Indexed OCR Text

Pages 761-780

ثالثها : باستيفاء المعقود عليه وهو المنافع شيئاً فشيئاً، أو بالتمكين من
الاستيفاء بتسليم العين المؤجرة إلى المستأجر، وتسليم المفتاح أيضاً؛ لأن المستأجر
يملك حينئذ المعوض، فيملك المؤجر العوض في مقابلته تحقيقاً للمعاوضة المطلقة
وتسوية بين العاقدين في حكم العقد .
وإذا تم الاتفاق بين العاقدين على أن الأجرة لا تجب إلا بعد انقضاء مدة
الإجارة فهو جائز، إذ أنه يكون تأجيلاً للأجرة بمنزلة تأجيل الثمن .
وأما إذا لم يشترط في العقد شيء فلأبي حنيفة قولان: متقدم ومتأخر، فأما قوله
المتقدم أولاً وهو قول زفر: فهو أن الأجرة لا تجب إلا في آخر مدة الإجارة؛ لأن
منافع المدة أو المسافة من حيث إنها معقود عليها شيء واحد، فما لم يستوفها كلها لا
يجب شيء من بدلها . وأما قول أبي حنيفة المتأخر وهو المشهور الذي استقر عليه،
وقول الصاحبين: فهو أن الأجرة تجب حالاً فحالاً، كلما مضى يوم يسلم المستأجر
أجرته؛ لأن الأجرة تملك على حسب ملك المنافع، وملك المنافع يحدث شيئاً فشيئاً
على مر الزمان، فتلك الأجرة شيئاً فشيئاً بحسب ما يقابلها(١).
وبما أن هذه القاعدة توجب تسليم الأجرة ساعة فساعة ، وهو أمر متعذر، فتقدر
الأجرة باليوم أو بالمرحلة استحساناً .
5
وأما بالنسبة لتأجيل الأجرة وتعجيلها عند الشافعية والحنابلة : فقد قرروا أنه
إذا كانت الإجارة إجارة ذمة فيشترط فيها تسليم الأجرة في مجلس العقد ؛ لأنها بمثابة
رأس المال في عقد السلم كأن يقول المستأجر: أسلمت إليك عشر ليرات في جمل صفته
كذا يحمل لي متاعي إلى جهة كذا، أو يقول: استأجرت منك بكذا .. إلخ، لأن
تأخیر الأجرة حينئذ من باب بیع الدین بالدين .
(١) راجع البدائع: ٤ ص ٢٠١ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٧ ص ١٥٢ وما بعدها، المبسوط: ١٥ ص ١٠٨،
تبيين الحقائق للزيلعي: ٥ ص ١٠٩، القوانين الفقهية: ص ٢٧٥، بداية المجتهد : ٢٢٦/٢.
- ٧٦١ -

وإن كانت الإجارة إجارة عين: فإن كانت الأجرة فيها معينة مثل: ١) ..
استأجرتك لتخدمني سنة بهذا الجمل، فإنه لا يصح تأجيلها، وإن كانت الأجرة في
الذمة كأن يقول: بجمل صفته كذا، فيجوز تأجيلها وتعجيلها وفي حالة الإطلاق
يجب تعجيلها ، كما في عقد البيع يصح بثمن حال أو مؤجل(١) .
٢ - ويترتب أيضاً على الخلاف السابق في كيفية وجوب الأجرة أنه يجب على
المؤجر عند الحنفية والمالكية تسليم العين المستأجرة عقب العقد ، وليس له أن
يجبسها عن المستأجر لاستيفاء الأجرة؛ لأن الاجرة لا تجب بمجرد العقد عندهم، فلا
يستحق المطالبة بها إلا يوماً فيوماً؛ لأن المعقود عليه وهو المنافع لم يستوفها
المستأجر، فكانت معدومة، فلا يجب عليه الأجر، وذلك بعكس البيع، فإن الثمن
واجب الدفع عقيب العقد .
٣ - ويترتب على الخلاف أيضاً أن الإجارة المضافة إلى زمن مستقبل
تجوز عند الحنفية والمالكية والحنابلة :
كأن يقول شخص لآخر: أجرتك هذه الدار رأس شهر كذا، أو أجرتك هذه
الدار سنة أولها غرة شهر رمضان، وكان العقد في رجب مثلاً؛ لأن عقد الايجار
ينعقد شيئاً فشيئاً على حسب حدوث المعقود عليه شيئاً فشيئاً ، فكان العقد مضافاً
إلى حين وجود المنفعة من طريق الدلالة الضمنية، وقد أجيزت الإضافة في الإجارة
دون البيع للضرورة (٢). وترتب على مذهب الحنفية أن المؤجر لو باع الدار المؤجرة
لا يصح في حق المستأجر، وإن لم يجئ الوقت الذي أضيف إليه عقد الإجارة.
واستدل الحنابلة على صحة هذا الحكم عندهم: بأن هذه المدة في المستقبل يجوز
مغني المحتاج: ٢ ص ٣٣٤، المهذب: ١ ص ٣٩٩، المغني : ٥ ص ٤٠٨ .
(١)
(٢)
البدائع: ٤ ص ٢٠٣ ، تبيين الحقائق: ٥ ص ١٤٨، حاشية ابن عابدين: ٥ ص ٤، بداية المجتهد : ٢ ص
٢٢٤، المغني: ٥ ص ٤٠٠ ، القوانين الفقهية: ص ٢٧٦ .
- ٧٦٢ -

العقد عليها مع غيرها، فجاز العقد عليها مفردة ، واشتراط القدرة على التسليم إنما
يكون عند وجوب التسليم كالمسلم فيه .
وقال الشافعية : لا تصح إجارة عين لمنفعة مستقبلة كإجارة الدار السنة
المستقبلة أوسنة أولها من الغد، ما لم تكن المدة متصلة بالعقد ؛ لأن الإجارة بيع
المنفعة ، وطريق جوازها عندهم أن تجعل منافع المدة موجودة تقديراً عقيب العقد،
إذ لا بد من أن يكون محل حكم العقد موجوداً فجعلت المنافع كأنها أعيان قائمة
بنفسها ، وإضافة البيع إلی عین ستوجد لا تصح، كما في بيع الأعيان .
أما إجارة الذمة : فيصح تأجيل المنفعة فيها إلى أجل معلوم في المستقبل مثل :
ألزمت ذمتك الحمل إلى مكة أول شهر كذا(١).
وهناك أحكام أخرى لإِجارة المنافع نبينها فيما يأتي :
كيفية الانتفاع بالعين المؤجرة : إذا استأجر شخص داراً أو حانوتاً
ونحوهما من المنازل فله الانتفاع بها كيف شاء من السكنى بنفسه أو إسكان غيره
بالإيجارة أم بالإعارة، وله أن يضع فيه متاعه وغيره، غير أنه لا يسكن فيه حداداً
ولا قصاراً ولا طحاناً ولا ما يضر البناء ويوهنه من آلات المعامل الحديثة. والدليل
عليه أن الإجارة للانتفاع، والدور ونحوها معدة للانتفاع بها بالسكنى، والناس في
العادة لا يتفاوتون في السكنى، فكانت أوجه الانتفاع معلومة من غير تسمية أو
تعيين. وإنما لم يصح إسكان الحداد ونحوه ؛ لأن مطلق العقد ينصرف إلى المتعارف
بين الناس ، وذوو الحرف يؤثرون على البناء بآلاتهم ، مما قد يؤدي إلى اتلاف العین
المؤجرة، والإجارة بيع المنفعة لا بيع العين .
وبما أن المستأجر ملك المنفعة فله أن ينتفع بها بنفسه أو بغيره بواسطة الإجارة
أو الإعارة .
(١) مغني المحتاج: ٢ ص ٣٣٨، المهذب: ١ ص/ ٣٩٦.
_/٧٦٣ -

وأما في إجارة الأرض: فلا بد فيها من بيان ما تستأجر له من الزراعة
والغرس والبناء وغيرها وإلا كانت الإجارة فاسدة، وكذلك إذا كانت الإجارة
للزراعة فلا بد من بيان ما يزرع فيها، أو يجعل له أن يزرع فيها ما شاء، وإلا
فسدت الإجارة؛ لأن منافع الارض تختلف باختلاف البناء والزراعة والمزروعات،
والزروع مختلفة التأثير في الأرض .
وفي إجارة الدواب : لا بد من بيان أحد الشيئين: المدة أو المكان فإن لم يبين
أحدهما فسدت الإجارة، كذلك لا بد من بيان ما تستأجر له الدابة من الحمل أو
الركوب ، لأنها منفعتان مختلفتان. ولا بد أيضاً من بيان ما يحمل عليها ومن
يركبها؛ لأن الحمل يتفاوت بتفاوت المحمول، والناس يتفاوتون في الركوب ، فترك
البيان يفضي إلى المنازعة وتكون الإجارة فاسدة، وحينئذ إذا استوفى المستأجر
المنفعة بعقد فاسد، فيجب عليه أجر المثل بمقتضى القياس ؛ لأنه استوفى المنفعة بحكم
عقد فاسد، كما عرفنا في بيان حكم الإجارة، إلا أنه بمقتضى الاستحسان يجب الأجر
المسمى ؛ لأن المفسد وهو الجهالة التي تفضي إلى المنازعة قد زال، وبانعدام العلة
المفسدة ينعدم الفساد(١).
إصلاح العين المؤجرة: قد تحتاج الدار المؤجرة مثلا في مدة الايجار إلى
بعض الإصلاحات كتطيين الجدران، وانسداد مجاري المياه، وتعطل الأدوات
الصحية، فمن هو الملتزم بالإصلاح والترميم ؟
قرر الحنفية أن المؤجر صاحب الدار هو الملزم وحده دون المستأجر بتطيين
الجدران وإصلاح ميازيب الدار وما ينهدم ويسقط من بنائها، حتى تكون صالحة
للانتفاع؛ لأن الدار ملك للمؤجر، واصلاح الملك يكون على المالك، لكن لا يجبر
(١) راجع لكل ما ذكر تكملة فتح القدير: ٧ ص ١٦٦ وما بعدها، البدائع: ٤ ص ١٨٣، ٢٠٧ ، تبيين الحقائق
للزيلعي: ٥ ص ١١٣ وما بعدها، رد المحتار على الدر المختار: ٥ ص ١٩، ٥٥ .
- ٧٦٤ -

١
على الإصلاح؛ لأن المالك لا يجبر على إصلاح ملكه، وإنما يثبت للمستأجر الخيار في
فسخ الإجارة؛ لأن هذا الخلل يعتبر عيباً في المعقود عليه .
وكذلك على المؤجر إصلاح دلو الماء والبئر والبالوعة والمخرج، وإن امتلأ من
فعل المستأجر، لكن لا يجبر عليه لما عرفنا .
وأما المستأجر : فيلزم برفع التراب الذي يحدث من كنسه إذا انقضت مدة
الإجارة؛ لأن التراب حدث بفعله ، فصار كتراب وضعه في الدار.
والقياس يقضي بأن المستأجر هو المطالب بنقل ما يمتلئ به المخرج والبالوعة،
لأن الملء حدث بفعله، فيلزمه نقله كالكناسة والرماد، إلا أن الحنفية استحسنوا
وجعلوا نقله على صاحب الدار أخذاً بمقتضى العرف والعادة، إذ العادة بين الناس أن
ما كان مغيباً في الأرض فنقله على صاحب الدار.
فإن أصلح المستأجر شيئاً مما ذكر يكون متبرعاً به، ولا يحتسب له؛ لأنه أصلح
ملك غيره بغير طلب منه ولا ولاية عليه ، فإن فعل ذلك بطلب من المؤجر أو نائبه
احتسب له(١).
التزامات المستأجر بعد انتهاء الإجارة :
إذا انتهت مدة الايجار فعلى المستأجر بعض الالتزامات، وأهمها ما يأتي (٣):
أولاً - يلتزم المستأجر بتسليم مفتاح الدار والحانوت إلى المؤجر بعد انتهاء المدة .
ثانياً - إذا استأجر شخص دابة من موضع معين في البلد ليركبها ، أو يحمل
عليها شيئاً إلى مكان معلوم غادياً ورائحاً، فإن على المستأجر أن يأتي بها إلى الموضع
البدائع : ٤ ص ٢٠٨ وما بعدها .
(١)
(٢)
انظر البدائع : ٤ ص ٢٠٩ .
- ٧٦٥ -

الذي قبضها منه؛ لا لأن الزاد واجب عليه بل لأجل المسافة التي تناولها العقد ؛ لأن
عقد الإجارة لا ينتهي إلا برد الدابة إلى موضعها، فإن ذهب بالدابة إلى منزله،
فأمسكها حتى عطبت، ضمن قيمتها ، لأنه تعدى في أخذها إلى غير موضع العقد .
فإن قال المستأجر: ((أركبها من هذا الموضع إلى موضع كذا وارجع إلى منزلي)»
فليس على المستأجر ردها إلى منزل المؤجر؛ لأنه لما عاد إلى منزله، فقد انقضت مدة
الإجارة ، فبقيت الدابة أمانة في يده، فلا يلزم بردها كالوديعة .
أما إذا استأجر الدابة ليركبها في حوائجه في بلد ما وقتاً معلوماً، فمضى الوقت،
فليس على المستأجر تسليمها إلى صاحبها: بأن يذهب بها إلى منزله، وإنما على المؤجر
أن يتسلمها من منزل المستأجر؛ لأن المنفعة التي حصل عليها المستأجر كانت مقابلة
بعوض وهو الأجر المستحق للمؤجر فلم يكن على المستأجر الرد، فبقيت في يده أمانة
كالوديعة ، حتى إنه لو أمسكها أياماً فهلكت في يده، لم يضمن شيئاً. وهذا بخلاف
المستعير والغاصب، فإنها ملزمان برد الشيء على صاحبه؛ لأن المستعير ينتفع
بالعارية بدون مقابل ، والغاصب لا حق له في المغصوب .
أحكام الإجارة على الأعمال :
الإجارة على الأعمال : هي التي تعقد على عمل معلوم كبناء وخياطة قميص
وحمل إلى موضع معين وصباغة ثوب واصلاح حذاء ونحوه .
والأجیر نوعان : أجیر خاص وأجير مشترك .
فالأجير الخاص أو أجير الوَحَد : هو الذي يعمل لشخص واحد مدة معلومة.
وحكمه: أنه لا يجوز له العمل لغير مستأجره.
والأجير المشترك : هو الذي يعمل لعامة الناس كالصباغ والحداد والكواء
ونحوهم. وحكمه أنه يجوز له العمل لكافة الناس، وليس لمن استأجره أن يمنعه عن
- ٧٦٦ -

العمل لغيره (١) .
ويلاحظ أن الظئر التي تستأجر للإرضاع هي بمنزلة الأجير الخاص، لا يجوز
لها أن ترضع صبياً آخر، فإن أرضعته مع الصبي الأول فقد أساءت وأثمت إن كانت
أضرت بالصبي، ولها الأجر على إرضاع الصبيين استحساناً؛ لأن المعقود عليه مطلق
الإرضاع، وقد وجد. والقياس ألا يكون لها الأجر؛ لأن العقد وقع على عملها، فلا
تستحق الأجر بعمل غيرها .
وعلى الظئر القيام بالرضاع، وبأمر الصبي مما يحتاج إليه من غسله وغسل ثيابه
وطبخ طعامه، وعلى الأب نفقات الطعام، وما يحتاج إليه الصبي من الريحان
والدهن ونحوهما . وأما ما ذكر في كتاب الأصل من أن على الظئر ما يعالج به الصبي
من الريحان والدهن ، فهو محمول على عادة أهل تلك البلاد في الماضي(٢).
المبحث الخامس - ضمان الأجير وسقوط أجره بهلاك العين :
نتكلم هنا عن ضمان الأجير العين التي استؤجر عليها ، وعن ضمان العين التي
يستأجرها أحد الناس للانتفاع بها .
ضمان الأجير: عرفنا أن الأجير نوعان: خاص وعام، فالأجير الخاص
(وهو الذي يستحق الأجر بتسليم نفسه في المدة، وإن لم يعمل) كالخادم في المنزل
والأجير في المحل ، اتفق أئمة المذاهب وهم (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) على
أنه لا يكون ضامناً العين التي تسلم إليه للعمل فيها ؛ لأن يده يد أمانة كالوكيل
والمضارب، كما إذا استأجر إنسان خياطاً أو حداداً مدة يوم أو شهر ليعمل له وحده،
البدائع: ٤ ص ١٧٤، تكملة فتح القدير: ٧ ص ٢٠٠ ، تبيين الحقائق : ٥ ص ١٣٣ وما بعدها ، القوانين
(١)
الفقهية : ص ٣٣٦ .
(٢)
البدائع : ٤ ص ٢٠٩ ، تبيين الحقائق : ٥ ص ١٢٩ .
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٤٩)
- ٧٦٧ -

فلا يضمن العين التي تهلك في يده، ما لم يحصل منه تعدٍ أو تقصير في حفظه ، سواء
تلف الشيء في يده أو أثناء عمله.
وأما الأجير المشترك وهو الذي يعمل لعامة الناس أو هو الذي يستحق
الأجرة بالعمل لا بتسليم النفس كالصانع والصباغ والقصار ونحوهم فقد اختلفوا فيه :
فقال أبو حنيفة وزفر والحسن بن زياد والحنابلة في الصحيح من مذهبهم ، والشافعي
في الصحيح من قوليه إلا أنه لم يكن يفتي به لفساد الناس : إن يده يد أمانة كالأجير
الخاص، فلا يضمن ما تلف عنده إلا بالتعدي أو التقصير؛ لأن الأصل ألا يجب الضمان
إلا بالاعتداء لقوله تعالى: ﴿فلا عدوان إلا على الظالمين) ولم يوجد التعدي من هذا
الأجير، لأنه مأذون في القبض ، والهلاك ليس هو سبباً فيه(١).
وقال الصاحبان وأحمد في رواية أخرى : يد الأجير المشترك يد ضمان ، فهو
ضامن لما يهلك في يده، ولو بغير تعد أو تقصير منه، إلا إذا حصل الهلاك بحريق
غالب عام، أو غرق غالب ونحوهما ، واستدلوا بفعل عمر وعلي الآتي بيانه(٢).
قال البغدادي عن بعض كتب الحنفية : وبقول الصاحبين يفتى اليوم لتغير
أحوال الناس، وبه يحصل صيانة أموالهم (٣).
وقال المالكية : يضمن الأجير المشترك الذي يؤثره الأعيان بصنع ، ما تلف بيده
ولو بغير تعد أو تقصير، فالقصار ضامن لما يتخرق بيده، والطباخ ضامن لما أفسد
(١) مختصر الطحاوي: ص ١٢٩، الفتاوى الهندية: ٤ ص ٤٨٦، تبيين الحقائق: ٥ ص ١١٠، ١٣٤، البدائع: ٤
ص ٢١١، تكملة فتح القدير: ٧ ص ٢٠٧ ، المبسوط للسرخسي: ١٥ ص ١٠٣، مجمع الضمانات: ص ٢٧ ،
الشرح الكبير: ٤ ص ٢٨ ، بداية المجتهد: ٢ ص ٢٣٠ ، مغني المحتاج: ٢ ص ٣٥١ ، المهذب: ١ ص ٤٠٨ ،
المغني : ٥ ص ٤٧٩ وما بعدها ، ٤٨٧، القوانين الفقهية: ص ٢٧٦، ٣٣٦ ، رسائل ابن عابدين: ٢ ص ١٧٨.
البدائع: ٤ ص ٢١٠ ، تكملة فتح القدير : ٧ ص ٢٠١ ، مختصر الطحاوي ، والمبسوط : المرجعان السابقان ،
(٢)
مغني المحتاج : ٢ ص ٣٥١ ، المهذب ، المرجع السابق ، المغني: ٥ ص ٤٨٧ ، القوانين الفقهية ، المكان السابق ،
غاية المنتهى : ٢ ص ٢١٣ وما بعدها .
(٣) مجمع الضمانات : ص ٢٧ .
- ٧٦٨ -

من طبيخه، والخباز ضامن لما أفسد من خبزه، والحمال يضمن ما يسقط من حمله عن
رأسه، أو تلف أثناء عثرته، والجمال يضمن ما تلف بقيادته وسوقه وانقطاع حبله
الذي يشد به بعيره، والملاح يضمن ما تلف من يده أو مما يعالج به السفينة(١).
ودليلهم قول النبي پاے (( على الید ما أخذت حتى تؤديه))(٢) وما روي عن علي رضي
الله عنه أنه كان يضمن الصباغ والصواغ ويقول: «لا يصلح الناس إلا هذا» وروي
عن عمر رضي الله عنه أنه كان يضمن الأجير المشترك احتياطاً لأموال الناس(٣)، ولأن
الأجير المشترك قبض العين لمنفعته من غير استحقاق، فيضمن كالمستعير(٤).
وكذلك عند الإمام مالك يضمن الأجير الطعام الذي يحمله إذا كانت تتوق
النفس إلى تناوله سداً للذرائع .
ما يغير الشيء من صفة الأمانة إلى صفة الضمان : إذا كان الشيء
المأجور، كثوب الصباغة والخياطة والمتاع المحمول في السفينة أو على الدابة، يعتبر
أمانة في يد الأجير، فذلك بحسب الأصل العام عند أبي حنيفة ومن وافقه، وبناء
وفصل ابن جزي المالكي فقال : يضمن الصناع ما غابوا عليه أي أخفوه ، سواء عمل بأجرة أو بغير أجرة، ولا
(١)
يضمنون ما لم يغيبوا عليه .
(٢) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه الحاكم عن سمرة بن جندب ، ورواه أيضاً الطبراني والحاكم وابن أبي
شيبة ( انظر جامع الأصول: ٩ ص ١١٠، نصب الراية: ٤ ص ١٦٧ ، التلخيص الحبير: ص ٢٥٣ ، المقاصد
الحسنة: ص ٢٩٠ ، نيل الأوطار: ٥ ص ٢٩٨ ، سبل السلام: ٣ ص ٦٧ ).
(٣) حديث عمر أخرجه عبد الرزاق بسند منقطع عنه أن عمر ضمن الصناع . وأما حديث علي فرواه البيهقي من
طريق الشافعي عن علي بسند ضعيف ، قال الشافعي : هذا لا يثبت أهل الحديث مثله ، ولفظه : أن علياً
ضمن الغسال والصباغ، قال الشافعي: ((لا يصلح الناس إلا ذلك)) وروي عن عثمان من وجه أضعف من
هذا ، وروى البيهقي من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أنه كان يضمن الصباغ والصائغ ، وقال: ((لا
يصلح الناس إلا ذاك)) ( انظر التلخيص الحبير: ص ٢٥٦، سنن البيهقي: ١٢٢/٦، كنز العمال: ١٩١/٢ وما
بعدها ) .
1
(٤) بداية المجتهد: ٢ ص ٢٢٩، ٢٣٠، الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي : ٤ ص ٢٧ وما بعدها ، المغني :
٥ ص ٤٧٩ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٣٦، الفروق للقرافي: ٢ ص ٢٠٧، ٤ ص ١١، ٢٧ .
- ٧٦٩ -

عليه فقد تتغير صفة الأمانة إلى الضمان في الأحوال الآتية(١):
أولاً - ترك الحفظ : أي أن الأجير يهمل في حفظ المتاع، فيلتزم بضمانه؛ لأن
الأجير لما قبض المأجور فقد التزم حفظه، وترك الحفظ موجب للضمان، كالوديع إذا
ترك حفظ الودیعة حتی ضاعت .
ثانياً - الإتلاف والإفساد: إذا تعدى الأجير بأن تعمد الإتلاف أو بالغ في دق
الثوب مثلاً ، ضمن سواء أكان الأجير مشتركاً أم خاصاً .
وإن لم يكن الأجير متعدياً في الإفساد بأن أفسد الثوب خطأ بعمله من غير
قصده: فإن كان الأجير خاصاً لم يضمن اتفاقاً، وإن كان مشتركاً كالقصار إذا دق
الثوب فتخرق ، أو ألقاه في المواد الكيمياوية فاحترق، أو كالملاح إذا غرقت السفينة
من عمله، أو الجمال إذا سقط على الأرض وفسد الحمل، أو الراعي المشترك إذا ساق
الدواب، فضرب بعضها بعضاً في حال سوقه حتى هلك بعضها ، ففي كل هذه
الحالات يكون الهالك مضموناً عند أبي حنيفة وصاحبيه ؛ لأن العمل المأذون فيه هو
العمل المصلح لا المفسد ؛ لأن العاقل لا يرضى بإفساد ماله ولا يلتزم الأجرة بمقابلة
الفاسد، فيتقيد الأمر بما يصلح دلالة .
وقال الشافعية وزفر: لا يضمن الأجير في تلك الحالات ما لم يحصل منه تعدٍ أو
تقصير في عمله ؛ لأن عمله مأذون فيه في الجملة ، وإذا لم يكن مأذوناً فيه فلا يمكنه
التحرز عن هذا الفساد ؛ لأنه ليس في وسعه القيام بأصل مهمته إلا بحرج، والحرج
(٢)
منفي(٢).
راجع البدائع: ٤ ص ٢١١ ، تكملة فتح القدير: ٧ ص ٢٠١ وما بعدها ، مختصر الطحاوي: ص ١٣٠، تبيين
(١)
الحقائق: ٥ ص ١٣٥، رد المحتار: ٥ ص ٤٦، المبسوط: ١٥ ص ١٠٤، ١٦١، ج ١٦ ص ٩ وما بعدها ،
جامع الفصولين: ٢ ص ١٧٢ وما بعدها ، مجمع الضمانات : ص ٢٨ وما بعدها .
(٢)
مغني المحتاج: ٢ ص ٣٥١ ، المبسوط، البدائع، تكملة فتح القدير ، المراجع السابعة ، مجمع الضمانات : ص
٤١ -٤٩ .
- ٧٧٠ -

تلميذ الأجير المشترك : إذا تلف الشيء المأجور في الحالات السابقة بيد تلميذ
((صانع)) الأجير، فلا ضمان عليه، وإنما الضمان على معلمه، لأنه هو المسؤول أصالة،
فكأنه فعل بنفسه .
وإذا وطئ التلميذ ثوباً في مهنة القصارة ((أي المصبغة في عرفنا)) فخرقه، يضمن
لأن وطء الثوب غیر مأذون فيه .
ولو وقع من يد التلميذ سراج فأحرق ثوباً من القصارة، فالضمان على المعلم ، لا
على التلميذ ؛ لأن الذهاب والمجيء بالسراج عمل مأذون فيه فيكون المعلم هو المسؤول،
كأنه فعل الفعل بنفسه .
وكذلك لو وقعت مدقة القصار من يد التلميذ على ثوب فخرقته، فالضمان على
المعلم، لأن هذا من عمل القصار فيضاف الفعل إليه .
فإن كان الثوب الذي وقعت المدقة عليه وديعة فخرقته، فالضمان على الغلام،
لأن المعلم يسأل عن عمل التلميذ فيما يملك تسليطه عليه واستعماله فيه ، وهو ما يتعلق
بشؤون الصنعة فقط(١).
البزاغ والفصاد والختان (٢): يلاحظ أن حكم هؤلاء بخلاف حكم الحالات
السابقة، فإذا كانوا يقومون بعملهم ، ثم سرى أثر العمل إلى تلف النفس والموت فلا
ضمان عليهم ، لأنه ليس في وسعهم الاحتراز من ذلك(٣).
مجمع الضمانات للبغدادي : ص ٤٣ - ٤٥ .
(١)
(٢)
البزاغ : هو البيطار، يقال: بزغ الحاجم : شق وشرط ، وبزغ دمه : أساله . والفصاد : الذي يشق العرق
ويسحب الدم ، يقال : فصد المريض : شق عرقه، وافتصد العرق : شقه ، والختان : هو الذي يختن الأولاد
أي ( المطهر ) .
(٣) تكملة فتح القدير: ٧ ص ٢٠٦، المبسوط: ١٥ ص ١٠٤، تبيين الحقائق: ٥ ص ١٣٧، رد المحتار: ٥ ص
٤٧ ، مجمع الضمانات : ص ٤٧ .
- ٧٧١ -

ثالثاً - مخالفة المستأجر شرط المؤجر نصاً أو دلالة : المخالفة سبب لوجوب
الضمان . وللمخالفة صور وهي إما في الجنس أو في القدر أو في الصفة، أو في المكان أو
في الزمان، وتحصل المخالفة إما في استئجار الدواب وإما في استئجار الصناع.
أما استئجار الدواب: فإما أن يكون ضرر الدابة من جهة الخفة والثقل أو
بسبب اختلاف الجنس(١).
آ - فإن كان ضرر الدابة من حيث قدر الخفة والثقل: فإن كان الشيء
المحمول مثل المتفق عليه من المؤجر أو أخف فلا شيء على المستأجر بهلاك الدابة ، لأن
التعيين بشيء محمول لا فائدة فيه، وليس هناك مخالفة في المعنى في تحميل مثل الشيء
أو دونه .
وإن كان الشيء المحمول أثقل من المتفق عليه : فإن كان بخلاف جنسه ، بأن
حمّل مكان الشعير الحنطة، فعطبت الدابة، فهو ضامن قيمتها، ولا أجر عليه، لأنها
هلكت بفعل غير مسموح به من المؤجر؛ لأن الأجر مع الضمان لا يجتمعان ؛ إذ وجوب
الضمان لصيرورته غاصباً، ولا أجرة على الغاصب(٣).
وان كان الشيء المحمول الذي هو أثقل : من جنس المتفق عليه بأن حمل أحد
عشر رطلاً مثلاً مكان عشرة أرطال، فإذا سلمت الدابة ، فعليه ما سمي من الأجرة،
ولا ضان عليه. وإن عطبت ضمن جزءاً من أحد عشر جزءاً من قية الدابة وعليه
الأجر الذي سمي ؛ لأن الدابة ماتت بفعل مأذون فيه وغير مأذون فيه، فيقسم التلف
على قدر ذلك أي أحد عشر جزءاً، ويضمن بقدر الزيادة.
انظر البدائع: ٤ ص ٢١٣ وما بعدها ، المبسوط : ١٥ ص ١٧٠ وما بعدها ، تبيين الحقائق : ٥ ص ١١٨ وما
(١)
بعدها ، تكملة فتح القدير: ٧ ص ١٧٠ وما بعدها ، رد المحتار: ٥ ص ٢٥ وما بعدها .
(٢)
المبسوط : ١٥ ص ١٤٧ .
- ٧٧٢ -

ب- وإن كان ضرر الدابة لا من حيث الخفة والثقل، وإنما بسبب
اختلاف الجنس : كأن يستأجر إنسان دابة ليحمل عليها قنطاراً من قطن فحمل
عليها قنطاراً من حديد أو أقل، فتلفت الدابة، فيضمن قيمتها لأن ثقل القطن
ينبسط على ظهر الدابة ، وأما ثقل الحديد فيجتمع في موضع واحد، فيكون أنكى لظهر
الدابة وأعقر لها، فلم يكن مأذوناً فيه فصار غاصباً، فيضمن ، ولا أجرة لما عرفنا
قريباً.
ويترتب عليه أنه لو استأجر إنسان دابة ليركبها بنفسه ، فأركبها غيره ممن هو
مثله في الثقل أو أخف منه ضمن قيمتها بالتلف ؛ لأن المخالفة ههنا، لا من جهة الخفة
والثقل، بل من حيث الحذق والعلم، فالناس يختلفون فيه اختلافاً واضحاً.
ولو استأجر دابة ليركبها بنفسه فأركب معه غيره فعطبت فهو ضامن لنصف
قيمتها إذا كانت الدابة مما يمكن أن يركبها اثنان ؛ لأن التلف حصل بركوبها المشتمل
على مأذون فيه وغير مأذون فيه ، فإن كانت الدابة لا تطيق أن يركبها اثنان ، فيضمن
جميع قيمتها، لأنه أتلفها یارکاب غيره .
وإذا استأجر دابة بإكاف ((أي برذعة)) فنزعه منها ، وأسرجها ، فلا ضمان عليه،
لأن ضرر السرج أقل من ضرر الإِكاف، لأنه يأخذ من ظهر الدابة أقل مما يأخذ
الإكاف .
وإن استأجر حماراً بسرج فأسرجه سرجاً آخر: فإن كان مثل السرج الأصلي
الأول لا يضمن، إذ لا تفاوت بين السرجین في الضرر، وإن أسرجه بسرج الفرس
يضمن ؛ لأن ضرره أكثر بسبب كبره، فكان إتلافاً للدابة .
ولو استأجر حماراً بسرج، فنزع منه السرج وأوكفه فعطب، ففي كتاب الأصل
لمحمد: يضمن قدر ما زاد الإكاف على السرج. وفي كتاب الجامع الصغير ذکر محمد
اختلافاً بين أئمة الحنفية فيه، ففي قول أبي حنيفة: يضمن كل القيمة؛ لأن الإكاف لا
- ٧٧٣ -

يخالف السرج في الثقل، وإنما يخالفه من وجه آخر: وهو أنه يأخذ من ظهر الدابة
أكثر مما يأخذ السرج، والمخالفة إذا لم تكن بسبب الثقل توجب الضمان لجميع الشيء
التالف .
وفي قول الصاحبين : يضمن بمقدار الزيادة ؛ لأن الإِكاف والسرج كل واحد منهما
يركب به عادة، وإنما يختلفان بالثقل والخفة ؛ لأن الإِكاف أثقل، فيضمن بقدر
الثقل .
ولو استأجر حماراً عرياناً فأسرجه، ثم ركب فعطب، كان ضامناً؛ لأن السرج
أثقل على الدابة ، وقيل : هذا إذا استأجره ليركبه في داخل مصر، وهو ممن يركب في
المصر عادة بغير سرج، أما إذا استأجره ليركبه خارج المصر، أو هو من ذوي الهيئات
لا يضن ؛ لأن الحمار لا يركب من بلد إلى بلد بغير سرج ولا إِكاف، وذو الهيئة لا
يركب عادة بغير سرج، فكان الإسراج مأذوناً فيه دلالة ، فلا يضن .
ج - وإن كانت المخالفة في المكان : كأن يستأجر دابة للركوب أو للحمل إلى
مكان معلوم، فجاوز المكان ، فيضمن كل القيمة(١). م
د - وأما المخالفة في الزمان : كأن يستأجر دابة ليركبها أو يحمل عليها مدة
معلومة ، فانتفع بها زيادة على المدة ، فعطبت في يده، فيضمن القيمة أيضاً، لأنه صار
غاصباً بالانتفاع بها فيما وراء المدة المحدودة .
وأما استئجار الصناع: كالحائك والخائط والصباغ ونحوهم(٢):
ففي حالة المخالفة في الجنس كأن يسلم إنسان ثوباً إلى صباغ ليصبغه لوناً معيناً
فصبغه لوناً آخر: يكون صاحب الثوب بالخيار: إن شاء ضمن الصباغ قيمة الثوب ،
وإن شاء أخذ الثوب وأعطى الصباغ ما زاد الصبغ فيه. ومثله أن يسلم شخص
(١)
مختصر الطحاوي : ص ١٢٨ .
انظر البدائع: ٤ ص ٢١٦ وما بعدها، المبسوط: ١٥ ص ١٠٦، تكملة فتح القدير: ٧ ص ١٧٠ ، مجمع
الضمانات : ص ٤٥ وما بعدها .
(٢)
- ٧٧٤ _

خياطاً قماشاً ليخيطه قميصاً ، فخاطه معطفاً مثلاً، فيكون صاحب القماش بالخيار
بين أن يضمن الخياط قيمة القماش، أو أن يأخذ الخيط ويعطي أجر المثل.
هـ- وأما المخالفة في الصفة: كأن يسلم صباغاً ليصبغه بصبغ معين ، فصبغه
بصبغ آخر من جنس اللون المتفق عليه، فيكون صاحب الثوب أيضاً مخيراً بين تضمين
قيمة الثوب أو أخذه وإعطاء أجر المثل .
وكذلك الخلاف في القدر مثل أن يسلم شخص غزلاً إلى حائك ينسجه بغلظ
معين : ثخين أو رفيع ، فخالف بالزيادة أو بالنقصان ، يكون صاحب الثوب حال
الزيادة مخيراً بين تضمين مثل الغزل، أو أن يأخذ الغزل ويعطي الأجر المسمى . وفي
حال النقصان يوجد روايتان: رواية في كتاب الأصل : مفادها أن لصاحب الثوب
أن يأخذه، ويعطي الحائك من الأجر بحسابه. ورواية أخرى: مفادها أن على
صاحب الثوب أجر المثل . وأدلة كل ما سبق ذكره يمكن ملاحظتها، ويرجع إلى
((البدائع)) وغيرها من الكتب عند العجز عن إدراك المقصود.
سقوط أجر الأجير بهلاك العين في إجارة الأعمال :
عرفنا فيما سبق رأي الجمهور في صفة يد الأجير المشترك وهي أنها يد أمانة، فلا
يضمن هلاك العين إلا بالتعدي أو بالتقصير.
وأما غير الجمهور وهم المالكية والصاحبان من الحنفية، فيرون أن يد الأجير
المشترك هي يد ضان ، فيضمن الشيء التالف، ولو بغير تعد أو تقصير (١).
أما العين المستأجرة ؛ فلا خلاف بين العلماء في أنها أمانة في يد المستأجر، فلا
يضمنها إن تلفت بغير تفريط منه لأنه قبض العين لاستيفاء منفعة يستحقها منها ،
(١) انظر الميزان للشعراني: ٢ ص ٩٥ ، المغني لابن قدامة: ٥ ص ٤٨٧ .
- ٧٧٥ _

فكانت أمانة(١).
وبناء على الخلاف في صفة يد الأجير: هل تسقط الأجرة بهلاك العين في عقد
إجارة الأعمال ؟
قال الشافعية: إذا عمل الأجير في ملك المستأجر أو بحضرته وجبت له الأجرة ،
لأنه تحت يده، فكلما عمل شيئاً صار مسلماً له. وإن كان العمل في يد الأخير لم
يستحق الأجرة بهلاك الشيء في يده، لأنه لم يسلم العمل(٣) .
وقال الحنابلة بنحو مذهب الشافعية: وهو أن الأجير لا أجر له فيما عمل في
يده، لأنه لم يسلم عمله إلى المستأجر، فلم يستحق عوضه(٣).
وقال الحنفية بنحوه أيضاً، ولكن يحتاج مذهبهم إلى شيء من التفصيل،
فقالوا : إن العين التي يعمل فيها الأجير إما أن تكون في يد الأجير أو في يد
المستأجر (٤) .
فإن كانت العين في يد الأجير ففيه حالتان :
١ - إن كان لعمل الأجير أثر ظاهر في العين كالخياطة والصباغة والقصارة
فيجب الأجر بتسليم الأثر المطلوب، فإن هلك الشيء قبل التسليم في يد الأجير سقط
الأجر؛ لأن الأثر المعقود عليه وهو صيرورة القماش مثلاً مخيطاً لم يسلم ، والبدل
يقابل ذلك الأثر، فكان كالمبيع .
انظر المغني: ٥ ص ٤٨٨، البدائع: ٤ ص ٢١٠ ، جامع الفصولين: ٢ ص ١٦٣، القوانين الفقهية: ص ٢٧٨ ،
(١)
المهذب : ١ ص ٤٠٨ .
(٢)
المهذب : ١ ص ٤٠٩ .
المغني : ٥ ص ٤٨٧ .
(٣)
انظر البدائع : ٤ ص ٢٠٤ وما بعدها ، تبيين الحقائق : ٥ ص ١٠٩ وما بعدها ، حاشية ابن عابدين والدر
(٤)
المختار : ٥ ص ١٢ .
- ٧٧٦ _

٢ - وإن لم يكن لعمل الأجير أثر ظاهر في العين كالجمال والملاح فيجب الأجر
بمجرد انتهاء العمل، وإن لم يسلم العين لصاحبها؛ لأن البدل يقابل نفس العمل ،
فإذا انتهت مدة الإجارة ، فقد فرغ من العمل ، وصار مسلماً للعين التي هي ملك
صاحبها ، فلا يسقط الأجر بالهلاك بعدئذ .
حبس العين لاستيفاء الأجرة: وبناء على اختلاف الحكم في الحالتين
السابقتين قال الحنفية : إن كان للعمل أثر في العين المملوكة لصاحبها يجعل للأجير
حق حبس العين ، حتى يستوفي الأجر؛ لأن البدل مستحق بمقابلة الأثر المطلوب .
وما لا أثر له لا يثبت فيه حق الحبس ، إذ العمل المعقود عليه ليس في العين .
ولهذا قال الحنفية: إن الجمال إذا حبس المتاع الذي هو في يده ليستوفي الأجر
فهلك يضمن ؛ لأن العين أمانة في يده، فإذا حبس صار غاصباً، فيضمن .
وأما إذا كانت العين المعمول فيها في يد المستأجر: بأن يعمل الأجير في
ملك المستأجر أو فيما في يده من فناء ملكه ونحوه، فيستحق الأجير أجرته بعد
الفراغ من العمل إذا أكمله، وإن لم يكمله وعمل بعض العمل فيستحق من الأجر بقدر
ما أنجزه من العمل، ويصير المعمول مسلماً إلى صاحبه ، ويملك المطالبة بقدره من
المدة . فلو استأجر شخص رجلاً ليبني له بناء في داره أو فيا في يده كأن يستأجره
لبناء حجرة في داره أو لبناء سقيفة أو إيوان أو لحفر بئر أو قناة أونهر في ملكه أو فيا
في يده، فعمل بعضه ، فله أن يطالب بقدر العمل من الأجرة .
ولكن يجبر على إتمام العمل حتى إنه لو انهدم البناء أو انهارت البئر أو سقط
الايوان ، فإن كان بعد الفراغ من العمل لم يسقط شيء من الأجرة، وإن كان قبل
الفراغ من العمل يجب بقدر حصة العمل .
هذا بخلاف ما إذا كان العمل في غير ملك المستأجر أو في يده، فإن الأجرة
حينئذ يتوقف وجوبها على تمام العمل، فما لم يسلم الأجير العمل لا يصير المستأجر
- ٧٧٧ _

قابضاً للمعقود عليه ، ويسقط الأجر إذا فسد المعقود عليه أو هلك قبل التسليم .
وبناء عليه : إذا استأجر شخص إنساناً ليضرب له لبناً في ملكه أو فيا في يده فلا
يستحق اللبّان الأجرة، ولا يصير المستأجر قابضاً حتى يجف اللبن وينصبه في قول
أبي حنفية ؛ لأن ذلك من تمام هذا العمل . وفي قول الصاحبين : لا يستحق الأجرة
حتى يشرجه(١)؛ لأن تمام العمل به، ويترتب على هذا الخلاف أنه لو تلف اللبن قبل
نصبه في قول أبي حنيفة، وقبل التشريح في قول الصاحبين ، فلا أجر له لأنه تلف
قبل تمام العمل(٣) .
أما إذا كان ضرب اللبن في غير ملك المستأجر أو في غير يده، فلا يستحق الأجير
الأجرة إلا بالتسليم إلى صاحب اللبن، والتسليم : هو أن يخلي الأجير بين اللبن وبين
المستأجر، بعد نصبه عند أبي حنيفة، وبعد تشريجه عند الصاحبين؛ لأن اللبن لم
يكن في يد المستأجر، حتى يصير العمل مسلماً إليه، فلا بد من التخلية بعد الفراغ
من العمل .
ومثله إذا استأجر إنسان خياطاً ليخيط له في منزله قميصاً : فإن خاط بعضه لم
يكن له أجر؛ لأن هذا العمل لا ينتفع ببعضه، فإذا فرغ منه، ثم تلف، فله الأجر،
ولا ضمان عليه في قول أبي حنيفة ؛ لأنه صار مسلماً للعمل لحصوله في ملك صاحبه.
وفي قول الصاحبين : تكون العين مضمونة، فلا يبرأ عن ضمانها إلا بتسليمها إلى
مالكها ، فإن هلك الثوب فإن شاء ضمنه قيمته صحيحاً ولا أجر له، وإن شاء ضمنه
قيمته مخيطاً وله الأجر.
شرَّج اللبن : نضد بعضه إلى بعض .
(١)
المبسوط: ١٦ ص ٥٨ ، تبيين الحقائق: ٥ ص ١١٠ .
(٢)
- ٧٧٨ -

المبحث السادس - اختلاف المتعاقدين في الإجارة
إذا اختلف المتعاقدان في عقد الإجارة في مقدار البدل أو المبدل، وكانت
الإجارة صحيحة فإما أن يحصل الاختلاف قبل استيفاء المنافع أو بعد استيفائها(١).
فإن اختلفا قبل استيفاء المنافع تحالفا أي حلَّف كل منهما الآخر، لقول
النبي ◌ُ ◌ّ: ((إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادًا))(٢).
وبما أن الإجارة نوع من البيع فيتناولها الحديث، وإذا تحالفا تفسخ الإجارة،
وإذا نکل أحدهما عن الیمین لزمه ما ادعى به صاحبه .
وإن أقام كل منهما بينة على مدعاه: فإن كان الاختلاف في البدل فبينة المؤجر
أولى ؛ لأنها تثبت زيادة الأجرة، وإن كان الاختلاف في المبدل فبينة المستأجر أولى؛
لأنها تثبت زيادة المنفعة .
وإن كان اختلاف العاقدين بعد استيفاء المستأجر بعض المنفعة بأن سكن الدار
المستأجرة بعض المدة، أو ركب الدابة المستأجرة بعض المسافة فالقول قول المستأجر
فيما مضى مع يمينه، ويتحالفان وتفسخ الإجارة فيما بقي؛ لأن العقد على المنافع ساعة
فساعة على حسب حدوثها شيئاً فشيئاً، فكان كل جزء من أجزاء المنفعة معقوداً عليه
عقداً مبتدءاً، فيجعل ما بقي من المدة والمسافة منفرداً بالعقد، فيتحالفان فيه .
وإن كان اختلافهما بعد انتهاء مدة الإجارة أو بعد بلوغ المسافة التي تم العقد
راجع البدائع: ٢١٨/٤ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٢١٨/٧، المبسوط: ١٦ / ١٠، رد المحتار على الدر المختار:
(١)
٥/ ٥١.
(٢)
أخرجه أصحاب السنن الأربعة وأحمد والشافعي من طرق بألفاظ منها ((إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة،
فالقول ما يقول صاحب السلعة أو يترادان)) وزاد ابن ماجه: ((والمبيع قائم بعينه)) وكذلك أحمد في رواية:
((والسلعة كما هي)) وقد صححه الحاكم وابن السكن (انظر نصب الراية: ٥/٤ وما بعدها، نيل الأوطار:
٢٢٣/٥) قال الشوكاني: والظاهر عدم الفرق بين بقاء المبيع وتلفه لعدم انتهاض الرواية المصرح فيها باشتراط
بقاء المبيع للاحتجاج، والتراد مع التلف ممكن بأن يرجع كل واحد منهما بمثل المثلي وقيمة القيمي.
- ٧٧٩ -

عليها لا يتحالفان ، والقول قول المستأجر في مقدار البدل مع يمينه، ولا يمين على
المؤجر؛ لأن التحالف يؤدي إلى فسخ الإجارة، والمنافع غير الموجودة لا تحتمل فسخ
العقد ، فلا يثبت التحالف.
وإن اختلف الخياط وصاحب الثوب، فقال صاحب الثوب : أمرتك أن تعمله
قَبَاءُ(١) وقال الخياط: أمرتني أن أعمله قميصاً، أو قال صاحب الثوب للصباغ:
أمرتك أن تصبغه بلون أحمر، فصبغته بلون أصفر، وقال الصباغ: لا ، بل أمرتني
بلون أصفر، فالقول قول صاحب الثوب مع يمينه. وهذا هو القول الأظهر في مذهب
الشافعية(٢)؛ لأن أصل الإذن صادر من المالك، فلو أنكر الإذن مطلقاً كان القول
قوله ، فكذا إذا أنكر صفة الإذن .
وإذا حلف المالك في هذه الحالة يكون الخياط ضامناً أي أن المالك بالخيار: إن
شاء ضمن الخياط، وإن شاء أخذ الثوب وأعطى الخياط أجر المثل، والخيار ثابت
أيضاً للصباغ.
وإذا اختلف مالك الثوب مع الصانع في وجود الأجرة ، فقال صاحب الثوب :
عملتيه لي بغير أجر، وقال الصانع : بأجر، فالقول قول صاحب الثوب عند أبي
حنيفة؛ لأنه ينكر تقوم عمله؛ لأن تقومه بالعقد، وينكر الضمان، والصانع يدعيه،
والقول قول المنكر.
وقال أبو يوسف: إن تكررت تلك المعاملة بينهما بأجر، فللصانع الأجر وإلا
فلا؛ لأن ما سبق بينهما يعين جهة الطلب بأجر، جرياً على المعتاد بينهما .
وقال محمد : إن كان الصانع معروفاً بهذه الصنعة بالأجر، فالقول قوله ؛ لأنه لما
٠٠
ثوب يلبس فوق الثياب .
(١)
(٢)
مغني المحتاج: ٣٥٤/٢
- ٧٨٠ -
Islamic Jurisprudence and its Evidence — pages 761-780 | ScribeTools Library