Indexed OCR Text

Pages 821-840

شيئاً من مال الشركة ؛ لأن الهبة تبرع، وهو لا يملك التبرع على شریکه، کما ليس له
أن يقرض شيئاً من مال الشركة ؛ لأن القرض لا عوض له في الحال، فهو بمثابة
التبرع، وهو لا يملك التبرع على شريكه (١).
وخلاصة كلام الشافعية : أن الشريك يتصرف بلا ضرر كالوكيل، فلا يبيع
نسیئة للغرر، ولا بغیر نقد البلد، ولا بغبن فاحش ولا يسافر بالمال ولا ببعضه بغیر
إذن ؛ لأن الشركة في الحقيقة توکیل وتوکل .
ثانياً - أحكام شركة المفاوضة في الأموال :
إن كل ما ذكرناه من الأحكام مما يجوز لأحد شريكي العنان أن يفعله، يجوز
لأحد شريكي المفاوضة أن يفعله، وإذا فعله فهو جائز على شريكه؛ لأن المفاوضة
أخص من العنان، وكذلك كل ما كان شرطاً لصحة العنان فهو شرط لصحة
المفاوضة، وكل ما فسدت به شركة العنان تفسد به شركة المفاوضة ؛ لأن المفاوضة
عنان وزيادة .
أما الأحكام الخاصة بشركة المفاوضة فهي ما يأتي(٢)
١ - الإقرار بالدين :
يختص شريك المفاوضة بأنه يجوز إقراره بالدين على نفسه وعلى شريكه
ويطالب المقرله أيهما شاء؛ لأن كل واحد منهما كفيل عن الآخر فيلزم المقر بإقراره
(١) انظر هذه الأحكام التي ذكرناها في المبسوط: ١٧٤/١١ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٣٢٠/٣ ، فتح القدير:
٢٥/٥ وما بعدها، البدائع: ٦٨/٦ - ٧٢، مجمع الضمانات: ص ٢٩٨ وما بعدها، رد المحتار: ٣٧٧/٣ وما
بعدها، انظر أيضاً الشرح الكبير عند المالكية: ٣٥٢/٢، الخرشي: ٤٣/٦، بداية المجتهد: ٢٥٣/٢، وعند
الحنابلة: غاية المنتهى: ١٦٧/٢، وعند الشافعية: مغني المحتاج: ٢١٤/٢ .
(٢)
المبسوط: ١١ / ٢٠٣ وما بعدها، مختصر الطحاوي: ص ١٠٧، البدائع: ٦ / ٧٢ وما بعدها ، فتح القدير :
٥ / ٩ وما بعدها، ٢٦، رد المحتار: ٣ / ٣٦٩، ٣٧٨، مجمع الضمانات: ص ٢٩٧ .
- ٨٢١ -

ويلزم شريكه بكفالته. وكذلك يختص بجواز الرهن والارتهان على شريكه بدون
إذن شريكه، خلافاً لما هو مقرر في شركة العنان .
٢ - الالتزام بديون التجارة وما في معناها:
ويختص أيضاً بأن كل ما وجب على كل واحد منهما من دين التجارة أو ما في
معنى التجارة يجب على الآخر تحقيقاً للمساواة بينهما ، وذلك كالالتزامات الثابتة
بسبب عقود التجارة كثمن المبيع في البيع الصحيح، وقيمته في البيع الفاسد، وأجرة
الشيء المأجور، أو ما في معنى التجارة كضمان الشيء المغصوب، وضمان الودائع
والعواري(١) بسبب مخالفة طلب المودع في كيفية الحفظ، وضمان الاستهلاكات
والإجارات والرهن والارتهان.
والسبب في التزام كل شريك بدين التجارة: هو أنه دين بسبب الشركة؛ لأن
من مقتضيات عقد الشركة وجود البيع أو التجارة، وكل شريك منهما كفيل عن
صاحبه فيما يلزمه بسبب الشركة . وأما ضمان الغصب فلأنه في معنى ضمان التجارة،
لأن تقرر الضمان فيه يفيد تملك الشيء المضمون ، فكان في معنى ضمان البيع. وأما
المخالفة في الودائع والعواري والإجارات ونحوها فضانها في معنى ضمان الغصب، لأنه
من باب التعدي على مال الغیر بغير إذن مالكه .
٣ - الالتزام بالكفالة المالية :
ويلتزم كل شريك بما يقوم به أحدهما من كفالة مالية عن شخص أجنبي عند أبي
حنيفة؛ لأن الكفالة وإن كانت تبرعاً في مبدأ الأمر، فهي في النتيجة معاوضة لوجود
معنى التمليك والتملك بين الكفيل والمكفول عنه، فيرجع الكفيل عن المکفول عنه بما
كفل إذا كانت الكفالة بطلب منه .
(١) جمع عارية .
- ٨٢٢ -
...-

وقال الصاحبان : الكفالة لا تلزم الشريك، لأنها تبرع بدليل أنها لا تصح من
الصبي ، وتعتبر من ثلث التركة فقط إذا صدرت من الكفيل في حالة مرضه .
٤ - المطالبة بحقوق عقد البيع والشراء :
ويطالب كل شريك بكل ما يتعلق بحقوق عقد البيع والشراء، فلو اشترى أحد
الشريكين شيئاً يطالب الآخر بالثمن ، كما يطالب المشتري نفسه، وله أن يقبض المبيع
كما للمشتري نفسه، وله أن يرد المبيع على البائع إذا وجد فيه عيباً، وله حق المطالبة
بالثمن عند استحقاق المبيع لغير البائع، وله إقامة البينة عند حصول منازعة على شيء،
كما له أن يحلف الطرف المتنازع معه في حالة إنكاره العيب على عدم علمه به .
٥ - ضمان الجناية على الإنسان والمهر ونحوه والنفقة ونفقات المنزل :
أما أرش(١) الجنايات على الآدمي، والمهر، والنفقة، وبدل الخلع والصلح عن دم
العمد، فلا يؤاخذ بها الشريك؛ لأن هذه الديون بدل عما لا يصح الاشتراك فيه ، فلا
يلزم إلا المباشر لسببها؛ لأن كل واحد لم يلتزم عن صاحبه بالعقد إلا بديون
التجارة، وهذه الأشياء ليست متعلقة بالتجارة ولا بما في معنى التجارة، لعدم وجود
معنى معاوضة المال بالمال .
وكذلك كل ما يشتريه أحد الشريكين من طعام لأهله أو كسوة أو مالا بد
منه، ويشمل شراء بيت للسكنى، واستئجار للسكنى أو للركوب لحاجته كالحج
وغيره، فهو كله جائز، وهو له خاصة استحساناً للضرورة ؛ لأن ذلك مما لابد منه،
فكان مستثنى من المفاوضة، لأن المعلوم بدلالة الحال كالمشروط بالمقال. لكن للبائع
أن يطالب بثمن المشتريات أي شريك شاء، وإن وقع المشترى للذي اشتراه خاصة،
(١) أي دية الجراحات ، وقد سبق شرح ذلك.
- ٨٢٣ -

لأن هذا مما يجوز فيه الاشتراك، وكل واحد من الشريكين كفيل عن الآخر ببدل
ما يجوز فيه الاشتراك، إلا أنهم قالوا : إن الشريك يرجع على شريكه بما أدى بقدر
حصته؛ لأنه قضی دیناً علیه من مال مشترك بينهما لا على وجه التبرع بإذنه دلالة .
ومقتضى القياس أن يكون ما اشتراه أحد الشريكين من الطعام والكسوة
والإِدام لأهله مشتركاً بينهما؛ لأن هذه من عقود التجارة، فكانت من جنس
ما يتناوله عقد الشركة .
ثالثاً - أحكام شركة الوجوه :
الشريكان في شركة الوجوه مفاوضة أو عناناً فيما يجب لهما وما يجب عليهما وما
يجوز فيه فعل أحدهما على شريكه وما لا يجوز: هما بمنزلة شريكي العنان والمفاوضة
في الأموال. فإذا أطلقا الشركة بينهما كانت شركة عنان ؛ لأن الشركة المطلقة تقتضي
العنان .
وإذا اشتركا بوجوههما شركة مفاوضة فيجوز؛ لأنها ضما إلى الوكالة المطلقة
الكفالة، وهو جائز، إلا أنه لابد من التساوي فيما يتبايعانه؛ لأن المفاوضة تمنع من
التفاضل(١).
ويلاحظ أن الحنابلة وإن أجازوا شركة الوجوه إلا أنهم قصروها على ما إذا كانت
الشركة شركة عنان ، أما إذا كانت الشركة شركة مفاوضة فلا تجوز عندهم مطلقاً، لأنها
عقد لم يرد الشرع بمثله ، لما فيه من الغرر، فلم يصح كبيع الغرر. ووجه الغرر كما قلنا :
أنه يلزم كل واحد ما لزم الآخر، وقد يلزمه شيء لا يقدر على القيام به .
رابعاً -أحكام شركة الأعمال:
أ - إذا كانت شركة الأعمال مفاوضة: بأن ذكر لفظ المفاوضة أو ماهو في معنى
(١) راجع البدائع: ٦ / ٧٧، رد المحتار: ٣ / ٣٨٢، مجمع الضمانات: ص ٣٠٣.
- ٨٢٤ -

المفاوضة ، فيلزم كل شريك بما لزم صاحبه بسبب هذه الشركة ، ويطالب به، ويجوز
إقرار أحد الشريكين بالدين كثمن صابون أو أشنان أو أجر أجير أو حانوت على نفسه
وعلى شريكه، وللمقر له أن يطالب بالدين أي شريك شاء؛ لأن كل واحد منهما
كفيل عن صاحبه، فيلزم المقر بمقتضى إقراره، والشريك بسبب كفالته(١).
ومثال شركة المفاوضة في الأعمال : أن يشترك صانعان مثلاً في أن يتقبل كل
منهما الأعمال، وأن يضمنا جميعاً العمل على التساوي، وأن يتساويا في الربح
والخسارة (أي الوضيعة)، وأن يكون كل واحد منهما كفيلاً عن صاحبه فيما لزمه
بسبب هذه الشركة .
ب- وإذا كانت شركة الأعمال عناناً: فما يتقبله كل شريك من العمل يلزمه
ويلزم شريكه(٢)، وهي تشبه شركة المفاوضة بالنسبة لضمان العمل استحساناً،
فلصاحب العمل أن يطالب بالعمل أيهما شاء لوجوبه على كل واحد منهما ، كما أنه لكل
شريك أن يطالب صاحب العمل بكل الأجرة لأنه قد لزمه كل العمل ، فكان له
المطالبة بكل الأجرة ، ويبرأ صاحب العمل بالدفع إلى أي شريك شاء.
وأما القياس : فلا يحق لصاحب العمل أن يطالب بالعمل أي شريك شاء، كما
أنه ليس للشريك الذي لم يتقبل العمل أن يطالب صاحب العمل بالأجرة، ووجه
القياس ظاهر: وهو أن هذه الشركة هي شركة عنان، لاشركة مفاوضة، وحكم
شركة العنان أن ما يلزم كل شريك بعقده لا يطالب به الآخر.
ووجه الاستحسان: أن هذه الشركة تقتضي وجوب العمل على كل واحد من
الشريكين، وإذا كانت كذلك كانت مقتضية وجوب ضمان العمل(٣)، فكانت في معنی
البدائع: ٦ / ٧٧ ، تبيين الحقائق: ٣ / ٣٢١، مجمع الضمانات : ص ٣٠٢ وما بعدها .
(١)
(٢)
أي أنه يلزمه العمل معه فیه .
أي ضمان ما يقبله صاحبه إن ادعى تلفه أي يشترك معه في ضمانه .
(٣)
- ٨٢٥ _

المفاوضة بالنسبة لوجوب الضمان عن الشريك الآخر، ولكنها ليست مفاوضة
حقيقية، بدليل أن غير هذين الشيئين ( وهما مطالبة كل واحد منهما بالعمل واقتضاء
البدل) تطبق عليه أحكام شركة العنان . فإذا أقر أحد الشريكين بدين كثمن صابون
أو أشنان صار مستهلكاً، أو أقر بأجر أجير أو حانوت بعد مضي مدة الإجارة،
فلا يصدق إقراره على صاحبه إلا بإقراره بنفسه أو بالبينة؛ لأن نفاذ الإقرار على
الآخر من مقتضيات المفاوضة ولم ينصا عليها . أما إذا كان المشترى لم يستهلك أو المدة
لم تمض، فإنه يلزمهما الدين بإقرار أحدهما ، مما يدل على أنه ليس لهذه الشركة حكم
المفاوضة من جميع الأوجه، وإنما من ناحية حق وجوب العمل فقط، فيكون كل
شريك كفيلا عن الآخر فيما تقبله من عمل. وهذا مذهب الحنابلة أيضاً(١).
وأما الزيدية فإن هذه الشركة تتضمن عندهم التوكيل لا الكفالة على أصح
القولين عندهم.
جـ - اقتسام الربح في هذه الشركة: أما اقتسام الربح في هذه الشركة فيكون
بحسب الضمان لا بالعمل حقيقة ، فإذا عمل أحد الشريكين دون الآخر بأن مرض أو
سافر فالأجر بينهما بحسب ماشرطا؛ لأن الأجر في هذه الشركة إنما يستحق بضمان
العمل لا بالعمل فعلاً ؛ لأن العمل قد يكون من نفس الشريك، وقد يكون من
غيره كالخياط إذا استعان برجل على الخياطة، فإنه يستحق الأجر، وإن لم يعمل
لوجود ضمان العمل منه ، ويكفي اشتراط العمل عليهما .
ويجوز في هذه الشركة شرط التفاضل في الكسب إذا شرط التفاضل في ضمان
العمل، بأن شرطا لأحدهما ثلثي الكسب وهو الأجر، وللآخر الثلث، وشرطا العمل
عليهما أيضاً، سواء عمل الذي شرط له الزيادة في الكسب أم لم يعمل ؛ لأن استحقاق
الأجرة في هذه الشركة بالضمان لا بالعمل .
(١)
المغني : ٥ / ٥.
- ٨٢٦ -

وإذا كان استحقاق أصل الأجر بأصل ضمان العمل لا بالعمل في الواقع، كان
استحقاق زيادة الأجر بزيادة الضمان لا بزيادة العمل، فلو كان عمل الذي شرط له
الأجر القليل أكثر جاز؛ لأن الربح بقدر ضمان العمل لا بحقيقة العمل .
د - اقتسام الخسارة في هذه الشركة: وأما الوضيعة(١)، فهي أيضاً على قدر
الضمان، حتى إنه لو شرط الشريكان أن ما يتقبلانه من أعمال: ثلثاه على أحدهما،
وثلثه على الآخر، والخسارة بينهما نصفان، كان هذا الشرط العائد للخسارة باطلاً،
والشركة جائزة على ماشرطا على كل واحد منهما من ضمان العمل ؛ لأن الربح إذا
انقسم على قدر الضمان ، كانت الوضيعة على قدر الضمان أيضاً .
ولو جنت يد أحدهما فالضمان عليهما جميعاً؛ لأن ضمان الجناية مبني على ضمان
; (٢)
العمل ، وهذا قد ضمناه جميعا"
المطلب الرابع - صفة عقد الشركة ويد الشريك :
أولاً - حكم لزوم الشركة :
يرى جمهور الفقهاء أن عقد الشركة عقد جائز غير لازم(٣)، فيجوز لكل شريك
أن يفسخ العقد، إلا أن من شرط جواز الفسخ أن يكون بعلم الشريك الآخر؛ لأن
الفسخ من غیر علم الشریك إضرار به، ولهذا لم يصح عزل الو کیل من غير علمه، وبما
أن الشركة تتضمن الوكالة وعلم الوكيل بالعزل شرط جواز العزل ، فيشترط العلم في
الوكالة التي تضمنتها الشركة .
الوضيعة : أي الخسران ، سواء أكانت لتلف أو نقصان ثمن أو غيره .
(١)
راجع البدائع: ٦ / ٧٦ وما بعدها، المبسوط: ١١ / ١٠٧ وما بعدها، فتح القدير: ٥ / ٢٩ ومابعدها ، رد
(٢)
المختار : ٣ / ٣٨١ .
البدائع: ٦ / ٧٧، المهذب: ١ / ٣٤٨، مغني المحتاج: ٢ / ٢١٥، المغني: ٥ / ٢١، بداية المجتهد: ٢ / ٢٥٣،
(٣)
الدردير: ٣ / ٣٤٩، الحطاب: ٥ / ١٢٢، الخرشي: ٦ / ٣٩، الشركات في الفقه للأستاذ الخفيف : ص ٤٩
وما بعدها .
- ٨٢٧ -
سس
١

وكون الشركة عقداً غير لازم عند المالكية هو كما ذكر ابن رشد في بداية المجتهد
وفي المقدمات. لكن جاء في مختصر خليل وشراحه أن المذهب المشهور لزومها
بالعقد ، حصل خلط بين أموال الشركاء أم لا . وقال ابن عبد السلام : المذهب لزومها
بالعقد، ولا يتوقف ذلك على الشروع فيها بالتصرف. وهذا رأي الكثيرين من فقهاء
المالكية ، ورجح بعضهم أنها تلزم بالشروع .
ثانياً - يد الشريك يد أمانة :
واتفق الفقهاء على أن يد الشريك في المال يد أمانة كالوديعة، لأنه قبض المال
بإذن صاحبه، لا لأجل أن يدفع ثمنه كما في المقبوض على سوم الشراء، فإنه مقبوض
لأجل أن يدفع الثمن ، ولا لأجل التوثق به كما في الرهن ، فإنه مقبوض لأجل التوثق
بدينه، وبناء عليه فإنه إذا هلك المال في يد الشريك من غير تفريط لم يضمن ؛ لأنه
نائب عن شريكه في الحفظ والتصرف، فكان الهالك في يده کالهالك في يد شریکه.
ويقبل قوله بيينه في مقدار الربح والخسران وضياع بعض المال أو كله، ولو من غير
تجارة. ويضمن بالتعدي أو التقصير، كما في سائر الأمانات(١).
المطلب الخامس - مبطلات عقد الشركة :
هناك مبطلات تعم كل الشركات، ومبطلات تخص بعضها دون بعض .
فأما المبطلات التي تعم الشركات كلها فهي (٢):
١ - فسخ الشركة من أحد الشريكين، لأنه عقد جائز غير لازم، كما عرفنا،
فكان محتملاً للفسخ. قال الحنابلة: من قال من الشركاء: عزلت شريكي، ولو لم
المبسوط: ١١ / ١٥٧، تبيين الحقائق: ٣ / ٣٢٠، فتح القدير: ٥ / ٢٧، رد المحتار لابن عابدين:
(١)
٣ / ٣٧٩، المهذب: ١ / ٣٤٧، المغني: ٥ / ١٨، بداية المجتهد: ٢ / ٢٥٣.
(٢)
البدائع: ٦ / ٧٨، تبيين الحقائق: ٣ / ٣٢٣، فتح القدير: ٥ / ٣٤، مختصر الطحاوي: ص ١٠٨ ،
المبسوط: ١١ / ٢١٢، رد المحتار: ٣ / ٣٨٤، المهذب: ١ / ٣٤٨، المغني: ٥ / ٢١، مغني المحتاج:
٠٢١٥/٢٠
- ٨٢٨ -

ينض(١) المال انعزل، ويتصرف المعزول في قدر نصيبه. ولو قال: فسخت الشركة:
انعزلا ، فلا یتصرف کل شريك إلا في قدر نصيبه .
٢ - موت أحد الشريكين: فإذا مات أحد الشريكين انفسخت الشركة لبطلان
الملك، وزوال أهلية التصرف بالموت، سواء علم الشريك الآخر بالموت أولم يعلم؛
لأن كل شريك وكيل عن صاحبه، وموت الموكل يكون عزلاً للوكيل علم به أو لم
يعلم ؛ لأن الموت عزل حكمي .
٣ - ارتداد أحد الشريكين ولحوقه بدار الحرب، لأن ذلك بمنزلة الموت .
٤ - جنون الشريك جنوناً مطبقاً؛ لأن بالجنون يخرج الوكيل عن الوكالة ،
وقد عرفنا أن الشركة تتضمن الوكالة. والإغماء مثل الجنون ، ويقدر إطباق الجنون
بشهر أو بنصف حول على الخلاف عند الحنفية .
وأما المبطلات التي تخص بعض الشركات دون بعض فهي (٢):
١ - هلاك مال الشركة كله أو مال أحد الشريكين قبل القيام بشراء شيء في شركة
الأموال، سواء أكان المالان من جنسين أم من جنس واحد قبل خلط المالين . والسبب
فيه هو أن المعقود عليه في عقد الشركة هو المال، والمال في الشركة يتعين بالتعيين (٣)،
وبهلاك المعقود عليه يبطل العقد كما في عقد البيع . هذا إذا هلك مال الشركة.
النض : أن تتحول أموال الشركة نقوداً بعد أن كانت أمتعة. وأهل الحجاز يسمون الدراهم والدنانير : النض
(١)
والناض .
(١)
المراجع السابقة، فتح القدير: ٤ / ٢٢، المبسوط: ١١ / ١٦٤، ١٧٨، مختصر الطحاوي : ص ١٠٧ ، تبيين
الحقائق: ٣ / ٣١٩، رد المحتار: ٣ / ٣٧٥ .
نص الحنفية على أن النقود بالقبض تتعين بالتعيين في الشركات والوكالات والأمانات والهبات والوصايا
(٢)
والغصوب ، ولا تتعين في المعاوضات ولا في المضاربة . والفرق بين الشركة والمضاربة أن تعين رأس المال يجب
أن يكون لأنه محل العقد ، غير أنه في المضاربة أمكن أن يجعل تعيينه بالقبض لاشتراطه لتمام المضاربة إذ لابد
فيها من تسليم رأس المال إلى المضارب ، فكان هلاكه قبل القبض لا يعد هلاكاً لمحل العقد لعدم تعينه ، فلا
تبطل المضاربة بهلاكه في هذه الحال بخلاف هلاكه بعد قبضه ، فتبطل حينئذ المضاربة لزوال محل العقد . أما =
- ٨٢٩ -

أما إذا هلك أحد مالي الشريكين فتبطل الشركة أيضاً؛ لأن الشريك لم يرض
بشركة صاحبه إلا ليشركه في ماله، فإذا هلك ماله لم يكن راضياً بشركته عند عقد
الشركة، فيبطل العقد لعدم فائدته. ويهلك المال حينئذ على ذمة صاحبه، لأنه إذا
كان المال في يده، فالأمر ظاهر، وإذا كان في يد صاحبه فإنه أمانة في يده كما عرفنا .
فإن حصل الهلاك لمال شريك بعد خلطه بمال الشريك الآخر، فإنه يهلك على
الشركة؛ لأنه لا يتميز عن غيره، فيجعل الهلاك من المالين. وكذلك إن اشترى أحد
الشريكين بماله، وهلك مال الآخر بعد الشراء قبل أن يشتري به شيئاً، فإن المشترى
يكون بين الشريكين بحسب ماشرطا؛ لأن تملك الشيء المشترى حيث حدث أي
(بالشراء) حدث مشتركا بينهما لقيام الشركة وقت الشراء، فلا يتغير حكم الشركة
بهلاك مال الآخر بعدئذ .
ثم الشركة الواقعة في هذا الشيء المشترى بعد هلاك مال الآخر شركة عقد عند
الإمام محمد خلافاً للحسن بن زياد، فإنها شركة ملك عنده، فلا ينعقد بيع أحدهما إلا
في نصيبه؛ لأن شركة العقد بطلت بهلاك المال كما لو هلك قبل الشراء بمال الآخر، ولم
يبق إلا حكم الشراء وهو الملك ، فكانت شركتها في المتاع شركة ملك .
وعلى قول محمد وهو الراجح : يجوز لأي منهما بيع كل المتاع ، وينفذ بيعه، لأن
الشركة قد تمت في المشترى ، فلا تنتقض بهلاك المال بعد تمامها ، كما لو كان الهلاك بعد
الشراء بالمالين جميعاً .
وإذا وقع الشيء المشترى على الشركة فيرجع المشتري على صاحبه بحصته من
الثمن ؛ لأنه اشترى نصفه له بوكالته ، ونقد الثمن من مال نفسه، فيرجع عليه بحسابه .
= في الشركة فليس يجب فيها قبض ، وعليه لا سبيل إلى تعيين محل العقد فيها إلا بالعقد ، فكانت النقود بذلك
متعينة بناء على العقد عليها ، فيعد هلاكها قبل القبض في يد الشريك الآخر وبعده سواء في أنه مبطل للعقد
فيها ( الشركات في الفقه الإسلامي : ص ١١٣).
- ٨٣٠ -

وإن هلك مال أحد الشريكين ثم اشترى الآخر بماله الذي في يده ينظر: إن
صرحا بالوكالة في عقد الشركة بأن نصا في العقد على أن «ما اشتراه كل منهما بماله هذا
يكون مشتركا بيننا)» فالمشترى مشترك بينهما على ما شرطا؛ لأن الشركة إن بطلت
فالوكالة المصرح بها قائمة ، فتكون شركة ملك .
وإن لم يصرحا بالوكالة في العقد وذكرا مجرد الشركة، كان المشترى للذي اشتراه
خاصة؛ لأن الشركة لما بطلت بطل ما في ضمنها من الوكالة(١).
٢ - عدم تحقق المساواة بين رأسي المال في شركة المفاوضة بعد وجودها في ابتداء
العقد ؛ لأن وجود المساواة بين المالين في ابتداء العقد شرط في انعقاد هذا العقد على
الصحة، فيكون بقاء تلك المساواة شرطاً لبقاء هذه الشركة منعقدة؛ لأنها شركة
مفاوضة ، سواء في ابتداء العقد أم في أثناء بقائه .
ويترتب على هذا أنه إذا انعقدت شركة المفاوضة ، وکان رأس المال متساوياً بین
الشريكين، ثم ورث أحدهما مالاً تصح فيه الشركة من الدراهم والدنانير، وصار المبلغ
في يده، فتبطل المفاوضة لبطلان المساواة التي هي معنى العقد .
وكذا لو ازداد أحد المالين على الآخر قبل الشراء، بأن كان أحدهما دراهم،
والآخر دنانير، فزادت قيمة أحدهما قبل الشراء، بطلت المفاوضة .
المطلب السادس - الشركة الفاسدة عند الحنفية :
عرفنا حكم الشركة الفاسدة، ونذكرهنا أنواع الشركة الفاسدة عند الحنفية
وهي :
أولاً - الاشتراك في أعمال جميع المباحات التي تملك بالأخذ، مثل الاصطياد
والاحتطاب والاحتشاش، والاستقاء، واجتناء الثمر، وحفر الأرض لاستخراج المعادن.
(١) راجع فتح القدير: ٥ / ٢٣ وما بعدها، رد المحتار: ٣ / ٣٧٦.
- ٨٣١ -
الفقه الإسلامي جـ٤ (٥٣)

فإن اشترك اثنان في تلك الأعمال على أن ما أصابا من المباح فهو بينهما،
فالشركة فاسدة عند الحنفية، ولكل واحد منهما ما أخذه؛ لأن الشركة تتضمن معنى
الوكالة، والتوكيل في أخذ المال المباح باطل؛ لأن أمر الموكل بأخذه غير صحيح،
لعدم ملكه وولايته، والوكيل يملك أخذ المباح بدون توكيل، فلا يصلح الوكيل
نائباً عن الموكل في المباح ؛ لأن التوكيل إثبات ولاية لم تكن ثابتة للوكيل ، وهذا غير
متحقق ههنا، فإذا لم تثبت الوكالة لم تثبت الشركة .
وإذا كانت الشركة في المباحات فاسدة، فيثبت الملك لكل واحد منهما بالأخذ،
وإحراز المباح، ثم ينظر:
آ - إن أخذاه جميعاً معاً، فهو بينهما نصفان ، لاستوائهما في سبب الاستحقاق،
فيستويان في الاستحقاق.
ب - وإن أخذ كل واحد منهما شيئاً من المذكور على الانفراد، كان المأخوذ ملكاً
له؛ لأن سبب ثبوت الملك في المباحات هو الأخذ والاستيلاء، وكل واحد منهما انفرد
بالأخذ والاستيلاء فينفرد بالملك .
جـ ـ وإن أخذ كل واحد منهما شيئاً على الانفراد، ثم خلطاه، وباعاه: فإن كان
مما يكال أو يوزن يقسم الثمن بينهما على قدر الكيل والوزن الذي لكل واحد منهما .
وإن كان مما لا يكال ولا يوزن قسم الثمن بينهما بالقيمة، فيأخذ كل واحد منهما بقيمة
الذي له؛ لأن المكيل والموزون من الأشياء المتماثلة ، فتمكن قسمة الثمن بينهما على قدر
الكيل والوزن، أما غير المكيل والموزون من الأشياء المتفاوتة، فلا تمكن قسمة الثمن
بينهما بحسب العين، فيقسم بحسب القيمة .
وإن لم يعلم الكيل والوزن والقيمة، يصدق كل واحد منهما فيما يدعيه إلى النصف
من المأخوذ، مع اليمين على دعوى صاحبه. فإن ادعى أكثر من النصف لا يقبل قوله
إلا ببينة .
- ٨٣٢ -

د - وإن عمل أحدهما وأعانه الآخر في عمله، بأن قلعه أحدهما وجمعه الآخر، أو قلعه
وجمعه أحدهما وحمله الآخر، فكله للعامل وللمعين أجر المثل بالغاً ما بلغ عند محمد ؛ لأن
المسمى مجهول، إذ لم يدرأي نوع من الحطب يصيبان، وأي قدر منه يجمعان، ولا
يدريان أيضاً هل يصيبان شيئاً أولا ، والرضا بالمجهول لغو، فسقط اعتبار رضاه
بالنصف للجهالة ، وصار مستوفياً منافعه بعقد فاسد ، فله أجر مثله بالغاً ما بلغ .
وقال أبو يوسف : له أجر مثله على ألا يجاوز به نصف المسمى أو قيمته أي
(نصف الشيء الذي أعانه فيه أو قيمته)؛ لأنه رضي بنصف مجموع ما سيأخذانه. وقاس
حكمه على سائر الإِجارات الفاسدة؛ لأنه لا يزاد على المسمى هناك، كذا الأمرهنا،
والجامع بينهما : أنه رضي بأن لا يكون له زيادة على المسمى ، فلا يستحق الزيادة،
وصار حكمه کمن قال لرجل: ((بع هذا الثوب علی أن لك نصف ثمنه فباعه» كان له
أجر المثل لا يجاوز به نصف الثمن(١).
ويرى الجمهورُ في الأظهر عند الشافعية صحة الشركة في الاحتطاب
والاحتشاش والاصطياد والاستقاء وما يؤخذ من الجبال والمعادن وشبهه من
المباحات، لجواز التوكيل بها، فيحصل الملك للموكل إذا قصده الوكيل به ؛ لأن تملك
المباحات أحد أسباب الملك ، فأشبه الشراء، كما يقول الشافعية(٢).
ثانياً - من أنواع شركات الأعمال الفاسدة أن يكون لأحد الشريكين بغل
وللآخر حمار مثلاً، فيشترك اثنان على أن يؤجر الدابتين، فما رزق الله من شيء
يكون بينهما ، فأجراهما جميعاً بأجر معلوم وحمل معلوم، فهذه الشركة فاسدة؛ لأن
الشركة متضمنة معنى الوكالة، والوكالة على هذا الوجه لا تصح ؛ لأن كل واحد منهما
(١) تبيين الحقائق: ٣ / ٣٢٣، فتح القدير: ٥ / ٣١ وما بعدها، البدائع: ٦ / ٦٣ وما بعدها ، المبسوط:
١١ / ٢١٦ وما بعدها، رد المحتار: ٣ / ٣٨٢.
(٢) الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة: ص ٢٠٥ ، مغني المحتاج: ٢ / ٢١٦، ٢٢١، روضة الطالبين :
٤ / ٢٩١، المغني: ٥ / ٨١، كشاف القناع: ٣ / ٤٥٢.
- ٨٣٣ -

في المعنى موكل لصاحبه بأن يؤجر دابته ليكون نصف الأجر له، وهذا التوكيل
باطل، كما إذا قال الرجل: (آجر بعيرك على أن أجره بيننا) فإن التو کیل فاسد،
فكذا الشركة؛ لأن الوكالة والشركة يشتركان في معنى واحد : وهو أن التوكيل إنما
یکون فیا لا ملك الو کیل مباشرته قبل التو کیل ، وللمالك أن يبيع دابته و یؤجرها
قبل التوكيل. فإذا لم يؤجرا دابتيهما ، ولكنهما تقبلا حمولة معلومة ببدل معلوم،
فحملا الحمولة عليهما ، فالأجر على حسب الشرط ؛ لأن الشركة حينئذ صحيحة، إذ
أن الحمل صار مضموناً عليها بالعقد بمنزلة أي عمل يتقبلانه.
غير أنه إذا فسدت الشركة فالإِجارة صحيحة ، لوقوعها على منافع معلومة ببدل
معلوم، فيقسمان ما أخذا من الأجر على قدر مثل أجر البغل وأجر الحمار(١).
وهناك مثال آخر: وهو أن يكون لاثنين سيارتان، فلا يصح لصاحبي هاتين
السيارتين الاشتراك من أجل قسمة الربح الناتج من الحمولة من طريق إجارة
السيارتين للناس ؛ لأن كل واحد يختص بثمرة ما يملكه.
ولم يجز الشافعية(٣) أيضاً هذه الشركة؛ لأنها تقوم على منافع أشياء متميزة، وعلى
كل شريك لصاحبه أجرة مثل ماله .
ثالثاً - من أنواع الشركة الفاسدة أن يدفع شخص إلى رجل دابة ليؤجرها على
أن الأجر بينهما ، فتكون الشركة فاسدة، والأجر كله أي (الربح) لصاحب الدابة؛
لأن المدفوع إليه هو وكيله في إجارتها، وإجارة الوكيل كإجارة الموكل. ومثله إيجار
السفينة أو الدار.
وسبب الفساد : هو أن العقد ورد على ملك الغير بإذنه، وإذا فسد العقد وجب
(١)
انظر تحفة الفقهاء، الطبعة الأولى: ٣ / ١٩ وما بعدها، المبسوط: ١١ / ١٧٠، ٢١٨ وما بعدها ، رد المحتار:
٣ / ٣٨٣ - ٣٨٥ .
(٢) مغني المحتاج: ٢ / ٢١٦.
- ٨٣٤ -

للذي أجرها أي (العامل) أجر المثل ؛ لأنه ابتغى عن منافع الدابة عوضاً، ولم ينل
العوض لفساد العقد، فكان له أجر مثله .
رابعاً - من أنواع الشركة الفاسدة أيضاً أن يشتري رجل شيئاً، فيقول له آخر:
((أشركني فيه)) فهذا بمنزلة البيع والشراء بمثل ما اشترى في النصف، فإن تم ذلك قبل
أن يقبض المشتري الأول المبيع لم يجز الإشراك، لأن الإشراك والتولية كما عرفنا في
عقود البيع لا يجوزان قبل القبض، ويكون العقد فاسداً؛ لأنه بيع لمبيع منقول قبل
القبض، وهو لا يجوز كما عرفنا سابقاً .
وإن كان ذلك بعد القبض جاز، ويُلزمُ المشتري الشريك نصف الثمن ، فإن كان
الشريك لا يعلم بمقدار الثمن فهو بالخيار إذا علم: إن شاء أخذ حصته من المبيع وإن
شاء ترك .
ولو اشترى رجلان فرساً فأشركا فيها رجلاً بعد القبض فمقتضى القياس : أن
يكون للشريك النصف؛ لأن كل واحد منهما لو أشركه في نصيبه على الانفراد استحق
نصفه، فكذا إذا أشركاه جميعاً معاً .
ومقتضى الاستحسان ، أن يكون للشريك الثلث ؛ لأن الشركة تقتضي
المساواة، فإذا قالا للرجل: ((أشركناك في الفرس)) فكأنهما قالا: ((شاركناك)).
فإن أشركه أحدهما في نصيبه ونصیب صاحبه، فأجاز شریکه قوله كان
للشريك الجديد النصف، وللأولين النصف، لأنه لما أجاز شریکه في نصيبه صار
نصف نصيبه له ، وقد أشركه في نصيب نفسه هذا، فيكون مجموع ما استحقه الشريك
الجديد هو النصف، وبقي لكل واحد منهما الربع .
وكل شركة فاسدة يقسم الربح فيها على قدر رأس المال، ويبطل شرط
التفاضل(١) كما عرفنا في حكم الشركة .
(١) فتح القدير: ٥ / ٣٣، رد المحتار: ٣٨٣/٣.
- ٨٣٥ -

المبحث الثاني - شركة المضاربة :
المضاربة أو القراض أو المعاملة من أنواع الشركات . وهي في لغة أهل العراق
تسمى مضاربة وفي لغة أهل الحجاز تسمى قراضاً، وهو مشتق من القرض وهو
القطع؛ لأن المالك يقطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها ويعطيه قطعة من
الربح، أو مشتق من المقارضة: وهي المساواة لتساويها في استحقاق الربح، أو لأن
المال من المالك والعمل من العامل، وهي لهذا تشبه الإجارة؛ لأن العامل فيها
يستحق حصته من الربح جزاء عمله في المال .
وأهل العراق يسمون القراض مضاربة؛ لأن كلاً من العاقدين يضرب بسهم في
الربح، ولأن العامل يحتاج إلى السفر، والسفر يسمى ضرباً في الأرض(١).
والكلام عن هذا العقد في المطالب الخمسة الآتية :
المطلب الأول - تعريف المضاربة ومشروعيتها وركنها وصفة عقدها.
المطلب الثاني - شرائط المضاربة .
المطلب الثالث - أحكام المضاربة .
عار
المطلب الرابع - حكم اختلاف رب المال والعامل المضارب.
المطلب الخامس - مبطلات المضاربة ...
المطلب الأول - تعريف المضاربة ومشروعيتها وركنها وصفة
عقدها :
تعريف المضاربة: المضاربة: هي أن يدفع المالك إلى العامل مالاً ليتجرفيه،
ويكون الربح مشتركاً بينهما بحسب ماشرطا (٢) . وأما الخسارة فهي على رب المال وحده،
مغني المحتاج: ٢ / ٣٠٩، تكملة فتح القدير: ٧ / ٥٧ وما بعدها، المبسوط: ٢٢ / ١٨، تبيين الحقائق
(١)
للزيلعي: ٥ / ٥٢، رد المحتار على الدر المختار: ٤ / ٥٠٤، مجمع الضمانات: ص ٣٠٣.
(٢)
المراجع السابقة .
- ٨٣٦ -

ولا يتحمل العامل المضارب من الخسران شيئاً وإنما هو يخسر عمله وجهده. وعرفها
صاحب الكنز بقوله : هي شركة مال من جانب ، وعمل من جانب.
ومحترزات التعريف الأول: هي أنه بكلمة ((يدفع)»: تبين أن المضاربة لا تصح
على منفعة كسكنى الدار، وأنها لا تصح على دين ، سواء أكان على العامل أم على
غيره. وبكلمة ((الربح مشتركاً)) تبين أن الوكيل ليس مضارباً. والسبب في اشتراك
العاقدين في الربح : هو أن رب المال يستحق الربح بسبب ماله؛ لأنه نماء ماله،
والمضارب يستحقه باعتبار عمله الذي هو سبب وجود الربح.
وعليه إذا شرط جميع الربح لرب المال كان العقد مباضعة، ولو شرط جميعه
للمضارب كان قرضاً
مشروعية المضاربة : اتفق أئمة المذاهب على جواز المضاربة بأدلة من القرآن
والسنة والإجماع والقياس، إلا أنها مستثناة من الغرر والإجارة المجهولة.
أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل
الله ﴾ والمضارب: يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله عز وجل، وقوله سبحانه:
﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) وقوله تعالى:
﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾. فهذه الآيات بعمومها تتناول
إطلاق العمل في المال بالمضاربة .
وأما السنة: فما روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (( كان سيدنا العباس بن
عبد المطلب إذا دفع المال مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحراً، ولا ينزل
به وادياً ، ولا يشتري به دابة ذات كبد رطبة، فإن فعل ذلك ضمن ، فبلغ شرطه
رسول الله تع ، فأجازه))(١)، وروى ابن ماجه عن صهيب رضي الله عنه أن النبي
(١) رواه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس. قال الهيثمي: وفيه أبو الجارود الأعمى وهو متروك كذاب (راجع
مجمع الزوائد : ٤ / ١٦١) .
- ٨٣٧ -

٠
عَ الِ قال: ((ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمقارضة، وخلط البر بالشعير
للبيت لا للبيع)»(١).
وأما الإجماع: فما روي عن جماعة من الصحابة أنهم دفعوا مال اليتيم مضاربة(٢)
ولم ينكر عليهم أحد، فكان إجماعاً، وروي أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن
الخطاب رضي الله عنهم خرجا في جيش العراق ، فلما قفلا مرا على عامل لعمر: وهو
أبو موسى الأشعري، فرحب بها وسهل ، وقال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به
لفعلت، ثم قال: بلى ههنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين ،
فأسلفكما ، فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق ، ثم تبيعانه في المدينة، وتوفران رأس
المال إلى أمير المؤمنين، ويكون لكما ربحه. فقالا: وددنا، ففعل، فكتب إلى عمر أن
يأخذ منهما المال، فلما قدمًا وباعا وربحا ، فقال عمر: أكل الجيش قد أسلف كما
أسلفكما ؟ فقالا: لا. فقال عمر: ابنا أمير المؤمنين، فأسلفكما! أدّيا المال وربحه، فأما
عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: يا أمير المؤمنين ، لو هلك المال ضمناه. فقال:
أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير
المؤمنين، لو جعلته قراضاً (أي لو عملت بحكم المضاربة: وهو أن يجعل لهما النصف،
ولبيت المال النصف) فرضي عمر، وأخذ رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله
وعبيد الله نصف ربح المال(٣).
(١) إسناده ضعيف (راجع سبل السلام: ٣ / ٧٦) والحق ما قال ابن حزم في مراتب الإجماع: ((كل أبواب الفقه
لها أصل من الكتاب أو السنة حاشا القراض ، فما وجدنا له أصلاً فيها البتة ، ولكنه إجماع صحیح مجرد ،
والذي نقطع به أنه كان في عصره ◌َّ، فعلم به وأقره، ولولا ذلك لما جاز)» ( انظر التلخيص الحبير:
ص ٢٥٥ ) .
(٢)
انظر نصب الراية : ٤ / ١١٣ .
أخرجه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن أبيه ، وعن مالك رواه الشافعي في مسنده ، ومن طريق
(٣)
الشافعي رواه البيهقي في ((المعرفة)) وأخرجه الدارقطني في سننه عن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن
جده ( راجع تنوير الحوالك شرح موطأ مالك: ٢ / ١٧٣، نصب الراية: ٤ / ١١٣ ، التلخيص الحبير :
ص ٢٥٤ ) .
- ٨٣٨ -

وأما القياس: فالمضاربة قيست على المساقاة لحاجة الناس إليها ، لأن الناس بين
غني وفقير، والإنسان قد يكون له مال، لكنه لا يهتدي إلى أوجه التصرف والتجارة
به، وهناك من لا مال له، لكنه مهتد في التصرفات، فكان في تشريع هذا العقد
تحقيق للحاجتين، والله تعالى ما شرع العقود إلا لمصالح العباد ودفع حوائجهم(١).
ركن المضاربة وألفاظها ونوعاها : ركن عقد المضاربة عند الحنفية : هو
الإيجاب والقبول ، بألفاظ تدل عليهما .
فألفاظ الإيجاب : هي لفظ المضاربة والمقارضة والمعاملة، وما يؤدي معاني هذه
الألفاظ بأن يقول رب المال: ((خذ هذا المال مضاربة على أن ما رزق الله عز وجل
من ربح فهو بيننا على كذا من نصف أو ربع أو ثلث أو غير ذلك من الأجزاء
المعلومة)).
وكذا إِذا قال: مقارضة أو معاملة، أو قال ((خذ هذا المال واعمل به على أن
ما رزق الله من شيء فهو بيننا على كذا)) ولم يزد على هذا فهو جائز، لأنه أتى بلفظ
يؤدي معنى هذا العقد ، والعبرة في العقود لمعانيها، لالصور الألفاظ.
وألفاظ القبول: هي أن يقول العامل المضارب: أخذت، أو رضيت أو قبلت،
ونحوها. وإذا توافر الإيجاب والقبول انعقد العقد (١).
وأركان المضاربة عند الجمهور ثلاثة : عاقدان (مالك وعامل) ومعقود عليه
(رأس المال، والعمل والربح)، وصيغة (إيجاب وقبول) وعدها الشافعية خمسة :
مال وعمل وربح(٢) وصيغة وعاقدان .
البدائع: ٦ / ٧٩، تكملة فتح القدير: ٧ / ٥٨ ، المبسوط: ٢٢ / ١٨، المهذب: ١ / ٣٨٤ ، مغني المحتاج :
(١)
٣٠٩/٢.
(٢)
البدائع : ٦ / ٧٩ وما بعدها .
البدائع : ٦ / ٨٧ .
(٣)
- ٨٣٩ -

نوعاها : المضاربة نوعان : مطلقة ومقيدة (١) :
فالمطلقة: هي أن يدفع رجل المال إلى آخر بدون قيد، ويقول: ((دفعت هذا
المال إليك مضاربة على أن الربح بيننا كذا مناصفة أو أثلاثاً، ونحو ذلك)).
والمقيدة : هي أن يدفع شخص إلى آخر ألف دينار مثلاً مضاربة على أن
يعمل بها في بلدة معينة، أو في بضاعة معينة ، أو في وقت معين ، أو لا يبيع
ولا يشتري إلا من شخص معين. وهذان النوعان الأخيران «حالة التأقيت
وتخصيص شخص)» جائزان عند أبي حنيفة وأحمد، وغير جائزين عند مالك
والشافعي. كذلك يجوز إضافتها إلى المستقبل عند الأولين ولا يجوز عند
الآخرين كأن يقول رب المال: ضارب بهذا المال ابتداء من الشهر الآتي. وأما تعليق
المضاربة على شرط كما إذا قال صاحب المال: إذا جاءك فلان بالدين الذي لي في
ذمته ( ومقداره ألف دينار) وسلمك إياه فضارب به ، فقد أجازه الحنابلة والزيدية
ولم يجزه الحنفية والمالكية والشافعية ؛ لأن المضاربة تفيد تمليك جزء من الربح،
والتمليك لا يقبل التعليق(٢).
صفة عقد المضاربة :
اتفق العلماء على أن عقد المضاربة قبل شروع العامل في العمل غير لازم، وأنه
لكل من المتعاقدين فسخه. واختلفوا فيما إذا شرع العامل في المضاربة، فقال الإمام
مالك: هو عقد لازم بالشروع، وهو عقد يورث، فإن المضارب إذا كان له بنون
أمناء كانوا في المضاربة أو القراض مثل أبيهم، وإن لم يكونوا أمناء كان لهم أن يأتوا
بأمين . وإن شرع العامل لا يفسخ العقد حتى ينض المال أي يتحول نقوداً لا عروضاً .
(١)
مغني المحتاج : ٢ / ٣١٠ .
(٢)
الميزان للشعراني: ٢ / ٩٢، المغني: ٥ / ٦٢ - ٦٣. المنتزع المختار للزيدية: ٣ / ٣٢٠، المهذب ١ / ٣٨٦،
الشرح الكبير للدردير: ٣ / ٥٢١، غاية المنتهى: ٢ / ١٧٣، كشاف القناع: ٣ / ٤٩٧.
- ٨٤٠ _