Indexed OCR Text
Pages 421-440
كانت قائمة فهلكت قبل القبض، كان الهلاك على البائع، فكذا القيمة (١). ٥ - القبض السابق: كل ما سبق فيما إذا كان المبيع في يد البائع، فإن كان في يد المشتري بقبض سابق ، ثم باعه المالك له، فهل يعتبر قابضاً بمجرد الشراء أو لا بد من تجديد القبض ليتم التسليم ؟ فيه تفصيل : لقد قسم الفقهاء القبض من حيث قوة أثره وضعفه إلى قسمين : قبض الضمان وقبض الأمانة . فقبض الضمان : هو ما كان فيه القابض مسؤولاً عن المقبوض تجاه الغير، فيضمنه، إذا هلك عنده، ولو بآفة سماوية، كالمغصوب في يد الغاصب، والمبيع في يد المشتري . وقبض الأمانة : هو ما كان فيه القابض غير مسؤول عن المقبوض إلا بالتعدي ، أو التقصير في الحفظ كالوديعة أو العارية أو المأجور أو مال الشركة في يد الوديع، أو المستعير، أو المستأجر، أو الشريك. وقد اعتبروا قبض الضمان أقوى من قبض الأمانة بسبب الضمان المترتب . والمبدأ العام: أن القبض السابق ينوب عن القبض اللازم في البيع إذا كانا متجانسين في الضمان وعدمه ، أو كان السابق أقوى بخلاف ما إذا كان أضعف . فقبض الضمان ينوب عن قبض الأمانة وعن قبض الضمان ، وأما قبض الأمانة فلا ينوب إلا عن قبض الأمانة فقط، ولا ينوب عن قبض الضمان ؛ لأن الأدنى لا يغني عن الأعلى(٢). البدائع ، المرجع السابق . (١) عقد البيع للأستاذ الزرقاء : ص ٨٧ وما بعدها ، فتح القدير: ٥ ص ٢٠٠ ، حاشية ابن عابدين : ٤ ص (٢) ٥٣٥ ، مجمع الضمانات للبغدادي : ص ٢١٧ . - ٤٢١ - وعلى هذا الأساس إذا كان الشيء المبيع موجوداً في يد المشتري قبل البيع : إما أن تكون يده يد ضمان أو يد أمانة . أ- فإن كانت يد المشتري يد ضمان : ١ - فإما أن تكون يد ضمان بنفسه: كيد الغاصب، فيصير المشتري قابضاً للمبيع بنفس العقد ، ولا يحتاج إلى تجديد القبض، ويبرأ البائع من التزام التسليم، سواء أكان المبيع حاضراً في مجلس العقد ، أم غائباً ؛ لأن المغصوب مضمون بنفسه ، والمبيع بعد القبض مضمون بنفسه ، فتجانس القبضان ، فناب أحدهما عن الآخر . أو تكون يد ضمان لغيره، كيد الرهن ، بأن باع الراهن المرهون من المرتهن، فإنه لا يصير قابضاً، إلا أن يكون الرهن حاضراً في مجلس العقد، أو يذهب إلى حيث يوجد الرهن ، ويتمكن من قبضه ؛ لأن المرهون ليس بمضمون بنفسه ، بل بغيره ، وهو الدين، والمبيع مضمون بنفسه، فلم يتجانس القبضان ، ولأن الرهن أمانة في الحقيقة ، فكان قبضه قبض أمانة ، وإنما يسقط الدين بهلاكه، لا لكونه مضموناً، وإنما لمعنى آخر، وهو الاستيثاق بالدين، فيهلك الرهن من مال المرتهن ويسقط الدين بقدر الرهن ؛ لأن الرهن وثيقة بالدين . ٢٠ وإذا كان قبض الرهن قبض أمانة، فقبض الأمانة لا ينوب عن قبض الضمان، كقبض العارية والوديعة . ب - وإن كانت يد المشتري يد أمانة، كيد المستعير أو الوديع، فلا يصير قابضاً ، إلا أن يكون المبيع بحضرته، أو يذهب إليه، فيتمكن من قبضه بالتخلي ؛ لأن يد الأمانة ليست من جنس يد الضمان، فلا يتناوبان(١). البدائع: ٥ ص ٢٤٨، فتح القدير: ٥ ص ٢٠٠. (١) - ٤٢٢ - المبحث الرابع - البيع الباطل والبيع الفاسد تمهيد : العقد من حيث حكمه أو وصفه الذي يعطيه الشارع له، بناء على مقدار استيفائه لأركانه وشروطه، ينقسم عند جمهور الفقهاء إلى صحيح وغير صحيح . فالصحيح : هو مااستوفى شروطه وأركانه. وغير الصحيح : هو مااختل فيه رکن من أركانه أو شرط من شروطه، ولا يترتب عليه أي أثر، ويشمل الباطل والفاسد، وهما بمعنى واحد . وأما الحنفية: فيقسمون العقد إلى صحيح وفاسد وباطل، فغير الصحيح عندهم، إما فاسد أو باطل . ومنشأ الخلاف: هو في تقدير نهي الشرع عن عقد ما .. هل النهي يقتضي الفساد أي عدم الاعتبار والوقوع في الإثم معاً ، أم يقتصر على إيجاب الإثم وحده مع اعتباره أحياناً، ثم هل يستوي النهي عن ركن من أركان العقد مع النهي عن وصف عارض للعقد ؟ قال جمهور الفقهاء: إن نهي الشارع عن عقد ما: يعني عدم اعتباره أصلاً، وإثم من يقدم عليه، ولا فرق بين النهي عن أركان العقد أو النهي لوصف عارض للعقد، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، ومن أدخل في دیننا مالیس فیه فهو رد)»(١) . فمتى خالف العمل أمر الشارع وطلبه، وصف بالفساد أو البطلان ، سواء أكانت المخالفة راجعة إلى حقيقة العمل أم وصفه ، وسواء في ذلك العبادة والمعاملة . (١) رواه مسلم عن عائشة، وفي رواية للبخاري ومسلم وأبي داود ((من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد)) (راجع جامع الأصول: ١ ص ١٩٧ ). - ٤٢٣ - وقال الحنفية : قد يكون نهي الشارع عن عقد: معناه إثم من يرتكبه فقط، لا إبطاله. ويفرق بين النهي عن أصل العقد أو أركانه، فيوجب بطلان العقد، وبين النهي عن أمر آخر كوصف من أوصاف العقد، فيوجب فساد العقد فقط(١)، لأن المعاملات ينظر فيها إلى جانب مصالح العباد، فإذا كانت مخالفة العمل راجعة إلى حقيقته كبيع المعدوم ، لم تتحقق به مصلحة أصلاً ، فكان باطلاً . وأما إذا تحققت بالعمل مصلحة على وجه ما ، ترتب أثر العمل عليه، ويتدارك النقص بإزالة سببه، وهذا يتحقق فيما لو كانت مخالفة العمل راجعة إلى وصفه مع سلامة حقيقته، بوجود ركنه وطرفيه ومحله، فيسمى فاسداً . أما العبادات فإن البطلان والفساد فيها مترادفان، فمخالفة أمر الشارع فيها يجعلها موصوفة بالفساد والبطلان، سواء أكان الخلل في ناحية جوهرية أم في ناحية فرعية متممة ؛ لأن العبادة ينظر فيها إلى تحقيق الامتثال والطاعة التامة، ولا يحصل ذلك إلا بزوال كل مخالفة فيها . وعلى هذا الأساس نعرف أن أنواع البيوع عند الحنفية بحسب وصف الشارع لها ثلاثة : صحیح ، وباطل، وفاسد . فالبيع الصحيح: هو ماكان مشروعاً بأصله ووصفه (٢) ولم يتعلق به حق الغير، ولاخيار فيه، وحكمه: أنه يثبت أثره في الحال. فالبيع الصحيح يثبت أثره انظر الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص ٤٣٦ وما بعدها. والذي يترجح أن أثر النهي (١) المتوجه إلى الوصف كأثر النهي المتوجه إلى ما تتوقف عليه حقيقة الشيء، سواء في اعتبار الشرع، وأن البيع الفاسد والباطل سيان لا يترتب عليه حكم من الأحكام (راجع أصول البيوع الممنوعة للأستاذ عبد السميع وهي رسالة دكتوراه من الأزهر: ص ١٤٧). أصل العقد أي ركنه ومحله فالركن: الايجاب والقبول، والمحل: محل العقد: ومعنى كون الركن مشروعاً: ألا (٢) يعرض له خلل كأن يصدر الايجاب والقبول من مجنون أو صبي لا يعقل. ومعنى كون المحل مشروعاً: أن يكون مالاً متقوماً. وأما وصف العقد: فهو ما كان خارجاً عن الركن والمحل كالشرط المخالف لمقتضى العقد، أو كون المبيع غير مقدور التسليم، وكالثمنية فإنها صفة تابعة للعقد . - ٤٢٤ - وهو تبادل الملكية في العوضين ، فيثبت ملك المبيع للمشتري، وملك الثمن للبائع فور انتهاء الايجاب والقبول إذا لم يكن في البيع خيار. والبيع الباطل : هو مااختل ركنه أو محله، أو هو مالا يكون مشروعاً بأصله ولا بوصفه، أي أن يكون العاقد ليس أهلاً للعقد، أو أن يكون محل العقد ليس قابلاً له. وحكمه: أنه لا يعتبر منعقداً فعلاً، وإن وجدت صورته في الخارج فلا يفيد الملك أصلاً، مثل عقد الطفل أو المجنون أو بيع ماليس بمال كالميتة، أو ماليس بمتقوم كالخمر والخنزير. وإذا كان البيع الباطل لا يفيد الملك بالقبض، فلو هلك المبيع في يد المشتري فيطبق عليه حكم هلاك الأمانات ؛ لأن العقد غير معتبر فبقي القبض بإذن المالك. قيل : وهو قول أبي حنيفة. وعند البعض: يكون مضموناً لأنه لا يكون أدنى حالاً من المقبوض على سوم الشراء. قيل: وهو قول الصاحبين. وأما الثمن المقبوض ببيع باطل فالصحيح أنه مضمون كالمقبوض ببيع فاسد . والبيع الفاسد : هو ما كان مشروعاً بأصله دون وصفه أي أن يصدر من أهل له في محل قابل للبيع، ولكن عرض له أمر أو وصف غير مشروع. مثل بيع المجهول جهالة تؤدي للنزاع كبيع دار من الدور أو سيارة من السيارات المملوكة لشخص، دون تعيين، وكإبرام صفقتين في صفقة كبيع دار على أن يبيعه سيارته مثلاً: وسنذكر أمثلة أخرى بالتفصيل. وحكمه: أنه يثبت فيه الملك بالقبض بإذن المالك صراحة أو دلالة، كأن يقبضه في مجلس العقد أمام البائع دون أن يعترض عليه، خلافاً لجمهور الفقهاء الذين يقررون أنه لا يفيد الملك أصلاً كالبيع الباطل(١). انظر فتح القدير مع العناية: ٥ ص ١٨٥ وما بعدها، البدائع: ٥ ص ٢٩٩، رد المحتار لابن عابدين: ٤ ص ١٠٤، (١) مجمع الضمانات: ص ٢١٥ ومابعدها، الأموال ونظرية العقد للدكتور يوسف موسى: ص ٤٤٠ ومابعدها . - ٤٢٥ - الضابط الذي يميز الفاسد عن الباطل إذا كان الفساد يرجع للمبيع فالبيع باطل ، كما إذا باع خمراً أو خنزيراً أو ميتة أو دماً أو صيد الحرم أو الإِحرام، فلا يفيد الملك أصلاً وإن قبض؛ لأن الخلل واقع على المبيع ذاته، وهو أن الخمر والخنزير لا يثبت الملك فيها للمسلم بالبيع، والبيع لا ينعقد بلا مبيع، والميتة والدم ليسا بمال متقوم، وقد أبطل الشارع تملك صيد الحرم والإحرام . وإن كان الفساد يرجع للثمن: فإن كان الثمن مالاً في الجملة أي في بعض الأديان أو مرغوباً عند الناس ، كالخمر والخنزير وصيد الحرم والإحرام فإن البيع يكون فاسداً أي أنه ينعقد بقيمة المبيع، ويفيد الملك في المبيع بالقبض ؛ لأن ذكر الثمن المرغوب دليل على أن غرضهما البيع فينعقد بيعاً بقيمة المبيع(١). وأما إن كان الثمن ميتة أو دماً، فاختلف الحنفية : فقال عامتهم : يبطل، وقال بعضهم: يفسد، والصحيح أنه يبطل ؛ لأن المسمى ثمناً ليس بمال أصلاً(٢). وبعد هذا التمهيد : نذكر نموذجاً من أنواع البيع الباطل ولو في رأي بعض الفقهاء، ثم نذكر نموذجاً آخر من أنواع البيع الفاسد، ثم نعقبها بتفصيل حكم البيع الفاسد وما يترتب عليه. وقد فصلنا بين نوعي البيع المذکورین منعاً للإبهام أو الإشكال، على عکس مانجده في أغلب كتب الحنفية التي تذكر باب البيع الفاسد. وتريد به الأعم من كونه فاسداً أو باطلاً وهو المنهي عنه الممنوع شرعاً(٣) بل إنهم قد يطلقون لفظ الفاسد الفرق بين الثمن والقيمة أن الثمن ماتراضى عليه المتعاقدان، سواء زاد على القيمة أو نقص عنها. والقيمة: ماقوم به (١) الشيء بمنزلة المعيار من غير زيادة ولانقص (انظر رد المحتار: ٤ ص ٥٣). (٢) المبسوط: ١٣ ص ٢٢ ومابعدها، فتح القدير والعناية: ٥ص ١٨٦، ٢٢٧، البدائع: ٥ ص ٢٩٩، ٣٠٥. انظر فتح القدير: ٥ ص ١٨٥، رد المحتار: ٤ ص ١٠٤. (٣) - ٤٢٦ - ويريدون به الباطل، ويفهم المقصود إما بالقرائن أحياناً أو بما يشعر بأن البيع باطل كقولهم : لا ينقلب العقد صحيحاً، وفي البيع الفاسد بالعكس: يعود العقد صحيحاً. المطلب الأول - أنواع البيع الباطل نذكر من أنواع البيع الباطل ما يأتي : ١ - بيع المعدوم : اتفق أئمة المذاهب على أنه لا ينعقد بيع المعدوم وماله خطر العدم، كبيع نتاج النتاج بأن قال: بعت ولد ولد هذه الناقة، وبيع الحمل الموجود لأنه على خطر الوجود، وبيع الثمر والزرع قبل ظهوره لأن النبي مع له ((نهى عن بيع حبل الحبلة))(١) أي نتاج النتاج. ونهى أيضاً عن بيع المضامين والملاقيح(٢) (والمضامين : ما في أصلاب الذكور، والملاقيح: مافي بطون الإناث) ونهى كذلك عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، کما سيأتي . ومن الملحق بالمعدوم : بيع لؤلؤ في صدف، وبيع اللبن في الضرع وبيع الصوف على ظهر الغنم ، ومثله بيع الكتاب قبل طبعه، فإن بيع ذلك لا يجوز عند جمهور رواه البخاري ومسلم وأحمد والموطأ وأبو داود والنسائي والترمذي عن ابن عمر أن رسول الله مَّ ((نهى عن (١) بيع حبل الحبلة)) (انظر جامع الأصول: ١ ص ٤٤١، نيل الأوطار: ٥ ص ١٤٧). (٢) فيه عدة روايات منها مارواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عمر عن النبي ◌َّ م أنه نهى عن المضامين، والملاقيح، وحبل الحبلة: قال: والمضامين: مافي أصلاب الإبل، والملاقيح، مافي بطونها، وحبل الحبلة: ولد ولد هذه الناقة، وقيل: إن المبيع هو ولد الناقة (انظر نصب الراية: ٤ ص ١٠) والخلاصة أن المضامين: ما في ظهر الفحل بمعنى أن يحمل البائع الفحل على ناقته، فما أنتجته كان للمشتري، أو بيع ما يضربه الفحل مدة عام أو عامين. والملاقيح: بيع الجنين في بطن أمه، أو مافي البطن من المني قبل أن يطلق عليه اسم الحمل، وهذه البيوع كانت متعارفة في الجاهلية . - ٤٢٧ - الفقهاء؛ لأن محل العقد غير موجود بالتأكيد، ولما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ((نهى رسول الله مد طاهر أن تباع ثمرة حتى تطعم (١)، ولا يباع صوف على ظهر ولا لبن في ضرع))(٢) ولأن بيع اللبن في الضرع مجهول الصفة والمقدار. وجهالة مقداره، لأنه قد يرى امتلاء الضرع من السمن، فيظن أنه من اللبن. وجهالة الصفة : لأنه قد يكون اللبن صافياً، وقد يكون كدراً فأشبه الحمل، لأنه بيع عين لم تخلق ، فلم يجز كبيع ما تحمل الناقة، والعادة في ذلك تختلف. وفيه علة أخرى وهي : أنه معجوز التسليم ، لأن اللبن لا يجتمع في الضرع دفعة واحدة، بل شيئاً فشيئاً، فيختلط المبيع بغيره على وجه يتعذر التمييز بينهما . وأما لبن الظئر (أي المرضع) فيجوز بيعه للحضانة ، للحاجة. وأما بطلان بيع الصوف على ظهر الغنم، فلأنه يقع الاختلاف في موضع القطع من الحيوان، فيقع الإضرار به فكان مشتملا على الغرر، وفيه علة أخرى وهي : أنه معجوز التسليم ، لأن الصوف ينمو ساعة فساعة ، فيختلط الموجود عند العقد بالحادث بعده على وجه لا یمکن التمییز بينهما . وخالف الإمام مالك في الحالتين ، فقال : يجوز بيع اللبن في الضرع في الغنم السائمة التي لا يختلف لبنها، لا في الشاة الواحدة، أياماً معلومة، إذا عرف قدر حلابها ، لسقي الصبي، كلبن الظئر، لتسامح غالب الناس به أياماً معلومة غالباً ، بل رأينا من يسامح بلبن بقرته الشهر وأكثر بطريق الإباحة أو الهبة. وقال أيضاً: يصح بيع الصوف على ظهر الغنم، لأنه مشاهد يمكن تسليمه . وهناك رواية عند الحنابلة تقرر مثل هذا الحكم وهو أنه يجوز بيع الصوف على (٢) تطعم - بكسر العين أي يبدو صلاحها . (١) حديث مرفوع مسند رواه الطبراني في معجمه عن ابن عباس، وأخرجه الدارقطني والبيهقي في سننيها (انظر نصب الراية: ٤ ص ١١، نيل الأوطار: ٥ص ١٤٩). - ٤٢٨ - ظهر الغنم ، بشرط جزّه في الحال، لأنه معلوم يمكن تسليمه. وكذلك الظاهرية أجازوا بيع الصوف على ظهور الغم(١). رأي بعض الحنابلة في بيع المعدوم : أجازابن القيم وأستاذه ابن تيمية بيع المعدوم عند العقد إذا كان محقق الوجود في المستقبل بحسب العادة، لأنه لم يثبت النهي عن بيع المعدوم لا في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام الصحابة، وإنما ورد في السنة النهي عن بيع الغرر ، وهو مالا يقدر على تسليمه ، سواء أكان موجوداً أم معدوماً كبيع الفرس النافر والجمل الشارد ، فليست العلة في المنع لا العدم لا الوجود . بل إن الشرع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع ، فإنه أجاز بيع الثمر بعد بدء صلاحه، والحب بعد اشتداده، ومعلوم أن العقد إنما ورد على الموجود والمعدوم الذي لم يخلق بعد. وعلى هذا فبيع المعدوم إذا كان مجهول الوجود في المستقبل باطل للغرر لا للعدم، فالأصل إذاً هو الغرر(٣). ٢ - بيع معجوز التسليم يرى جمهور الحنفية كما في ظاهر الرواية: أنه لا ينعقد بيع معجوز التسليم عند العقد، ولو كان مملوكاً، كالطير الذي طار من يد صاحبه، أو العبد الآبق (الفارّ) واللقطة، ويكون البيع باطلا، حتى لو ظهر الآبق ونحوه يحتاج إلى تجديد الايجاب والقبول ، إلا إذا تراضيا حينئذ، فيكون بيعاً مبتدءاً بالتعاطي. (١) انظر المبسوط: ١٢ ص ١٩٤ وما بعدها، ١٣ ص ٢٣، البدائع: ٥ ص ١٣٩، ١٤٨، فتح القدير: ٥ ص ١٩٢، رد المختار: ٤ ص١٠٦، ١١٢، ١١٣، بداية المجتهد: ٢ ص ١٤٧، ١٥٧، الميزان: ٢ ص ٦٧، مغني المحتاج: ٢ ص ٣٠، المهذب: ١ ص ٢٦٢، المغني: ٤ ص ٢٠٨ وما بعدها، سبل السلام: ٣ ص ٣٢ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٢٥٦، المحلى: ٨ص ٤٥٨ . راجع أعلام الموقعين: ٢ ص ٨ وما بعدها، مصادر الحق: ٣ ص ٤٠ وما بعدها، الغرر وأثره في العقود: ص ٣٥٦ (٢) وما بعدها، الأموال ونظرية العقد: ص ٣٠٨. - ٤٢٩ - ولو قدر على التسليم في المجلس لا يعود جائزاً، لأنه وقع باطلاً، وعن الكرخي والطحاوي : أنه يعود جائزاً . فإن كان الطائر يذهب ويعود كالحمام الأهلي، ففي ظاهر الرواية : لا يجوز أيضاً بيعه لعدم القدرة على التسليم في الحال، وقال بعض الحنفية: إن كان الطائر داجناً يعود إلى بيته ويقدر على أخذه بلا تكلف جاز بيعه، وإلا فلا . وكذا يبطل العقد إذا جعل معجوز التسليم ثمناً؛ لأن الثمن إذا كان عيناً، فهو مبيع في حق صاحبه(١) . وقال المالكية: لا ينعقد بيع البعير الشارد والبقرة المتوحشة والمغصوب إلا أن يبيعه من غاصبه . وقال الشافعية والحنابلة: لا يجوز (أي لا ينعقد) بيع مالا يقدر على تسليمه (١) وذكر الكرخي رحمه الله أنه ينعقد بيع الآبق، حتى لو ظهر وسلم يجوز ولا يحتاج إلى تجديد البيع، ودليله: أن الإباق لا يوجب زوال الملك، ألا ترى أنه لو أعتقه أو دبره ينفذ، فإذا باعه يكون قد باع مالاً مملوكاً له، إلا أنه لم ينفذ للحال للعجز عن التسليم، فإن سلم زال المانع، فينفذ، كبيع المغصوب الذي في يد الغاصب إذا باعه المالك لغيره، فإنه ينعقد موقوفاً على التسليم. ووجه ظاهر الرواية: هو أن القدرة على التسليم شرط انعقاد العقد، لأنه لا ينعقد إلا لفائدة، ولا يفيد إذا لم يكن قادراً على التسليم، والعجز عن التسليم ثابت حالة العقد، وفي حصول القدرة بعد ذلك شك، واحتمال قد يحصل وقد لا يحصل. ومالم يكن منعقداً ببقين لا ينعقد لفائدة محتملة، بخلاف بيع المغصوب من غير الغاصب، فإنه ينعقد موقوفاً على التسليم، حتى لو سلم ينفذ، لأن المالك هنا قادر على التسليم بقدرة السلطان والقاضي وجماعة المسلمين، إلا أنه لم ينفذ للحال، لوجود يد الغاصب صورة، فإذا سلم زال المانع، فينفذ، بخلاف الآبق، لأنه معجوز التسليم على الاطلاق، فأشبه بيع الآبق بيع الطير في الهواء، والسمك في الماء (البدائع: ٥ ص ١٤٧ ومابعدها، فتح القدير: ٥ص ١٩٩، رد المحتار: ٤ ص ١١٢، مختصر الطحاوي: ص ٨٢، الأموال ونظرية العقد لأستاذنا محمد يوسف موسى: ص ٣١٤). وقال المالكية: لا يجوز (أي لاينعقد) بيع الآبق حال إباقه، إذا لم يعلم موضعه أو علم أنه عند من لا يسهل خلاصه منه أو عند من يسهل خلاصه منه، ولم تعلم صفته فإذا كان معلوم الصفة، معلوم الموضع عند البائع والمشتري جاز، قال ابن رشد: وأظنه (أي الإمام مالك) اشترط أن يكون معلوم الإباق، ويتواضعان الثمن أي لا يقبضه البائع حتى يقبض المشتري المبيع (بداية المجتهد: ٢ ص ١٥٦، الشرح الكبير للدردير: ٣ ص١١) وقد ذكرت حكم العبد الآبق لمجرد الاطلاع من الناحية التاريخية. - ٤٣٠ - كالطير في الهواء أو السمك في الماء والجمل الشارد، والفرس العائر ( أي الهائم على وجهه) والمال المغصوب في يد الغاصب والعبد الآبق، سواء علم مكانه أو جهل، ومثله بيع الدار أو الأرض تحت يد العدو(١) لأن النبي ◌ُ ◌ّ نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر(٣)، وهذا غرر، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله مُڅے نهى عن شراء العبد الآبق ، وعن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع وعن شراء ما في ضروعها ، وعن شراء الغنائم حتى تقسم(٣). وعن ابن مسعود أن رسول الله مياهثم قال: ((لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر)) (٤) فقد علل النهي عن بيع السمك بأنه غرر، فدل على أن الغرر: مالا يقدر على تسليمه . والمراد بالماء الذي لا يجوز بيع السمك فيه هو الماء غير المحصور كماء البحر والنهر، فإن كان الماء محصوراً كماء البركة فقال الحنفية والشافعية والحنابلة في الجملة : يجوز بيع السمك فيه إذا كان يمكن أخذه بدون اصطياد وحيلة. ولكن للمشتري خيار الرؤية عند الحنفية. ومنع المالكية بيع السمك في الغدير أو البركة (٥) . والخلاصة: أن المذاهب الأربعة متفقة على بطلان بيع مالا يقدر على تسليمه، مع الخلاف في بعض القيود أحياناً أو مع أقوال ضعيفة في المذهب . وذهب الظاهرية إلى أنه لا يشترط في صحة البيع أن يكون المعقود عليه مقدور المهذب: ١ ص ٢٦٣، المغني: ٤ ص ٢٠٠ وما بعدها، غاية المنتهى: ٢ ص ١٠. (١) رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ((أن النبي معطفل نهى عن بيع الحصاة (٢) وعن بيع الغرر)» وقد سبق تخريجه. وبيع الحصاة مثل أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ماوقعت عليه هذه الحصاة ثم يرمي الحصاة (انظر جامع الأصول: ١ ص ٤٤١، نيل الأوطار: ٥ ص ١٤٧). رواه أحمد وابن ماجه عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد الخدري ونصه: ((نهى النبي ◌َّ عن شراء مافي بطون (٣) الأنعام حتى تضع، وعن بيع مافي ضروعها إلا بكيل، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص)) (انظر نيل الأوطار: ٥ ص ١٤٩). رواه أحمد موقوفاً ومرفوعاً والطبراني في الكبير كذلك، ورجال الموقوف رجال الصحيح (انظر مجمع الزوائد: (٤) ٤ ص ٨٠). (٥) البدائع: ٥ ص ٢٩٥، بداية المجتهد: ٢ ص ١٥٦، المهذب: ١ ص ٢٦٣، المغني: ٤ ص ٢٠٢. الفقه الإسلامي جـ٤ - ٤٣١ - التسليم ، وإنما الواجب ألا يحول البائع بين المشتري وبين ما اشتراه(١). بيع الدين : الدين (٢): كثمن مبيع، وبدل قرض، ومهر بعد دخول بالمرأة أو قبل الدخول بها، وأجرة مقابل منفعة، وأرش(٣) جناية، وغرامة متلف، وعوض خلع ، ومسلم فيه . وبيع الدين : إما أن يكون لمن في ذمته الدين ، أو لغير من عليه الدين . وفي كل من الحالين إما أن يباع الدين نقداً في الحال، أو نسيئة مؤجلاً. وبيع الدين نسيئة : هو مايعرف ببيع الكالئ بالکالئ أي الدین بالدین وهو بيع ممنوع شرعاً لأن النبي مج لّ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ(٤)، وقد قيل: أجمع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين، وذلك سواء أكان البيع للمدين ، أم لغير المدين . مثال الأول وهو بيع الدين للمدين : أن يقول شخص لآخر اشتريت منك مدأ من الحنطة بدينار على أن يتم تسليم العوضين بعد شهر مثلاً. أو أن يشتري شخص شيئاً إلى أجل، فإذا حل الأجل ، لم يجد البائع ما يقضي به دينه، فيقول للمشتري : بعني هذا الشيء إلى أجل آخر بزيادة شيء، فيبيعه ولا يجري بينهما تقابض. فيكون هذا رباً حراماً تطبيقاً لقاعدة: ((زدني في الأجل، وأزيدك في القدر)). ومثال بيع الدين لغير المدين : أن يقول رجل لغيره: بعتك العشرين مداً من المحلى: ٨ص ٤٤٩ ومابعدها، أصول البيوع الممنوعة: ص ١٣٠. (١) يلاحظ أن ((الدين)) في القوانين الوضعية المعاصرة: هو العمل الذي يجب على الشخص أن يقوم به. فيشمل (٢) ما إذا كان محل هذا العمل ديناً موصوفاً في الذمة الذي يقول به فقهاؤنا، أو عيناً: وهي الشيء المعين المشخص بذاته . الأرش: هو العوض المالي المقدر شرعاً بدلاً عن الجناية التي ألحقت بعضو من الأعضاء. (٣) (٤) رواه الدارقطني عن ابن عمر، ورواه الطبراني عن رافع بن خديج، وقد سبق تخريجه، وبيان كونه ضعيفاً. - ٤٣٢ - القمح التي لي عند فلان بكذا تدفعها لي بعد شهر(١). وبيع الدين نقداً في الحال : اختلف الفقهاء في شأنه على التفصيل الآتي : أولاً - بيع الدين للمدين : أجاز جمهور الفقهاء أئمة المذاهب الأربعة بيع الدين لمن عليه الدين أو ھبته له؛ لأن المانع من صحة بيع الدين بالدين هو العجز عن التسليم، ولاحاجة إلى التسليم ههنا، فما في ذمة المدين مسلم له (٢). ومثاله: أن يبيع الدائن للمدين ديناً له في ذمته بدين آخر من غير جنسه، فيسقط الدين المبيع، ويجب عوضه . وقال الظاهرية : لا يجوز بيع الدين إلى المدين لوجود الغرر فیه، قال ابن حزم : لأنه بيع مجهول، ومالا يدرى عينه، وهذا هو أكل مال بالباطل(٣) . ثانياً - بيع الدين لغير المدين : قال الحنفية والظاهرية : بما أنه لا يجوز بيع معجوز التسليم ، فلا ينعقد بيع الدين من غير من عليه الدين ، لأن الدين غير مقدور التسليم إلا للمدين نفسه في حق البائع ؛ لأن الدين عبارة عن مال حكمي في الذمة ، أو عبارة عن فعل تمليك المال وتسليمه، وكل ذلك غير مقدور التسليم من البائع . ولو شرط التسليم على المدين لا يصح البيع أيضاً؛ لأن البائع شرط التسليم على غيره، فيكون شرطاً فاسداً ، فيفسد البيع(٤) . وقال الشافعية في الأظهر عنده(٥): يجوز بيع الدين (١) راجع سبل السلام: ٣ ص ٤٥، نيل الأوطار: ٥ص ١٥٦، الشرح الكبير والدسوقي: ٣ ص ٦١ وما بعدها، الغرر وأثره في العقود للدكتور الصديق: ص ٣١١ وما بعدها، غاية المنتهى: ٢ ص ٥٨، المهذب: ١ ص ٢٦٢. البدائع: ٥ ص ١٤٨، تكملة ابن عابدين: ٣٢٦/٢، الفتاوى الهندية: ٣٦٥/٤، أصول البيوع الممنوعة: ص ١١١، (٢) المغني : ٤ ص ١٢٠ . المحلى: ٩ ص٧ وما بعدها، أصول البيوع، المكان السابق. (٣) (٤) البدائع، المحلى، في المكانين السابقين . المهذب : ١ ص ٢٦٢ ومابعدها . (٥) - ٤٣٣ - المستقر (١) للمدين ولغير المدين قبل القبض، لأن الظاهر القدرة على التسليم من غير منع ولا جحود، ومثال الدين المستقر: قيمة المتلفات ، والمال الموجود عند المقترض . وأما إن كان الدين غير مستقر: فإن كان مسلماً فيه في عقد السلم، فلا يجوز التصرف فيه قبل قبضه، لعموم النهي عن بيع مالم يقبض، ولأن الملك في المسلم فيه غير مستقر، لأنه ربما تعذر تسليمه لفقدانه، فانفسخ البيع فيه . وإن كان الدين ثمناً في بيع، ففي المذهب الجديد للشافعي : يجوز التصرف فيه قبل قبضه لخبر ابن عمر في هذا الشأن عن الرسول من الفهم: ((لا بأس مالم تتفرقا، وبينكما شيء))(٢) ولأنه لا يخشى انفساخ العقد فيه بالهلاك، فصار ذلك مثل المبيع بعد القبض . وقال الحنابلة: يصح في الصحيح من المذهب بيع الدين المستقر للمدين كبدل قرض ومهر بعد الدخول. ولا يصح بيع الدين لغير المدين ، كما لاتصح هبة الدين لغير من هو في ذمته ؛ لأن الهبة تقتضي وجود معين ، وهو منتفٍ هنا. كما لا يصح بيع الدين غير المستقر كأجرة عقار قبل مضي مدة الإيجار، ومهر قبل دخول بالمرأة ، ومسلم فيه قبل القبض ، إلا أن ابن القيم أجاز بيع الدين للمدين ولغير المدين(٣). وقال المالكية : يجوز بيع الدين لغير المدين بشروط ثمانية تبعده عن الغرر والربا وأي محظور آخر كبيع الشيء قبل قبضه، وتتلخص هذه الشروط هنا في شرطین هما : (١) الدين المستقر: هو الثابت استيفاؤه والذي يكون الملك عليه لازماً مستحقاً لصاحبه دون أن يكون هناك أي احتمال آخر لسقوطه. (٢) رواه الترمذي وغيره، وصححه الحاكم على شرط مسلم، والقصة معروفة وهي أن ابن عمر قال: «كنت أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير، فأخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، فأخذ الدنانير، فقال رسول الله مرتفع: ((لا بأس مالم تتفرقا وبينكما شيء)». المغني: ٤ ص ١٢٠، ٣٠١، غاية المنتهى: ٢ ص ٨٠ ومابعدها، أعلام الموقعين: ١ ص ٣٨٨ وما بعدها. كشاف (٣) القناع: ٣٣٧/٤. - ٤٣٤ - ١ - ألا يؤدي البيع إلى محظور شرعي كالربا والغرر ونحوهما : فلابد من أن یکون الدین مما يجوز بيعه قبل قبضه، کان یکون من قرض ونحوه ویکون الدین المبيع غير طعام، وأن يباع بثمن مقبوض أي معجل لئلا يكون ديناً بدين ، وأن يكون الثمن من غير جنس الدين المبيع أو من جنسه مع التساوي بينهما حذراً من الوقوع في الربا، وألا يكون الثمن ذهباً إذا كان الدين فضة، حتى لا يؤدي ذلك إلى بيع النقد بالنقد نسيئة من غير مناجزة ، فهذه أربعة شروط في شرط . ٢ - أن يغلب على الظن الحصول على الدين بأن يكون المدين حاضراً في بلد العقد، ليعلم حاله من عسر أو يسر، وأن يكون المدين مقراً بالدين ، حتى لا ينكره بعدئذ، فلا يجوز بيع حق متنازع فيه وأن يكون أهلاً للالتزام بالدين بألا يكون قاصراً ولا محجوراً عليه مثلاً ليكون الدين مقدور التسليم، وألا يكون بين المشتري وبين المدين عداوة حتى لا يتضرر المشتري أو حتى لا يكون في البيع إعنات للمدين بتمکین خصه منه(١) . فهذه أربعة شروط أخرى في شرط. ويظهر لنا أن مذهب المالكية هو الراجح بین المذاهب . خصم الكمبيالة : ذكر الحنفية (٢) أن بيع أوراق الكمبيالة المتعارف في زماننا إلى غير الغريم (المدين ) أولمن عليه أموال أميرية بأنقص من الحق غير صحيح . ٣ - بيع الغرر: الغرر في اللغة: الخطر، والتغرير: التعريض للهلاك، وأصل الغرر لغة: هو ماله ظاهر محبوب ، وباطن مكروه. ولذلك سميت الدنيا متاع الغرور. (١) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه: ٣ ص ٦٣، بداية المجتهد: ٢ ص ١٤٦، القوانين الفقهية: ص ٢١٠، ٢٨٩، أصول البيوع الممنوعة: ١٠٩، الغرر وأثره في العقود: ص ٣١٥. (٢) أصول البيوع الممنوعة في الشريعة الاسلامية وموقف القوانين منها للأستاذ عبد السميع إمام: ص ١٢٠. - ٤٣٥ - فالغرر: تعريض المرء نفسه أو ماله للهلاك من غير أن يعرف. وبيع الغرر: هو بمعنى مغرور اسم مفعول، فهو من إضافة المصدر إلى اسم المفعول. ورجح بعضهم (١) أن الاضافة هنا من إضافة الموصوف إلى صفته، أو من إضافة المصدر إلى نوعه، ولا يصح جعل الإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله، کما یقول ابن تيمية، لأنه يترتب على هذا كون الغرر خاصاً بمحل العقد، وليس كذلك، فإن من الغرر المنهي عنه باتفاق الفقهاء ما يرجع إلى الصفة التي وقع عليها العقد، كبيع الحصاة. أما إذا جعلنا الاضافة إلى الصفة أو نوع المصدر، فإن النهي يعم كل بيوع الغرر، سواء أكان الغرر في محل العقد كبيع الطير في الهواء، وشاة من قطيع، أم في صيغته كالبيعتين في بيعة، والشرطين في بيع وبيع العربان ، وبيع الحصاة ونحوها . وإذاً فالغرر لغة معناه الخداع الذي هو مظنة ألا رضا به عند تحققه، فيكون مِن أكل المال بالباطل(٣). والغرر فقهاً يتناول الغش والخداع والجهالة بالمعقود عليه، وعدم القدرة على التسليم. قال الصنعاني: يتحقق بيع الغرر في صور: إما بعدم القدرة على التسليم كبيع الفرس النافر والجمل الشارد، أو بكونه معدوماً أو مجهولاً ، أو لا يتم ملك البائع له، كالسمك في الماء الكثير، وغيرها من الصور(٣). الغرر في اصطلاح الفقهاء : لقد ذكر فقهاء المذاهب تعريفات للغرر متقاربة نسبياً منها : قال السرخسي الحنفي : الغرر: ما يكون مستور العاقبة(٤). وقال القرافي المالكي : أصل الغرر: هو الذي لا يدرى هل يحصل أم لا كالطير في الهواء والسمك في الماء(٥) . انظر رسالة الزميل الدكتور الصديق الأمين ((الغرر وأثره في العقود)» ص ٦٢ . (١) (٢) سبل السلام: ٣ ص ١٥ . (٣) المرجع السابق، القوانين الفقهية: ص ٢٥٦ . (٤) المبسوط : ١٢ ص ١٩٤ . الفروق: ٣ ص ٢٦٥ . (٥) - ٤٣٦ - وقال الشيرازي الشافعي: الغرر: ما انطوى عنه أمره وخفي عليه عاقبته(١). وقال الإِسنوي الشافعي : الغرر: هو ماتردد بين شيئين أغلبهما أخوفهما (٢). وقال ابن تيمية : الغرر هو المجهول العاقبة . وقال ابن القيم : هو مالا يقدر على تسليمه، سواء أكان موجوداً أو معدوماً كبيع العبد الآبق، والبعير الشارد، وإن كان موجوداً(٣). وقال ابن حزم : مالا يدري المشتري ما اشترى، أو البائع ما باع (٤) . والخلاصة : أن بيع الغرر: هو البيع الذي يتضمن خطراً يلحق أحد المتعاقدين ، فيؤدي إلى ضياع ماله(٥). وعرفه الأستاذ الزرقاء فقال: هو بيع الأشياء الاحتمالية غير المحققة الوجود أو الحدود، لما فيه من مغامرة وتغرير يجعله أشبه بالقمار. والغرر الذي يبطل البيع : هو غرر الوجود: وهو كل ما كان المبيع فيه محتملاً الوجود والعدم . أما غرر الوصف فمفسد للبيع(٦)، كما عرفنا في شرائط الصحة . إذاً : الغرر هو الخطر بمعنى أن وجوده غیر متحقق ، فقد يوجد وقد لا يوجد . وبيع الغرر: بيع ما لا يعلم وجوده وعدمه ، أولا تعلم قلته وكثرته ، أولا يقدر على تسليمه . ملاحظات على التعاريف : قصر الظاهرية الغرر على المجهول ، وقصره بعض الحنفية على مالا يدرى حصوله، وأخرجوا عنه المجهول، والراجح عند أكثر الفقهاء أن الغرر يشمل مالا يدرى حصوله، والمجهول(٧)، ولذا فإن تعريف السرخسي للغرر هو أرجح التعاريف: وهو ما كان مستور العاقبة . (١) المهذب: ١ ص ٢٦٢ . نهاية السول شرح منهاج الأصول: ٢ ص ٨٩. (٢) (٣) أعلام الموقعین: ٢ ص٩، الفتاوى لابن تيمية : ٣ ص ٢٧٥ . (٤) المحلى: ٣٩٦٨/٨. (٥) (٦) أصول البيوع الممنوعة: ص ١٣٠. المدخل الفقهي العام له: ١ ص ٩٧، عقد البيع له أيضاً: حاشية ص ٢٠. راجع رسالة الغرر وأثره في العقود: ص ٣٣ وما بعدها . (٧). - ٤٣٧ - حكم بيع الغرر: قال الإمام النووي : النهي عن بيع الغرر أصل من أصول الشرع يدخل تحته مسائل كثيرة جداً. ويستثنى من بيع الغرر أمران : أحدهما - ما يدخل في المبيع تبعاً، بحيث لو أفرد، لم يصح بيعه كبيع أساس البناء تبعاً للبناء، واللبن في الضرع تبعاً للدابة . والثاني - ما يتسامح بمثله عادة، إما لحقارته، أو للمشقة في تمييزه أو تعيينه، كدخول الحمام بالأجر، مع اختلاف الناس في الزمان، ومقدار الماء المستعمل، وكالشرب من الماء المحرز، وكالجبة المحشوة قطناً(١). وقد اتفق الفقهاء على عدم صحة بيع الغرر، مثل بيع اللبن في الضرع ، والصوف على الظهر، واللؤلؤفي الصدف، والجمل في البطن ، والسمك في الماء، والطير في الهواء قبل صيدهما ، وبيع مال الغير على أن يشتريه فيسلمه ، أي بيع ماسيلكه قبل ملكه له، لأن البائع باع ماليس بمملوك له في الحال، سواء أكان السمك في البحر، أو في النهر، أو في حظيرة لا يؤخذ منها إلا باصطياد ، وسواء أكان الغرر في المبيع أو في الثمن . ومن البيوع غير الصحيحة بسبب الغرر: بيع المضامين والملاقيح ، وبيع الملامسة والمنابذة والحصاة(٢)، وبيع ضربة القانص (بأن يقول البائع: بعتك ما يخرج من إلقاء المجموع: ٩ ص ٢٨٠ وما بعدها، نيل الأوطار: ٥ ص ١٤٨، قواعد الأحكام العزبن عبد السلام: ٧٦/٢. (١) سبق شرح المضامين والملاقيح، وأما بيع الملامسة: فهو مثل بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته، أو إن لمسته، (٢) أو أي ثوب من هذه الأثواب لمسته، فهو لك. وبيع المنابذة مثل: إن أو متى نبذت هذا، أو أي ثوب نبذته لك (أي طرحته) فهو لك بكذا. وبيع الحصاة الذي يشبه بيع اليانصيب اليوم، كأن يقول: ارم بهذه الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت فهو لك، أو بعتك من هذه الأرض ماانتهت إليه الحصاة في الرمي. ولفظ الغرر يشملها ، إلا أنها أفردت في الحديث بالنهي كما سنلاحظ، لكونها كانت مما يبتاعها أهل الجاهلية. (سبل السلام: ٣ ص ١٥، غاية المنتهى: ٢ ص ١١) وفسر الحنفية هذه البيوع الثلاثة تفسيراً يشعر بأن اللمس أمارة على لزوم البيع، سواء أكان المشتري عالماً بالمبيع أم جاهلاً به، في حين أن مفهوم بيع الملامسة عند المحدثين هو أن اللمس يقوم مقام نظر السلعة إذا احتاج الأمر إلى ذلك كالثوب، قال المرغيناني: هي أن يتراوض الرجلان على سلعة (أي يتساومان) فإذا لمسها المشتري، أو نبذها إليه البائع، أو وضع المشتري عليها حصاة، لزم المبيع، فالأول بيع الملامسة، والثاني: المنابذة، والثالث: إلقاء الحجر أي بيع الحصاة (راجع فتح القدير: ٥ ص١٩٦). - ٤٣٨ - هذه الشبكة مرة بكذا) وضربة الغائص (بأن يقول : أغوص غوصة، فما أخرجته من اللآلئ، فهو لك بكذا)(١) فالمبيع في الأنواع الخمسة الأخيرة مجهول الذات أو المقدار، وقد ثبت النهي عنها، وهي من بيوع الجاهلية . ومنها بيع المزابنة : وهو بيع الرطب أو العنب على النخل أو الكرمة بتمر مقطوع، أو زبيب مثل كيله خرصاً أي بتقديره حَزْراً أو تخميناً. وبيع المحاقلة : أي بيع الحنطة في سنبلها بحنطة مثل كيلها خرصاً، لأن النبي موظفة ((نهى عن المزابنة والمحاقلة))(٣) لما في ذلك من الربا لجهالة مقدار المبيع، إذ أنه كما هو معلوم يشترط التماثل حقيقة في الأموال الربوية. لكن للحاجة رخص الشافعية والحنابلة والظاهرية ، وفي الراجح عند المالكية بيع العرايا (٣): وهو عند الشافعية بيع الرطب على النخل خرصاً بتمر في الأرض كيلاً، أو بيع العنب على الشجر خرصاً بزبيب في الأرض كيلاً، فيما دون خمسة أوسق(٤) بشرط التقابض في المجلس عند الفقهاء ماعدا المالكية، لأن النبي ◌ُّ ◌َّ نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في العرايا(٥). وأما الحنفية (١) الصائد بالآلة هو القانص سواء في البر أو البحر. وأما من يغوص في البحر لاستخراج اللآلئ مثلاً فهو الغائص وقد ورد النهي عن ضربة الغائص في حديث أبي سعيد الخدري (نيل الأوطار: ١٤٨/٥). (٢) أخرجه البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري ،وأخرجه البخاري أيضاً من حديث ابن عباس، وأنس. وأخرجه مسلم أيضاً من حديث أنس (راجع نصب الراية: ٤ ص١٢ وما بعدها، نيل الأوطار: ٥ص١٩٨ ومابعدها). العرايا: جمع عرية، والعربية: النخلة المعراة والتي أكل ما عليها، وهي في الأصل: عطية ثمر النخل دون (٣) الرقبة، وقال الجوهري: هي النخلة التي يعربها (أي يعطيها) صاحبها رجلاً محتاجاً بأن يجعل له ثمرها عاماً، من عراه: إذا قصده. الوسق: ستون صاعاً بصاع النبي صحيفة والخمسة أوسق تساوي ٢٥٧ رطلاً شامياً أي قنطارين ونصف تقريباً أو (٤) ٦٥٣ كغ . وقد قصر الحنابلة والظاهرية بيع العرايا على ثمر النخل دون العنب وأجازه مالك في كل ما ييبس ويدخر کالجوز واللوز والتين . أخرجه البخاري ومسلم وأحمد من حديث سهل بن أبي حثمة، وأخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة أن (٥) رسول الله عَّ رخص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق (شك من الراوي) والمقصود من بيع الثمر بالتمر أي بيع ثمر النخلة الجديد بالتمر القديم (راجع نصب الراية: ٤ ص ١٣، نيل الأوطار: ٥ ص ٢٠٠). - ٤٣٩ - فقد أجازوا بيع العرايا للضرورة فقط ، وذكر الشوكاني أن أبا حنيفة منع صور بيع العرايا كلها، وقصر العرية على الهبة: وهي أن يهب صاحب البستان لرجل ثمر نخلات معلومة من بستانه، ثم يتضرر بدخوله عليه، فيخرصها، ويشتري رطبها منه بقدر خرصه بتمر معجل أي بقدر ماوهبه له من الرطب بما يساويه تخميناً من التمر (١). ويلاحظ أن هذه البيوع غير الصحيحة بسبب الغرر، منها الباطل، ومنها الفاسد في اصطلاح الحنفية، فالفاسد منها فقط: هو بيع ضربة القانص والغائص والمزابنة والمحاقلة والملامسة والمنابذة وبيع الحصاة، وبيع ثوب من أثواب ونحوها مما فيه جهالة. وأما ماعداها فهو باطل(٢). فبيع الملاقيح والمضامين وحبل الحبلة باطل، لنهيه ◌َّ الّ عنه، ولما فيه من الغرر، كما بينا في بحث بيع المعدوم. والدليل على عدم صحة بيع الغرر في الجملة: هو أن النبي ◌ُ تخلّ نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر. وعن ابن مسعود أن النبي ◌ُ التّ قال: ((لا تشتروا السمك في الماء، فإنه غرر))(٣)، ولأنه غير مقدور على تسليمه، وفيه جهالة فاحشة بمحل العقد أو بمقدار المبيع، ولأنه غير مملوك للبائع محل العقد. الغرر اليسير: الغرر والجهالة ثلاثة أقسام(4): كثير ممتنع إجماعاً كالطير في الهواء. وقليل جائز إجماعاً كأساس الدار وقطن الجبة. ومتوسط اختلف فيه : هل يلحق بالأول أو الثاني، فلارتفاعه عن القليل ألحق بالكثير، ولانحطاطه عن الكثير، ألحق بالقليل. وقد أجاز الحنفية بيع ما يشتمل على غرر يسير، كالأشياء التي (١) نيل الأوطار: ٥ ص ٢٠١، مختصر الطحاوي: ص ٧٨ . التبس على بعض المؤلفين أن بيع الطير في الهواء والسمك في الماء قبل الاصطياد بيع فاسد عند الحنفية، (٢) والتحقيق أنه باطل، لأنه بيع شيء غير مملوك في الحال (راجع رد المحتار: ٤ ص ١١١ ومابعدها، وقارن اللباب شرح الكتاب: ٢ ص ٢٥، الغرر وأثره في العقود: ص ٣٤٧). (٣) سبق قريباً تخريج هذين الحديثين. (٤) الفروق : ٢٦٥/٣. - ٤٤٠ -