Indexed OCR Text
Pages 661-680
تفرق المتعاقدان دون أن يتم قبض أحد العوضين : كان العقد فاسداً على التفصيل الآتي(١) : أ - إن كانت الحلية مما لا تتميز عن السيف إلا بضرر: فسد البيع في الحلية بسبب الخيار أو الأجل، وفسد في السيف، لأنه لا يجوز إفراده بالعقد، لما فيه من إلحاق الضرر بالبائع ، بتسليمه منفصلاً عن الحلية . فإن افترق المتعاقدان بعد التقابض ، بأن أبطلا الخيار أو أسقطا الأجل، انقلب العقد جائزاً خلافاً لزفر. ب- وإن كانت الحلية تتميز عن السيف من غير ضرر: فسد العقد عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الصفقة اشتملت على الصحيح والفاسد، والفساد في نفس المعقود عليه، وفي مثل هذا يشيع الفساد في كل المبيع . وقال محمد: يجوز البيع في السيف، ويبطل في الحلية؛ لأن الصفقة اشتملت على الصحيح والفاسد، وللفاسد تأثيره، فيصح العقد في الجزء الصحيح، ويفسد في الفاسد . - إذا اشترى رجل من صائغ سواراً من فضة بدراهم فضية، وتماثلا في الوزن ، وتقابضا وافترقا، أو تصارف رجلان ذهباً بذهب، أو فضة بفضة مثلاً بمثل ، وتم التقابض بينهما، وافترقا، ثم زاد أحدهما صاحبه شيئاً أو حط عنه شيئاً وقبل الآخر: فسد البيع عند أبي حنيفة . وقال أبو يوسف: الحط والزيادة باطلان لاغيان، والعقد الأول صحيح. وقال محمد : الحط جائز بمنزلة الهبة المستقبلة ، والزيادة باطلة . (١) راجع البدائع : ٢١٧/٥ وما بعدها . - ٦٦١ - ومنشأ هذا الخلاف هو اختلافهم في تأثير الشرط الفاسد على العقد إذا تأخر ذكره عن العقد (١): فعند أبي حنيفة: يلتحق هذا الشرط بالعقد ويفسد العقد، فإذا وجدت الزيادة أو الحط بعد انعقاد العقد، التحقا بأصل العقد، فكأن العقد وجد منذ انشائه على هذا النحو مشتملاً على الزيادة في أحد العوضين فيفسد العقد بسبب التفاضل في مال ربوي ؛ لأن العوضین من جنس واحد، فيتحقق الربا . وإنما شرط القبول في الحط عند أبي حنيفة، لأنه يترتب عليه فسخ العقد، ولا يحق لأحد المتعاقدين إجراء الفسخ إلا برضا الآخر. وعند أبي يوسف ومحمد: إن الشرط الفاسد لا يلتحق بالعقد إلا أن أبا يوسف التزم هذا الأصل، فأسقط اعتبار الزيادة والحط جميعاً فبقي البيع الأول صحيحاً . وأما محمد فإنه فرق بين الزيادة والحط، فقال: الزيادة باطلة والحط جائز؛ لأن الزيادة لو صحت لالتحقت بأصل العقد ، فأفسدته، فبطلت الزيادة . وأما الحط فلا يشترط لصحته أن يلتحق بالعقد بدليل أن البائع لو حط جميع الثمن صح، ولا يلتحق بأصل العقد ، إذ لو التحق لكان البيع واقعاً بلا ثمن ، فيجعل حطاً للحال بمنزلة هبة مستأنفة أو مبتدأة بقطع النظر عن البيع الأول . هذا إذا اتحد جنس البدلين . فإن اختلف جنسها بأن بيع سوار فضة وزنه مقدار وزن عشرة دراهم بدینار ذهبي، أو تصارف اثنان ديناراً بعشرة دراهم فضية، ثم زاد أحدهما صاحبه درهماً وقبل الآخر، أو حط عنه درهماً من الدينار، صح الحط والزيادة باتفاق الحنفية، ويلتحقان بأصل العقد ؛ لأن المانع من تصحيح العقد هو وجود الربا، واختلاف (١) راجع البدائع: ٢١٦/٥، الدر المختار: ٢٤٦/٤. - ٦٦٢ - الجنس في العوضين يمنع تحقق الربا، إذ أن مبادلة الأموال الربوية يجوز فيها التفاضل حال اختلاف الجنس، ويمتنع حال اتحاد الجنس . إلا أنه يشترط في الزيادة قبضها في مجلس الزيادة، فلو افترق العاقدان قبل القبض، بطل البيع بقدر الزيادة، لأنها لما التحقت بأصل العقد، صار كأن العقد ورد على الزيادة والأصل جميعاً، فصارت جزءاً من ثمن الصرف. وأما الحط فلا يشترط قبضه في المجلس، لأنه وإن التحق بأصل العقد فأدى إلى حدوث التفاضل في العوضين ، فلا يؤثر على العقد ؛ لأن التفاضل في الأموال الربوية جائز عند اختلاف الجنس كما بينا . لكن يجب على العاقد رد ماحط لغيره ؛ لأن الحط لما التحق بأصل العقد تبين أن العقد لم يقع على قدر المخطوط من ابتداء العقد ، فيجب رده. شروط بيع الجزاف : اشترط فقهاء المالكية لصحة بيع الجزاف شروطاً سبعة (١)، سنذكرها بإيجاز مع الإشارة إلى ماقد نجده من شروط في كتب فقهاء المذاهب الأخرى وهي : ١ - أن يكون المبيع مرئياً بالبصر حال العقد أو قبله، واستمر العاقدان على معرفة المبيع حين التعاقد، فلا يصح بيع غير المرئي جزافاً ولا البيع من الأعمى جزافاً. وتكفي رؤية بعض المبيع المتصل به كمغيب الأصل، وتكفي في الصبرة رؤية ماظهر منها . ولا تشترط الرؤية إذا ترتب عليها فساد البيع كأواني الخل المختومة التي يفسدها الفتح، ولكن لابد من بيان صفة ما فيها من الخل . وهذا الشرط متفق عليه أيضاً بين الحنفية والشافعية والحنابلة(٢)، قال راجع الشرح الكبير للدردير: ٣ ص ٢٠ وما بعدها، بداية المجتهد: ٢ ص ١٥٧، الغرر وأثره في العقود للزميل (١) الدكتور الصدِّيق محمد الضرير: ص٢٣٤ وما بعدها . (٢) تبيين الحقائق للزيلعي: ٤ ص٥، المهذب: ١ ص ٢٦٥، المغني: ٤ ص١٢٣. - ٦٦٣ - الزيلعي : شرط جواز الجزاف: أن يكون مميزاً مشاراً إليه. وعبارة الشافعية والحنابلة : تكفي المشاهدة في الصبرة ونحوها ؛ لأن غرر الجهالة ينتفي عنها بها . ٢ - أن يجهل كل من البائع والمشتري قدر المبيع كيلاً أو وزناً أو عدداً، فإن علم قدره أحد العاقدين بإعلام صاحبه بعد انعقاد العقد، كان الآخر بالخيار، وإن استوى الاثنان في العلم بمقداره حين التعاقد فسد العقد، لتعاقدهما على الغرر، وتركهما الكيل أو الوزن، فيرد المبيع إن كان قائماً، وإلا لزم المشتري دفع القيمة(١). ووجود هذا الخيار دليل على أن هذا الشرط شرط لزوم وليس شرط صحة . ويظهر لنا أن الحنفية يوافقون على هذا الشرط(٢)، وصرح الشافعية بالموافقة عليه(٣)، ونص الإمام أحمد على أن البائع إذا عرف مقدار شيء لم يبعه صبرة، فإن خالف ذلك وباع مع علمه بمقدار المبيع فالبيع صحيح لازم لكنه مكروه كراهة (٤) تنزيه(٤). ٣ - أن يكون البيع في كل ما كان المقصود منه الكثرة لا الآحاد: فيصح الجزاف في المكيلات والموزونات كالحبوب والحديد، والممسوحات أو المزروعات كالأرضين والثياب، ولا يجوز الجزاف في المعدودات إلا إذا كان في عده مشقة؛ لأن العد متيسر لغالب الناس ، وهذا هو المراد بالمذكور في الشرط : وهو ألا يكون القصد منه آحاد أو أفراد أعيانه. فإن كان في عده مشقة جاز بيعه جزافاً، وإن كان القصد موجهاً إلى كل فرد من أفراده على حدة لم يجز بيعه جزافاً . وعلى هذا يجوز بيع المعدود جزافاً إذا قل ثمن أفراده كالبيض والتفاح والرمان (١) انظر القوانين الفقهية لابن جزي: ص٢٤٦ . (٢) راجع العناية بهامش فتح القدير: ٥ ص٨٦. (٣) المجموع للنووي: ٩ ص٣٤٣ . المغني : ٤ ص١٢٥ وما بعدها . (٤) - ٦٦٤ - والبطيخ المتماثل في الحجم نسبياً بأن كان كله كبيراً أو كله صغيراً، لا ما كان بعضه صغیراً وبعضه کبیراً. ولا يجوز بيع المعدود جزافاً إن قصد كل فرد من أفراده بثمن معين كالعبيد والثياب والدواب، وحينئذ لابد من عده، فإن لم تقصد أفراد هذه الأشياء جاز بيعها جزافاً . ولا يجوز بيع الدراهم والدنانير جزافاً، ويجوز بيع التبر والفضة الغير المسكوكين جزافاً . والخلاصة : متى عدّ المعدود بلا مشقة لم يجز جزافاً سواء قصدت أفراده أم لا، قل ثمنها أم لا ، ومتى عدّ بمشقة فإن لم تقصد أفراده جاز بيعه جزافاً قل ثمنها أم لا ، وإذا قصدت جاز جزافاً إن قل ثمنها ومنع إن لم يقل(١) . وأما الحنفية فقد عرفنا الخلاف المذهبي عندهم، فالإمام أبو حنيفة يحصر جواز بيع الجزاف في المكيل والموزون (أي المثليات ) في الكيل الواحد منها ، والصاحبان يجيزان بيع المجازفة في المكيلات والموزونات والذرعيات كالثياب والأراضي والمعدودات المتفاوتة كالحيوانات والعبيد، والفتوى على رأيها للتيسير على الناس كما أوضحنا (٢). وفي الجملة : يجيز الشافعية والحنابلة أيضاً بيع المكيلات والموزونات والمزروعات والمعدودات جزافاً(٣). ٤ - أن يحزر المبيع بالفعل من أهل الحزر: فلا يصح بيع الجزاف فيما يعسر حزره كعصافير حية ونحوها مما يتداخل مع بعضه كحمام في برج وصغار دجاج في مدجنة كبرى ، إلا إذا أمكن معرفتها بالحزر قبل الشراء في وقت هدوها أو نومها ، فيجوز عندئذ شراؤها جزافاً . (١) انظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير: ٣ ص٢١. راجع فتح القدير: ٥ ص ٨٨ - ٩٠، اللباب شرح الكتاب: ٢ ص٧ وما بعدها . (٢) انظر مغني المحتاج: ٢ ص١٦ - ١٧، المغني: ٤ ص ١٢٤ . (٣) - ٦٦٥ - ... ... وكون العاقدين من أهل الحزر بأنفسهما أو بوكيلهما يتحقق بالممارسة والخبرة والاعتياد . وقد وافق الشافعية على هذا الشرط ، فقرروا أنه لابد من معرفة مقدار الصبرة أو التمكن من تخمينه، فأجازوا في الأصح بيع النحل في الكندوج(١) إذا رئي في دخوله وخروجه، ولم يعرف أنه خرج جمیعه(٢). ٥ - أن يكون المبيع كثيراً كثرة غير هائلة: فإن كان كثيراً جداً يمنع بيعه جزافاً، سواء أكان مكيلاً أم موزوناً أم معدوداً لتعذر حزره. فإن لم يكثر جداً يجوز بيعه جزافاً مكيلاً كان أو موزوناً أو معدوداً لإمكان حزره. وأما ماقل جداً فينع بيعه جزافاً إن كان معدوداً لأنه لا مشقة في علمه بالعدد، ويجوز إن كان مكيلاً أو موزوناً وجهل العاقدان قدر کیله أو وزنه، ولو کان لا مشقة في کیله أو وزنه . ٦ - أن تكون الأرض التي عليها المبيع مستوية علماً أو ظناً: فإن لم تكن مستوية فسد العقد. وإن ظن المتعاقدان أنها مستوية ثم تبين في الواقع أن فيها علواً فيمنح المشتري الخيار، وإن كان فيها انخفاض فالخيار للبائع . وقد وافق الشافعية على هذا الشرط، فقرروا في الأصح عندهم أن البيع فاسد إذا كانت الصبرة على موضع من الأرض فيه ارتفاع وانخفاض، أو كان المبيع سمناً ونحوه في ظرف مختلف الأجزاء رقة وغلظاً(٢). واشترط الحنابلة أيضاً هذا الشرط، فقرروا كالمالكية أن المشتري بالخيار إذا بان أن الصبرة على ربوة مثلاً، وكذلك البائع بالخيار إذا بان أن تحت الصبرة حفرة لم الكندوج - بضم الكاف وسكون النون: وهو الخلية، عجمي معرب، ويقال لها الكوارة أيضاً . (١) (٢) المجموع: ٩ ص ٣٤٥، ٣٥٣، المهذب: ١ ص ٢٦٥. المجموع: ٩ ص ٣١٥، ٣٤٥، ٣٥٠، المهذب، المكان السابق. (٣) - ٦٦٦ - يكن يعلم بها(١). ويظهر لنا أن الحنفية يطالبون أيضاً بتحقق هذا الشرط بدليل أنهم شرطوا في بيع شيء يإناء بعينه لا يعرف مقداره ألا يكون الإِناء محتملاً للزيادة والنقصان كأن يكون من خشب أو حديد، أما إذا كان يحتمل أو ينكبس بالكبس كالزنبيل والجوالق والقفة فلا يجوز كما ذكرنا(٢). ٧- ألا يشتمل العقد الواحد على جزاف ومكيل إلا إذا كان كل منهما موافقاً للأصل الذي يصح به، فلا يصح اجتماع جزاف من حب قمح أو شعير مع مكيل منه سواء أكان من جنسه أم لا ، كشراء صبرة مجهولة القدر مع صبرة معلومة القدر بثمن واحد أو بثمنين، ولا يصح اجتماع جزاف من حب مع مكيل من الأرض مثل : أشتري منك هذه الصبرة جزافاً بكذا)، ومئة ذراع أو فدان من هذه الأرض بكذا. ولا يصح أيضاً اجتماع جزاف من أرض مع مكيل منها ، مثل بعني هذه الأرض مع مئة ذراع من أرضك بكذا. والسبب في منع هذه الصور الثلاثة هو تأثر الشيء المعلوم بجهالة المجهول . وأما الصورة المستثناة الجائزة فقط فهي اجتماع جزاف أصله أن يباع جزافاً كالأرض مع ما أصله أن يباع كيلاً كمكيل حب، مثل أشتري منك هذه الصبرة المعلومة القدر وهذه الأرض المجهولة القدر بمئة ليرة مثلاً، فيجوز البيع لموافقة كل منهما للأصل الذي يباع به(٣). المغني : ٤ ص١٢٤ وما بعدها . (١) تبيين الحقائق: ٤ ص٥، فتح القدير: ٥ ص٨٦. (٢) راجع الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي: ٣ ص٢٣ . (٣) - ٦٦٧ - -٥- الربا خطة الموضوع : كلامنا مقصور على الربا الذي هو أحد أنواع البيوع المنهي عنها قطعاً على ما يأتي : المطلب الأول - تعريف الربا وأدلة تحريمه . المطلب الثاني - أنواع الربا. المطلب الثالث - مذاهب الفقهاء في علة الربا. المطلب الرابع - أثر الاختلاف في علة الربا . المطلب الأول - تعريف الربا وأدلة تحريمه : الربا في اللغة: الزيادة، قال الله تعالى: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾ أي زادت ونمت ، وقال سبحانه: ﴿أن تكون أمة هي أربى من أمة ﴾ أي أکثر عدداً ، یقال: «أربی فلان على فلان)» أي زاد عليه(١) . وهو في الشرع : الزيادة في أشياء مخصوصة، وهذا تعريف الحنابلة. وعرفه في الكنز عند الحنفية بأنه : فضل مال بلا عوض في معاوضة مال بمال . ويقصد به فضل (١) مغني المحتاج: ٢ ص٢١، نهاية المحتاج: ٣ ص٣٩. - ٦٦٨ - مال ولو حكماً، فيشمل التعريف حينئذ ربا النسيئة والبيوع الفاسدة، باعتبار أن الأجل في أحد العوضين فضل حكمي بلا عوض مادي محسوس، والأجل يبذل بسببه عادة عوض زائد(١). والربا محرم بالقرآن والسنة والإجماع. أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وأحلّ الله البيع وحرم الربا﴾(٢)، ﴿ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾. ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا مابقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون ﴾. وكان تحريم الربا سنة ثمان أو تسع من الهجرة . وأما السنة: فقوله ◌ُ ◌ّ: ((اجتنبوا السبع الموبقات - وذكر منها آكل الربا))(٣) وروى ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((لعن رسول الله م الم آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه))(4) وروى الحاكم عن ابن مسعود أن النبي ◌ُ الّ قال: ((الربا ثلاثة (١) رد المحتار: ٤ ص ١٨٤ . بهذا رد الله تعالى على العرب في الجاهلية الذين كانوا يقولون: إنما البيع الذي لاربا فيه مثل البيع الذي فيه (٢) ربا أي أن الزيادة عند حلول أجل الدين آخراً كمثل أصل الثمن في أول العقد، فبين الله الفرق بين النوعين بأن الزيادة في أحدهما لتأخير الدين وفي الآخر لأجل البيع، وأيضاً فإن البيع بدل البدل لأن الثمن فيه بدل المثمن، والربا زيادة من غير بدل للتأخير في الأجل، أو زيادة في الجنس. (راجع تفسير القرطبي ومجمع البيان للطبرسي). أخرجه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله عَ ل قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات، قلنا، وماهن يا رسول الله؟ (٣) قال: ((الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) (راجع الإلمام بأحاديث الأحكام لابن دقيق العيد: ص ٥١٨). رواه أبو داود وغيره أن النبي مؤلّ ((لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده)) ورواه مسلم عن جابر قال: ((لعن (٤) رسول الله ◌َ ◌ّ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء» وللبخاري نحوه من حديث أبي جحيفة، وروى الترمذي وابن ماجه عن أنس قال: ((لعن رسول اللّه ◌َ فّ في الخمر عشرة .. الحديث)) (راجع مجمع الزوائد: ٤ ص١١٨، سبل السلام: ٣ ص٣٦، نيل الأوطار: ٥ ص١٥٤). - ٦٦٩ - وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم))(١) وستأتي أحاديث أخرى في بحث علة الربا. وأجمعت الأمة على أن الربا محرّم، قال الماوردي: ((حتى قيل: إنه لم يحلَّ في شريعة قط))، لقوله تعالى: ﴿وأخذهم الربا وقد نهوا عنه﴾ يعني في الكتب السابقة(٢). والربا المحرم في الإسلام نوعان: أولهما: ربا النسيئة الذي لم تكن العرب في الجاهلية تعرف سواه، وهو المأخوذ لأجل تأخير قضاء دين مستحق إلى أجل جديد، سواء أكان الدين ثمن مبيع أم قرضاً . وثانيهما : ربا البيوع في أصناف ستة هي الذهب والفضة والحنطة والشعير والملح والتمر وهو المعروف بربا الفضل. وقد حرم سداً للذرائع أي منعاً من التوصل به إلى ربا النسيئة، بأن يبيع شخص ذهباً مثلاً إلى أجل ثم يؤدي فضة بقدر زائد مشتمل على الربا . والنوع الأول هو المحرم بنص القرآن وهو ربا الجاهلية، وأما الثاني فقد ثبت تحريمه في السنة بالقياس عليه لاشتماله على زيادة بغير عوض، وأضافت السنة تحريم نوع ثالث وهو بيع النِّساء إذا اختلفت الأصناف، فاعتبرته ربا؛ لأن النساء في أحد العوضين يقتضي الزيادة. ويساويه في المعنى القرض الذي يجر نفعاً؛ لأنه مبادلة الشيء نفسه(٣). (١) رواه ابن ماجه مختصراً والحاكم بتمامه وصححه. وفي معناه أحاديث كثيرة في بعضها: ((الربا سبعون باباً)) وفي بعضها: ((الربا اثنان وسبعون باباً)) (راجع مجمع الزوائد: ٤ ص١١٧، سبل السلام: ٣ ص٣٧). مغني المحتاج: ٢ ص٢١، المهذب: ١ ص ٢٧٠، المغني: ٤ ص ١، المبسوط: ١٢ ص١٠٩، فتح القدير: ٥ ص٢٧٤ ، (٢) حاشية قليوبي وعميرة : ٢ ص١٦٦ . راجع الموافقات للشاطبي: ٤ ص ٤٠ ط مصطفى محمد . (٣) - ٦٧٠ - المطلب الثاني - أنواع الربا: ربا البيع عند جمهور الفقهاء نوعان: ربا الفضل وربا النسيئة (١). وقد عرف فقهاء الحنفية ربا الفضل(٢) الذي هو بيع: بأنه زيادة عين مال في عقد بيع على المعيار الشرعي (وهو الكيل أو الوزن) (٢) عند اتحاد الجنس. ولم نقل: ((شرطت في عقد بيع)) كما ذكر الكاساني ؛ لأن ترك ذلك أولى فإن الربا يتحقق بالزيادة المشروطة وغير المشروطة في البيع أو في القرض، والقصد من قوله ((عين مال)) هو أنه ينظر في تحقيق الفضل أو الزيادة إلى المقدار والكمية لا إلى القيمة، واحترز بقيد ((المعيار الشرعي)) عن المذروع والمعدود، فإنه لا يتحقق فيها ربا. كما لاربا في الأموال القيمية مثل أنواع الحيوان والبسط والطنافس والأثاث والأراضي والشجر والدور، فلا تحرم فيها الزيادة، فيجوز فيها أخذ كثير مقابل قليل من جنسه؛ لأن القيميات ليست من المقدرات أي مما لا تخضع في مبادلتها لمقدار كيلي أو وزني موحد. وإنما يختص الربا في كل مكيل أو موزون، فلو باع خمسة أذرع من قماش معين بستة أذرع منه، أو بيضة بيضتين أو شاة بشاتين ، جاز بشرط التقابض في المجلس ، فإذا كان أحدهما نسيئة لم يجز البيع؛ لأن وجود الجنس فقط كاف لتحريم ربا النساء، أي تأجيل أحد البدلين . و یمکن تعريف ربا الفضل بعبارة أخرى : هو بيع ربوي مثله مع زیادة في أحد المثلين . (١) البدائع: ٥ ص ١٨٣، بداية المجتهد: ٢ ص ١٢٩، حاشية الدسوقي: ٣ ص ٤٧، المغني: ٤ ص١، أعلام الموقعين: ٢ ص١٣٥ . (٢) سماه ابن القيم الربا الخفي الذي كان تحريمه من باب سد الذرائع كما صرح به في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ◌َّ: ((لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف عليكم الرِّماء)» أي الربا. المعيار الشرعي أي بحسب العادة في بيع الأشياء عند أبي يوسف: وهو الكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن أي أن الربا محصور في دائرة المكيلات والموزونات والمقصود بقوله ((زيادة عين مال)) الزيادة المادية الملموسة في أحد العوضين عن الآخر بقطع النظر عن الزيادة في القيمة، فإذا حصلت زيادة عينية في مال وجد الربا، وإن كان المالان مختلفين أو متساويين في القيمة الشرائية .. (٣) - ٦٧١ - الفقه الإسلامي جـ ٤ (٤٣) والخلاصة : أن تبادل الأموال الربوية يجب فيه التساوي في الكميات المبادلة في الجنس الواحد. والتساوي عند أبي يوسف يعتبر شرعاً بالمقياس العرفي في كل صنف على حدة، فما كان وزنياً عرفاً كالزيت والسمن يجب تساوي الكميتين فيه بالوزن، وما کان کیلیاً عرفاً يجب التساوي فيه بالکیل . وتحريم الربا في النقدين (الذهب والفضة أو ما يحل محلهما من النقود الورقية الرائجة) لا فرق فيه بين المسكوك المصنوع أو التبر غير المصنوع. لذا قال الفقهاء عن الدراهم : تبرها وعينها سواء. إلا أن ابن القيم أجاز بيع المصوغات الذهبية والفضية المباحة الاستعمال كالخاتم والحلية للنساء بأكثر من وزنها ذهباً أوفضة، رعاية للصنعة ولحاجة الناس إلى ذلك(١). وأما ربا النسيئة (٢) الذي هو بيع، فقد عرفه الحنفية بأنه: فضل الحلول على الأجل ، وفضل العين على الدين في المكيلين أو الموزونين عند اختلاف الجنس(٣)، أو في غير المكيلين أو الموزونين عند اتحاد الجنس (4)، أي أن يباع الجنس الواحد ببعضه، أو بجنس آخر مع زيادة في الكيل أو الوزن في نظير تأخير القبض، كبيع صاع من الحنطة بصاع ونصف يدفع له بعد شهرين ، وكبيع صاع من القمح بصاعين من الشعير يدفعان له بعد ثلاثة أشهر، أو بدون زيادة كبيع رطل من التمر ناجز تسليمه برطل آخر من التمر مؤجل التسليم، وهذه أمثلة المكيل أو الموزون عند اختلاف الجنس أو اتحاده . وأما مثال غير المكيل أو الموزون عند اتحاد الجنس فهو بيع تفاحة بتفاحتين أوسفرجلة بسفرجلتين (١) أعلام الموقعين : ٢ ص ١٤٠ . سماه ابن القيم الربا الجلي: وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، فيقول الدائن للمدين عند حلول الأجل: (٢) أتقضي أم تربي؟ وهذا هو الربح المركب. (٣) أي وكذا عند اتحاد الجنس من باب أولى. البدائع: ٥ ص ١٨٣، رد المحتار: ٤ ص١٨٤ وما بعدها . (٤) - ٦٧٢ - - لشهر مثلاً(١). ففي كل هذه الأمثلة يوجد ربا النسيئة لاشتماله على زيادة في أحد العوضين بدون مقابل ، وأما سبب التحريم عند التساوي قدراً فهو بسبب الزيادة في القيمة، إذ لا يقبل أحد العاقدين عادة تأجيل تسليم أحد العوضين إلا عند وجود الزيادة به في القيمة(٢). والمعجل عادة أكثر من المؤجل، كما أن العين أفضل من الدين، إذقد لا يقوم المدين بالتسليم ، وقد يكون مخالفاً للمتفق عليه . وقد ذهب ابن عباس وأسامة بن زيد بن أرقم والزبير وابن جبير وغيرهم إلى أن الربا المحرم فقط : هو ربا النسيئة لقوله عليه السلام فيما يرويه الشيخان من حديث أسامة: «لا ربا إلا في النسيئة)» وهؤلاء یرد عليهم بالأحاديث التي ثبت بها تحريم ربا الفضل، لذا نقل جابر بن زيد أن ابن عباس رجع عن قوله، ثم جاء إجماع التابعين على تحريم الربا بنوعيه، فرفع الخلاف. وأما تأويل الحديث السابق فهو أن النبي مَ ◌ّ سئل عن مبادلة الحنطة بالشعير والذهب بالفضة إلى أجل، فقال النبي عطّع. ((لا ربا إلا في النسيئة)) فهذا بناء على ما تقدم من السؤال، فكأن الراوي سمع قول رسول الله ◌َيُّه، ولم يسمع ما تقدم من السؤال أو لم يشتغل بنقله(٢) أو أن القصد من فالزيادة المادية التي سيحصل عليها البائع بعد مدة كانت في مقابل تسليم المشتري في الحال مداً من الحنطة. (١) وهذا هو المقصود بفضل الحلول على الأجل أي أن المال المدفوع في الوقت الحاضر أكثر أهمية من المدفوع في المستقبل، وأما المقصود بفضل العين على الدين فهو أن الشيء المعين بذاته يكون أكثر أهمية من الشيء المعين بنوعه إذ قد يختلف هذا عن الوصف، وقد لا يقوم البائع بتسليم ما يجب عليه، كما في شراء كمية محددة المقدار غير معينة الذات من القمح أو السكر أو نحوهما في مقابل مقدار معين من الشعير مثلاً، فالمبيع في هذه الحالة يكون من قبيل الدين لا العين، والثمن هو العين. وبه يتبين أن المساواة بين البدلين في العينية مطلوبة احترازاً عن شبهة الفضل الذي هو ربا، لأن العين خير من الدين، وإن كان حالاً، ولهذا لم يجز أداء زكاة العين من الدين، واشتراط التعيين مأخوذ من نص الحديث ((يدأ بيد)) لأن اليد آلة التعيين، كالإحضار والإشارة، كما أن شرط الماثلة مأخوذ من قوله ((مثلاً بمثل)» فأصبح التعيين في البدلين الربويين أمراً مطلوباً، لتحقيق المساواة بينها، كما أن تعيين أحد البدلين شرط لجواز كل بيع، احترازاً عن الدين بالدين الذي هو نسيئة بنسيئة، وهو ربا. (٢) الموافقات للشاطبي : ٤ ص٤٢ . راجع المبسوط للسرخسي: ١٢ ص١١٢، تكملة المجموع للسبكي: ١٠ ص٤٨ . (٣) - ٦٧٣ - قوله ((لا ربا)) الربا الأكمل الأعظم خطورة، الأكثر وقوعاً، الأشد عقوبة، كما تقول العرب: ((لا عالم في البلد إلا فلان)) مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل علماً، لا نفي أصل العلم . وربا البيع عند الشافعية ثلاثة أنواع : ١ - ربا الفضل: وهو البيع مع زيادة أحد العوضين عن الآخر أي أن الزيادة مجردة عن التأخير. وهو لا يكون إلا في بدلين متحدي الجنس مثل كيلة قمح بكيلة ونصف مثلاً من القمح ، وهذا باتفاق العلماء . ٢ - وربا اليد: وهو البيع مع تأخير قبض العوضين أو قبض أحدهما من غير ذكر أجل أي أن يتم بيع مختلفي الجنس كالقمح بالشعير من غير تقابض في مجلس العقد. وهذا النوع داخل في تعريف ربا النسيئة عند الحنفية في قولهم: ((فضل العين على الدين)» وهو مفرع على شرط التقابض في المالين الربويين . ٣ - وربا النسيئة: وهو البيع لأجل أي البيع نسيئة إلى أجل ثم الزيادة عند حلول الأجل، وعدم قضاء الثمن في مقابلة الأجل، أي أن الزيادة في أحد البدلين من غير عوض في مقابلة تأخير الدفع . وكل من ربا اليد وربا النسيئة لا يكون عند الشافعية إلا في بدلين مختلفي الجنس . والفرق بينهما أن ربا اليد في حالة تأخير القبض . وربا النسيئة في حالة تأخير الاستحقاق بذكر الأجل في العقد ولو قصيراً، يعني أن الشافعية قصروا ربا النسيئة على حالة البيع الذي يصاحبه أجل. وأما ربا اليد فهو في حالة البيع الحال المنجز مع تأخير القبض . وزاد المتولي من الشافعية : ربا القرض المشروط فيه جر نفع ، قال الزركشي : ويمكن رده لربا الفضل(١). (١) نهاية المحتاج: ٣٩/٣، مغني المحتاج: ٢١/٢، حاشية قليوبي وعميرة: ١٦٧/٢، حاشية الشرقاوي: ٣٠/٢ وما بعدها . ٠٠ - ٦٧٤ - والخلاصة : أن ربا النسيئة هو تأخير الدين في مقابل الزيادة على مقداره الأصلي (وهذا هو ربا الجاهلية)، أو تأخير قبض أحد البدلين في بيع المال الربوي بجنسه. وأما ربا الفضل: فهو زيادة أحد البدلين على الآخر في مبادلة المال الربوي بجنسه مناجزة(١). فإن قال تاجر عن سلعة: ثمنها حالاً خمس ليرات مثلا، ومؤجلاً إلى شهر ((كذا)» بستة، فهذا البيع المؤجل جائز، إذ ليس فيه شيء من الربا، لاختلاف الجنس في البدلين ، وبعض العلماء من الزيدية يحرمه لوجود الربا فيه. ذرائع الربا وشبهاته : قال ابن كثير: وإنما حرمت المخابرة : وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، والمزابنة : وهي اشتراء الرطب في رؤوس النخل بالتمر على وجه الأرض ، والمحاقلة : وهي اشتراء الحب في سنبله في الحقل بالحب على وجه الأرض ، إنما حرمت هذه الأشياء وما شاكلها حسماً لمادة الربا، لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف، ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالماثلة كحقيقة المفاضلة. ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا، والوسائل الموصلة إليه .. إلخ(٣). المطلب الثالث - مذاهب الفقهاء في علة الربا: اتفق الفقهاء على تحريم ربا الفضل في سبعة أصناف منصوص عليها : الذهب، والفضة ، والبر، والشعير، والتمر، والزبيب، والملح. فيحرم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس، واختلفوا فيما عداها : فطائفة : قصرت التحريم عليها ، وهم الظاهرية . وطائفة : حرمته في كل مكيل أو موزون بجنسه، وهذا مذهب أحمد في ظاهر مذهبه، وأبي حنيفة . أصول البيوع الممنوعة : ص ٩٥ . (١) (٢) راجع تفسير ابن كثير : ٣٢٧/١ . - ٦٧٥ - وطائفة : خصته بالنقدين أو بالطعام وإن لم يكن مكيلاً ولا موزوناً، وهو قول الشافعي، ورواية عن الامام أحمد. والطعام عندهم: كل ما يؤخذ اقتياتاً أو تفکهاً أو تداوياً . وطائفة : خصته بالطعام إذا كان مكيلاً أو موزوناً، وهو قول سعيد بن المسيب، ورواية عن أحمد وقول للشافعي . وطائفة : خصته بالقوت ، وما يصلحه: وهو قول مالك، واعتبره ابن القيم أرجح الأقوال(١). وسنفصل أهم هذه الآراء : ١ - مذهب الحنفية: قال الحنفية: علة ربا الفضل أو الضابط الذي تعرف به الأموال الربوية : هي الكيل أو الوزن مع اتحاد الجنس ، فعند اجتماعهما : يحرم الفضل والنساء(٢) أي أن العلة في الأشياء الأربعة المنصوص عليها (البر والشعير والتمر والملح): هي الكيل مع الجنس . وفي الذهب والفضة (العلة هي الوزن مع الجنس، فلا تتحقق علة ربا الفضل إلا باجتماع الوصفين معاً : وهما القدر والجنس أي القدر المعهود في الشرع بكيل أو وزن(٣) مع الجنس ، أي أن الربا يكون في الأموال التي يجمعها جنس وقدر واحد، كبيع الذهب بالذهب إذا زاد أحد البدلين على الآخر، فإن الزيادة تكون حينئذ ربا؛ لأن كلاً من البدلين موزون ، وهو المراد بالقدر. (١) أعلام الموقعين : ١٣٦/٢ . البدائع : ١٨٣/٥، فتح القدير: ٢٧٤/٥، مختصر الطحاوي: ص ٧٥، المبسوط: ١١٠/١٢، الدر المختار: (٢) ١٨٦/٤ ٠ والمعتبر في الموزون والمكيل : ما كان عليه عرف المسلمين في صدر الإسلام لما روى أبو داود والنسائي عن ابن (٣) عمر رضي الله عنهما أن رسول الله مَ افٍ قال: ((الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة)) (راجع جامع الأصول: ٢٧١/١ ، التلخيص الحبير: ص ١٨٣)، ويرى أبو يوسف أن المقياس المعتبر في الأصناف الربوية هو المقياس العرفي الحاضر وأنه يتبدل بتبدل العرف في كل زمان ومكان ( المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء : ف ٥١٤ ) . - ٦٧٦ - وعلى هذا فإن الأموال المثلية (المكيلات والموزونات) هي التي يجري فيها الربا . وأما الأموال القيمية كالحيوان والدور وأنواع الطنافس والجواهر واللآلئ، فلا يجري فيها الربا، فيجوز مبادلة الكثير بالقليل كغنمة بغنمتين ؛ لأن القيميات ليست من المقدرات أي التي تجمع بين أفرادها وحدة مقیاس ومقدار. والأصل في هذا حديث صحيح رواه أبو سعيد الخدري وعبادة بن الصامت رضي الله عنهما عن النبي ◌ُطاع أنه قال: ((الذهب بالذهب(١) مثلاً بمثل، يداً بيد، والفضل ربا، والفضة بالفضة مثلاً بمثل، يداً بيد، والفضل ربا، والحنطة بالحنطة مثلاً بمثل، يدأ بيد، والفضل ربا، والشعير بالشعير مثلاً بمثل، يداً بيد، والفضل ربا، والتمر بالتمر مثلاً بمثل، يدا بيد، والفضل ربا، والملح بالملح مثلاً بمثل، يدأ بید ، والفضل ربا)). وعلى هذا فإن ربا الفضل يختص بالمقدرات المثلية من مكيل أو موزون فقط، لا مذروع أو معدود، فليس فيه ربا . وأما الأموال القيمية كأفراد الحيوان والطنافس والأراضي والدور والأشجار، فلا يجري فيها ربا الفضل، لأنها ليست من المقدَّرات (أي التي تجمع بين أفرادها وحدة مقياس ومقدار معين)، فيجوز إعطاء الكثير منها في مقابل القليل من جنسه كبيع غنمة بغنتين معينتين ؛ لأن ربا الفضل زيادة أحد المتجانسين على الآخر في المقدار والكمية، والقيميات ليست من المقدرات(٣). وحكمة التحريم : هي دفع الغبن عن الناس ، وعدم الإضرار بهم ، مما قد يظن بأن في أحد الجنسين معنى زائداً عن الآخر. والأصل في تحريمه هو من باب سد الذرائع، لأنهم إذا باعوا درهماً بدرهمين، ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين : إما في الجودة، وإما في نوع السكة، وإما في الثقل والخفة وغيرها، تدرجوا أي بيع الذهب بالذهب . (١) المدخل إلى نظرية الالتزام للأستاذ الزرقاء: ص ١٣٩، الدر المختار : ١٨٥/٤ . (٢) - ٦٧٧ - بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر: وهو عين ربا النسيئة ، أي أن تحريم ربا الفضل عند اختلاف الجنسين كبيع القمح بالشعير، هو من قبيل سد الذرائع، كيلا يتخذ جواز التفاضل عند اختلاف الجنسين ذريعة ووسيلة إلى ربا النسيئة، فيستقرض الشخص ذهباً مثلا إلى أجل ، ثم يوفي فضة أكثر منه بقدر الربا المراد . وبذلك وضع الشرع الحكيم مقياساً مبسطاً في يد أكثر الناس لتقويم الأصناف المختلفة، دون حاجة إلى البحث عن الفروق النوعية في الصنف الواحد . وقد لا يكون سبب التحريم هو سد الذرائع، كما في أخذ کثیر رديء في قليل جيد، فزيادة الرديء تقابل بجودة الجيد، لكنه مع ذلك حرام؛ لأن هناك غرراً كبيراً لا يعلم معه أيها غين") وربا الفضل قليل الوقوع في المعاملة ، مثاله: أن يشتري رجل مداً من القمح بمدين من القمح مقايضة : بأن استلم كل من البائع والمشتري ماله . قدر ربا الفضل : القدر الذي يتحقق فيه الربا من الطعام : هو ما كان نصف صاع(٢) فأكثر، لأنه لا تقدير في الشرع بما دون ذلك(٣). فإذا كان أقل من نصف صاع، فإنه يصح فيه الزيادة، فيجوز أن يشتري حفنة من القمح بحفنتين(٤) يدأ بيد، أو تفاحة بتفاحتين مع التقابض ، وهكذا إلى أن يبلغ نصف صاع، لعدم وجود المعيار المبيِّن للمساواة ، فلم يتحقق الفضل أي الزيادة . الموافقات للشاطبي وتعليقاته : ٤٢/٤، القياس لابن القيم: ص ١١٤ ، أعلام الموقعين ، المرجع السابق ، الفقه (١) على المذاهب الأربعة : ٢٤٧/٢ وما بعدها ، المدخل الفقهي ، المرجع السابق . (٢) نصف الصاع حوالي ١٣٥٠ ثم أي كيلو وأوقيتان إلا ربعا ، أو سبع أواق إلا ربعاً ، أو ٥٤٠ درهما . (٣) فتح القدير : ٢٧٨/٥، الدر المختار : ١٨٨/٤. (٤) الحفنة : ملء الكفين . - ٦٧٨ - وأما القدر الذي يتحقق فيه الربا من الموزون: فهو ما دون الحبة(١) من الذهب والفضة . ولكن يشترط في صحة البيع في مثل ذلك تعيين البدلين ، فلو كانا غير معينين أو أحدهما لم يجز اتفاقاً(٢). نوع العلة : وهكذا كل ما تحققت فيه هذه العلة (القدر المتفق مع الجنس المتحد ) فإنه يشتمل على الربا ، سواء أكان مطعوماً أم غير مطعوم، فيتهاس على القمح والشعير المذكورين في حديث ربا الفضل: كل ما يباع بالكيل كالذرة والأرز والسّمسم والحِلْبة والجص ، إذا كان يباع بالكيل. ويقاس على الذهب والفضة : كل ما يباع بالوزن کالرصاص والنحاس والحديد . وأما الذي لا يباع بالكيل ولا بالوزن كالمعدود والمذروع: فإنه لا يشتمل على ربا الفضل، فيصح بيع البيضة بالبيضتين، والذراع من قماش بذراعين من قماش من جنسه ، بشرط القبض . مقياس الأموال الربوية: ويلاحظ أن ما نص الشارع على كونه كيلياً كبر وشعير وتمر وملح، أو وزنياً كذهب وفضة، فإنه يظل كذلك لا يتغير أبداً ، وإن ترك الناس التعامل فيه كما كان في الماضي. وهذا رأي جمهور الحنفية، والشافعية والحنابلة، لقول النبي ◌َّالفم: ((المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة)) (٣)، فلا يصح بيع الحنطة بالحنطة بوزن متساو، ولا بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة بكيل متساو؛ لأن النص أقوى من العرف، والأقوى لا يترك بالأدنى. المراد منها حبة شعير معتدل قطع من طرفيها ما دق وطال ، مع العلم بأن الدرهم يساوي خمسين حبة وخمسي (١) حبة (٢ ٥٠) أي ( ٢,٩٧٥ غم ) . (٢) الدر المختار : ١٨٩/٤، ١٩١ . رواه أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمر، وأخرجه أيضا البزار، وصححه ابن حبان والدارقطني (نيل (٣) الأوطار : ١٩٨/٥ ) . - ٦٧٩ - ... وقد أشرنا إلى أن أبا يوسف ذهب إلى أن المقياس المعتبر في الأموال الربوية في المنصوص عليه وغيره هو المقياس العرفي وأنه يتبدل بتبدل العرف، ورأيه أقوى حجة ؛ لأن النص الذي ورد بلزوم التساوي في الربويات كيلاً أو وزناً، مراعى فيه المقياس المتعارف في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وإثبات العلة في المقيس على النص مما يدرك هنا بالعرف، ويؤيده أن المالكية قالوا : إذا اختلفت عوائد الناس في الكيل أو الوزن اعتبرت عادة البلد الذي تم فيه التعاقد. وأما ما لم ينص عليه الشارع فهو محمول على شهادات الناس وأعرافهم في التعامل في الأسواق(١). جيد المال ورديئه : ويلاحظ أيضاً أن جيد مال الربا ورديئه سواء ، فلا يجوز بيع الجيد بالرديء مما فيه الربا إلا مثلاً بمثل ؛ لأن الجودة ساقطة في الأموال الربوية ، للقاعدة الشرعية : ((جيدها ورديئها سواء))(٢). والحكمة من ذلك هي ألا يؤدي مبادلة الجيد بالرديء إلى نقض ما شرعه الشارع من منع التفاضل ؛ لأن الناس عادة لا يبادلون شيئاً بآخر، إذا كانا متساويين من كل الوجوه، وإنما يبادلون الجنس بجنسه لما بينهما من التفاوت، فلو أجيز لهم مبادلة شيء بآخر من جنسه لما فيه من صفة هي أجود، لم يحرم عليهم ربا الفضل، وكان تحريم مبادلة الجيد بالرديء دفعاً لشبهة الربا، وسداً للذرائع(٣). وبناء عليه حرم المالكية بيع المراطلة: وهي بيع النقد بصنفه وزناً، وكان هناك اختلاف بين الذهبين في الجودة والرداءة . (١) فتح القدير: ٢٨٢/٥، الدر المختار: ١٨٩/٤، الفروق للقرافي: ٢٦٤/٣ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٢٥٤ ، مغني المحتاج: ٢٤/٢، المغني: ١٧/٤، الأم : ٧٠/٣ . (٢) ذكرها الحنفية حديثاً، وهو غريب كما قال الزيلعي ، ومعناه يؤخذ من إطلاق حديث ابن المسيب عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة في مبادلة التمر الجنيب ( الطيب ) بتمر رديء من خيبر، وقوله عليه السلام: (( لا تفعل ولكن بع هذا، واشتر بثمنه من هذا)» ( نصب الراية: ٣٦/٤ - ٣٧). (٣) أعلام الموقعين : ١٤٣/٢ ، مصادر الحق للسنهوري : ٢٠٦/٣ . - ٦٨٠ -