Indexed OCR Text

Pages 721-740

کرب الدنيا ، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر
الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه))(١)، وعن
أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: ((لأن أقرض دينارين ثم يردا، ثم أقرضهما أحب
إلي من أن أتصدق بها)) وعن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا: ((قرض
مرتين خير من صدقة مرة))(٢). وقال الحنابلة: الصدقة أفضل من القرض ولا إثم على
من سئل فلم يقرض(٣).
عاقده وصيغته : ولا يصح القرض إلا من جائز التصرف، لأنه عقد على
المال، فلم يصح إلا من جائز التصرف كالبيع .
ولا ينعقد إلا بالإِيجاب والقبول، لأنه تمليك آدمي ، فلم يصح من غير إيجاب
وقبول كالبيع والهبة .
ويصح بلفظ القرض والسلف؛ لأن الشرع ورد بها ، ويصح بما يؤدي معناه:
وهو أن يقول: «ملکتك هذا علی أن ترد علي بدله))(9).
هل يثبت فيه خيار أو أجل ؟ لا يثبت فيه خيار المجلس عند القائلين به
وهم الشافعية والحنابلة، ولا خيار الشرط ؛ لأن المقصود من الخيار هو الفسخ، وفي
القرض يجوز لكل واحد من العاقدين أن يفسخ إذا شاء، فلا معنى للخيار(٥).
ولا يجوز عند جمهور الفقهاء اشتراط الأجل في القرض، فإن أجل القرض إلى
أجل مسمى معلوم ، لم يتأجل وكان حالا ، لأنه في معنى بيع الدرهم بالدرهم، فلا يجوز
رواه مسلم وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه مختصراً والحاكم وقال: صحيح على شرطهما وفي لفظ
(١)
((من كشف عن مسلم ... )) (انظر الترغيب والترهيب: ٢ ص ٤٤، مجمع الزوائد: ٤ ص٣٣).
(٢)
المهذب: ١ ص٣٠٢، المغني: ٤ ص٣١٣.
(٣)
غاية المنتهى : ٢ ص ٨٣.
المهذب: ١ ص ٣٠٢، المغني: ٤ ص ٣١٤، الدر المختار: ٤ ص١٧٩، غاية المنتهى: ٢ ص ٨٤ .
(٤)
(٥)
المهذب: ١ ص٣٠٣، المغني: ٤ ص ٣١٥، تكملة المجموع: ١٣ / ١٦٥، الدر المختار ورد المختار: ٤ / ١٧٧ - ١٧٨.
- ٧٢١ -

التأجيل منعاً من الوقوع في ربا النسيئة ، وباعتبار أن القرض محض تبرع، فيحق
للمقرض المطالبة ببدله في الحال، لأنه عقد يوجب رد المثل في المثليات ، فأوجب رد
بدله حالاً كالإتلاف. وهكذا كل دين حل أجله لم يصر مؤجلاً بتأجيله . هذا بخلاف
البدل في البيع وفي الإجارة ، إذا أجل إلى أجل مسمى معلوم، فإنه لا يحق له المطالبة
به، قبل حلول الأجل. لكن قال الحنفية : يلزم أجل القرض في أربع حالات :
الأولى - الوصية: وهي أن يوصي شخص بإقراض آخر مبلغاً من المال إلى سنة
مثلاً ، فليس للورثة مطالبة المقترض قبل حلول الأجل .
الثانية - الجحد: وهو أن يكون القرض مجحوداً، فأجله صاحبه، فإن الأجل
یکون لازماً .
الثالثة - الحكم القضائي: وهو أن يحكم القاضي بلزوم القرض، عملاً بمذهب مالك
وابن أبي ليلى، فإنه يلزم أيضاً .
الرابعة - الحوالة : بأن أحال المدين الدائن على آخر، فأجله المقرض، أو أحاله .
علی مدیون مؤجل دينه؛ لأن الحوالة مبرئة ، أي يبرأ بها ذمة المحیل ، ويثبت بها
للمحال أي المقرض دين على المحال عليه بحكم الحوالة، فهو في الحقيقة تأجيل دين
لا قرض .
وقال الإمام مالك: يتأجل القرض بالتأجيل، لقول النبي ◌ُ التّل: ((المسلمون
عند شروطهم))(١)، ولأن المتعاقدين يملكان التصرف في هذا العقد بالإِقالة والإمضاء،
فملكا الزيادة فيه (٢). وهذا الرأي هو المعقول الموافق لمقتضى الواقع.
رواه أبو داود وأحمد والترمذي والدارقطني عن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده مرفوعاً وصححه ابن
(١)
حبان من حديث أبي هريرة، وروي عن أنس عند الحاكم، وعن رافع بن خديج عند الطبراني، وعن ابن عمر
عند البزار، وعن عطاء بلاغا عند ابن أبي شيبة، وجزم به البخاري (راجع سبل السلام: ٣ ص ٥٩، المقاصد
الحسنة : ص ٣٨٥).
(٢)
اعتمدنا في هذا على المغني لابن قدامة: ٤ ص ٣١٥، المهذب: ١ ص٣٠٣.
- ٧٢٢ -

ما يصح فيه القرض : اختلف العلماء فيما يصح فيه القرض :
فقال الحنفية: يصح القرض في المثلي: ((وهو ما لا تتفاوت آحاده تفاوتاً تختلف
به القيمة )» كالمكيل والموزون ، والمعدود المتقارب كالجوز والبيض ، والورق من مقياس
واحد، والذرعي كالقماش، وجاز قرض الخبز وزناً وعدداً، على ما هو المفتى به من
رأي الإمام محمد لحاجة الناس المتعينة إليه ، ولا يجوز القرض في غير المثلي من القيميات
كالحيوان والحطب والعقار، والعددي المتفاوت، لتعذر رد المثل(١).
وقال المالكية والشافعية والحنابلة : يجوز قرض كل مال يصح فيه السلم ، سواء
أكان مكيلاً أم موزوناً، كالذهب والفضة والأطعمة، أم من القييات، كعروض
التجارة والحيوان ونحوها، كالمعدود؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ فيما يرويه أبو رافع: ((استسلف
بكراً))(٢) (البَكْر: الثني من الإِبل) وذلك ليس بمكيل ولا موزون، ولأن ما يثبت
سَلَما يملك بالبيع ويضبط بالوصف، فجاز قرضه كالمكيل والموزون . وأما ما لا يجوز
فيه السَّلَم كالجواهر ونحوها، فلا يصح قرضه في الأصح؛ لأن القرض يقتضي رد
المثل، وما لا ينضبط، أو يندر وجوده، يتعذر أو يتعسر رد مثله(٣). وعلى هذا
يصح القرض عند جمهور الفقهاء في كل عين يصح بيعها إلا بني آدم، ولا يصح قرض
المنافع، خلافاً لابن تيمية ، كأن يحصد معه يوماً ليحصد الآخر معه مثله، أو يسكنه
داره ليسکنه الآخر داره بدلها .
حكم القرض : يثبت الملك في القرض عند أبي حنيفة ومحمد بالقبض ، فلو اقترض
انسان مدّ حنطة وقبضه، فله الاحتفاظ به، ورد مثله وإن طلب المقرض رد العين ،
لأنه خرج عن ملك المقرض ، وثبت له في ذمة المقترض مثله لا عينه ، ولو كان قائماً .
(١)
الدر المختار: ٤ ص١٧٩، ١٩٥.
(٢)
سيأتي تخريجه في حديث أبي رافع في بحث (القرض بمنفعة).
(٣)
الشرح الكبير للدردير: ٣ ص٢٢٢، القوانين الفقهية: ص ٢٨٨، مغني المحتاج: ٢ ص١١٨ وما بعدها، المهذب:
١ ص٣٠٣، المغني: ٤ ص٣١٤، غاية المنتهى: ٢ ص٨٤ وما بعدها.
- ٧٢٣ -

وقال أبو يوسف: لا يملك المقترض القرض ما دام قائماً(١).
وقال المالكية : إن القرض وغيره من المعروف كالهبة والصدقة والعارية، يثبت
الملك فيه بالعقد، وإن لم يقبض المال . ويجوز للمقترض أن يرد مثل الذي اقترضه،
وأن يرد عينه ، سواء أكان مثلياً أم غير مثلي ، وهذا مالم يتغير بزيادة أو نقص ، فإن
تغیر وجب رد المثل(٣) .
وقال الشافعية في الأصح والحنابلة : يثبت الملك في القرض بالقبض، ويرد
المقترض عند الشافعية المثل في المثلي، لأنه أقرب إلى حقه، ويرد في القيمي المثل
صورة، لأنه ◌ُ التّ اقترض بكراً ورد رَباعياً، وقال: ((إن خياركم أحسنكم قضاء))(٣).
ويجب عند الحنابلة رد المثل في المكيل والموزون ، كما هو اتفاق الفقهاء. وفي غير
المكيل والموزون وجهان: أحدهما ، يجب رد قيمته يوم القرض. والثاني- يجب رد
مثله بصفاته تقريباً(٤).
مكان الوفاء : اتفق علماء المذاهب الأربعة على أن وفاء القرض يكون في
البلد الذي تم فيه الإقراض، ويصح إيفاؤه في أي مكان آخر إذا لم يحتج نقله إلى حمل
ومؤنة أو وجد خوف طريق ، فإن احتاج إلى ذلك لم يلزم المقرض بتسامه(٥).
القرض الذي جرّ منفعة: قال الحنفية في الراجح عندهم : كل قرض جر نفعاً
حرام إذا كان مشروطاً ، فإن لم يكن النفع مشروطاً أو متعارفاً عليه في القرض ، فلا
بأس به، وعلى هذا فلا يجوز للمرتهن الدائن الانتفاع بالرهن إذا كان مشروطاً أو
(١)
الدر المختار ورد المختار: ٤ ص ١٨١ .
(٢)
الدردير وحاشية الدسوقي عليه: ٣ ص٢٢٦، الشرح الصغير: ٣ / ٢٩٥، ط دار المعارف.
(٣)
سيأتي تخريجه في بحث القرض الذي جر منفعة في حديث أبي رافع.
(٤)
مغني المحتاج: ٢ ص١١٩ وما بعدها، المهذب: ١ ص ٣٠٣، المغني: ٤ ص٣١٤.
الدر المختار: ٤ / ١٨٠، الشرح الصغير: ٢٩٦/٣، مغني المحتاج: ٢ / ١١٩، المغني: ٤ /٣٢٥.
(٥)
- ٧٢٤ -

متعارفاً، وإن لم يكن كذلك فيجوز مع الكراهة التحريمية إلا أن يأذن الراهن
فيحل، كما جاء في معتبرات كتب الحنفية، وقال بعضهم: لا يحل وإن أذن الراهن
بالانتفاع. وهذا هو المتفق مع الروح العامة في الشريعة في تحريم الربا .
وكذلك حكم الهدية للمقرض : إن كانت بشرط كره أي تحريماً، وإلا فلا(١).
وقال المالكية : يحرم الانتفاع بشيء من أموال المقترض كركوب دابته، والأكل
في بيته لأجل الدين ، لا للإكرام ونحوه، كما تحرم هدية المقترض لرب المال، إن قصد
المهدي بهديته تأخيره الدين ونحوه، ولم تكن هناك عادة سابقة قبل القرض بإهداء
الدائن بالمثل صفة وقدراً، أو حدث موجب جديد كصهارة، أو جوار، وكان الإهداء
لذلك لا للدين. والحرمة تتعلق بكل من الأخذ والدفع، وعندئذ يجب عليه ردها إن
كانت باقية ، فإن تلفت وجب عليه رد المثل في المثلي، والقيمة في القيمي ، هذا في حال
بقاء علاقة الدين ، أما عند وفاء الدين : فإن قضى المدين أكثر من الدين، فإن كان
الدين بسبب بيع، جاز مطلقاً ، سواء أكان المؤدى أفضل صفة أم مقداراً ، في الأجل أم
قبله أم بعده . وإن كان وفاء الدين بسبب سلف ( أي قرض ): فإن كانت الزيادة
بشرط أو وعد أو عادة منعت مطلقاً، وإن كانت بغير شرط ولا وعد ولا عادة،
جازت اتفاقاً عند المالكية في الأفضل صفة؛ لأن النبي طاقة استسلف بَكْراً، وقضى
جملاً بَكْراً خِياراً، كما سيأتي، واختلف في الأفضل مقداراً، ففي المدونة لمالك لا يجوز
إلا في اليسير جداً، وأجازه ابن حبيب مطلقاً(٢).
وقال الشافعية والحنابلة: لا يجوز قرض جرّ منفعة، مثل أن يقرضه ألفاً على
أن يبيعه داره، أو على أن يرد عليه أجود منه أو أكثر منه؛ لأن النبي څے ((نهى عن
(١) رد المحتار: ٤ ص١٨٢، مجمع الضمانات: ص١٠٩، مذكرات في الرهن للدراسات العليا لأستاذنا الشيخ علي
الخفيف : ص٩٦.
(٢)
الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه: ٣ ص٢٢٤ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٢٨٨ وما بعدها.
- ٧٢٥ _

سلف وبيع)»(١) والسلف : هو القرض في لغة الحجاز. وروي عن أبي بن كعب وابن
مسعود وابن عباس رضي الله عنهم أنهم ((نهوا عن قرض جرّ منفعة))(٢) ولأن القرض
عقد إرفاق (أي منفعة) وقربة ، فإذا شرط فيه منفعة خرج عن موضوعه، فيكون
القرض صحيحاً والشرط باطلاً ، سواء أكانت المنفعة نقداً أم عيناً كثيرة أو قليلة .
فإن أقرض شخص غيره مطلقاً من غير شرط ، فقضاه خيراً منه في الصفة، أو زاده
في القدر، أو باع منه داره، جاز. ولا يكره للمقرض أخذه، لما روى أبو رافع رضي الله
عنه قال: ((استسلف رسول الله مَ اتٍ من رجل بَكْراً (٣)، فجاءته إبل الصدقة ، فأمرني أن
أقضي الرجل بكراً، فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملاً خياراً رباعيً(٤)، فقال النبي سؤال:
أعطه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء))(٥). وروى جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، قال:
((كان لي على رسول الله سؤال حق، فقضاني وزادني))(٦) وأما النهي عن قرض جرنفعاً،
(١) سبق تخريج هذا الحديث، وقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ
((لا يحل سلف ولا بيع)» وله رواية أخرى عند الطبراني في معجمه عن حكيم بن حزام قال: «نهاني رسول الله
مِّ عن أربع خصال في البيع: عن سلف وبيع، وشرطين في بيع، وبيع ماليس عندك، وربح مالم يضمن))
(راجع نصب الراية: ٤ ص١٩، مجمع الزوائد: ٤ ص ٨٥).
هكذا ذكر ابن قدامة في المغني: ٤ ص٣١٩. ورواه البيهقي في السنن الكبرى كذلك عن ابن مسعود وأبي بن
(٢)
كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس موقوفاً عليهم. وقد رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث
علي بن أبي طالب بلفظ: ((أن النبي ◌َّ نهى عن قرض جر منفعة)) وفي رواية ((كل قرض جر منفعة فهو
ربا)» وإسناده ساقط، لأن في إسناده سوار بن مصعب الهمذاني المؤذن الأعمى وهو متروك. ورواه البيهقي في
المعرفة بلفظ: ((كل قرض جر نفعاً فهو وجه من وجوه الربا)) قال عمرو بن بدر في المغني: لم يصح فيه شيء
( راجع التلخيص الحبير: ص ٢٤٥، نيل الأوطار: ٥ ص٢٣٢، سبل السلام: ٣ ص٥٣) وعلى كل فمعناه صحيح
تؤيده قواعد الشريعة .
(٤)
البكر: هو الثني من الإبل، والأنثى بكرة، وقال أبو عبيد: البكر من الإبل بمنزلة الفتى من الناس.
(٣)
الخيار: أي المختار، والرباعي: هو الذي ألقى رباعيته: وهي السن التي بين الثنية والناب: وهو الذي استكمل
ست سنين ودخل في السابعة ...
رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة (راجع التلخيص الحبير: ص ٢٤٥، الموطأ: ٢ ص١٦٨، نيل الأوطار:
(٥)
٥ ص ٢٣٠).
(٦)
رواه البخاري ومسلم وأحمد (راجع نيل الأوطار: ٥ ص٢٣١).
- ٧٢٦ -

فهوليس بحديث ، كما أثبت الحافظ الزيلعي في نصب الراية، وكما ذكرنا في الحاشية
السابقة ، ویمکن فهمه على أنه في القرض الذي شرط فيه النفع أو جری علیه العرف، كما
قررالکرخي وغيره .
والإقراض ممن تعود رد الزيادة، فيه وجهان : أوجههما عند الشافعية الكراهة.
وعند الحنابلة : روايتان أصحهما الجواز بدون كراهة(١) .
والخلاصة أن القرض جائز بشرطين(٣):
١ - ألا يجر نفعاً، فإن كانت المنفعة للدافع، منع اتفاقاً للنهي عنه، وخروجه
عن باب المعروف، وإن كانت للقابض جاز، وإن كانت بينهما لم يجز لغير ضرورة.
واختلف في الضرورة وهي حالة السفاتج الآتية .
٢ - ألا ينضم إلى السلف عقد آخر كالبيع وغيره.
وأما هدية المديان: فلا يجوز عند المالكية للدائن قبولها ؛ لأنه يؤول إلى زيادة
على التأخير ، وأجازها الجمهور، إن لم تكن مشروطة، كما تجوز إن كان بين المقرض
والمقترض من الصلات ما يعلم أن الهدية له لا للدين .
ويلاحظ أن ايداع المال في صندوق التوفير، وشهادات الاستثمار يطبق
عليه حكم القرض ، فلا تحل الفائدة التي يدفعها الصندوق لواضعي أموالهم فيها ، إذ
ليست العلاقة مجرد وديعة كما زعم بعض المفتين ، إذلو كان هذا المال وديعة محضة ، لما جاز
شرعاً للقائمين على هذا الصندوق أن يستغلوه ويستثمروه في الأعمال، إذ الذي يملكه
الوديع من الوديعة حفظها فقط ، لا التصرف فيها ، لكن المودع إذا أذن بالتصرف في
الوديعة كانت قرضاً، لأن العبرة للمعاني. وكذلك الربح المقطوع المحدد بفائدة سنوية
مغني المحتاج: ٢ ص١١٩ وما بعدها، المهذب: ١ ص٣٠٤، المغني: ٤ ص٣٢١ وما بعدها، غاية المنتهى: ٢
(١)
ص٨٥ وما بعدها .
القوانين الفقهية: ص٢٨٨ .
(٢)
- ٧٢٧ -

معينة في شهادات الاستثمار ليس مشروعاً؛ إذ لا يجوز ذلك في الشركات وبخاصة شركة
المضاربة، وطريق الجواز: أن يكون الربح غير محدد المقدار وأن يتفق على المساهمة في
الخسارة الحادثة لو وقعت الخسارة أثناء الاستثمار في مشروع معين .
السُفْتَجة(١) : هي معاملة مالية يقرض فيها إنسان قرضاً لآخر في بلد ليوفيه
المقترض أو نائبه أو مدينه إلى المقرض نفسه أو نائبه أو دائنه في بلد آخر معين .
وحكمها عند الحنفية : الكراهة التحريمية إذا كانت المنفعة المقصودة منها (أي
الوفاء في بلد آخر لتفادي خطر الطريق) مشروطة في صلب العقد، أو بمقتضى
العرف. قال المرغيناني : ويكره السفاتج وهي قرض استفاد به المقرض سقوط خطر
الطريق، وهذا نوع نفع استفيد به، وقد نهى رسول الله مُ له عن قرض جر نفعاً(٢).
وقال الشافعية بمنع السفتجة ؛ لأنها من قبيل القرض الذي يجر منفعة للمقرض
برمجه فيها خطر الطريق(٣).
وكذلك قال المالكية، فهي عندهم ممنوعة لأنها قرض جر نفعاً إلا في حالة
الضرورة حفظاً لماله(٤).
والراجح عند الحنابلة هو جواز تلك المعاملة إن كانت بلا مقابل، واختار ابن
تيمية وابن القيم وابن قدامة القول بالجواز مطلقاً؛ لأن المنفعة لا تخص المقرض بل
ينتفعان بها جميعاً(٥).
(١) بفتح السين والتاء أو بضها، أو ضم السين وفتح التاء، وهذا الأخير هو الأشهر وهي كلمة فارسية معربة وهي
رقعة يكتبها المقرض إلى من يقبض عنه عوض القرض في المكان الذي اشترطه. وهذه الرقعة كورقة (الشيك)
الآن، وتعتبر نوعاً من (الكمبيالة) المعروفة في الوقت الحاضر.
الهداية مع فتح القدير: ٥/ ٤٥٢ .
(٣)
(٢)
المهذب : ١ / ٣٠٤.
الخرشي علي خليل: ٤ / ١٤١ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٢٥٠، ٢٨٨، الشرح الكبير للدردير: ٣/ ٢٢٥.
(٤)
(٥)
مطالب أولي النهى: ٣ / ٢٤٦، المغني: ٤ / ٣٢١، أعلام الموقعين: ١/ ٣٩١، ط التجارية.
- ٧٢٨ -

الفصل الثالث
عقد الإيجار
عقد الإجارة كالبيع من العقود المسماة (١) التي عني التشريع الإسلامي ببيان
أحكامها الخاصة بها بحسب ما تقتضيه طبيعة عقدها، وهي تختلف عن عقد البيع في
أنها مؤقتة المدة، بينما عقد البيع لا يقبل التأقيت، وإنما هو مؤبد، لأنه يترتب عليه
انتقال ملكية العين .
وعقد الإجارة من العقود المهمة في الحياة العملية، لذا فإننا سنتكلم عن أم
خصائصها وأحكامها في المباحث الآتية :
المبحث الأول - مشروعية الإجارة وركنها ومعناها.
المبحث الثاني - شروط الإجارة .
المبحث الثالث - صفة عقد الإجارة وحكمه.
المبحث الرابع - نوعا الإجارة وأحكامها .
المبحث الخامس - ضمان الأجير وسقوط أجره بهلاك العين.
المبحث السادس - اختلاف المتعاقدين في الإجارة .
المبحث السابع - انتهاء عقد الإجارة .
وهي التي سماها المشرع ونظمها مثل البيع والإجارة والشركة والكفالة والهبة فتطبق عليها القواعد العامة
(١)
للعقود، والقواعد الخاصة بها، أما العقود غير المسماة وهي التي لم ينظمها المشرع مثل العقود الحديثة الظهور
كعقد التوريد وعقد النزول في فندق، فهي تخضع للقواعد العامة.
- ٧٢٩ -

المبحث الأول - مشروعية الإجارة وركنها ومعناها :
مشروعية الإجارة : اتفق الفقهاء على مشروعية عقد الإجارة ما عدا أبا بكر
الأصم وإسماعيل بن علية والحسن البصري والقاشاني والنهرواني وابن كيسان فإنهم لم
يجيزوه ؛ لأن الإجارة بيع المنفعة ، والمنافع حال انعقاد العقد معدومة القبض، ثم
تستوفى شيئاً فشيئاً مع الزمن ، والمعدوم لا يحتمل البيع، ولا يجوز إضافة البيع إلى
شيء في المستقبل . ورد عليهم ابن رشد بأن المنافع، وإن كانت معدومة في حال
العقد، فهي مستوفاة في الغالب. والشرع إنما لحظ من هذه المنافع ما يستوفى في
الغالب، أو يكون استيفاؤه وعدم استيفائه على السواء(١).
واستدل الجمهور على جواز عقد الإيجار بالقرآن والسنة والإجماع:
أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ) وقوله عز
وجل حاكياً قول إحدى ابنتي شعيب عليه السلام: ﴿قالت إحداهما: يا أبت
استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين . قال إني أريد أن أنكحك إحدى
ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشراً فمن عندك﴾ والاستدلال
بهذه الآية صحيح عند القائلين: بأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ.
وأما السنة: فقوله عليه السلام: ((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه))(٣).
فالأمر بإعطاء الأجر دليل على صحة الإيجار، وقوله مع اليه: ((من استأجر
بداية المجتهد : ٢ ص٢١٨ .
(١)
روي من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عمر ومن حديث جابر ومن حديث أنس، فحديث أبي هريرة
(٢)
رواه أبو يعلى في مسنده، وحديث ابن عمر أخرجه ابن ماجه في سننه، وحديث جابر رواه الطبراني في
معجمه الصغير، وحديث أنس رواه أبو عبد الله الترمذي الحكيم في كتاب نوادر الأصول. قال ابن حجر: كلها
ضعاف (انظر نصب الراية: ٤ ص١٢٩ وما بعدها، مجمع الزوائد: ٤ ص٩٧، سبل السلام: ٣ ص٨١).
- ٧٣٠ -

أجيراً فليعلمه أجره»(١).
وروى سعيد بن المسيب عن سعد رضي الله عنه قال: ((كنا نكري الأرض بما
على السواقي من الزرع، فنهى رسول الله مُ اللّه عن ذلك، وأمرنا أن نكريها بذهب أو
(٢)
ورق))(٣).
وروى ابن عباس رضي الله عنه: أن النبي ◌ُ ◌ّ احتجم وأعطى الحجام أجره(٣).
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة في زمن الصحابة على جواز الإيجار قبل وجود
الأصم وابن علية وغيرهما ، لحاجة الناس إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان المحسوسة،
فلما جاز عقد البيع على الأعيان، وجب أن يجوز عقد الإجارة على المنافع(٤).
ركن الإجارة ومعناها : ركن الإيجار عند الحنفية : الإيجاب والقبول،
وذلك بلفظ الإجارة والاستئجار والاكتراء والإكراء.
" وأركانه عند الجمهور(٥) أربعة: عاقدان (مؤجر ومستأجر)، وصيغة (إيجاب
وقبول)، وأجرة ومنفعة .
ومعنى الإيجار لغة : بيع المنفعة . ومعناه الشرعي هو معناه اللغوي، ولذا قال
5
(١) رواه عبد الرزاق في مصنفه عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، ورواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار، وفيه
انقطاع، ووصله البيهقي من طريق أبي حنيفة. قال أبو زرعة: الصحيح موقوف أي على أبي سعيد. (انظر
نصب الراية: ٤ ص١٣١، سبل السلام: ٣ ص ٨٢، نيل الأوطار: ٥ ص٢٩٢).
رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن سعد بن أبي وقاص بلفظ: ((أن أصحاب المزارع في زمن النبي ◌ّ كانوا
(٢)
يكرون مزارعهم بما يكون على السواقي وما سعد بالماء مما حول النبت، فجاؤوا رسول الله عَّ فاختصموا في
بعض ذلك، فنهاهم أن يكروا بذلك، وقال: أكروا بالذهب والفضة)) (انظر نيل الأوطار: ٥ ص٢٧٩).
رواه أحمد والبخاري ومسلم، زاد البخاري في لفظ: ((ولو كان سحتاً لم يعطه» (انظر نصب الراية: ٤ ص١٣٤،
(٣)
نيل الأوطار: ٥ ص ٢٨٥، سبل السلام: ٣ ص ٨٠).
انظر المبسوط السرخسي : ١٥ ص٧٤، تكملة فتح القدير: ٧ ص١٤٧ ، البدائع: ٤ ص ١٧٣ ، بداية المجتهد :
(٤)
٢ ص٢١٨، المهذب: ١ ص٣٩٤، المغني: ٥ ص٣٩٧، مغني المحتاج: ٢ ص ٣٣٢.
القوانين الفقهية: ص٢٧٤، مغني المحتاج: ٣٣٢/٢.
(٥)
- ٧٣١ -

الحنفية: الإيجار: عقد على المنافع بعوض(١). وكما لا يصح تعليق البيع، لا يصح
تعليق الإجارة، إلا أن الإجارة يصح إضافتها إلى زمن في المستقبل عند جمهور
الفقهاء، بعكس البيع كما ذكرنا سابقاً. ولم يجز الشافعية إضافة إجارة العين للمستقبل
كالبيع . وأجازوا إضافة الإجارة في الذمة، مثل: ألزمت ذمتك حمل متاعي هذا إلى
بلد كذا أول شهر كذا؛ لأن الدين يقبل التأجيل، كما لو أسلم في شيء إلى أجل
معلوم. وكذلك يصح عندهم في الأصح في إجارة العين: أن يؤجر المالك مدة جديدة
لمستأجر عين مدة سابقة قبل انقضائها ، لاتصال المدتين مع اتحاد المأجور(٢).
وعرف الشافعية الإيجار فقالوا : هو عقد على منفعة مقصودة معلومة مباحة
قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم . ومحترزات قيود التعريف هي أنه خرج بقولهم :
((منفعة)): العين، فالعقد عليها بيع أو هبة، وبقولهم: ((مقصودة)»: المنفعة التافهة
كاستئجار بياع على كلمة لا تتعب، وبقولهم: ((معلومة)»: المضاربة والجعالة على
عمل مجهول. وأما قيد ((قابلة للبذل والإباحة)) فهو لإخراج منفعة البُضع، فإن العقد
عليها لا يسمى إجارة، والقيد الأخير (أي بعوض) لإخراج هبة المنافع والوصية بها
والشركة والإعارة(٣).
وقال المالكية: الإيجار: تمليك منافع شيء مباحة مدة معلومة بعوض(٤).
تكملة فتح القدير: ٧ ص ١٤٥، البدائع: ٤ ص١٧٤، تبيين الحقائق: ٥ ص ١٠٥، حاشية ابن عابدين: ٥ ص١.
(١)
وقد آثرنا لفظ الإيجار على لفظ الإجارة لأن الإجارة اسم للأجرة: وهي ما أعطيت من كراء الأجير، وهي
ليست مصدراً لفعل ((أجر» إذ لم تسمع مصدراً قط، ومن المعروف أن مصدر الفعل الثلاثي سماعي لا قياس فيه.
وإذا استعملنا لفظ الإجارة أحياناً فهو مجاراة للاصطلاح الشائع .
مغني المحتاج: ٢ ص٣٣٨ الإجارة عند الشافعية نوعان: إجارة واردة على عين أي على منفعة مرتبطة بعين
(٢)
كإجارة العقار، أو إجارة دابة أو شخص معينين، ويلاحظ أن إجارة العقار لا تكون إلا من إجارة العين، لأنه
لا يثبت في الذمة . وإجارة واردة على ذمة، كاستئجار دابة موصوفة لحمل مثلاً، أو كأن يلزم ذمة شخص
عملاً معيناً كخياطة أو بناء أو غير ذلك ( مغني المحتاج: ٢ ص ٣٣٣).
(٣)
مغني المحتاج: ٢ ص٣٣٢.
(٤)
الشرح الكبير للدردير: ٤ ص٢، الفروق للقرافي: ٤ ص٤.
- ٧٣٢ -
٠
1

ويمثل ذلك قال الحنابلة(١).
وإذا كانت الإجارة بيع المنافع فلا يجوز عند أكثر الفقهاء إجارة الشجر والكرم
للثمر؛ لأن الثمرعين، والإجارة بيع المنفعة لا بيع العين. ولا تجوز إجارة الشاة للبنها
أو سمنها أو صوفها أو ولدها؛ لأن هذه أعيان ، فلا تستحق بعقد الإجارة. ولا تجوز
إجارة ماء في نهر أو بئر أو قناة أو عين ؛ لأن الماء عين ، ولا يجوز استئجار الآجام التي
فيها الماء للسمك وغيره من القصب والصيد ؛ لأن كل ذلك عين . وعلى هذا فلا تجوز
إجارة البرك أو البحيرات للاصطياد أي ليصاد منها السمك(٣).
ولا تجوز إجارة المراعي ؛ لأن الكلأعين فلا تحتمل الإجارة.
ولا يجوز عند جمهور الفقهاء استئجار الفحل للضراب ؛ لأن المقصود منه
النسل، بإنزال الماء وهو عين، وقد ثبت أنه مر طِّ: ((نهى عن عَسْب الفحل)»(٣) أي
كرائه. وقد حذفت كلمة ((الكراء)) من باب المجاز المرسل مثل: ﴿واسأل القرية﴾.
ولا يجوز استئجار الدراهم والدنانير والمكيلات والموزونات ؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بها
إلا بعد استهلاك أعيانها ، والمعقود عليه في الإجارة هو المنفعة لا العين(٤). لهذا كله
فإن المقرر أن: ((كل ما ينتفع به مع بقاء عينه تجوز إجارته ومالا فلا ».
رأي ابن القيم في إجارة الأعيان : قال ابن القيم : إن الأصل الذي سار عليه
الفقهاء ( وهو أن المستحق بعقد الإجارة إنما هو المنافع لا الأعيان) أصل فاسد، فهو لم
يدل عليه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، بل الذي دلت عليه الأصول
انظر المغني لابن قدامة: ٥ ص ٣٩٨، غاية المنتهى: ٢ ص ١٩٠، كشاف القناع: ٣ ص ٥٣٧.
(١)
(٢)
الدر المختار ورد المختار: ٤ ص ١١٠ وما بعدها.
رواه البخاري وأحمد والنسائي وأبو داود عن ابن عمر، وروي عن آخرين بألفاظ ستأتي الإشارة إليها (نيل
(٣)
الأوطار: ، ص١٤٦).
البدائع : ٤ ص ١٧٥ .
(٤)
- ٧٣٣ -

أن الأعيان التي تحدث شيئاً فشيئاً مع بقاء أصلها حكمها حكم المنافع كالثمر في الشجر،
واللبن في الحيوان، والماء في البئر، ولذلك سوي بين العين والمنفعة في الوقف ، فجاز
وقف المنفعة كالسكنى، وجاز وقف العين كوقف الماشية للانتفاع بلبنها، وكذلك
سوي بينهما في التبرعات كالعارية لمن ينتفع بالمتاع ثم يرده، والمنيحة لمن يشرب
الشاة ثم يردها ، والقرض لمن ينتفع بالدراهم ثم يرد بدلها، فكذلك في الإجارة تارة
تكون على منفعة، وتارة تكون على عين تحدث شيئاً فشيئاً مع بقاء الأصل كلبن
الظئر ونفع البئر، فإن هذه الأعيان لما كانت تحدث شيئاً فشيئاً مع بقاء الأصل كانت
كالمنفعة ، والجامع بينهما هو حدوث المقصود بالعقد شيئاً فشيئاً ، سواء أكان الحادث
عيناً أم منفعة (١).
المبحث الثاني - شروط الإجارة
يشترط في عقد الإيجار أربعة أنواع من الشروط كما في عقد البيع : وهي شروط
الانعقاد، وشروط النفاذ، وشروط الصحة، وشروط اللزوم. ونشيرهنا إلى بعض
هذه الشروط، ونحيل ما بقي منها على ما هو مقرر في عقد البيع .
شروط الانعقاد : وهي ثلاثة أنواع : بعضها يرجع للعاقد، وبعضها يرجع
لنفس العقد، وبعضها يرجع لمكان العقد. ونقتصر على ذكر ما يرجع للعاقد: وهو
العقل، أي أن يكون العاقد عاقلاً، فلا تنعقد الإجارة من المجنون والصبي غير العاقل
كما لا ينعقد البيع منهما. ولا يشترط البلوغ للانعقاد ولا للنفاذ عند الحنفية، فلو أجر
الصبي المميزماله أو نفسه: فإن كان مأذوناً في ذلك وغيره ينفذ عقده، وإن كان
محجوراً عن التصرفات يقف على إجازة وليه(٣).
وقال المالكية: إن التمييز شرط في الإيجار والبيع، والبلوغ شرط للنفاذ،
(١)
انظر أعلام الموقعين: ٢ ص ١٥ .
(٢)
البدائع : ٤ ص١٧٦ .
- ٧٣٤ -

فالصبي المميز إذا أجر نفسه أو سلعته صح عقده، وتوقف العقد على رضا وليه(١).
وقال الشافعية والحنابلة : يشترط التكليف: وهو البلوغ والعقل لانعقاد
الإيجار، لأنه عقد تمليك في الحياة ، فأشبه البيع (٢).
شروط النفاذ: يشترط لنفاذ عقد الإجارة توافر الملك أو الولاية ، فلا تنفذ
إجارة الفضولي لعدم الملك أو الولاية ، وإنما العقد ينعقد موقوفاً على إجازة المالك
عند الحنفية والمالكية كما في عقد البيع ، خلافاً للشافعية والحنابلة .
والإجازة تلحق الإجارة الموقوفة بشروط ، منها قيام المعقود عليه. فإذا أجر
الفضولي، وأجاز المالك العقد ينظر (٣):
إن أجاز العقد قبل استيفاء المنفعة، جازت إجازته، وكانت الأجرة للمالك،
لأن المعقود عليه قائم .
وإن أجاز العقد بعد استيفاء المنفعة لم تجز إجازته، وكانت الأجرة للعاقد،
لأن المنافع المعقود عليها تلاشت في الماضي، فتكون عند الإجازة معدومة، فلا يبقى
العقد بعدئذ، لفوات محله، فلا تصح الإجازة، كما عرفنا في عقد البيع ويصير العاقد
الفضولي حينئذ غاصباً بالتسليم .
وقد قال الحنفية: إِن الغاصب إذا آجر ما غصِبه وسلم ذلك، ثم قال المالك:
((أجزت ما آجرت)): فإن كانت مدة الإجارة قد انقضت فللغاصب الأجر؛ لأن
المعقود عليه قد انعدم، والإجازة لا تلحق المعدوم كما قلنا. وإن كانت الإجازة بعد
مضي بعض المدة فالأجر كله للمالك عند أبي يوسف، لأنه إذا بقي بعض المدة لم يبطل
العقد، فكان محلاً للإجازة ، فهو قد نظر إلى المدة .
الشرح الكبير للدردير: ٤ ص٢.
(١)
مغني المحتاج: ٢ ص٣٣٢، المغني: ٥ ص٣٩٨ .
(٢)
(٣)
انظر البدائع: ٤ ص١٧٧ .
- ٧٣٥ _
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٤٧)

وقال محمد : أجر ما مضى للغاصب، وأجر ما بقي للمالك؛ لأن كل جزء من
أجزاء المنفعة معقود عليه مستقل عن غيره، فإذا مضى بعض مدة الإِجارة، كان
الماضي منعدماً حين الإجارة، فلا يصح إلحاق الإجازة به لانعدامه، فهو قد نظر إلى
المعقود عليه .
ويجري هذا الخلاف بين أبي يوسف ومحمد فيمن غصب أرضاً فأجرها للزراعة ،
فأجاز صاحب الأرض عقد الإجارة .
وقال محمد : إن أعطاها الغاصب مزارعة فهنا تفصيل : إن كان الزرع قد سنبل،
ولم ييبس، فأجاز صاحب الأرض، جازت المزارعة ، ولا شيء للغاصب من الزرع،
لأن المزارعة بمنزلة شيء واحد، لا ينفصل بعض عملها عن بعض ، فكانت إجازة العقد
قبل الاستيفاء بمنزلة ابتداء العقد. وأما إذا كان الزرع قد يبس فقد انقضى عمل
المزارعة ، فلا تلحق الإجازة العقد، ويكون الزرع حينئذ للغاصب.
شروط صحة الإجارة : يشترط لصحة الإجارة شروط تتعلق بالعاقد
والمعقود عليه والمحل المعقود عليه ، والأجرة، ونفس العقد وهي :
١ - رضا المتعاقدين: يشترط توافر رضا المتعاقدين كما في البيع ، لقوله
تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن
تراضٍ منكم﴾ والإجارة تجارة، لوجود معنى مبادلة المال بالمال فيها (١). وهذا الشرط.
يتعلق بالعاقد ، وما سنذكره متعلق بالمعقود عليه .
٢ - أن يكون المعقود عليه وهو المنفعة معلوماً علماً يمنع من المنازعة، فإن
كان مجهولاً جهالة مفضية إلى المنازعة لا يصح العقد ؛ لأن هذه الجهالة تمنع من التسليم
والتسلم ، فلا يحصل المقصود من العقد .
(١)
انظر البدائع : ٤ ص ١٧٩ .
- ٧٣٦ _

والعلم بالمعقود عليه : يكون ببيان محل المنفعة وبيان المدة وبيان العمل في
استئجار الصناع والعمال .
أما بيان محل المنفعة: فيحصل بمعرفة العين المستأجرة بعينها ، فلو قال
إنسان لآخر: آجرتك إحدى هاتين الدارين ، أو أحد هذين المركبين أو أحد هذين
الصانعين، لم يصح العقد لجهالة المعقود عليه جهالة فاحشة. ولو استأجر إنسان من
آخر نهراً يابساً أو موضعاً من الأرض معلوماً ليسوق منه الماء إلى أرض له، فيسقيها،
لم يجز في المشهور عند الحنفية، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ؛ لأن مقدار ما يسيل
من الماء في النهر مختلف قلة وكثرة، والكثير منه مضر بالنهر، والمضر منه مستثنى
ضمناً، وغير المضر غير منضبط ، فصار محل المعقود عليه مجهولاً .
وروي عن محمد أنه يجوز؛ لأن المانع من جواز العقد جهالة البقعة وقد زالت
الجهالة بالتعيين(١).
.(١)
وأما بيان المدة: فهو مطلوب في إجارة الدور والمنازل والبيوت والحوانيت
وفي استئجار الظئر (المرضع)؛ لأن المعقود عليه لا يصير معلوم القدر بدونه، فترك
بيانه يفضي إلى المنازعة .
وتصح الإجارة على أي مدة طالت أو قصرت وهو قول أكثر العلماء ومنهم الشافعية
على الصحيح(٢)، فإنهم قالوا : يصح عقد الإِجارة مدة تبقى فيها العين غالباً بحسب رأي
أهل الخبرة ، ولا يقدر للإجارة أقصى مدة، إذ لا دليل من الشرع على ذلك(٣).
البدائع، المصدر السابق: ٤ ص ١٨٠، المبسوط: ١٦ ص ٤٣، الفروق: ٤ ص٤، تكملة فتح القدير: ٧ ص ١٤٨ .
(١)
(٢)
يقول الحنفية: تصح الإجارة على أي مدة معلومة سواء أكانت طويلة أم قصيرة، لأن المدة إذا كانت معلومة
كان قدر المنفعة فيها معلوماً، إلا في الأوقاف، فلا تجوز الإجارة الطويلة فيها على ماهو مختار، كيلا يدعي
المستأجر ملكها: (وهي ما زاد على ثلاث سنين في الضياع أي العقارات، وعلى سنة في غيرها) ومثل ذلك
إجارة أرض اليتيم (راجع اللباب شرح الكتاب: ٢ ص٨٨، تكملة فتح القدير: ٧ ص ١٥٠).
(٣) مغني المحتاج: ٢ ص٣٤٩، المهذب: ١ ص٣٩٦، المغني: ٥ ص٤٠١، غاية المنتهى: ٢ ص ٢٠١.
- ٧٣٧ -

ولا يشترط عند الحنفية تعيين ابتداء مدة الإجارة، فإذا كان العقد مطلقاً عن
تعيين ابتداء المدة ، تعين الزمن الذي يعقب العقد، وهو الشهر الذي يأتي بعد العقد .
وقال الشافعية: يشترط تعيين مدة الابتداء التي تلي العقد نصاً؛ لأن عدم
التعيين يؤدي إلى جهالة الوقت الموجبة لجهالة المعقود عليه(١).
وإن وقعت الإجارة شهراً أو شهوراً أو سنين معلومة في أول الشهر يعتبر الشهر
بالأهلة ، وإن وقعت في بعض الشهر يعتبر الشهر بالأيام ثلاثين يوماً لتعذر اعتبار
الأهلة ، فتعتبر الأيام. وكذلك الأمر في الشهور والسنين فإذا كان العقد في أول الشهر
فشهور السنة كلها بالأهلة، لأنها هي الأصل، وإن كان في أثناء الشهر فالكل بالأيام
عند أبي حنيفة ، وفي رواية عن أبي يوسف .
وهناك رواية أخرى عن أبي حنيفة وهو رأي محمد ومذهب الشافعية: إذا
استأجر داراً لمدة سنة في بعض الشهر، فإنه يسكن بقية هذا الشهر بالأيام، ويكل
مابقي من الشهر الأول من الشهر الأخير، والباقي من السنة وهو أحد عشر شهراً
بالأهلة ؛ لأن الأيام يصار إليها ضرورة ، والضرورة قائمة في الشهر الأول فقط من
السنة. ووجه الرواية الأولى أنه متى تم الشهر الأول بالأيام ابتدأ الثاني بالأيام
5
ضرورة، وهكذا إلى آخر السنة(٢).
الإجارة مشاهرة : تشدد الشافعية في شرط معرفة المدة ، فقالوا في الصحيح
عندهم : إن آجر شخص داره كل شهر بدينار مثلاً، أو كل يوم أو كل جمعة أو كل سنة
بكذا، فالإجارة باطلة؛ لأن كل شهر يحتاج إلى عقد جديد لإفراده بأجرة معينة ،
ولم يوجد عقد، وذلك يقتضي البطلان ، هذا بالإضافة إلى جهالة مدة الإجارة،
المهذب ، المصدر السابق .
(١)
تكملة فتح القدير: ٧ ص ١٧٨، البدائع: ٤ ص ١٨١، المبسوط: ١٥ ص ١٣٢، تبيين الحقائق: ٥ ص١٢٣ ،
المهذب: ١ ص٣٩٦، رد المحتار على الدر المختار: ٥ ص٣٥.
(٢)
- ٧٣٨ -

فصار كما لو قال : آجرتك مدة أو شهراً(١).
وقال جمهور الفقهاء: تصح الإجارة في الشهر الأول وتلزم، وأما ما عداه من
الشهور فلا يلزم إلا بالدخول فيه أو التلبس فيه ؛ لأن شروعه مع ما تقدم في العقد
من الاتفاق على تقدير أجره والرضا ببذله جرى مجرى ابتداء العقد علیه ، وصار
كبيع المعاطاة إذا جرى من المساومة مادل على التراضي بها(٣).
وأما بيان العمل في استئجار الصناع والعمال فهو أمر مطلوب منعاً من
الجهالة ؛ لأن جهالة العمل في الاستئجار على الأعمال جهالة مفضية إلى المنازعة،
فيفسد العقد، فلو استأجر عاملاً، ولم يسم له العمل من الخياطة والرعي وعزق
الأرض ونحوه لم يجز العقد .
وإذا كان الأجير مشتركاً فلا بد من بيان المعمول فيه إما بالإشارة والتعيين ، او
ببيان الجنس والنوع والقدر والصفة، فلو استأجر شخص حفاراً لحفر بئر فلا بد من
بيان مكان الحفر وعمق البئر ونوعها وعرضها؛ لأن عمل الحفر يختلف باختلاف هذه
الأوضاع(٣).
تعيين المدة والعمل : إذا كان لا بد من تعيين المدة في إجارة المنافع كإجارة
المنازل ونحوها ، وتعيين نوع العمل في الإجارة على الأعمال كالخياطة ونحوها، فهل
يجوز الجمع بين اشتراط المدة والعمل معاً ؟
قال الحنفية: لا يشترط في إجارة المنافع تعيين العمل ، فلو استأجر رجل داراً
أو حانوتاً، ولم يسم ما يعمل فيه، جازت الإجارة، وله أن يسكن فيه بنفسه مع
غيره، وله أن يسكن فيه غيره بالإجارة والإعارة، وله أن يضع فيه متاعاً وغيره،
غير أنه لا يستعمل البناء بما يضره ويوهنه ولا يجعل فيه حداداً ولا قصاراً ولا
المهذب: ١ ص٣٩٦، مغني المحتاج: ٢ ص ٣٤٠، الميزان للشعراني: ٢ ص ٩٥.
(١)
(٢)
البدائع: ٤ ص ١٨٢، تبيين الحقائق: ٥ ص١٢٢، الشرح الكبير للدردير: ٤ ص٤٤، المغني: ٥ ص٤٠٩، القوانين
الفقهية : ص٢٧٥ وما بعدها .
البدائع: ٤ ص١٨٤ ، المبسوط : ١٦ ص٤٧ .
(٣)
- ٧٣٩ -

طحاناً؛ لأن العقد المطلق عن الشرط مقيد بالعرف المألوف.
وأما في الإجارة على الأعمال، فيشترط بيان المدة في استئجار الراعي المشترك
لأن قدر المعقود عليه لا يصير معلوماً بدونه. وأما في استئجار القصار المشترك
والخياط المشترك، فلا يشترط بيان المدة ؛ لأن المعقود عليه يصير معلوماً بدونه . وأما
الأجير الخاص ، فلا يشترط في العقد معه بيان جنس المعمول فيه ونوعه وقدره
وصفته، وإنما يشترط بيان المدة فقط. كذلك يشترط بيان المدة في استئجار الظئر.
واختلف أبو حنيفة مع صاحبيه في اجتماع المدة مع العمل(١)، فقال أبو حنيفة:
متى تعينت المدة لم يجز تقدير العمل . وقال الصاحبان : يجوز التقدير بها معاً. وعلى
هذا : إذا قال رجل لآخر: استأجرتك لتخيط هذا الثوب اليوم، أو لتقصر هذا
الثوب اليوم، أو لتخبز قفيز دقيق اليوم، فالإجارة فاسدة عند أبي حنيفة. وجائزة
عند الصاحبين .
وإذا استأجر شخص دابة إلى بلد أياماً معينة، فالإجارة فاسدة عند الإمام.
وعند صاحبيه جائزة .
وجّه قول الصاحبين: أن المعقود عليه هو العمل لأنه هو المقصود، والعمل
معلوم ، والقصد من ذكر المدة هو التعجيل ، فلم تكن المدة معقوداً عليها ، فلا يمنع
ذكرها جواز العقد. وإذا وقعت الإجارة على العمل : فإن فرغ الأجير منه قبل تمام
المدة فله كال الأجر، وإن لم يفرغ منه في اليوم، فعليه أن يعمله في الغد.
ووجه قول أبي حنيفة : أن المعقود عليه مجهول ، لأن العاقد ذكر أمرين : هما
العمل والمدة، وكل واحد منهما يجوز أن يكون معقوداً عليه، وجهالة المعقود عليه
توجب فساد العقد. هذا مع العلم بأنه لا يمكن الجمع بين العمل والمدة في كون كل
واحد منهما معقوداً عليه؛ لأن حكمهما مختلف؛ إذ أن العقد على المدة يقتضي وجوب
(١) راجع البدائع : ٤ ص ١٨٤ وما بعدها .
- ٧٤٠ -