Indexed OCR Text

Pages 601-620

إليها ولم يعرف وزنها، أوقال: ((هذه الحنطة)) ولم يعرف مقدار كيلها، فلا يصح
السلم ؛ لأن جهالة رأس المال تؤدي إلى جهالة قدر المسلم فيه، وجهالة قدر المسلم فيه
تفسد العقد(١).
فإن أسلم فيما لا يتعلق العقد فيه بالقدر كالذرعيات أي (المقيسة بالذراع
كالثياب والبسط والحصر) والعدديات المتفاوتة ( كالبطيخ والرمان) فإنه لا يشترط
بيان الذرع في الذرعيات ولا بيان القيمة فيها، ويكتفى بالإشارة والتعيين باتفاق
.(٢)
علماء الحنفية(٢).
واتفقوا أيضاً على أن إعلام قدر الثمن في بيع العين المعتاد ليس بشرط إذا كان
مشاراً اليه .
وقال الصاحبان والشافعية والحنابلة في الأصح عندهم: لا يشترط معرفة قدر
رأس المال، فإن رؤية رأس المال تكفي عن معرفة قدره؛ لأنه عوض مشاهد، كالثمن
والمبيع المعين(٣).
وأما الامام مالك: فلم يحفظ عنه في ذلك نص إلا أنه يجوز عنده بيع الجزاف إلا
فيما يعظم الغرر فيه، بأن كان كثيراً مثلاً(٤).
٥ - أن تكون الدراهم والدنانير منتقدة(6) عند أبي حنيفة ؛ لأن كل جهالة تفضي
إلى المنازعة ، فهي مفسدة للعقد .
وقال الصاحبان : ليس هذا بشرط .
(١)
المراجع السابقة .
(٢)
فتح القدير : ٣٣٨/٥، البدائع : ٢٠٢/٥ .
مغني المحتاج: ١٠٤/٢، المهذب: ٣٠٠/١، المغني : ٢٩٨/٤ .
(٣)
(٤)
بداية المجتهد: ٢٠٣/٢ ، حاشية الدسوقي: ١٩٧/٣، ٢١٨ .
انتقد الدراهم : نظرها ليعرف جيدها وزيفها .
(٥)
- ٦٠١ -

٦ - تعجيل رأس المال وقبضه فعلاً في مجلس العقد قبل افتراق العاقدين
بنفسيهما ، سواء أكان رأس المال عيناً أم ديناً ، فإن تفرق المتعاقدان قبل القبض بطل
العقد وانفسخ، لأنه يختل عندئذ الغرض المقصود من السلم، وهو الاستعانة على
الإنتاج والتحصيل. فلو كان الثمن عيناً وافترق العاقدان دون قبض ، اختل معنى
السلم؛ لأن الرسول ◌ُ التّ يقول: ((أسلفوا في كيل معلوم))(١) والإسلاف: هو التقديم،
ولأنه إنما سمي سلماً لتسليم رأس المال، فإذا تأخر لم يكن سلماً، فلم يصح، فلا بد من
قبض أحد العوضين ليتحقق معنى اسم السلم .
وإن كان الثمن ديناً في الذمة أي (من النقود مثلا) فلا بد من تسليمه أيضاً، حتى
لا يكون السلم بيعاً للدين بالدين ؛ لأن المسلم فيه دين في الذمة ، فلو أخر تسليم رأس
مال السلم عن مجلس العقد ، لكان التأخير في معنى مبادلة الدين بالدين. وقد (نهى
الرسول ◌ُ لّ عن بيع الكالئ بالكالى)) (٢) أي الدين بالدين، ولأن في السلم غرراً ((أي
تعريضاً للهلاك أو على خطر الوجود»، فلا يضم إليه غرر تأخير تسليم رأس المال.
وهذا الشرط متفق عليه بين الحنفية والشافعية والحنابلة(٣).
هذا مأخوذ من الحديث السابق تخريجه وهو (( من أسلف في ثمر فليسلف في كيل معلوم .. الحديث)) قال
(١)
الشافعي: ((معناه إذا أسلف أحدكم في كيل فليسلف في كيل معلوم .. )) ( نصب الراية : ٤٦/٤ ).
(٢)
رواه الدارقطني في سننه وابن أبي شيبة واسحاق بن راهويه والبزار في مسانيدهم عن ابن عمر، ولفظ البزار
((نهى رسول ◌َّ عن بيع الغرر، وعن بيع كالئ بكالئ، وعن بيع عاجل بآجل . فالغرر: أن تبيع ما ليس
عندك ، والكالئ : دين بدين ، والعاجل بالآجل : أن يكون له عليك ألف درهم مؤجل فتعجل عنها
بخمسمائة )) رواه ابن عدي في الكامل ، وأعله بموسى بن عبيدة ، وقد صحح الحاكم رواية الدارقطني المذكورة في
صلب الكلام عندنا ، وتعقب بأنه تفرد به موسى بن عبيدة ، وقد ضعفه أحمد إلا أنه قال : ولكن إجماع
الناس على أنه لا يجوز بيع دین بدين .
وقال الشافعي: أهل الحديث يوهنون هذا الحديث ( انظر نصب الراية: ٣٩/٤، مجمع الزوائد: ٨٠/٤ ، نيل
الأوطار: ١٥٦/٥، الموطأ: ١٥٣/٢).
فتح القدير مع العناية: ٣٤٢/٥، البدائع: ٢٠٢/٥، رد المحتار: ٢١٨/٤، مغني المحتاج: ١٠٢/٢ ، المهذب:
(٣)
٣٠٠/١، المغني: ٢٩٥/٤، غاية المنتهى: ٧٩/٢ .
- ٦٠٢ -

وقال الإمام مالك: يجوز تأخير قبض رأس المال إلى ثلاثة أيام فأقل ، ولو
بشرط في العقد ، سواء أكان رأس المال عيناً أم ديناً ؛ لأن السلم معاوضة لا يخرج
بتأخير قبض رأس المال عن أن يكون سلماً ، فأشبه ما لو تأخر إلى آخر المجلس، وكل
ما قارب الشيء يعطى حكمه، ولا يكون له بذلك حكم الكالئ .
فإن أخر رأس المال عن ثلاثة أيام ، فإن كان التأخير بشرط ، فسد السلم اتفاقاً،
سواء أكان التأخير كثيراً جداً بأن حل أجل المسلم فيه ، أم لم يكثر جداً بأن لم يحل
أجله .
وإن كان التأخير بلا شرط: فقولان في المدونة الكبرى لمالك بفساد السلم وعدم
فساده، سواء كثر التأخير جداً، أو لا ، والمعتمد الفساد بالزيادة عن الثلاثة الأيام،
ولو قلت مدة الزيادة بغير شرط
شروط المسلم فيه :
اشترط الحنفية في المسلم فيه أحد عشر شرطاً :-
أحدها : أن يكون معلوم الجنس : كأن يبين أنه حنطة أو شعير أو نحوهما .
الثاني : أن يكون معلوم النوع : كأن يقال حنطة سقية أو سهلية أو جبلية.
الثالث : أن يكون معلوم الصفة : كأن يقال : حنطة جيدة أو رديئة أو وسط .
ويلاحظ أنه يكتفى ببيان الجنس والنوع والصفة ، فلا يصح أن يذكر في العقد أنه
من الناتج الذي سيظهر جديداً، وهو لم يتكون بعد، لأنه يكون بيع المعدوم
صراحة، وهو لا يجوز.
الرابع : أن يكون معلوم القدر بالكيل أو الوزن أو العد أو الذرع، والسبب
(١) حاشية الدسوقي: ١٩٥/٣، المنتقى على الموطأ: ٣٠٠/٤، القوانين الفقهية: ص ٢٦٩ .
- ٦٠٣ _

في اشتراط هذه الشروط الأربعة: هو ما ذكرناه في شرط رأس المال: وهو إزالة
الجهالة؛ لأن جهالة النوع والجنس والصفة والقدر جهالة مفضية إلى المنازعة ، وأنها
مفسدة للعقد، وقال عليه السلام: ((من أسلف منكم فليسلف في كيل معلوم، ووزن
معلوم إلى أجل معلوم))(١).
الخامس : ألا يكون في البدلين إحدى علتي ربا الفضل : وهي إما القدر المتفق
أو الجنس المتحد ؛ لأن العقد حينئذ يتضمن الربا؛ لأن حرمة ربا النساء تتحقق بأحد
هذین الوصفین .
وبعبارة أخرى : إنه يشترط ألا يكون في السلم أحد وصفي علة ربا الفضل :
وهو إما الكيل أو الوزن وإما الجنس ؛ لأن أحد وصفي علة ربا الفضل هو علة ربا
النساء، فإذا اجتمع أحد هذين الوصفين في بدلي السلم يتحقق ربا النساء، والعقد
الذي فيه ربا فاسد .
فإن لم يتحقق القدر المتفق، بأن اختلف المسلم فيه ورأس مال السلم كبيع حنطة
بنقود، أو زعفران بدراهم أو دنانير، فيصح السلم، لانعدام علة ربا النسيئة : وهي
القدر المتفق أو الجنس . أما المجانسة فظاهرة الانتفاء، وأما القدر المتفق فلأن وزن
الثمن يخالف وزن المثمن ، فالنقود توزن بالمثاقيل ، والزعفران ونحوه یوزن بالرطل أو
القبان، وأما الحنطة فهي مكيلة، والنقود موزونة(٣).
وعبر المالكية عن هذا الشرط بقولهم : أن يكون رأس مال السلم والمسلم فيه
مختلفين جنساً تجوز النسيئة فيه بينهما ، فلا يجوز إسلاف الذهب والفضة أحدهما في
الآخر؛ لأن ذلك ربا، وكذلك لا يجوز تسليم الطعام بعضه في بعض على الإطلاق
لأنه ربا، ويجوز إسلاف الذهب والفضة في الحيوان والعروض والطعام، ويجوز
المبسوط: ١٢٤/١٢، فتح القدير: ٣٣٧/٥ وما بعدها، البدائع: ٢٠٧/٥، رد المحتار: ٢١٥/٤.
(١)
(٢)
البدائع: ٢١٤/٥، ١٨٦، رد المحتار : ٢١٧/٤ .
- ٦٠٤ -

إسلاف العروض بعضها في بعض(١) .
السادس: أن يكون المسلم فيه مما يتعين بالتعيين : فإن كان مما لا يتعين
بالتعيين كالدراهم والدنانير لا يجوز السلم فيه؛ لأن المسلم فيه مبيع، والمبيع مما يتعين
بالتعيين ، والدراهم والدنانير لا تتعين في عقود المعاوضات، فلم تكن مبيعة ، فلا يجوز
السلم فيها .
وهل يجوز السلم في التبر والسبائك ؟ فيه روايتان: رواية: لا يجوز؛ لأن التبر
والسبيكة بمنزلة الدراهم المضروبة . ورواية أخرى : يجوز لأنها بمنزلة العروض.
ويخرج على هذا: السلم في الفلوس(٣) عدداً: يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف،
لأن الفلوس عندهما ليست بثمن مطلق(٣) بل مما تتعين بالتعيين في الجملة كالسلع
العددية .
ولا يجوز السلم فيها عند محمد؛ لأنها أثمان عنده(٤).
السابع: أن يكون المسلم فيه مؤجلا، وقد اختلف العلماء في هذا الشرط.
وفيه يعرف حكم السلم الحال .
فقال الحنفية والمالكية والحنابلة: يشترط لصحة السلم أن يكون مؤجلاً، ولا
يصح السلم الحال، لقول النبي مُؤاله: ((من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم،
ووزن معلوم، إلى أجل معلوم)) فهذا الحديث أمر بالأجل، والأمر يقتضي
(١)
القوانين الفقهية : ص ٢٦٩ .
(٢)
الفلس : قطعة مضروبة من النحاس كان يتعامل بها .
أي أن ثمنيتها ليست بلازمة بل تحتمل الزوال ، لأنها ثبتت بالاصطلاح ، فتزول بالاصطلاح ، والعقد عليها :
(٣)
معناه الاتفاق على إبطال ثمنيتها في حق العاقدين .
المبسوط: ١٣٦/١٢، البدائع: ٢٠٨/٥، ٢١٢ .
(٤)
- ٦٠٥ -

الوجوب، كما أوجب كون المسلم فيه مقدراً بالكيل أو الوزن ، ولأن السلم أجيز رخصة
للرفق بالناس، ولا يحصل الرفق إلا بالأجل، فإذا انتفى الأجل انتفى الرفق ، فلا
يصح، وباعتباره رخصة فيقتصر على حال ورودها(١).
وقال الشافعي: يصح السلم حالاً ومؤجلاً، فإن أطلق عن الحلول والتأجيل
وكان المسلم فيه موجوداً انعقد حالاً، لأنه إذا جاز السلم مؤجلاً ، فلأن يجوز حالاً
بالأولى، لبعده عن الغرر. والمراد من الحديث ((إلى أجل معلوم)) هو العلم بالأجل،
لا الأجل نفسه. وفائدة العدول من البيع إلى السلم الحال حينئذ: هو جواز العقد مع
غيبة المبيع، فإن المبيع إذا لم يكن حاضراً مرئياً لا يصح بيعه عند الشافعية. وإن
أخر العقد لإحضاره، فربما تلف، أو لا يتمكن المشتري من الحصول عليه، كما لا
يتمكن حينئذ من فسخ العقد ؛ لأن العقد متعلق بالذمة، وما ثبت بالذمة يلزم
(٢)
العاقد به(٢).
واختلف العلماء أيضاً في مدة أجل السلم :
فقال الحنفية والحنابلة : إن أجل السلم مقدر بشهر أو ما قاربه؛ لأنه أدنى الآجل
وأقصى العاجل .
وقال المالكية : أقل الأجل نصف شهر؛ لأن هذه المدة مظنة اختلاف الأسواق
غالباً، واختلافها مظنّة لحصول المسلم فيه . هذا .. إلا إذا اشترط قبض المسلم فيه بمجرد
الوصول لبلد غير بلد العقد، وكانت المسافة يومين من بلد العقد، لأنها مظنة
اختلاف الأسواق في البلدين ، وإن لم تختلف بالفعل ، واشترط في العقد أيضاً الخروج
فوراً إلى البلد، كما اشترط أن يخرج رب السلم والمسلم إليه أو وكيلهما بالفعل، وأن
(١) المبسوط: ١٢٥/١٢، البدائع: ٢١٢/٥، فتح القدير: ٣٣٥/٥، المنتقى على الموطأ: ٢٩٧/٤ ، بداية المجتهد :
٢٠١/٢، حاشية الدسوقي : ٢٠٥/٣ وما بعدها، المغني: ٢٨٩/٤، القوانين الفقهية: ص ٢٦٩ ، غاية المنتهى :
٧٨/٢ .
(٢)
المهذب: ١ ص ٢٩٧، مغني المحتاج: ٢ ص ١٠٥ .
- ٦٠٦ -

يعجل قبض رأس المال في المجلس أو قربه ، وأن يكون السفر في يومين ببرأو بغير ريح.
فإذا وجدت هذه الشروط الخمسة ، لا يشترط التأجيل بنصف شهر عند
المالكية .
واتفق العلماء على أن الأجل لابد من أن يكون معلوماً، لقوله تعالى: ﴿إِذا
تداينتم بدين إلى أجل مسمى) وقول النبي مؤ لم: ((إلى أجل معلوم)) ولأنه بمعرفة
الأجل يتحدد الوقت الذي يقع فيه قضاء المسلم فيه ، فإذا جهل الأجل لم يفد معرفة
ذلك، ووقع رب السلم في الغرر. ولكنهم اختلفوا في كيفية العلم بالأجل .
فقال الحنفية والحنابلة والشافعية : لابد من تحديد زمان بعينه، لا يختلف، فلا
يصح التأجيل للحصاد والدراس والنيروز ((اليوم الأول من السنة القبطية، وهو أول
الربيع)) والمهرجان ((أول الخريف)) وعيد النصارى وقدوم الحاج، والصيف والشتاء،
ونحوها (١)، ودليلهم: أن الرسول ◌ُ ◌ّ قال: ((إلى أجل معلوم)) والتحديد بهذه
الأوقات مثار النزاع، لأنه غير معلوم إذ أنه يتقدم ويتأخر، ويقرب ويبعد،
ويؤيده ما روي عن ابن عباس أنه قال: ((لا تتبايعوا إلى الحصاد والدياس(٣) ولا
تتبايعوا إلا إلى شهر معلوم))(٣).
وقال المالكية : يجوز السلم إلى هذه الأوقات، ويعتبر ميقاتها: هو الوقت الذي
يحصل فيه غالب ماذكر: وهو وسط الوقت المعد لها الذي يغلب فيه الوقوع.
ودليلهم : أن هذا أجل يتعلق بوقت من الزمن يعرف في العادة، لا يتفاوت فيه
(١)
فتح القدير: ٥ ص ٢٢٢، ٣٣٦.
(٢)
هو دوس الحب بالقدم ونحوها لينقشر.
قال الحافظ الزيلعي: روى البيهقي في كتاب المعرفة من طريق الشافعي عن ابن عباس أنه قال: ((لاتبيعوا
إلى العطاء، ولا إلى الأندر (أي البيدر أو المكدس من القمح خاصة) ولا إلى الدياس)» (راجع نصب الراية:
٤ ص ٢١).
(٣)
- ٦٠٧ -
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٣٩)

تفاوتاً كثيراً، فأشبه ما إذا قال إلى رأس السنة(١).
الثامن : أن يكون جنس المسلم فيه أي (المبيع) موجوداً في الأسواق بنوعه
وصفته من وقت العقد إلى وقت حلول أجل التسليم، ولا يتوهم انقطاعه عن أيدي
الناس، كالحبوب. فإن لم يكن موجوداً عند العقد أو وقت حلول الأجل، أو انقطع
من أيدي الناس فيما بين ذلك كالثمار والفواكه واللبن ونحوها، لا يجوز السلم؛ لأن
القدرة على التسليم ثابتة للحال، وفي وجودها عند حلول الأجل شك، لاحتمال
الهلاك، فإن بقي الشيء المسلم فيه في الأسواق إلى الوقت المؤجل، ثبتت القدرة على
التسليم ، وإن هلك قبله لا تثبت. وبعبارة أخرى: إن اشتراط هذا الشرط لضمان
تنفيذ تسليم المسلم فيه .
وعلى هذا: إذا كان المسلم فيه منسوباً إلى موضع معلوم: فإن كان مما يحتمل
انقطاعه بالآفة كحنطة قرية كذا بعينها أو أرض كذا بعينها : لا يجوز السلم ، لعدم
تحقق القدرة على التسليم ، وهو غرر من غير حاجة ، فمنع صحة العقد .
وإن كان مما لا يحتمل الانقطاع، كأن يسلم في حنطة إقليم كالعراق أو خراسان،
أو في حنطة بلدة كبيرة كسمرقند وبخارى ومحافظة حوران، فيجوز السلم ، إذ
لا يتوهم الانقطاع؛ لأن الغالب في أحكام الشرع ملحق بالمتيقن .
وقال بعض مشايخ الحنفية : لا يجوز السلم إذا كان المسلم فيه منسوباً إلى بلدة
كبيرة. والصحيح هو ماذكرناه أولاً(٢) . هذا هو مذهب الحنفية.
وقال المالكية والشافعية والحنابلة : يشترط أن يكون المسلم فيه عام الوجود
مأمون الانقطاع، وقت حلول الأجل فقط، سواء وجد عند العقد أم لم يوجد ؛ لأن
المهم هو القدرة على التسليم، فيعتبر وقت وجوب التسليم، ولأن النبي ◌ُ ◌ّ قدم
المنتقى على الموطأ: ٤ ص ٢٩٨، القوانين الفقهية: ص ٢٦٩.
(١)
(٢)
المبسوط: ١٢ ص ١٣٤، فتح القدير: ٥ ص ٣٣١، البدائع: ٥ ص ٢١١.
- ٦٠٨ -

المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنين، فقال: ((من أسلف فليسلف في كيل
معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم)) ولم يشترط وجود المسلم فيه حال عقد السلم،
ولو كان شرطاً لذكره، ولنهاهم عن السلم سنتين، لأنه يلزم منه انقطاع المسلم فيه
أوسط السنة(١).
إلا أن المالكية شرطوا أن يكون التزام المسلم فيه مطلقاً في الذمة، فلا يجوز السلم
في شيء معين كزرع قرية بعينها، وعليه لم يجز السلم في العقار اتفاقاً لتعينه(٢).
واجتهاد غير الحنفية أوجه وأوسع (٣) .
وفي اجتهاد الحنفية: إذا حل أجل تسليم المسلم فيه ، وانقطع وجود المبيع بحيث
يتعذر تسلیه، كان المشتري بالخيار بین أن ينتظر وجوده، أو يفسخ البيع، ويسترد
(٤)
الثمن (٤) .
التاسع: أن يكون العقد باتاً : ليس فيه خيار الشرط للعاقدين أو لأحدهما.
فلو أسلم شخص ديناراً في مد حنطة، على أنه بالخيار ثلاثة أيام، وقبض المسلم إليه
الثمن (رأس المال)، وتفرقا ببدنيهما، يفسد عقد السلم ؛ لأن جواز البيع بشرط الخيار
ثبت على خلاف القياس لحاجة الناس إليه، فلا يقاس عليه غيره، إذ لا حاجة في
السلم إلى الخيار؛ ولأن شرعية الخيار لدفع الغبن، والسلم مبني على الغبن ونقص
الثمن، لأنه بيع المفاليس كما يسمى ، فلم يكن داخلاً تحت مورد النص الذي يجيز
الخيار.
فلو اتفق المسلم إليه ورب السلم على إبطال الخيار قبل التفرق من المجلس، وكان
المنتقى على الموطأ: ٤ص٣٠٠، حاشية الدسوقي: ٣ص٢١١، مغني المحتاج: ٢ص١٠٦، المهذب: ١ ص٢٩٨،
(١)
المغني: ٤ ص٢٩٣ وما بعدها، غاية المنتهى: ٢ ص٧٩.
(٢)
القوانين الفقهية: ص ٢٦٩ .
عقد البيع للأستاذ الزرقاء: حاشية ص ١٢٠ .
(٣)
رد المحتار والدر المختار: ٤ص ٢١٤، عقد البيع، المرجع السابق.
(٤)
- ٦٠٩ -

رأس المال (الثمن) قائماً في يد المسلم إليه، انقلب العقد جائزاً عند جمهور الحنفية،
خلافاً لزفر. أما لو كان رأس المال هالكاً فلا ينقلب العقد جائزاً؛ لأن رأس المال
يصير حينئذ ديناً على المسلم إلیه، والسلم لا ينعقد برأس مال دين .
ويمكن تفريع هذا الشرط على اشتراط قبض رأس المال في مجلس عقد السلم ؛
لأن اشتراط الخيار يؤدي إلى عدم دفع الثمن في مجلس العقد .
ويلاحظ أن خيار الرؤية وخيار العيب في رأس المال (الثمن) إذا كان عيناً
قيمية أو مثلية، لا يفسد عقد السلم ؛ لأن الخيارين المذكورين لا يمنعان ثبوت الملك
في البدل .
وأما بالنسبة للمسلم فيه (المبيع) فلا يثبت خيار الرؤية فيه بالاتفاق ؛ لأن هذا
الخيار لا يجري فيما يملكه الإنسان ديناً في الذمة، إذ لافائدة في الخيار حينئذ؛ لأن
ثمرته في الأصل رد المبيع الغائب عند رؤيته إذا لم يعجب المشتري، والمبيع المسلم فيه
ليس عيناً معينة ، بل دين في الذمة یقضی بأمثاله، فعند رؤيته إذا ساغ رده بخيار
الرؤية يعود ديناً كما كان، ويجب أداء مثل آخر، فيمكن رده أيضاً بالخيار، وهكذا
فيتسلسل، فلذا يكتفى بوصف المبيع لصحة السلم ، فيقوم بيان الوصف مقام
المعاينة .
وأما خيار العيب في المسلم فيه : فإنه يصح ثبوته ؛ لأنه لا يمنع تمام القبض الذي
تتم به الصفقة(١).
العاشر: بيان مكان الإيفاء إذا كان للمبيع كلفة ومؤونة، كالحنطة والشعير،
وهذا الشرط في جواز السلم عند أبي حنيفة، وأما عند الصاحبين، فلا يشترط ذلك.
ومنشأ الخلاف هو: هل يتعين مكان العقد مكاناً للإيفاء فيما يحتاج لحمل
(١) فتح القدير: ٥ص٣٤٣، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص١١٩.
- ٦١٠ -
٠٩-٠

ومؤونة ؟ مع اتفاقهم على أن مكان الإيفاء إذا كان مجهولاً لا يجوز السلم ؛ لأنها جهالة
مفضية إلى المنازعة(١).
قال أبو حنيفة: لا يتعين مكان العقد مكاناً للإيفاء؛ لأن العقد إذا وجد مطلقاً
عن تعيين مكان ، فلا يتعين مكان العقد للإيفاء وإذا لم يتعين مكان العقد للإيفاء،
بقي مكان الإيفاء مجهولاً جهالة مفضية إلى المنازعة بسبب الخلاف على نفقات
النقل .
وقال الصاحبان : يتعين مكان العقد مكاناً للإيفاء، فلا يكون هناك جهالة
فيصح السلم؛ لأن سبب وجوب الإيفاء هو العقد، والعقد وجد في هذا المكان،
فيتعين مكان العقد لوجوب الإيفاء فيه كما في بيع العين .
ويرد عليهما : بأن العقد قائم بالعاقدين، لا بالمكان ، وهذا مكان المتعاقدين
وليس مكاناً للعقد، فلم يوجد العقد في هذا المكان .
ويجري هذا الخلاف في بيان مكان أداء الأجرة في عقد الإجارة إذا احتاج الأمر
إلى نفقة نقل ، فعند أبي حنيفة: لا يصح العقد إذا لم يعين مكان أداء الأجرة . وعند
الصاحبين: تصح الإِجارة، ويتعين مكان إيفاء الأجرة بتعيين مكان إيفاء المعقود
عليه. فإن كان المأجور داراً أو أرضاً، فتسلم الأجرة عند الدار والأرض، وإن كان
المأجور دابة فعند بدء انطلاق السير. وإن كان ثوباً دفع إلى مصبغة مثلاً، ففي
الموضع الذي يسلم فيه الثوب. ويلاحظ أن مكان العقد يتعين مكاناً للتسليم عند
الصاحبين إذا أمكن التسليم في مكان العقد. فإذا لم يمكن: بأن كان في البحر أو على
رأس الجبل، فإنه لا يتعين مكان العقد للتسليم، ولكن يسلم في أقرب الأماكن الذي
يمكن التسليم فيه من مكان العقد .
(١) البدائع: ٥ص٢١٣، المبسوط: ١٢ ص١٢٨، فتح القدير: ٥ص٣٤١، رد المحتار: ٤ ص٢١٦.
- ٦١١ -

وأما إذا لم يكن لتسليم المسلم فيه كلفة ومؤونة كالجواهر واللآلئ ونحوها من
المنقولات الخفيفة الحمل، فهناك روايتان عن الحنفية :
في رواية : يتعين مكان العقد ، وهذا قول الصاحبين .
وفي رواية، وهي الأصح عندهم: يسلم الشيء حيثما لقي أحد العاقدين صاحبه،
ولا يتعين مكان العقد ؛ لأن الأماكن كلها سواء، إذ المالية لا تختلف باختلاف الأماكن
فيما لا حمل له ولا مؤونة(١). ولوعينا مكاناً آخر للإيفاء سوى مكان العقد: فإن كان فيا
له حمل ومؤونة یتعین ، وإن کان فیا لیس له حمل ومؤونة ففیه روایتان :
في رواية : لا یتعین ، وله أن یوفيه في أي مكان شاء.
وفي رواية: يتعين وهو الأصح، لأنه يفيد رب السلم بعدم تحمل خطر
(٢)
الطريق(٢).
وقال المالكية : الأحسن اشتراط مكان الدفع(٣).
وقال الشافعية : المذهب أن المسلم فيه إذا سلم بموضع لا يصلح للتسليم، أو يصلح
ولمله مؤنة، اشترط بيان محل تسليم المسلم فيه، لتفاوت الأغراض فيما يراد من
الأمكنة في ذلك. فإن صلح المكان للتسليم ولم يكن لحمله مؤنة، فلا يشترط ذکر
مكان التسليم، ويتعين مكان العقد للتسليم للعرف(٤).5
وقال الحنابلة : لا يشترط ذكر مكان الوفاء إن لم يعقد بنحو برية وسفينة.
ويتعين مكان العقد للتسليم عند الاختلاف(٥).
فتح القدير: ٥ص٣٤٢، البدائع: ٥ص٢١٣.
(١)
فتح القدير مع العناية: ٥ص٣٤٢، رد المحتار: ٤ص٢١٦ وما بعدها.
(٢)
(٣)
القوانين الفقهية: ص٢٧٠ .
مغني المحتاج: ٢ ص١٠٤ .
(٤)
غاية المنتهى: ٢ ص ٨٠.
(٥)
- ٦١٢ -

الحادي عشر: أن يكون المسلم فيه مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن
باختلافها ظاهراً أي أن يكون المبيع من الأموال التي تقبل الثبوت في الذمة: وهي
المثليات، بأن يكون من المكيلات أو الموزونات أو الذرعيات أو الأعداد المتقاربة،
مثل الحبوب والثمار والدقيق والثياب، والقطن والكتان والحديد والرصاص
والأدوية، والجوز والبيض ؛ لأن المكيلات والموزونات ممكنة الضبط قدراً وصفة
على وجه لا يبقى فيها إلا تفاوت يسير، لأنها من ذوات الأمثال. وأما المتقارب من
الذرعيات والعدديات ، فلأن الجهالة فيها يسيرة لا تفضي إلى المنازعة .
فإن كان مما لا يضبط بالوصف، كالعدديات المتفاوتة، والذرعيات المتفاوتة،
مثل الدور والعقارات والجواهر واللآلئ والجلود والخشب والرؤوس والأكارع
والرمان والسفرجل والبطاطيخ ونحوها : لا يجوز السلم فيها ، لأنه لا يمكن ضبطها
بالوصف، إذ يبقى بعد بيان جنسها ونوعها وصفتها وقدرها جهالة فاحشة مفضية
إلى المنازعة بسبب التفاوت في المالية بين آحاد هذه الأشياء، فهناك تفاوت فاحش
بین جوهر وجوهر، ولؤلؤ ولؤلؤ، وحيوان وحيوان، وجلد وجلد، وهكذا لأن
أثمانها تختلف اختلافاً متبايناً بالصغر والكبر وحسن التدوير وزيادة الضوء
والصفاء، فيقع البيع فيها على مجهول، وبيع المجهول لا يجوز.
هذا هو مذهب الحنفية . ويلاحظ أنهم أجازوا السلم في العدديات المتقاربة
مطلقاً كيلاً، ووزناً وعدداً. أما العدديات المتفاوتة: فلم يجيزوا السلم فيها لا وزناً
ولا عدداً(١).
وقال المالكية: يصح السلم فيما ينضبط، وفيما لا ينضبط بالوصف ، إذا اشترط
رب السلم منها شيئاً معلوماً جنسه وصفته ومقداره إما بالوزن فيما يوزن وإما بالكيل
(١) المبسوط: ١٢ ص ١٣١، ١٣٦، البدائع: ٥ ص٢٠٨ وما بعدها، فتح القدير: ٥ ص٣٢٤ وما بعدها، ٣٥٤، رد
المختار: ٤ ص٢١٣، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص٣٩.
- ٦١٣ -

فيا يكال أو بالذرع فيما يذرع، أو بالعدد فيما يعد أو بالوصف فيما لا يوزن ولا يكال
ولا يعد ؛ لأن شرط صحة السلم: أن يضبط المسلم فيه، وأن يكون ضبطه بما جرت
العادة بضبطه به بالوزن أو الكيل أو العدد أو الذرع. أما بالنسبة للعدديات
المتقاربة، فيجوز السلم فيها عدداً، لأنها لاتتباين كثيراً(١).
وقال الشافعية: يصح السلم فيما ينضبط بالوصف دون ما لا ينضبط، أما
بالنسبة للعدديات المتقاربة كالجوز واللوز فيصح السلم كيلاً أو وزناً، أو ذرعاً ولا
يجوز عدداً؛ لأن ذلك يتباين ويختلف، فلم يجز عدداً كالبطيخ. وأما العدديات
المتفاوتة، فيصح السلم فيها وزناً في البطيخ والباذنجان والقثاء والسفرجل والرمان ،
وما أشبه ذلك مما لا يضبطه الكيل لتفاوت وحداته وتنافرها في المكيال، ولا يكفي
فيها العدّ لكثرة التفاوت فيها، فلم يمكن تقديرها بغير الوزن(٣).
وقال الحنابلة : یصح السلم فیما ینضبط بالوصف کمکیل وموزون دون
ما لا ينضبط . أما العدديات المتقاربة ؛ فيجوز السلم فيها عدداً كما قال المالكية، لأنها
لاتتباين كثيراً. وأما العدديات المتفاوتة ففيها وجهان: وجه يصح السلم فيها عدداً
وتضبط: وحداتها بالصغر والكبر. ووجه: لا يصح السلم فيها إلا وزناً، كما قال
الشافعية(٣).
وهكذا يكون مذهب الشافعية والحنابلة قريباً من مذهب الحنفية، والخلاف
بينهم محصور في السلم في العدديات المتقاربة عدداً، وفي العدديات المتفاوتة . وأجاز
المالكية السلم فيما لا ينضبط بالوصف .
وسنذكر حكم بعض المبيعات التي لها صلة بشرط انضباط الوصف .. ومنها :
بداية المجتهد: ٢ ص ٢٠٠، حاشية الدسوقي: ٣ ص٢٠٧، ٢١٥، المنتقى على الموطأ: ٤ ص ٢٩٢، ٢٩٤، ٢٩٦.
(١)
(٢)
المهذب: ١ ص٢٩٧، ٢٩٩، مغني المحتاج: ٢ ص ١٠٧ .
(٣)
المغني : ٤ ص ٢٧٦ ، ٢٨٨ وما بعدها.
- ٦١٤ _

السلم في الحيوان :
يجوز السلم في الأليات والشحوم وزناً بلا خلاف، وأما السلم في الحيوان ذاته،
فقد اختلف فيه الفقهاء :
فقال الحنفية: لا يجوز السلم في الحيوان كيفما كان، لما روي عن ابن عباس ((أن
النبي ◌ُّ نهى عن السلف في الحيوان))(١) ولأن الحيوان يختلف اختلافاً متبايناً في
تقدير ماليته، فلا يمكن ضبطه، وإن استقصى الواصف صفاته التي يختلف بها الثمن،
والاختلاف فيه يفضي إلى المنازعة مثل سائر العدديات المتفاوتة(٢). وعليه فلا يصح
السلم في الخرفان كما يفعل بعض الناس ، لأنها لا تنضبط .
وقال المالكية والشافعية والحنابلة : يجوز السلم في الحيوان قياساً على جواز
القرض فيه، وقد روى مسلم ((أنه ماتم افترض بَكْراً - وهو الفتيّ من الإبل))(٣) وروى
أبو داود ((أنه ◌ُّ أمر عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أن يشتري
بعيراً ببعيرين إلى أجل))(9) وهذا سلم لا قرض لما فيه من الفضل والأجل. وأما
حديث النهي عن السلف في الحيوان فقال ابن السمعاني عنه في الاصطلام: ((غير
ثابت وإن أخرجه الحاكم)» ولكن صحة السلم في الحيوان عند هؤلاء مشروطة بذکر
(١) أخرجه الحاكم والدارقطني عن ابن عباس، قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. والصحيح أن في
إسناده اسحاق بن ابراهيم ابن جوتى، وهو واهي الحديث. وقال عنه ابن حبان: ((منكر الحديث جداً، يأتي
عن الثقات بالموضوعات، لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب)» (انظر نصب الراية: ٤ ص٤٦، التلخيص
الحبير : ص٢٤٥).
(٢)
المبسوط: ١٢ ص١٣١، فتح القدير: ٥ ص٣٢٧ وما بعدها، البدائع: ٥ ص٢٠٩.
(٣)
سيأتي تخريجه في باب القرض.
رواه أبو داود والدارقطني والبيهقي من طريقه، وفي اسناده ابن اسحاق، وقد اختلف عليه فيه، ولكن أورده
.(٤)
البيهقي في الخلافيات من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وصححه (انظر التلخيص الحبير لابن
حجر: ص٢٣٥).
- ٦١٥ -

نوعه وسنه وذكورته وأنوثته ولونه وقدّه طولاً وقصراً على التقريب(١).
السلم في اللحم مع العظم :
قال أبو حنيفة: لا يجوز السلم في اللحم مع العظم، لوجود الجهالة المفضية إلى
المنازعة من جهتين : جهة السمن والهزال، وجهة قلة العظم وكثرته. وكذلك لا يجوز
في الأصح عنده السلم في اللحم المنزوع العظم ، لوجود الجهالة فيه أيضاً من جهة السمن
والهزال، وهذا كاف لأن الحكم المعلل بعلتين مستقلتين يثبت مع إحداهما، كما يثبت
معهما (٢).
وقال الصاحبان والمالكية والشافعية والحنابلة: يصح السلم في اللحم بشرط
ضبط صفاته بذكر جنس اللحم: لحم شاة أو بقر، ونوعه: لحم شاة ذكر أو أنثى،
خصي أو فحل، معلوفة أو سائمة، وسنه: لحم شاة ثني أو جذعة، وصفته: سمين أو
مهزول أو وسط، وموضعه: من الفخذ أو الكتف أو الجنب، ومقداره: عشرة أرطال
مثلاً. ودليلهم قول النبي صَ لّ: ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم))
وظاهره: إباحة السلم في كل موزون، ولأنه إذا جاز السلم في الحيوان، فاللحم
أولى (٣).
السلم في السمك :
السلم في السمك عند الجمهور كالسلم في اللحم . وأما عند أبي حنيفة فاختلفت
عبارات الروايات، والصحيح من المذهب: أن السلم يجوز في السمك الصغار، كيلاً أو
المنتقى على الموطأ: ٤ ص٢٩٣، بداية المجتهد: ٢ ص ٢٠٠، حاشية الدسوقي: ٣ ص٢٠٧، ٢٠٩، مغني المحتاج: ٢
(١)
ص١١٠، المغني: ٤ ص ٢٧٨، ٢٨٢، غاية المنتهى: ٢ ص ٧٢.
(٢)
المبسوط: ١٢ ص ١٣٣، البدائع: ٥ ص ٢١٠، فتح القدير: ٥ ص٣٣٣، رد المحتار: ٤ ص٢١٤.
بداية المجتهد: ٢ ص ٢٠٠، حاشية الدسوقي: ٣ ص ٢٧٠، ٢٠٩، مغني المحتاج: ٢ ص١١١ وما بعدها، المهذب : ١
(٣)
ص٢٩٨، المغني: ٣ ص ٢٨٠، غاية المنتهى: ٢ ص ٧١.
- ٦١٦ -

وزناً، ويستوي فيه المالح والطري ؛ لأن الصغار منه لا يتحقق فيه اختلاف السمن
والهزال ، ولا اختلاف العظم ، بخلاف اللحم.
وأما الكبار ففي ظاهر الرواية: يجوز كيفما كان وزناً(١).
السلم في الثياب :
الثياب من العدديات المتفاوتة ، فلا يجوز فيها السلم قياساً عند الحنفية ، لأنها
ليست من ذوات الأمثال لتفاوت فاحش بين ثوب وثوب، ويجوز السلم فيها
استحساناً إذا بين الجنس والنوع، والصفة والرقعة ((أي القدر من الثخانة والغلظ))
والذرع طولاً وعرضاً، فیلحق بالمثلیات لحاجة الناس إليه وتعاملهم به .
وإن کان ثوب حریر فاختلف المشايخ في بیان وزنه، والأصح قول بعضهم :
لابد من بيان وزنه أيضاً؛ لأنه مقصود فيه، وقيمة الحرير تختلف باختلاف
الوزن(٣).
وأجاز المالكية والشافعية والحنابلة أيضاً السلم في الثياب كما لاحظنا (٣)، قال ابن
المنذر: وأجمعوا على جواز السلم في الثياب(٤).
السلم في التبن :
لا يجوز عند الحنفية السلم في التبن أوقاراً (أي أحمالاً) لتفاوت فاحش بين
الوقرين. ولكن يجوز فيه بقبان معلوم من قبابين التجار، فلا يكون هناك
اختلاف. والحكم يجري في الحطب : لا يجوز حِزَماً، ويجوز وزناً(6).
المبسوط: ١٢ ص ١٣٨، البدائع: ٥ ص٢١١، فتح القدير: ٥ ص٣٣٣، رد المحتار: ٤ ص٢١٣.
(١)
(٢)
المبسوط: ١٢ ص ١٣٣، فتح القدير: ٥ ص٣٥٣، البدائع: ٥ ص٢٠٩.
(٣)
القوانين الفقهية: ص ٢٦٩، مغني المحتاج: ٢ ص ١٠٧، غاية المنتهى: ٢ ص ٧٢.
(٤)
المغني : ٤ ص٢٧٦.
المبسوط : ١٢ ص ١٤١، البدائع: ٥ ص٢٠٩.
(٥)
- ٦١٧ -

السلم في الخبز:
لا يجوز السلم في الخبز عدداً بالاتفاق لتفاوت فاحش بين خبز وخبز في الصغر
والكبر. وأما وزناً فقد ذكر الكرخي أن السلم في الخبز لا يجوز، للتفاوت الفاحش
بين الخبز في النضوج ، فتبقى جهالة مفضية إلى المنازعة .
وفي نوادر ابن رستم : لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، وهذا قول الشافعية لأن عمل
النار فيه يختلف فلا يضبط. ويجوز عند أبي يوسف: إذا شرط نوعاً معلوماً ووزناً
معلوماً وأجلاً معلوما(١).
وقال المالكية والحنابلة : يصح السلم في الخبز ونحوه مما أمكن ضبطه ومسته
النار؛ لأن ظاهر الحديث: ((من أسلم فليسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم» إباحة
السلم في كل مكيل وموزون ومعدود، ولأن عمل النار فيه معلوم بالعادة ممكن ضبطه
بالنشافة والرطوبة ، فصح السلم فيه (٢).
قرض الخبز:
تعاـ
قال أبو حنيفة: لا يجوز استقراض الخبز، كالسلم لا وزناً ولا عدداً. وجوز
أبو يوسف القرض فيه وزناً لا عدداً كالسلم . وجوز محمد استقراض الخبز عدداً ووزناً
لحاجة الناس وتعارفهم إياه، وإن لم يكن من ذوات الأمثال، وهذا هو المفتى به عند
الحنفية لتعامل الناس وحاجاتهم إليه(٣).
وقال المالكية : يجوز قرض الخبز وزناً وعدداً لحاجة الناس إليه، والمماثلة في
العدد مما يتسامح فيه (٤).
(١)
البدائع: ٥ ص٢١١، المهذب: ١ ص٢٩٧.
(٢)
المغني: ٤ ص٢٧٧ ، الميزان للشعراني: ٢ ص ٧٤ .
تحفة الفقهاء: ٢ ص١٩، الدر المختار ورد المختار: ٤ ص ١٩٥، فتح القدير: ٥ ص٢٩٩.
(٣)
حاشية الدسوقي : ٣ ص٢٢٢ .
(٤)
- ٦١٨ -

وقال الشافعية والحنابلة في أصح الوجهين : يجوز قرض الخبز عدداً ويجوز وزناً
الإجماع أهل الأمصار على فعله في الأعصار بلا إنكار(١). وقد روت عائشة رضي الله
عنها قالت: ((قلت: يا رسول الله، إن الجيران يستقرضون الخبز، والخمير، ويردون
زيادة ونقصاناً؟ فقال: لا بأس إن ذلك من مرافق الناس، ولا يراد به الفضل)»(٢).
المطلب الرابع - حكم السلم
مقتضى السلم: أنه يثبت الملك في المسلم فيه لرب السلم، مؤجلاً، بمقابلة ثبوت
الملك في رأس المال المعين أو الموصوف في الذمة للمسلم إليه .
وقد أجيز حكمه بطريق الرخصة دفعاً لحاجة الناس، ولكن بالشرائط
المخصوصة التي ذكرناها والتي هي غير مشروطة في عقد البيع .
المطلب الخامس - أوجه الاختلاف بين البيع والسلم
يترتب على الشروط الخاصة بعقد السلم أن يختلف السلم عن البيع من وجوه :
١ - استبدال رأس مال السلم والمسلم فيه في مجلس العقد:
وهو أن يأخذ برأس مال السلم شيئاً من غير جنسه. وفيه قال الحنفية : لا يجوز
الاستبدال برأس مال السلم قبل القبض . أما الثمن فيجوز استبداله إذا كان ديناً؛ لأن
قبض رأس المال شرط في السلم، وبالاستبدال لا يحصل القبض حقيقة؛ لأن المسلم إليه
يقبض بدل رأس المال حينئذ، وبدل الشيء غيره. أما الثمن في البيع فلا يشترط
قبضه، والبدل يقوم مقامه معنى. كذلك لا يجوز الاستبدال بيدلي الصرف؛ لأن
قبضهما شرط حقيقة .
(١)
المهذب: ١ ص٣٠٤، مغني المحتاج: ٢ ص١١٩، المغني: ٤ ص٣١٩.
(٢)
ذكره أبو بكر الشافي بإسناده عن عائشة رضي الله عنها، وفيه أيضاً بإسناده عن معاذ بن جبل («أنه سئل عن
استقراض الخبز والخمير؟ فقال: سبحان الله، إنما هذا من مكارم الأخلاق، فخذ الكبير، وأعط الصغير، وخذ
الصغير وأعط الكبير، خيركم أحسنكم قضاء، سمعت رسول اللّه مٍَّ يقول ذلك)) (انظر المغني: ٤ ص٣١٩).
- ٦١٩ -

وأما استبدال المسلم فيه : فلا يجوز أيضاً قبل القبض كاستبدال المبيع المعين، لأن
المسلم فيه مبيع منقول، وإن كان ديناً، وبيع المبيع المنقول قبل القبض لا يجوز(١).
وإذا انفسخ عقد السلم أو تقايل العاقدان السلم : فلا يجوز الاستبدال برأس مال
السلم الموجود مع المسلم إليه، أي أنه لا يجوز لرب السلم أن يشتري من المسلم إليه شيئاً
برأس المال حتى يقبضه كله، وهذا قول علماء الحنفية الثلاثة أخذاً بالاستحسان(٢)،
لقوله عليه السلام: ((لا تأخذ إلا سلمك، أو رأس مالك))(٣) أي عند الفسخ، ولأن
الإقالة بيع جديد في حق شخص ثالث غير العاقدين، والثالث هنا هو الشرع.
ويعتبر رأس المال : هو المبيع، وإذا ثبت تشابه رأس المال والمبيع، فالمبيع لا يجوز
التصرف فيه قبل القبض ، فكذا ما أشبهه .
والقياس أن يجوز الاستبدال برأس المال بعد الإقالة أو بعد انفساخ السلم ، سواء
أكان رأس المال عيناً أم ديناً أي من النقود، وهو قول زفر لأن رأس المال بعد الإقالة
صارديناً في ذمة المسلم إليه، فكما جاز الاستبدال بسائر الديون جاز بهذا الدين،
ويرد عليه بالحديث والمعقول السابقين (٤).
واتفقوا على أن الاستبدال ببدلي الصرف بعد الإقالة قبل القبض جائز؛ لأن
بدل الصرف لا يتعين بالتعيين، فلو تبايعا دراهم بدنانير، جاز استبدالها قبل القبض
(١)
البدائع: ٥ ص٢٠٣ .
وذهب مالك إلى أنه لا يجوز ذلك إذا كان المسلم فيه طعامً، لنهي الرسول ◌َفّ عن بيع الطعام قبل أن يستوفى
(٢)
(بداية المجتهد: ٢ / ٢٠٥) وأجاز الشافعي وفي قول عن أحمد هذا البيع، لأن صاحب المال قد ملك رأس ماله
بالإقالة، وصار ديناً في ذمة المسلم إليه الذي برئ من تسليم المسلم فيه، فيجوز له أن يشتري به ما أحب ممن
أحب (الأم: ٣/ ١١٧، المغني: ٤ / ٣٠٤).
نص الحديث كما رواه الدارقطني عن ابن عمر هو ((من أسلف في شيء فلا يأخذ إلا ما أسلف أو رأس ماله)) قال
(٣)
إبراهيم بن سعيد الجوهري: ((فلا يأخذ إلا ماأسلم فيه أو رأس ماله)) (انظر نيل الأوطار: ٥ ص٢٢٧ وما
بعدها، نصب الراية: ٤ ص٥١). وروى أبو داود في سننه (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره)).
(٤) فتح القدير مع العناية: ٥ ص٣٤٦، رد المحتار: ٤ ص٢١٨ وما بعدها .
- ٦٢٠ -