وكون الموهوب مالاً لإخراج الاختصاصات. شروط الواهب : يشترط أن يكون الواهب له أهلية التبرع بالعقل والبلوغ مع الرشد، وهذا شرط انعقاد ؛ لأن الهبة تبرع، فلا تجوز هبة الصبي والمجنون ؛ لأنها لا يملكان التبرع، لكونه ضرراً محضاً، وكذا الأب لا يملك هبة مال الصغير من غير شرط العوض بلا خلاف ؛ لأن ولايته قاصرة على وجوه النفع ، والهبة تبرع فيه ضرر محض فلا تجوز منه . فإن شرط الأب العوض لم يجز أيضاً عند أبي حنيفة، وأبي يوسف؛ لأن الهبة بشرط العوض تبرع ابتداء أي قبل القبض ، ثم تصير بيعاً انتهاء، أي بعد القبض ، والأب لا يملك التبرع، وقال محمد: تجوزالهبة من الأب بشرط العوض ؛ لأن ذلك في معنى البيع ، والعبرة باتفاق المعنى(١) . شروط الموهوب : يشترط في الموهوب شروط : ١ - أن يكون موجوداً وقت الهبة : فلا تنعقد هبة ما ليس بموجود وقت العقد(٢) مثل أن يهب ما يثمر نخله في هذا العام، أو ما تلد أغنامه هذه السنة؛ لأنه (١) البدائع ، المرجع السابق . (٢) المبسوط: ١٢/ ٧١، تكملة فتح القدير: ١٢٤/٧، البدائع: ١١٩/٦، حاشية ابن عابدين: ٥٣٤/٤، الكتاب مع اللباب: ١٧٢/٢، تكملة ابن عابدين: ٣٢٩/٢. - ١٢ - تمليك لمعدوم، فيكون العقد باطلاً(١). ومثل : أن يهب ما في بطن هذه الشاة، وسلطه على القبض عند الولادة، فلا ينعقد لاحتمال الوجود والعدم؛ لأن انتفاخ البطن قد يكون للحمل أولداء في البطن . وكذلك لو وهب دقيقاً في حنطة أو دهناً في سمسم أو زبداً في لبن، أو زيتاً في زيتون : لا يجوز، وإن سلطه على قبضه عند حدوثه ؛ لأنه معدوم للحال ، والمعدوم ليس بمحل للملك ، فوقع العقد باطلاً، فلا ينعقد إلا بالتجديد . أما هبة اللبن في الضرع ، والصوف على ظهر الغنم ، والزرع والنخيل في الأرض، والتمر في النخيل : فهي كهبة المشاع الآتية تقع فاسدة، فلو فصل ذلك وسلم إلى الموهوب له، جاز؛ لأن الموهوب موجود مملوك للحال، إلا أنه لم ينفذ لمانع، وهو كونه مشغولاً بغيره ، فإذا فصل فقد زال المانع ، فتجوز الهبة وتصير صحيحة(٢). ووافق الشافعية والحنابلة مذهب الحنفية في هذا الشرط ، فقالوا: كل ما صح بيعه صحت هبته . وقال المالكية : تجوز هبة ما لا يصح بيعه كالعبد الآبق والبعير الشارد والمجهول والثمرة قبل بدو صلاحها والمغصوب . ٢ - أن يكون مالاً متقوماً: فلا تنعقد هبة ما ليس بمال أصلاً كالحر والميتة والدم وصيد الحرم والإحرام وغير ذلك، ولا تجوز هبة ما ليس بمتقوم كالخمر(١). قال المالكية: لا تأثير للغرر على صحة الهبة، فتجوز هبة المجهول والمعدوم المتوقع الوجود، كالعبد الآبق، (١) والبعير الشارد والمجهول، والثمرة قبل بدو الصلاح، والمغصوب، وفي الجملة: كل ما لا يصح بيعه في الشرع من جهة الغرر (بداية المجتهد: ٣٢٤/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٦٧). وأما الشافعية والحنابلة فهم كالحنفية في تأثير الغرر عندهم في الهبة كما يؤثر في البيع. (مغني المحتاج: ٣٩٩/٢، المغني: ٥٩٨/٥). البدائع: ١١٩/٦، والمراجع السابقة في بدء الكلام عن هذا الشرط. ويلاحظ أن هبة اللبن في الضرع، والصوف (٢) على ظهر الغنم حكمها باطل في تحفة الفقهاء والبدائع، والأصح أن الهبة فاسدة كما في الدر المختار ورد المختار. (٣) البدائع : المكان السابق . - ١٣ - ٣ - أن يكون مملوكاً في نفسه: فلا تنعقد هبة المباحات، وهذه الشروط السابقة كلها شروط انعقاد . ٤ - أن يكون مملوكاً للواهب: فلا تنفذ هبة مال الغير بغير إذنه، لاستحالة تمليك ما ليس بمملوك (١)، وهذا شرط نفاذ عند الحنفية. وبناء على الشرط الأخير يجوز عند الحنفية هبة المملوك، سواء أكان عيناً أم ديناً، فتجوز هبة الدين لمن عليه الدين ؛ لأن ما في الذمة مقدور التسليم والقبض ؛ لأن قبض العين قائم مقام قبض عين ما في الذمة . كما تجوز هبة الدين لغير من عليه الدين إن أذن له صراحة بالقبض ، وقبضه استحساناً، كما سنوضح في شرط الإذن بالقبض . ٥ - أن يكون محرزاً أي مفرزاً: فلا تصح عند الحنفية هبة المشاع إذا كان يحتمل القسمة كالدار والبيت الكبير، وتكون الهبة فاسدة، فإن قسم المشاع وسلم، جازت الهبة ، وهذا شرط صحة للهبة . وتجوز الهبة إذا كان مشاعاً لا يحتمل القسمة، كالسيارة والحمام، والبيت الصغير والجوهر. وجواز الهبة للضرورة، لأنه قد يحتاج إلى هبة بعض ذلك، ويكتفى بصورة التخلية مقام القبض(٢). ودليلهم على الحالة الأولى: أن القبض في الهبة شرط كالرهن، كما سنبين، والشيوع يمنع من القبض ؛ لأن التصرف في النصف الشائع وحده، لا يتصور، فإن سكنى نصف الدار شائعاً محال، ولا يتمكن من التصرف فيه إلا بالتصرف في الكل ، والعقد لم يتناول كل الدار، فعدم قسمة الموهوب يمنع صحة القبض وتمامه (٣) . (١) البدائع : المرجع والمكان السابق . المبسوط: ١٢ / ٦٤، ٧٤، البدائع، المرجع السابق. تكملة فتح القدير: ١٢١/٧ وما بعدها، ١٢٨، حاشية ابن (٢) عابدين: ٤ / ٥٣٤. الضابط فيما يقبل القسمة وما لا يقبلها: أن كل شيء يضره التبعيض فيوجب نقصاناً في ماليته: يكون مما (٣) لا يحتمل القسمة. وما لا يوجب ذلك فهو يحتملها ( انظر العناية مع تكملة فتح القدير: ١٢١/٧، حاشية ابن عابدين: ٤ / ٥٣٣). - ١٤ - وقال المالكية والشافعية والحنابلة : إن هبة المشاع جائزة، كالبيع ، فإن القبض في هبة المشاع يصح كالقبض في المبيع المشاع. وصفة قبضه : أن يسلم الواهب جميع الشيء إلى الموهوب له، فيستوفي منه حقه، ویکون نصيب شریکه في يده كالوديعة (١)، والدليل على ذلك من السنة أن وفد هوازن لما جاؤوا يطلبون من رسول الله مع الشر أن يرد عليهم ما غنمه منهم، قال رسول الله مَ الإِ: ((ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم))(٢) وهذا هبة المشاع. وهذا الخلاف يجري في التصدق بالمشاع على الغني ؛ لأن الصدقة عليه هبة . وأما الصدقة بعشرة على مسكينين مثلاً فتجوز؛ لأن الصدقة تقع من المتصدق لله تعالى ، لا للفقير، فلا يتحقق الشيوع، ويترتب على قاعدة الحنفية: وهو أنه لا تجوز الهبة في المشاع الذي يحتمل القسمة ما يلي(٢) : الهبة لاثنين : لو وهب إنسان داراً من رجلين أو مداً من حنطة أو ألف درهم أو نحو ذلك مما يقسم ، فإنه لا يصح عند أبي حنيفة . وعند الصاحبين : يصح، ويجري الخلاف فيما لو وهب رجل داراً لرجلين وقال: ((وهبت لكما هذه الدار: لهذا نصفها، ولهذا نصفها ». ومنشأ الخلاف في ذلك : أن أبا حنيفة يعتبر الشيوع عند القبض مانعاً من صحة الهبة . وأما الصاحبان : فيعتبران الشيوع عند العقد والقبض معاً هو المانع من صحة الهبة . وبناء عليه : يجوز هبة الاثنين من الواحد بالاتفاق ، لعدم وجود الشيوع عند القوانين الفقهية: ص ٣٦٧، ط النهضة بفاس، بداية المجتهد: ٢٢٣/٢، حاشية الدسوقي: ٩٧/٤، المهذب: (١) ١/ ٤٤٦، المغني: ٥٩٦/٥. (٢) أنظر قصة وفد هوازن في نيل الأوطار: ٣/٨. (٣) البدائع: ٧/ ١٢١، ٠١٢٢ - ١٥ - القبض في رأي أبي حنيفة ، ولانعدام الشيوع في الحالين معاً في رأي الصاحبين ؛ لأن الشيوع وجد عند العقد ، ولم يوجد عند القبض . ولا تجوز هبة الواحد من الاثنين عند أبي حنيفة، لوجود الشيوع عند القبض، ويجوز ذلك عند الصاحبين ؛ لأنه لم يوجد الشيوع عند العقد والقبض جميعاً. ولا تجوز الهبة بالاتفاق إذا قال في هبة الدار: ((وهبت لك نصفها، ولهذا نصفها)) لأن الشيوع دخل على نفس العقد، فمنع الجواز، بخلاف المثال السابق : ((وهبت لكما هذه الدار: لهذا نصفها ولهذا نصفها)) فعند أبي حنيفة: لا يجوز؛ لأن هذا تمليك مضاف إلى الشائع. وعند الصاحبين: يجوز، لأن قوله: ((لهذا نصفها ، ولهذا نصفها » لا يمكن جعله تفسيراً لنفس العقد ؛ لأن العقد وقع على تمليك الدار جملة منها ، وإنما هو تفسير للحكم الثابت بالعقد أي أثر العقد ، فلا يوجب ذلك إشاعة في نفس العقد . ولو قال: ((وهبت لكما هذه الدار: لهذا ثلثها، ولهذا ثلثاها)) لم يجز عند أبي يوسف وأبي حنيفة، وجاز عند محمد. أما أبو حنيفة فكما قال في المثال السابق. وأما محمد فقال كما في المثال السابق أيضاً : إن العقد متى جاز لاثنين يستوي فيه حالة التساوي والتفاضل في الأنصباء كما في البيع . وأما أبو يوسف فقد خالف قاعدته حالة التفاضل في الأنصباء؛ لأن مطلق العقد لا يحتمل التفاضل، فكان تفضيل أحد النصيبين في معنى إفراد العقد لكل منهما ، فكان ذلك هبة المشاع، فيتعذر جعل قوله: ((لهذا ثلثها ولهذا ثلثاها)» مفسراً للحكم الثابت بالعقد ، بخلاف حالة التساوي . والخلاصة : أن الشيوع حالة القبض يمنع صحة الهبة، أما حالة العقد فلا يمنع صحتها، وكذا الشيوع الطارئ لا يفسد الهبة، وهو كأن يرجع الواهب في نصف الموهوب شائعاً . - ١٦ - ٦ - أن يكون الموهوب متميزاً عن غيره، ليس متصلاً به، ولا مشغولاً بغير الموهوب : لأن معنى القبض ، وهو التمكن من التصرف في المقبوض لا يتحقق مع شغل الموهوب بغيره(١) وهذا شرط صحة للهبة . وبناء عليه لو وهب شخص أرضاً فيها زرع للواهب دون الزرع، أو زرعاً دون الأرض، أو نخلاً فيها ثمرة للواهب معلقة بها دون الثمرة، أو ثمرة النخل دون النخل : لا يجوز، وإن قبض الموهوب، وتكون الهبة فاسدة، فلو جز الثمر، وحصد الزرع، ثم سلمه فارغاً، جاز؛ لأن المانع من نفاذ حكم العقد وهو ثبوت الملك، قد زال . وكذا لو وهب داراً فيها متاع للواهب. أو ظرفاً فيه متاع للواهب دون المتاع، أو وهب دابة عليها حمل للواهب دون الحمل، وقبض الموهوب ، فإنه لا تجوز الهبة، ولا يزول الملك عن الواهب إلى الموهوب له؛ لأن الموهوب مشغول بغيره، فيكون بمنزلة هبة المشاع، وتكون الهبة حينئذ فاسدة ، فلو ميز الموهوب عن غيره ، وسلمه وحده ، جازت الهبة . عالـ والخلاصة : أن هبة المشغول لا تصح بخلاف الشاغل، وهبة المتصل بغير الهبة اتصال خلقة مع إمكان الفصل لا تجوز(٢). مسألة استثناء ما في البطن : يتفرع على هذا الشرط السابق، بمقتضى القياس : أنه لو وهب دابة واستثنى ما في بطنها ، لا يجوز، لأنه هبة ما هو مشغول بغيره . المبسوط: ١٢/ ٧٣، تكملة فتح القدير: ٧ ص / ١٢٤، ١٢٧، البدائع: ٦ ص / ١٢٥، حاشية ابن عابدين : (١) ٤ ص / ٥٣٣ وما بعدها، مجمع الضمانات : ص ٣٣٦ . (٢) الفرائد البهية في القواعد الفقهية : ص ٢٠٤ . الفقه الإسلامي جـ ٥ (٢) - ١٧ - وأما استحساناً فقالوا: تجوز الهبة في الأم والحَمْل جميعاً، ويبطل الاستثناء. والعقود في هذه المسألة في الجملة ثلاثة أنواع(١). ١ - قسم يفسد فيه العقد أي لا يجوز فيه أصل التصرف: وهو البيع والإجارة والرهن(٣) ، فإذا عقد على الأم، دون الحَمْل ، بأحد هذه العقود، فسد العقد، وبطل الاستثناء؛ لأن الحمل تبع للأم، فاستثناؤه إخراج لبعض ما اقتضاه العقد، لأن العقد ثبت في الأم وولدها، ففسد العقد، والقاعدة المقررة: أن الشرط الفاسد في المعاوضات المالية يفسد العقد (٣). ٢ - وقسم يصح فيه العقد ويبطل الشرط أو الاستثناء: وهو النكاح والخلع، والصلح عن دم العمد، والهبة؛ لأن موجب العقد أن يثبت الحكم في الكل، وقد استثني بعض الموجَب ؛ فيكون شرطاً فاسداً ، والقاعدة المقررة: أن الشرط الفاسد لا يبطل عقود التبرعات والتوثيقات والزواج، بل العقد صحيح، والشرط لغو باطل ، فالهبة إذاً لا تبطل بالشروط الفاسدة. والأصل في ذلك بالنسبة للهبة أنه مُ تٍّ أجاز العمرى وأبطل شرط المعمر(٤)، المبسوط: ١٢ ص / ٧٢، جـ ١٣ ص / ١٩، تكملة فتح القدير: ٧ ص / ١٣٩ وما بعدها، البدائع: ٦ ص / ١٢٥ ، ورد (١) المختار: ٤ ص / ١١٣، مجمع الضمانات: ص ٣٣٧، الفرائد البهية في القواعد الفقهية: ٢٠٦. (٢) اعتبار الرهن كالبيع في أنه يبطل بالشرط الفاسد هو بحسب ما جاء في البدائع، لكن الأصح ما جاء في الزيادات: وهو أن الرهن كالهبة، لا يبطل بالشرط الفاسد، وإنما يصح الرهن، ويبطل الشرط، لأنه عقد تبرع، لا عقد معارضة. (٣) الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص ٤٢٣ . المرجع السابق. وهذا بمقتضى حديث جابر السابق تخريجه، ففي بعض رواياته عند أبي داود والنسائي (٤) والترمذي وصححه، قال: ((أيما رجل أعمر رجلا عمرى له ولعقبه، فقال: قد أعطيتكها وعقبك، ما بقي منكم أحد، فإنها لمن أعطيها، وإنها لا ترجع إلى صاحبها من أجل أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث)) وروى النسائي بمعناه عن عبد الله بن الزبير. - ١٨ - وهي بخلاف البيع، لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع وشرط(١). ٣ - وقسم يجوز فيه العقد والاستثناء جميعاً: وهو الوصية، كما إذا أوصى بفرس إلا حَملْها ، صحت الوصية في الفرس، وبقي الحَمْل لورثة الموصي ؛ لأن الحمل أصل على حدة بالنسبة للوصية، حتى إنه يجوز إفراده بالوصية، فيجوز استثناؤه إذاً؛ لأن عقد الوصية والإيصاء، كل منهما بطبيعته لا يكون إلا مضافاً لزمن مستقبل ، ولا يثبت الملك في الموصى به إلا بعد وفاة الموصي . ٧ - الشرط السابع وهو قبض الموهوب: وهو أهم الشروط، وهو شرط لزوم وتمام الهبة ، لاشرط صحة ، وركن عند بعض الحنفية وابن عقيل من الحنابلة كما سبق بيانه، وقد أخرناه إلى هنا، لكثرة ما يتبعه من أمور. فالقبض في الهبة : أن يكون الموهوب مقبوضاً، فلا يثبت الملك للموهوب له قبل القبض بل لا تتحقق الهبة إلا بالقبض ، فبالقبض توجد الهبة ، والقبض مولد لآثار الهبة عند الحنفية . ونتكلم هنا في بيان أصل القبض أنه شرط أم لا عند الفقهاء . ما نوع شرط القبض ؟ اختلف الفقهاء، فقال الحنفية والشافعية(٢): القبض: شرط للزوم الهبة، حتى إنه لا يثبت الملك للموهوب له قبل القبض ، بدليل ماروت عائشة رضي الله عنها أن أباها نحلها جداد عشرين وَسقاً(٣) من ماله، فلما حضرته الوفاة، قال: يابنية: إن أحب الناس عندي بعدي لأنت ، وإن أعز الناس علي فقراً بعدي لأنت ، وإني كنت رواه الطبراني في معجمه الوسط عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي مع أنه ((نهى عن بيع (١) وشرط، البيع باطل، والشرط باطل)) (راجع نصب الراية: ٤ ص / ١٧). (٢) الدر المختار ورد المختار: ٥٣٣/٤، ٣٤١/٥، مغني المحتاج: ٢ /٤٠٠ الجد: صرام النخل أي أعطاها مالا يجد عشرين وسقا، أي يحصل من ثمرته ذلك، والوسق: ستون صاعا أو (٣) حمل بعير. - ١٩ - نحلتك جداد عشرين وسقاً من مالي ، ولو كنت جددتيه وأحرزتیه لکان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث، وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله، قالت: هذان أخواي، فمن أختاي ، إنما هي أسماء، فمن الأخرى ؟ قال: ذو بطن بنت خارجة ، فإني أظنها جارية (١) . فهذا نص في اشتراط القبض للزوم الهبة، وإن الهبة تملك بالقبض لقوله: ((لو كنت جددتيه وأحرزتيه لكان لك»، وقال عمر رضى الله عنه : مابال رجال يَنْحَلون أبناءهم نُحلاً، ثم يمسكونها فإن مات ابن أحدهم، قال: ((مالي بيدي، لم أعطه أحداً، وإن مات هو قال : هو لابني، قد كنت أعطيته إياه، فمن نحل نحلة فلم يَحْزْها الذي نحلها - وأبقاها - حتى تكون إن مات لورثته، فهي باطلة))(٣). وهذا هو قول عثمان وعلي أيضاً(٣)، وفي الجملة فإن الخلفاء الراشدين وغيرهم اتفقوا على أن الهبة لاتجوز إلا مقبوضة محوزة (٤). وقال الحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد: القبض شرط لصحة الهبة في المكيل تتمة الأثر: ((فولدت جارية، أخواها عبد الرحمن ومحمد. وبنت خارجة: هي حبيبة بنت خارجة بن زيد، (١) زوجة أبي بكر، كانت ذلك الوقت حاملاً، فولدت أم كلثوم» رواه عن عائشة مالك في الموطأ، ورواه عنه محمد بن الحسن وعبد الرزاق والبيهقي (راجع جامع الأصول: ١٢ ص/٢٦٩، تنوير الحوالك شرح الموطأ: ٢ ص / ٢٢٣، نصب الراية: ٤ ص / ١٢٢، التلخيص الحبير: ص / ٢٦٠، نيل الأوطار: ٥ ص / ٣٤٩). (٢) تنوير الحوالك شرح موطأ مالك، الموضع السابق. والنحلة: العطية من غير عوض، أو الهبة . والصدقة على الفقير كالهبة، بجامع التبرع، فلا تصح إلا بالقبض لأنها تبرع كالهبة، لاتجوز في مشاع يحتمل (٣) القسمة لأنها كالهبة، لكن إذا تصدق على فقيرين بشيء يحتمل القسمة، جاز، لأن المقصود في الصدقة هو الله تعالى، وهو واحد، والفقير نائب عنه في القبض. ولا يصح الرجوع في الصدقة، ولو على غني استحساناً بعد القبض لأن المقصود هو الثواب وقد حصل . (٤) هذا أثر عن الصحابة، ورد الزيلعي على من قال: إنه حديث بقوله: غريب، ورواه عبد الرزاق من قول النخعي قال: ((لاتجوز الهبة حتى تقبض، والصدقة تجوز قبل أن تقبض)) (راجع نصب الراية: ٤ ص / ١٢١) وراجع المبسوط: ١٢ ص ٥٧، تكملة فتح القدير: ٧ ص ١١٣ وما بعدها، البدائع: ٦ ص ١٢٣، المهذب: ١ ص / ٤٤٧ مغني المحتاج: ٢ ص / ٤٤٠٠ . - ٢٠ -