Indexed OCR Text

Pages 801-820

المطلوب في هذه الشركة أمر عسير، ولأن فيه غرراً كثيراً وجهالة، فلم يصح كبيع
الغرر. وبيان وجه الغررفيه: هو أنه يلزم كل واحد منهما ما لزم الآخر، وقد يلزمه
شيء لا يقدر على القيام به، ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه: ((إن لم تكن شركة
المفاوضة باطلة، فلا باطل أعرفه في الدنيا)) وأما الحديث السابق فهو غير معروف،
ولا رواه أصحاب السنن ؛ بل إنه ليس فيه ما يدل على أنه أراد هذا العقد، فيحتمل أنه
أراد المفاوضة في الحديث، ولهذا روي فيه: ((ولا تجادلوا فإن المجادلة من
الشيطان))(١).
والواقع أن شركة المفاوضة بالمعنى المذكور عند الحنفية غير متيسرة الوجود، إن
لم تكن متعذرة التحقيق(٢).
ثانياً - تعريف شركة الوجوه أو الشركة على الذمم :
هي أن يشترك وجيهان عند الناس، من غير أن يكون لهما رأس مال، على أن
يشتريا في ذممهما بالنسيئة ((أي بمؤجل))، ويبيعا بالنقد، بما لهما من وجاهة عند
الناس، فيقولا : اشتركنا على أن نشتري بالنسيئة ونبيع بالنقد، على أن ما رزق الله
سبحانه من ربح أي (من فرق الأثمان)، فهو بيننا على شرط كذا .
وسمي هذا النوع شركة الوجوه، لأنه لا يباع بالنسيئة إلا لوجيه من الناس
عادة. وهي معروفة بالشركة على الذمم من غير صنعة ولا مال .
(١) المراجع السابقة. قال الحنابلة: شركة المفاوضة الصحيحة: هي تفويض كل شريك إلى صاحبه شراء وبيعاً في
الذمة ، ومضاربةً وتوكيلاً ، ومسافرةً بالمال ، وارتهاناً وضاناً ، ما يرى من الأعمال ، أو يشتركان في كل ما.
يثبت لهما وعليهما إن لم يدخلا كسباً نادراً أو غرامةً كوجدان لقطة أو ركاز وما يحصل من ميراث أو ما يلزم
أحدهما من ضمان غصب أو أرش أو جناية وعارية ومهر ( غاية المنتهى : ١٨٢/٢) وانظر المغني: ٢٦/٥. وقد
تطلق شركة المفاوضة عند الحنابلة على أن يشترك الشريكان في جميع أنواع الشركة ، مثل أن يجمعا بين شركة
العنان والوجوه والأبدان، فيصح ذلك ، لأن كل نوع منها يصح على انفراده، فصح مع غيره . ( انظر
المغني : ٢٥/٥ ) .
(٢)
الشركات في الفقه الإسلامي ، المرجع السابق : /٦١ .
- ٨٠١ -

وهي جائزة عند الحنفية والحنابلة والزيدية، لأنها شركة عقد تتضمن توكيل
كل شريك صاحبه في البيع والشراء، وتوكيل كل واحد منهما صاحبه بالشراء على أن
يكون المشترى بينهما صحيح ، فكذلك الشركة التي تتضمن ذلك . هذا بالإضافة إلى
أن الناس تعاملوا بها في سائر الأعصار من غير إنكار من أحد. والخلاصة : أن ما اتفقا
عليه يعد عملاً من الأعمال، فيجوز أن تنعقد عليه الشركة (١).
وقال المالكية والشافعية والظاهرية والإمامية والليث وأبو سليمان وأبو ثور:
إن هذه الشركة باطلة؛ لأن الشركة تتعلق بالمال أو بالعمل ، وكلاهما معدومان في
هذه المسألة(٢) ، مع ما فيها من الغرر إذ أن كل شريك يعاوض صاحبه بكسب غير
محدد بصناعة ، أو بعمل مخصوص .
وبناء على الرأي الأول يصح تباين الشريكين في حصتهما في ملكية الشيء
المشترى، فيصح أن يكون لأحدهما النصف أو أكثر من النصف، لحديث الرسول
عليه السلام: ((المسلمون على شروطهم)). وأما الربح فيكون بينهما على قدر الحصة في
الملك، ولا يجوز أن يزيد أحدهما على ربح حصته شيئاً؛ لأن الربح في هذه الشركة
يستحق بقدر ضمان ثمن السلع المشتراة (٣) بالمال والعمل، والضمان يكون بقدر الحصة في
الملك، فيكون الربح بقدر ذلك ، فإن زاد الربح على مقدار الضمان ، زاد بلا مقابل
وهو لا يجوز.
وأما الخسارة : فهي على قدر ضمان كل من الشركاء اتفاقاً .
غاية المنتهى: ١٨٠/٢، المغني: ١٢/٥، البدائع: ٥٧/٦، فتح القدير: ٣٠/٥ وما بعدها ، مجمع الضمانات :
(١)
/٣٠٣، المبسوط؛ ١٥٤/١١. ويمكن اعتبار هذه الشركة صحيحة قانوناً على أساس أن رأس مالها هو ما يشترى
من السلع نسيئة .
بداية المجتهد: ٢٥٢/٢، الخرشي: ٥٥/٦، ط ثانية، مغني المحتاج: ٢١٢/٢، المهذب: ٣٤٦/١ ، الميزان
(٢)
للشعراني: ج ٨٣/١، القوانين الفقهية: /٢٨٤ .
أي أن كل شريك يعد ضامناً لحصة من الثمن بقدر ما يخصه من الملك .
(٣)
- ٨٠٢ -

ثالثاً - تعريف شركة الأعمال أو الأبدان :
وهي أن يشترك اثنان على أن يتقبلا في ذمها عملاً من الأعمال، ويكون
الكسب بينهما كالخياطة والحدادة والصباغة ونحوها ، فيقولا : اشتركنا على أن نعمل
فيه على أن ما رزق الله عز وجل من أجرة ، فهو بيننا على شرط كذا، وهي المعروفة
بشركة الحمالين وسائر المحترفة كالخياطين والنجارين والدلالين ليكون بينهما كسبهما
متساوياً أو متفاوتاً، سواء اتحدت حرفتهما كنجار ونجار، أو اختلفت كخياط
ونجار. وتسمى شركة الصنايع وشركة التقبل وشركة الأبدان وشركة الأعمال . وهي
اليوم شائعة في ورشة الحدادة أو النجارة ونحوهما ، وتعتبر شركة التنقيب عن النفط،
وشركة التفريغ والشحن ونحوها من شركات الأعمال .
وهي جائزة عند المالكية والحنفية والحنابلة والزيدية؛ لأن المقصود منها
تحصيل الربح، وهو ممكن بالتوكيل، وقد تعامل الناس بها ولأن الشركة تكون
بالمال، أو بالعمل كما في المضاربة، وهذا هنا عمل من الأعمال(١). وقد قال ابن
مسعود: ((اشتركت أنا وعمار وسعد يوم بدر، فأصاب سعد أسيرين ، ولم أصب أنا
وعمار شيئاً، فلم ينكر النبي ◌ُ لّ علينا(٢)). فهذه شركة فيما يصيبون من سلب في
الحرب .
إلا أن المالكية يشترطون لصحة هذه الشركة اتحاد الصنعة ، فتجوز بين محترفي
صنعة واحدة، ولا تجوز بين مختلفي الصنائع إلا إذا كان عَمَلا الشريكين متلازمين ،
بأن يتوقف وجود عمل أحدهما على وجود عمل الآخر كنساج وغزال . ويشترطون لها
(١) البدائع: ٥٧/٦، ٧٦، فتح القدير: ٢٨/٥، مختصر الطحاوي: /١٠٧، المبسوط: ١٥٤/١١ وما بعدها ، مجمع
الضمانات: /٣٠٣، رد المحتار: ٣٨٠/٣، بداية المجتهد: ٢٥٢/٢، المغني: ٣/٥، ١١، الخرشي: ٣٨/٦ ،
٥١ - ٥٣، الشركات للأستاذ الخفيف: /٩٩، القوانين الفقهية: /٢٨٤، غاية المنتهى: ١٨٠/٢.
(٢)
رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي عبيدة عن عبد الله، قال ابن تيمية في ((منتقى الأخبار من
أحاديث سيد الأخيار)) عن هذا الحديث: ((وهو حجة في شركة الأبدان وتملك المباحات)) (راجع جامع
الأصول: ١٠٨/٦، نيل الأوطار : ٢٦٥/٥) .
- ٨٠٣ -

أيضاً اتفاق المكان الذي يعملان فيه، فإن كان الشريكان في موضعين لم تجز الشركة .
ويجب عندهم أن يكون اقتسام الربح مناسباً لمقدار العمل المشترط على كل
شريك. ويكفي فيه التقارب عرفاً بين الربح والعمل .
ويرى الحنابلة جواز هذه الشركة حتى في المباحات كالحطب والحشيش
ونحوهما، فتجوز عندهم فيما يشترك فيه الشريكان بأبدانها من مباح كالاحتشاش
والاصطياد والتلصص على دار الحرب، وأخذ سلب قتلى الحرب، إلا أنهم قالوا:
لا تصح شركة الدلالين .
وقال الشافعية والإمامية وزفر من الحنفية : هي شركة باطلة؛ لأن الشركة
تختص عندهم بالأموال لا بالأعمال(١)؛ لأن العمل لا ينضبط، فكان فيه غرر وعدم
انضباط، إذ لا يدري أحدهما أن صاحبه يكسب أم لا ، ولأن كل واحد منهما متميز عن
الآخر ببدنه ومنافعه، فيختص بفوائده، كما لو اشتركا في الاحتطاب والاصطياد
وسائر المباحات، فإن ذلك لا يجوز حتى عند الحنفية؛ لأن الشركة مقتضاها
الوكالة، ولا تصح الوكالة في تملك المباح، لأنه يملك بالاستيلاء(٢).
المطلب الثاني - شرائط شركة العقود
اشترط علماء الحنفية شروطاً في شركات العقود، منها ما هو عام لكل أنواع
شر کة العقود، ومنها ما هو خاص .
أبطل القانون المدني هذه الشركة لأنها لا تقوم على رأس مال ، فلا يجوز أن يكون رأس مال الشركة عبارة عن
- (١)
مجرد أعمال الشركاء ، وإنما يجب أن يتضمن جزءاً مادياً .
(٢)
فتح القدير: ٣١/٥، مغني المحتاج : ٢١٢/٢ .
٠
۔۔
- ٨٠٤ _
٠+

أولاً - الشروط العامة في شركات العقود :
يشترط لصحة شركات العقود شرائط هي (١) :
١ - قابلية الوكالة: وهي أن يكون التصرف المعقود عليه عقد الشركة قابلاً
للوكالة(٢) ؛ لأن من حكم الشركة: ثبوت الاشتراك في الربح المستفاد بالتجارة ، ولا
يصير المستفاد بالتجارة مشتركاً بينهما، إلا أن يكون كل واحد منهما وكيلاً عن
صاحبه في بعض أموال الشركة، وعاملاً لنفسه في البعض الآخر. وبناء عليه تتطلب
الشركة أن يأذن كل شريك لصاحبه في التصرف بالشراء والبيع وتقبل الأعمال،
والوكيل هو المتصرف بإذن غيره. وبما أن الشركة على اختلاف أنواعها تتضمن معنى
التوكيل، أي وكالة كل شريك عن صاحبه، فيشترط في الشركة قابلية الوكالة ، وأن
يكون كل شريك أهلاً للوكالة والتوكيل. وما لا يجوز التوكيل فيه عند الحنفية
خلافاً للجمهور: هو الاستيلاء على المباحات .
٢ - أن يكون الربح معلوم القدر بجزء محدد : أي بحيث تكون حصة كل شريك
من الربح نسبة معلومة منه، كخمسه أو ثلثه أو عشرة في المائة، فإن كان الربح
مجهولاً تفسد الشركة ؛ لأن الربح هو المعقود عليه ، وجهالة المعقود عليه تستوجب
5
فساد العقد .
٣ - أن يكون الربح جزءاً شائعاً في الجملة لا معيناً: فإن عينا ربحاً معيناً
لأحدهما كعشرة أو مائة ، كانت الشركة فاسدة؛ لأن العقد يقتضي تحقق الاشتراك في
الربح، ومن الجائز ألا يتحقق الربح إلا في القدر المعين لأحد الشريكين ، فكان
التعيين منافياً لمقتضى عقد الشركة .
(١) راجع فتح القدير مع العناية: ٥٥ وما بعدها، البدائع: ٥٨/٦ وما بعدها، مغني المحتاج: ٢١٣/٢ ، الخرشي:
٣٩/٦
(٢) هذا عند الحنفية احتراز عن الشركة في المباحات كالاحتشاش والاحتطاب والاصطياد ، فإن الملك في هذه
الحالات يقع لمن باشر سبب الملك بخصوصه . وأجاز الجمهور في الأظهر عند الشافعية التوكيل في تملك
المباحات .
- ٨٠٥ -

ثانياً - الشروط الخاصة بشركة الأموال :
يشترط في شركات الأموال شروط خاصة بها ، سواء أكانت الشركة عناناً أم
مفاوضة ، وهي (١) :
١- أن يكون رأس مال الشركة عيناً حاضرة، إما عند العقد أو عند الشراء،
وهو رأي جمهور الفقهاء: فلا يجوز أن يكون رأس المال ديناً ولا مالاً غائباً؛ لأن
المقصود من الشركة الربح، وذلك بواسطة التصرف، والتصرف لا يمكن في الدين ولا
في المال الغائب، فلا يتحقق المقصود من الشركة، ولأن المدين ربما لا يدفع الدين،
وقد لا يحضر المال الغائب .
وعلى هذا : لو دفع إنسان لآخر ألف درهم، وقال له: أخرج مثلها ، واشتر بها
وبع، فما ربحت يكون بيننا، فأخرج ألفاً واشترى بها، جاز، وإذاً فالمهم هو حضور
المال عند الشراء، ولا يشترط عند العقد ؛ لأن الشركة تتم بالشراء، فيطلب الحضور
عندئذ .
چه تعالـ
هل يشترط خلط المالين ؟
قال الجمهور (وهم الحنفية والمالكية والحنابلة)(٢): لا يشترط خلط المالين، لأن
الشركة يتحقق معناها بالعقد لا بالمال، ومورد العقد هو العمل ، والربح نتيجته
والمال تبع ، فلا يشترط خلط المال كالمضاربة ، ولأن الشركة عقد على التصرف، ففيها
معنى الوكالة، والوكالة جائزة في المالين قبل خلطهما ، فتجوز الشركة كذلك(٣)، فإن
(١)
البدائع : ٥٩/٦ وما بعدها ، غاية المنتهى : ١٦٦/٢ .
مختصر الطحاوي: /١٠٧، فتح القدير: ٢٤/٥، البدائع: ٦٠/٦، المبسوط: ١٧٧/١١، بداية المجتهد: ٢٥٠/٢ ،
(٢)
القوانين الفقهية: /٢٨٣، المغني: ١٦/٥، الخرشي: ٤١/٦، ط ثانية، غاية المنتهى: ١٦٢/٢.
(٣)
٠
يلاحظ أنه لا محل لاشتراط خلط الأموال في التشريع الوضعي ، لأن من آثار نشوء عقد الشركة وجود شخص
اعتباري وهو الشركة ، تنتقل إليه ملكية رأس المال جميعه ( الشركات في الفقه الإسلامي للأستاذ علي
الخفيف :/٤٦ ) .
- ٨٠٦ -

الشركاء إذا صرحوا بأن يشتري أحدهم بهذه الدراهم، والآخر بهذه الدنانير على أن
المشتری بینھما صح .
إلا أن المالكية قالوا: إن عدم اشتراط. اختلاط المالين لا يعني عزلهما من كل
الوجوه، بل لابد من أن يكون الخلط إما حساً أو حكماً، مثل أن يكون المالان في
صندوق واحد ، وأيديها مطلقة عليهما .
وقال زفر والشافعية والظاهرية والزيدية والإمامية : يشترط خلط المالين
بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر، ولا بد من كون الخلط قبل العقد، فإن وقع بعده لم
يكف في الأصح؛ لأن الشركة تعني الاختلاط، والاختلاط لا يتحقق مع تميز
المالين، فلا يتحقق معنى الشركة ، ولأن من أحكام الشركة أن الهلاك يكون من
المالين، وإذا هلك أحد المالين قبل الخلط يهلك على صاحبه وحده، وهذا ليس من
مقتضى الشركة(١).
ويترتب على هذا الخلاف أن الشركة تصح عند الجمهور إذا كان المالان من
جنسين مختلفين كدراهم ودنانير، أو من جنس واحد لكن بصفتين مختلفتين كحنطة
جديدة وحنطة عتيقة، أو بيضاء وسوداء، أو بيضاء وحمراء، إذ لا يشترط عندهم
خلط المالين .
ولا يصح ذلك عند الشافعية وزفر، لإمكان التمييز وإن كان فيه عسر، لأنه
يشترط خلط المالين خلطاً تاماً بحيث يتعذر التمييز بين المالين، وهو لا يتحقق في
مختلفي الجنس أو الصفة .
قال ابن رشد المالكي: ((والفقه أن بالاختلاط يكون عمل الشريكين أفضل
وأتم ؛ لأن النصح یوجد منه لشریکه كما يوجد لنفسه))(٢).
مغني المحتاج: ٢١٣/٢، المهذب: ٣٤٥/١، المنتزع المختار: ٣٥٤/٣ .
(١)
بداية المجتهد : ٢٥٠/٢ .
(٢)
- ٨٠٧ -

٢ - أن يكون رأس مال الشركة أثماناً مطلقة(١) أي نقداً وهي الدراهم والدنانير في
الماضي، والنقود المتداولة الآن . وهذا الشرط باتفاق المذاهب الأربعة(٢) فلا تجوز
الشركة في العروض(٣) من عقار أو منقول، لأنها ليست من ذوات الأمثال، وإنما هى
من ذوات القيمة التي تختلف باختلاف أعيانها ، والشركة فيها تؤدي إلى جهالة الربح
عند قسمة مال الشركة ؛ لأن رأس المال يتكون من قيمة العروض لاعينها، والقيمة
مجهولة ؛ لأنها تعرف بالحزر والظن، وهو يختلف باختلاف التقويم، فيصير الربح
مجهولاً ، فيؤدي إلى المنازعة عند القسمة. ثم إن الشركة تتضمن الوكالة، والوكالة
لا تصح في العروض، فلو قال شخص لغيره: بع عرضك (أي متاعك أو دارك) على
أن يكون ثمنه بيننا ، لا يجوز إذ الولاية عليه له وحده دون غيره، أما لوقال: اشتر
بألف درهم من مالك على أن ما اشتريته يكون بيننا، وأنا أشتري بألف درهم من
مالي على أن ما أشتري يكون بيننا، جاز؛ لأن الشركة تكون في النقود.
وقال الإمام مالك : لا يشترط كون رأس مال الشركة نقداً، وإنما تصح الشركة
في الدراهم والدنانير، كما تصح في العروض سواء اتفقا جنساً أو اختلفا، وتكون
الشركة في العروض مقدرة بقيتها ، ودليله أن الشركة عقدت على رأس مال معلوم،
فأشبه النقود (٤) .
ويترتب على هذا الشرط عند الحنفية في الرواية الراجحة ، وعند الحنابلة : أنه
لا تصح الشركة في التبر (أي مالم يضرب من الذهب والفضة) والنقرة ( أي القطعة
المذابة من الذهب أو الفضة) بناء على أنه كالعروض .
(١)
وهي التي لاتتعين بالتعيين .
(٢)
البدائع : ٥٩/٦ ، فتح القدير: ١٤/٥، تبيين الحقائق: ٣١٦/٣، مختصر الطحاوي: /١٠٧، المبسوط : ١٥٩/١١
وما بعدها، مغني المحتاج: ٢١٣/٢، المغني: ١٣/٥ وما بعدها، المهذب: ٣٤٥/١، رد المحتار: ٣٧٢/٣،
الخرشي: ٤٠/٦ ، ط ثانية
(٣)
قال في القاموس : العرض ( أي بسكون الراء ) : المتاع ، ويحرك أي يفتح الراء .
(٤)
الشرح الكبير : ٣٤٩/٣ ، بداية المجتهد : ٢٤٩/٢ .
- ٨٠٨ -

۔
أما في الرواية الأخرى عند الحنفية فتجوز الشركة فيه؛ لأنه كالأثمان المطلقة،
والمدار على تعامل الناس به، فإذا تعاملوا به فحكمه حكم النقود، وإن لم يتعاملوا به
فحكمه حكم العروض . وأما الشافعية فقد أجازوا الشركة فيه؛ لأنهم عدوه من
المثليات(١) .
وأما الفلوس (٣): فلا تجوز الشركة فيها في الرواية المشهورة عن أبي حنيفة وأبي
يوسف، لأنها إذا كانت كاسدة فهي كالعروض، وإن كانت نافقة (أي رائجة) فهي
ليست أثماناً مطلقة عندهما (أي لاتلازمها صفة الثمنية) لأنها تتعين بالتعيين في الجملة،
وتصير مبيعاً باصطلاح العاقدين . وإذا لم تكن أثماناً مطلقة لاحتمالها التعيين بالجملة
في عقود المعاوضات، لم تصلح رأس مال الشركة كسائر العروض . وهذا هو رأي
الشافعية والحنابلة وابن القاسم من المالكية؛ لأنها تنفق مرة وتكسد مرة أخرى
فأشبهت العروض .
وقال محمد: يصح أن تكون الفلوس الرائجة رأس مال الشركة؛ لأنها بحسب
الأصل عنده تعتبر من الأثمان المطلقة، لأن الثمنية لازمة لها(٣).
وأما الشركة على المثليات التي ليست بأثمان مطلقة من المكيل
والموزون والعددي المتقارب كالجوز والبيض : فتصح الشركة فيها عند الشافعية
والمالكية ؛ لأن الشافعية جعلوا العدديات المتقاربة من المثليات فتصح الشركة فيها
على الأظهر عندهم ؛ ولأن المكيل أو الموزون إذا اختلط بجنسه ارتفع التمييز بينهما،
فأشبه النقدين . وأما المالكية فأجازوا الشركة فيها بحسب قيمتها عند الخلط،.
لاقيمتها عند البيع، كما في العروض؛ لأن خلط الطعامين مثلاً يجعل من المتعذر
المراجع السابقة عند الحنفية .
(١)
(٢)
الفلوس جمع فلس وهو قطعة مضروبة من النحاس كان يتعامل بها .
البدائع : ٥٩/٦، المغني: ١٥/٥، المبسوط السرخسي: ١٦٠/١١، رد المحتار: ٣٧٢/٣، غاية المنتهى: ١٦٦/٢.
(٣)
- ٨٠٩ -

فصلهما بخلاف العروض، فإنه يمكن تمييز كل عرض عن غيره(١)
وقال الحنابلة: لا تجوز الشركة في ظاهر المذهب في المكيل والموزون
والعدديات المتقاربة ، كما لاتجوز في سائر العروض(٣).
وقال الحنفية والشيعة الإمامية والزيدية : لا تجوز الشركة في المكيلات
والموزونات والعدديات المتقاربة قبل الخلط ؛ لأنها إنما تتعين بالتعيين إذا كانت
عيناً ، فكانت كالعروض، فهي ليست أثماناً مطلقة ، مع العلم بأن شرط جواز الشركة
أن يكون رأس المال مما لا يتعين بالتعيين ، فلو قال شخص لغيره: بع حنطتك على
أن يكون ثمنها بيننا لم يجز، وأما بعد الخلط : فإن كانت الشركة في جنسين مختلفين
كالحنطة والأرز والشعير فلا تجوز، وإن كانت من جنس واحد فلا تصح أيضاً عند
أبي يوسف، وإنما تصير شركة أملاك .
وقال أبو حنيفة ومحمد : تصح الشركة فيها بعد الخلط ، فيكون مذهب الحنفية
قريباً من مذهب الشافعية .
81
وتظهر فائدة الخلاف عند التساوي في المالين واشتراط التفاضل في الربح، بأن
كان المكيل نصفين بين شريكين، ولكنها شرطا أن يكون الربح أثلاثاً، فُخلطاه،
واشتريا به ، فعلى قول أبي يوسف: يكون الربح بينهما على قدر المالين نصفين . وعلى
قول محمد : یکون الربح بحسب ما شرطا .
وجه قول أبي يوسف : هو أنه متشٍ مع الأصل الذي بنى عليه الحنفية عدم جواز
الشركة في المكيلات والموزونات ونحوها قبل الخلط: وهو أنها ليست أثماناً مطلقة
على كل حال، بل قد تكون تارة ثمناً، وتارة مبيعاً؛ لأنها تتعين بالتعيين في الجملة
فكانت كالفلوس، وشرط جواز الشركة ألا يكون رأس المال مما يتعين بالتعيين .
(١)
مغني المحتاج: ٢١٣/٢ ، الشرح الكبير: ٣٤٩/٣ .
(٢)
المغني : ١٣/٥ وما بعدها .
- ٨١٠ -

ووجه قول محمد : هو أن معنى الوكالة التي تتضمنها الشركة ثابت في هذه الأشياء
بعد الخلط، فأشبهت الدراهم والدنانير، بخلاف ما قبل الخلط ؛ لأن الوكالة التي هي
من مقتضيات الشركة لاتصح في هذه الأشياء قبل الخلط.
والحيلة عند أبي يوسف في جواز الشركة بهذه الأشياء: أن يخلط المالان حتى
تصير شركة ملك بينهما ، ثم يعقدا عليهما عقد الشركة (١).
ثالثاً - الشروط الخاصة بشركة المفاوضة :
اشترط الحنفية شروطاً خاصة بشركة المفاوضة وهي(٢):
١ - أن يكون لكل من الشريكين أهلية الوكالة والكفالة: بأن يكونا حرين
بالغين عاقلين راشدين ؛ لأن من أحكام المفاوضة أن ما يلزم أحدهما من الحقوق
والواجبات فيما يتجران فيه يلزم الآخر ، ويكون كل واحد منهما فيما وجب على
صاحبه بمنزلة الكفيل عنه، كما أنه يكون كل واحد منهما فيما وجب لصاحبه بمنزلة
الوكيل .
٢ - المساواة في رأس المال قدراً وقيمة ابتداء وانتهاء، في الرواية المشهورة: فلو
كان المالان متفاضلين قدراً لم تكن مفاوضة؛ لأن المفاوضة تنبىء عن المساواة فلا بد
من اعتبار المساواة فيها ما أمكن . وإذا كان المالان متفاضلين قيمة في الرواية
المشهورة، كأن تفاضل النقدان في قيمة الصرف لم تجز المفاوضة ؛ لأن زيادة القيمة
بمنزلة زيادة الوزن ، فلا تثبت المساواة التي هي من مقتضى العقد .
٣ - أن يكون كل ما يصلح أن يكون رأس مال للشركة لأحد المتفاوضين داخلاً
انظر البدائع: ٦٠/٦، فتح القدير: ١٦/٥، المبسوط: ١٦١/١١ وما بعدها .
(١)
(٢)
انظر البدائع: ٦٠/٦ وما بعدها، رد المحتار على الدر المختار: ٣٦٩/٣ وما بعدها .
- ٨١١ -
محمـ
٦

في الشركة(١) : فإن لم يكن داخلاً في الشركة لم تكن مفاوضة؛ لأن ذلك يتنافى مع
مبدأ المساواة. أما مالا تصلح فيه المفاوضة كالعروض والعقارات والديون والأموال
الغائبة ، فلا تلزم المشاركة فيه كالتفاضل في الزوجات والأولاد.
ولا تشترط المجانسة في المال ما دامت القيمة متحدة خلافاً للزيدية . وعليه إذا كان
رأس مال أحدهما ذهباً ورأس مال الآخرفضة، وهما متساويان قيمة، صحت المفاوضة
على أشهر الروايتين. كذلك لا يشترط كما ذكرنا اختلاط المالين خلافاً لزفر.
٤ - المساواة في الربح في المفاوضة: فإن شرطا التفاضل في الربح لم تكن مفاوضة
لعدم المساواة .
٥ - أن تكون المفاوضة في جميع التجارات : فلا يختص أحد الشريكين بتجارة
دون شريكه؛ لأن في الاختصاص إبطالاً لمعنى المفاوضة: وهو المساواة. وعلى هذا:
يفهم سبب اشتراط أبي حنيفة ومحمد أن تكون المفاوضة بين مسلمين ، فلا تصح بين
مسلم وكافر؛ لأن الكافر الذمي مثلا يختص بتجارة لاتجوز للمسلم: وهي تجارة الخمر
والخنزير.
وقال أبو يوسف: تجوز المفاوضة بين مسلم وكافر، لاستوائهما في أهلية الوكالة
والكفالة .
٦ - أن تكون الشركة بلفظ المفاوضة: لأن للمفاوضة شرائط لا يجمعها إلا لفظ
المفاوضة أو عبارة أخرى تقوم مقامها .
(١) قال في كنز الدقائق والدر المختار: تبطل المفاوضة إن وهب لأحد الشريكين أو ورث ما تصح فيه الشركة ،
ووصل إلى يده وهو النقدان ، لفوات المساواة فيا يصلح رأس مال ، إذ المساواة في هذه الشركة شرط عند
ابتدائها وفي حال استمرارهه ( تبيين الحقائق: ٣١٦/٣، الدر المختار ورد المختار: ٣٧٢/٣) .
- ٨١٢ -
٦

هذه هي شروط شركة المفاوضة، فإذا فقد شرط منها انقلبت الشركة عناناً؛
لأن شركة العنان لاتتطلب هذه الشروط(١).
فلا يشترط في شركة العنان أهلية الكفالة، فتصح ممن لاتصح منه الكفالة،
كالصبي المأذون بالتجارة، ولا المساواة في رأس المال، فتجوز مع تفاضل الشريكين في
رأس المال، وأن يكون لأحدهما مال آخر لم يدخل في عقد الشركة .
ولا يشترط أن تكون في عموم التجارات، فتجوز أن تكون عامة أو خاصة
ببعض أنواع التجارة كالحبوب والأقمشة والحديد ونحوها، كما أنها تجوز بين المسلم
والذمي ؛ لأنه لا تشترط المساواة في شركة العنان .
کما لا يشترط التساوي في الربح، فيجوز تفاضلهما وتساويها فيه .
قال أستاذنا الشيخ علي الخفيف : والواقع أن شركة المفاوضة على ما ذهب إليه
الحنفية والزيدية لاتعد شركة واقعية، وليس لوجودها بقاء إذا ما وجدت، فإن
اشتراط تساوي أموال الشركاء في القيمة ، وعدم اختصاص كل شريك بمال يصلح أن
يكون رأس مال للشركة في جميع مراحل وجودها لا يبقي عليها زمناً طويلاً. فإن
استمرار كل شريك على ما كان له من نقود عند تكوينها وعدم زيادتها بعد ذلك ، أمر
يكاد أن يكون أمراً عسيراً(٢).
رابعاً - شروط شركة الأعمال :
إذا كانت شركة الأعمال مفاوضة ، فيشترط فيها شرائط المفاوضة السابق
ذكرها ، مثل أهلية الكفالة، والتساوي في الأجر، ومراعاة لفظ المفاوضة .
أما اذا كانت الشركة عناناً، فلا يشترط لها شيء من شروط المفاوضة وإنما
البدائع: ٦٢/٦، رد المحتار: ٣٧٣/٣.
(١)
(٢)
الشركات في الفقه الإسلامي : / ٦٣ .
- ٨١٣ -

تشترط أهلية الوكالة فقط. قال أبو حنيفة: ما تجوز فيه الوكالة تجوز فيه الشركة ،
ومالا تجوز فيه الوكالة لا تجوز فيه الشركة .
وإذا احتاجت الصنعة إلى استعمال آلة ، فاستعملها أحد الشريكين فلا يؤثر
ذلك في ثبوت الشركة، وهذا بشرط ألا يكون من عمله إجارتها لغيره. أما إذا أجرها
فإن أجرتها تكون له خاصة، لا مشتركة، لأنها مقابل استعمال آلة مملوكة له، فكانت
مختصة به . وبناء عليه تفسد الشركة بين رجلين لأحدهما بغل وللآخر بعير على أن
يؤجرهما، كما سنفصل في بحث الشركة الفاسدة، وهذا ما ذهب إليه الحنفية
والحنابلة(١).
خامساً - شروط شركة الوجوه :
إذا كانت شركة الوجوه مفاوضة، فيشترط أن يكون الشريكان من أهل
الكفالة ، وأن يلتزم كل منهما بنصف ثمن الشيء المشترى ، وأن يكون المشترى بينهما
نصفين، وأن يكون الربح بينهما نصفين، وأن يتلفظا بلفظ المفاوضة؛ لأن هذه
الشركة قائمة على المساواة التامة بين الشريكين .
وأما إذا كانت الشركة عناناً، فلا تشترط الشروط المذكورة في المفاوضة، فيصح
تفاضلهما في الشيء المشترى ، ويكون التزامهما بثمن المشترى على قدرملكيهما ، كما يكون
الربح بينهما على قدر تحملهما ثمن المشترى ، فإذا شرط لأحدهما زيادة ربح على حصته
يكون الشرط باطلاً؛ لأن الربح يتقدر بقدر ضمانها ثمن المشترى(٢).
(١)
البدائع : ٦٣/٦ وما بعدها ، المغني : ٦/٥.
(٢)
البدائع ، المرجع السابق : ٦٥ .
۔
- ٨١٤ -

المطلب الثالث - أحكام شركة العقود
شركة العقود إما أن تكون صحيحة أو فاسدة.
فإن كانت فاسدة : وهي التي اختل فيها شرط من شرائط الصحة السابق
ذكرها ، فلا تفيد شيئاً مما سنذكره في أحكام الشركة (١) الصحيحة.
وفي الجملة قال الحنفية والشافعية والحنابلة : إن فسدت الشركة يقتسمان الربح
على قدر رأس أموالهما، ويرجع كل شريك على الآخر بأجرة عمله في ماله؛ لأن
المسمى يسقط في العقد الفاسد(٢).
وأما الشركة الصحيحة: وهي التي استوفت شروط صحتها، فيعرف حكمها
بحسب كل نوع من أنواع الشركة، كما يتبين مما يأتي .
أولاً - أحكام شركة العنان في الأموال :
١ - شرط العمل: يجوز في شركة العنان أن يشترط الشريكان العمل عليهما أو
على أحدهما دون الآخر، كأن يشتركا على أن يبيعا ويشتريا على أن ما رزق الله من
التجارة فهو بينهما على شرط كذا، أو أن يبيع ويشتري أحدهما دون الآخر.
٢ - توزيع الربح: وأما الربح فيكون على قدر رأس المال متساوياً أو
متفاضلاً، فإن كان رأس المال متساوياً بينهما ( أي مناصفة ) يكون الربح بينهما
متساوياً ، سواء شرط العمل عليهما أو على أحدهما؛ لأن استحقاق الربح عند الحنفية
(١)
البدائع : ٧٧/٦ .
(٢)
مغني المحتاج: ٢١٥/٢، المغني: ١٧/٥، فتح القدير: ٢٣/٥، تبيين الحقائق: ٣٢٣/٣، غاية المنتهى: ١٦٩/٢
وما بعدها .
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٥٢)
- ٨١٥ -
١

إما بالمال أو بالعمل أو بالتزام الضمان (١)، وقد وجد التساوي في رأس المال، فينبغي
التساوي في الربح.
ويصح أيضاً عند الحنفية ما عدا زفر أن يتفاضل الشريكان في الربح حالة
التساوي في رأس المال، بشرط أن يكون العمل عليهما أو على الذي شرط له زيادة
الربح؛ لأن الربح كما قلنا يستحق إما بالمال أو بالعمل أو بالضمان، وزيادة الربح في
هذه الحالة كانت بسبب زيادة العمل ؛ لأنه قد يكون أحد الشريكين أحذق وأهدى
وأكثر عملاً وأقوى، فيستحق زيادة ربح على حساب شريكه، لحديث: ((الربح على
ما شرطا، والوضعية على قدر المالین))(٢).
وإن شرط العمل على أقلهما ربحاً، فلا تجوز الشركة؛ لأنه شرط لأحد
الشريكين زيادة ربح بغير عمل ولا ضمان، والربح لا يستحق إلا بمال أو عمل أو
ضمان. وكذلك لا تصح الشركة إذا شرط جميع الربح لأحد الشريكين، ويلاحظ أنه
ليس المراد بالعمل وجوده، وإنما يكفي شرط العمل(٣).
ورأي الحنابلة والزيدية كالحنفية: يجوز أن يتفاضل الشريكان في الربح(4).
وأما الخسارة فهي على قدر رأس المال باتفاق المذاهب .
وقال المالكية والشافعية والظاهرية والإمامية وزفر من الحنفية : يشترط لصحة
شركة العنان أن يكون الربح والخسران على قدر المالين أي نسبتها ؛ لأن الربح نماء مالهما
(١) أما استحقاقه بالمال فلأنه يعد نماء للمال. وأما استحقاقه بالعمل في المال فلأنه شبيه بالأجرة ، لأنه جزاء
العمل وناتج عنه. وأما استحقاق الربح بالضمان فلقوله عَ لّ: ((الخراج بالضمان)) أي مستحق بسببه ، فإذا
صار المال مضمونا على الشريك بسبب من الأسباب التي توجب ضمانه ، وأصبح غير أمين فيه ، فإن جميع الربح
يكون له لضمانه اياه ، لأنه خراج المال . ويعرف استحقاق الشريك من الربح بهذه الأسباب بالشرط .
أي الخسارة في الشركة على كل واحد منهما بقدر ماله . قال الحافظ الزيلعي عن هذا الحديث : غريب جداً
(٢)
( أي لا أصل له) ويوجد في بعض كتب الأصحاب من قول علي ( راجع نصب الراية: ٤٧٥/٣ ).
(٣)
فتح القدير: ٢١/٥، البدائع: ٦٢/٦ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٣١٨/٣.
المغني: ٢٧/٥، المنتزع المختار: ٣٥٩/٣، غاية المنتهى : ١٦٥/٢.
(٤)
- ٨١٦ -

والخسران نقصان مالهما ، فكانا على قدر المالين ، أي أن الربح يشبه الخسران ، فكما أنه لو
اشترط أحد الشريكين أن يتحمل فقط جزءاً من الخسران لم يجز، كذلك إذا اشترط
جزءاً من الربح زائداً عن رأس ماله لا يجوز، فكان الربح والخسران تابعين للمال.
ويترتب عليه أنه لو شرط الشريكان التفاضل في الربح والخسران مع تساوي المالین ، أو
التساوي في الربح أو الخسران مع تفاضل المالين لم يصح العقد ؛ لأنه شرط ينافي مقتضى
الشركة، فلم يصح، كمالوشرط أن يكون الربح لأحدهما(١).
٣ - هلاك مال الشركة: قال الحنفية والشافعية: إذا هلك مال الشركة أو أحد
المالين قبل الشراء وقبل الخلط ، بطلت الشركة ؛ لأن المعقود عليه في عقد الشركة هو
المال، وقد تعينت الشركة فيه، وإذا هلك المعقود عليه يبطل العقد، كما في البيع .
هذا إذا هلك المالان . وأما بطلان العقد حال هلاك أحد المالين ، فلأن الشريك الذي
لم يهلك ماله، ما رضي بشركة صاحبه في ماله إلا ليشركه في ماله، فإذا فات المقصود
لم يكن راضياً بشركته، فيبطل العقد لعدم فائدته، وأي مال هلك يهلك من مال
صاحبه. وهذا بخلاف ما بعد الخلط حيث يهلك على الشركة .
وإن اشترى أحد الشريكين بماله، وهلك مال الآخر بعد الشراء، فيكون ما
اشتراه بينهما؛ لأنه اشتراه حالة قيام الشركة، فيصبح مملوكاً للشريكين، فهلاك المال
بعدئذ لا يغير حكم المالك، وإذا وقع المشترى على الشركة يرجع الشريك على
شريكه بحصته من الثمن ، لأنه اشترى نصفه بوكالته، ونقد الثمن من مال نفسه(٢).
وقال المالكية والحنابلة : تنشأ الشركة بمجرد العقد ويصير به رأس المال مشتركاً
بين الشركاء. فإذا هلك أحد المالين قبل الخلط أو قبل التصرف يهلك على حساب
الشركاء(٣).
القوانين الفقهية: ص ٢٨٤، بداية المجتهد: ٢٥٠/٢ ، مغني المحتاج: ٢١٦/٢، المهذب: ٣٤٦/١.
(١)
(٢)
فتح القدير: ٢٣/٥، المبسوط: ١٦٧/١١.
غاية المنتهى : ١٦٦/٢ .
(٣)
- ٨١٧ -

٤ - التصرف بمال الشركة: لكل واحد من شريكي العنان أن يبيع مال
الشركة؛ لأنها بعقد الشركة أذن كل واحد لصاحبه ببيع مال الشركة، ولأن الشركة
تتضمن الوكالة ، فيصير كل واحد من الشريكين وكيلاً عن صاحبه بالبيع .
ولكل شريك أن يبيع مال الشركة بالنقد والنسيئة (أي بالدفع حالاً أو
مؤجلاً) لأنه وجد الإذن بالبيع مطلقاً بمقتضى الشركة ، ولأن الشركة تنعقد على
عادة التجار، ومن عادتهم البيع نقداً ونسيئة .
ولا يجوز البيع نسيئة عند الشافعية. وعند الحنابلة فيه روايتان ، أرجحهما أنه
يجوز البيع نسيئة(١).
وللشريك أن يبيع بقليل الثمن وكثيره إلا بما لا يتغابن الناس في مثله؛ لأن
المقصود من العقد وهو الاسترباح لا يحصل به ، فكان مستثنى من العقد دلالة .
وللشريك أيضاً أن يشتري بالنقد وبالنسيئة إذا كان في يده نقود «دراهم أو
دنانير)) أو مكيل أو موزون، فاشترى بالدراهم والدنانير شيئاً نسيئة، أو اشترى
بالمكيل أو الموزون شيئاً نسيئة؛ لأن الشريك وكيل بالشراء، والوكيل بالشراء يملك
الشراء بالنسيئة ، ولأنه يمكنه حينئذ وفاء الثمن مما تحت يده من هذا المال في الحال .
فإن لم يكن في يده دراهم ولا دنانير، وصار رأس مال الشركة كله أعياناً
وأمتعة ، فاشترى بدراهم أو بدنانير شيئاً نسيئة ، فيكون المشترى له خاصة دون
شريكه؛ لأنه لو صح في حق شريكه صار مستديناً على مال الشركة، والشريك لا
يملك الاستدانة على مال الشركة من غير أن يؤذن له بها ، كالشريك المضارب؛ لأنه
يصير رأس مال الشركة أكثر مما رضي الشريك بالمشارکة فیه، فلا يجوز من غير
رضاه(٢).
(١) غاية المنتهى: ١٦٧/٢، مغني المحتاج: ٢١٤/٢.
البدائع : ٦٨/٦، رد المحتار: ٣٧٧/٣ .
(٢)
- ٨١٨ -

ونذكر هنا أهم أنواع التصرفات :
آ - إبضاع مال الشركة وإيداعه: للشريك أن يبضع(١) مال الشركة؛ لأن
الشركة تنعقد على عادة التجار، والإبضاع من عاداتهم، ولأن له أن يستأجر على
العمل في البضاعة بأجر، فيكون الإبضاع أولى، إذ أن من يملك الأعلى يملك الأدنى،
وللشريك أيضاً أن يودع مال الشركة؛ لأن الإيداع من عادة التجار، ومن
ضرورات التجارة أيضاً .
وخالف الشافعية في ذلك ، وللحنابلة في جواز الإبضاع روايتان .
. ب - المضاربة بمال الشركة: وللشريك أن يدفع المال إلى شخص للمضاربة
فيه، وهو ظاهر الرواية عند الحنفية والأصح؛ لأن الشريك يملك أن يستأجر أجيراً
يعمل في مال الشركة، فلأن يملك الدفع مضاربة أولى؛ لأن الأجير يستحق الأجر،
سواء حصل في الشركة ربح أم لم يحصل، والمضارب لا يستحق شيئاً بعمله إلا إذا كان
في المضاربة ربح، فلما ملك الاستئجار فلأن يملك الدفع مضاربة أولى .
جــ التوكيل بالبيع وبالشراء: وللشريك أن يوكل بالبيع؛ لأن
التوكيل دون المضاربة، كماله أن يوكل بالشراء؛ لأن التوكيل بالبيع والشراء من
أعمال التجارات ، إِذ التاجر لا يمكنه مباشرة جميع التصرفات بنفسه، فيحتاج إلى
التوكيل ، فكان التوكيل من ضرورات التجارة .
د- الرهن والارتهان: وله يإذن شريكه أن يرهن متاعاً من الشركة بدين
أي أن يدفع مالا من الشركة لمن يشتري به بضاعة من بلد كذا بدون جُعْل ( الشرح الكبير للدردير :
(١)
٣٥٢/٢، ٥٢١، غاية المنتهى: ١٦٦/٢) قال ابن عابدين في رد المحتار: ٣٧٧/٣: في القاموس: الباضع:
الشريك اهـ. والمراد هنا دفع المال لآخر ليعمل فيه على أن يكون الربح لرب المال ولا شيء للعامل .
وعرف الشافعية الإبضاع بتعريف أوضح مما سبق : وهو بعث المال مع من يتجر فيه متبرعاً . والبضاعة : المال
المبعوث ( راجع مغني المحتاج: ٣١٢/٢). انظر أحكام المباضعة في مجمع الضمانات: ص ٣١٣.
- ٨١٩ -

وجب بعقد مارسه وهو الشراء، وأن يرتهن بما باعه؛ لأن الرهن إيفاء الدين،
والارتهان استيفاؤه، وأنه يملك الإيفاء والاستيفاء(١).
هـ - الحوالة بثمن البضاعة: وله أن يقبل الحوالة بالثمن وأن يحيل؛ لأن
الحوالة من أعمال التجارة؛ لأن التاجر يحتاج إليها لاختلاف الناس في الغنى
والإعسار، فكانت الحوالة وسيلة إلى الاستيفاء، فكانت في معنى الرهن في التوثق
للاستيفاء .
ح - الالتزام بحقوق العقد: وكل ما يتعلق بحقوق العقد من القبض وتسليم
المبيع والخصومة(٢) يلتزم بها الشريك الذي مارس العقد دون شريكه، فلو باع
أحدهما شيئاً لم يكن للآخر أن يقبض شيئاً من الثمن ، وكذلك كل دين لزم إنساناً
بعقد مارسه أحدهما ليس للآخر قبضه، وللمدین أن يمتنع عن دفعه إليه؛ لأن
القبض من حقوق العقد، وهي متعلقة بالعاقد، وليس لأحد الشريكين أن يخاصم في
أمر صدر من شريكه كبيع أو إدانة ؛ لأن الخصومة من حقوق العقد ،وحقوق العقد
تتعلق بالعاقد. ولو اشترى أحدهما شيئاً لا يطالب الآخر بالثمن ، وليس للشريك
قبض المبيع لما ذكرنا .
ط - السفر بمال الشركة: وأما السفر بمال الشركة فيجوز عند أبي حنيفة
ومحمد في أصح الروايات والمالكية والحنابلة؛ لأن الإذن بالتصرف يثبت بمقتضى
الشركة، والشركة صدرت مطلقة عن المكان ، والمطلق يجري على إطلاقه إلا لدليل.
وعند أبي يوسف والشافعي : لا يجوزله السفر إلا بإذن شريكه، لأن السفر له
خطر، فلا يجوز في ملك الغیر إلا یاذنه .
ي - التبرع بمال الشركة أو الإقراض: وليس لأحد الشريكين أن يهب
(١) فتح القدير: ٢٦/٥، رد المحتار على الدر المختار: ٣٧٨/٣.
(٢) . أي كل ما يتعلق بالدعوى التي تثار لدى القضاء بسبب منازعة تنشأ من العقد .
- ٨٢٠ -