Indexed OCR Text

Pages 361-380

نفسه، فلا ينعقد بيع المكره في ماله بغير حق، لقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة
عن تراض منكم) ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان
وما استكرهوا عليه ))(١).
وأما الإكراه بحق فلا يمنع من انعقاد العقد، إقامة لرضا الشرع مقام رضاه،
مثل الإجبار على بيع الدار لتوسعة المسجد أو الطريق أو المقبرة، أو على بيع سلعة
لوفاء دين أو لنفقة زوجة أو ولد أو الأبوين، أو لأجل وفاء ما عليه من الخراج
الحق .
وقال المالكية : بيع المكره غير لازم، فيكون للعاقد المستكره الخيار بين فسخ
العقد أو إمضائه. هذا ما وجدته في مختصر خليل وشراحه، لكن قال ابن جزي :
يشترط في البائع والمشتري أن يكونا طائعين ، فإن بيع المكره وشراءه باطلان(٣).
بيع التلجئة : صورة بيع التلجئة أو بيع الأمانة : أن يخاف إنسان اعتداء
ظالم على بعض ما يملك ، فيتظاهر هو ببيعه لثالث فراراً منه ويتم العقد مستوفياً
أركانه وشرائطه. وقد اختلف العلماء في شأنه .
فقال الحنابلة : إنه عقد باطل غير صحيح، لأن العاقدين ما قصدا البيع ، فلم
يصح منهما كالهازلين. وعبارة الحنفية: بيع المضطر وشراؤه فاسد(٣).
وقال الشافعي : هو بيع صحيح، لأن البيع تم بأركانه وشروطه، وأتي باللفظ
أخرجه الطبراني عن ثوبان بلفظ ((إن الله تجاوز)» قال النووي : حديث حسن ، وتعقبه الهيثمي بأن فيه
(١)
يزيد بن ربيعة الرحبي ، وهو ضعيف ، ورواه ابن ماجه وابن حبان ، والدارقطني والطبراني والبيهقي والحاكم
في المستدرك من حديث الأوزاعي، واختلف عليه: فقيل: عن ابن عساكر بلفظ ((إن الله وضع)» وللحاكم
والدارقطني والطبراني: ((تجاوز)) (انظر التلخيص الحبير: ١٠٩، مجمع الزوائد: ٢٥٠/٦).
(٢)
الميزان ٦٢/٢، حاشية الدسوقي: ٦/٣، مغني المحتاج: ٧/٢ وما بعدها، القوانين الفقهية: ٢٤٦ ، غاية المنتهى :
٥/٢ .
(٣)
حاشية ابن عابدين : ١١١/٤، ٢٥٥، المغني : ٢١٤/٤.
- ٣٦١ -

مع قصد واختيار خالياً عن مقارنة مفسد، فصح كما لو اتفقا على شرط فاسد، ثم عقد
البيع بغير شرط . وأما عدم رضاه بوقوعه فهو كظنه أنه لا يقع ، لا أثر له لخطأ
ظنه(١) .
منورة
كتا بته
(٢ - الشرط الثاني - من شروط صيغة البيع: أن يكون القبول موافقاً
للإيجاب: بأن يرد على كل ما أوجبه البائع وبما أوجبه(٢) فإذا قال إنسان لآخر:
بعتك هذين الثوبين بألف ليرة ، فقال المشتري: قبلت في هذا الثوب ، وأشار إلى
واحد منهما ، لا ينعقد البيع. وإذا قال لآخر: بعتك هذه الدار بما فيها من مفروشات
بألفي ليرة ، فقال المشتري: قبلت شراءها دون ما فيها بألف ليرة مثلاً، لم ينعقد العقد
أيضاً، لتفريق الصفقة على البائع، والمشتري لا يملك تفريقها؛ لأن من عادة التجار
ضم الرديء إلى الجيد، ترويجاً للرديء بواسطة الجيد .
فلو قبل المشتري بأكثر مما طلب، انعقد البيع: لأن القابل بالأكثر قابل بالأقل
طبعاً ، غير أنه لا يكون ملزماً إلا بالثمن الذي طلبه البائع .
ولو قبل بأقل مما ذكر البائع، لا ينعقد العقد.
وكذا لو خالف في وصف الثمن لا في قدره، كأن أوجب البائع البيع بثمن حالٌ،
فقبل المشتري بثمن مؤجل، أو أوجب بأجل إلى شهر معين فقبل المشتري بأجل أبعد
منه، فلا ينعقد البيع في الحالتين، لعدم تطابق القبول مع الإيجاب.
٣ - أن يتحد مجلس العقد: بأن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد،
بأن كان الطرفان حاضرين معاً، أو في مجلس علم الطرف الغائب
(١)
مغني المحتاج : ١٦/٢ .
(٢)
البدائع: ١٣٦/٥ - ١٣٧، مغني المحتاج: ٥/٢ وما بعدها، كشاف القناع: ١٣٦/٣، الأموال ونظرية العقد
ليوسف موسى : ٢٥٦ .
- ٣٦٢ -

بالإِيجاب(١). ونتائج هذا الشرط ما يلي:
لو أوجب أحد الطرفين البيع فقام الآخر عن المجلس قبل القبول، أو اشتغل
بعمل آخر يوجب اختلاف المجلس، ثم قبل، لا ينعقد البيع. ولكن لا يشترط الفور
في القبول ؛ لأن القابل يحتاج إلى التأمل، ولو اقتصر على الفور لا يمكنه التأمل،
واعتبر المجلس الواحد جمعاً للمتفرقات للضرورة.
وكذلك قال المالكية(٢): لا يضر في البيع الفصل بين الإيجاب والقبول إلا أن
يخرج عن البيع لغيره عرفاً .
وقال الشافعية والحنابلة(٣): يشترط أن يكون القبول بعد الإيجاب بألا يفصل
بينهما فاصل كثير: وهو ما أشعر بالإعراض عن القبول. ولا يضر الفصل اليسير لعدم
إشعاره بالإعراض عن القبول، ويضر تخلل كلام أجنبي عن العقد ولو يسيراً بين
الإيجاب والقبول .
التعاقد حالة المشي أو الركوب : إذا تبايعا وهما يمشيان أو يسيران على دابة
واحدة أو دابتين: فإن اتصل الإيجاب والقبول من غير فصل بينهما ، انعقد العقد،
حتى ولو مشيا خطوة أو خطوتين جاز، فإن كان بين القبول والإيجاب فصل
وسكوت، وإن قل، لا ينعقد العقد ؛ لأن المجلس تبدل بالمشي والسير، وقاسوا ذلك
على قراءة آية السجدة وخيار المخيرة (٤). فلو قرأ آية سجدة وهو يمشي على الأرض، أو
يسير على دابة لا يصلى عليها ، يلزمه لكل قراءة سجدة، وكذا لو خير امرأته في
المجلس بأن تطلق نفسها منه وهي تمشي على الأرض أو تسير على دابة لا يصلى عليها ،
فمشت أوسارت: يبطل خيارها لتبدل المجلس، لأن ((التفويض يقتصر على المجلس
البدائع: ١٣٧/٥ وما بعدها، فتح القدير: ٨٠/٥، الأموال للدكتور موسى: ٢٥٧.
(١)
(٢)
حاشية الصاوي على الشرح الصغير : ١٧/٣ .
(٣) .
مغني المحتاج: ٥/٢ - ٦، كشاف القناع: ١٣٦/٣.
خيار الخيرة : هو أن يخير الرجل امرأته في المجلس بأن تطلق نفسها منه بأن يقول لها : طلقي نفسك إن
(٤)
شئت .
- ٣٦٣ -

بخلاف الوكالة فإنها لا تقتصر عليها )» وتوكيل الرجل زوجته بتطليق نفسها يقتصر
على المجلس(١) .
ولو تبايعا وهما واقفان، انعقد البيع، لاتحاد المجلس.
ولو أوجب أحدهما البيع وهما واقفان، فسار الآخر قبل القبول أو سارا جميعاً أو
سار البائع قبل القبول، ثم قبل المشتري بعدئذ لا ينعقد، لأنه لما سار أحدهما أوسارا،
فقد تبدل المجلس قبل القبول، ويجعل السير دليلاً على الإعراض.
أما لو وقف الزوج، فخير امرأته، ثم سار وهي واقفة ، فلها الخيار. ولو سارت
هي والزوج واقف بطل خيارها، فالعبرة إذاً لمجلسها لا لمجلس الزوج، فما دامت في
مجلسها، لم يوجد منها دليل الإعراض، فيظل لها الخيار. وأما الزوج فلا يبطل
كلامه بالإعراض؛ لأن التخيير من قبله لازم، أما في البيع فيعتبر مجلسهما جميعاً.
التعاقد على ظهر سفينة أو طائرة : لو تبايع الطرفان على سفينة أو
طائرة أو قطار، انعقد العقد ، سواء أكانت هذه الوسائل واقفة أم جارية، بخلاف
المشي على الأرض والسير على الدابة ؛ لأن الشخص لا يستطيع إيقاف تلك الوسائل،
فاعتبر المجلس فيها مجلساً واحداً، وإن طال، أما الدابة، فإنه يستطيع إيقافها .
التعاقد مع غائب: إذا أوجب أحد المتعاقدين البيع أو الشراء والآخر
غائب، فبلغه الإيجاب، فقبل، لا ينعقد البيع، كأن يقول: ((بعت هذه البضاعة من
فلان الغائب )) فبلغه الخبر، فقبل: لا يصح، لأن القاعدة الأصلية في هذا: أن أحد
شطري العقد الصادر من أحد العاقدين في البيع يتوقف على الآخر في مجلس العقد
(( أي يظل قائماً ساري المفعول ضمن المجلس لا بعده)) ولا يتوقف على الشطر الآخر
من العاقد الآخر فيما وراء المجلس بالاتفاق، إلا إذا كان عنه قابل ((أي وكيل)) أو كان
بالرسالة أو الكتابة(٢).
القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة : ٢٤ .
(١)
(٢)
البدائع : ١٣٧/٥ وما بعدها ، فتح القدير : ٧٩/٥ .
- ٣٦٤ _

التعاقد بواسطة رسول : أما الرسالة : فهي أن يرسل أحد المتعاقدين رسولاً
إلى رجل فيقول المتعاقد الآخر: ((إني بعت هذا الثوب من فلان الغائب بكذا))
فاذهب إليه، وقل له: ((إن فلاناً باع ثوبه منك بكذا » فجاء الرسول، وأخبره بما
قال، فقال المشتري في مجلس أداء الرسالة: ((اشتريت)) أو ((قبلت)): تم البيع
بينهما ؛ لأن الرسول سفير ومعبر عن كلام المرسل، فكأنه حضر بنفسه وخوطب
بالإيجاب فقبل، فينعقد العقد .
التعاقد بالمراسلة: أما الكتابة: فهي أن يكتب رجل إلى آخر: ((أما بعد،
فقد بعت فرسي منك بكذا)) فبلغه الكتاب، فقال في مجلسه ((أي مجلس بلوغ
الكتاب)): ((اشتريت أوقبلت)). ينعقد البيع لأن خطاب الغائب كتابة يجعله كأنه
حضر بنفسه، وخوطب بالإيجاب فقبل في المجلس، فإن تأخر القبول إلى مجلس ثان لم
ينعقد البيع .
وللكاتب أن يرجع عن إيجابه أمام شهود بشرط أن يكون قبل قبول الآخر
ووصول الرسالة. ويرى جمهور المالكية أنه ليس للموجب الرجوع قبل أن يترك
فرصة للقابل يقرر العرف مداها .
واتحاد المجلس شرط للانعقاد أيضاً في الإجارة والهبة، على التفصيل السابق في
البيع .
وأما الخلع فإن شطر العقد الصادر من الزوج يتوقف «أي يظل ساري
المفعول)) على قبول الآخر وراء المجلس بالاتفاق، كأن يقول: خالعت امرأتي الغائبة
علی کذا فبلغها الخبر، فقبلت ، جاز.
وأما النكاح فهو كالبيع عند أبي حنيفة ومحمد، لا يتوقف شطر العقد فيه «أي
لا يسري مفعوله)) إلا إذا كان عن الغائب قابل، فإذا قال رجل للشهود: «اشهدوا أني
قد تزوجت فلانة بكذا)) وبلغها الخبر فأجازت أو قالت امرأة: ((اشهدوا أني زوجت
- ٣٦٥ -

· نفسي من فلان بكذا)» فبلغه، فأجاز، لا ينعقد العقد في الحالين عند أبي حنيفة ومحمد
إلا إذا كان عن الغائب قابل .
وعند أبي يوسف: يتوقف شطر العقد في النكاح على قبول الآخر فيما وراء
المجلس، فينعقد العقد في هذين المثالين بقبول الغائب، وإن لم يقبل عنه أحد في
مجلس العقد .
مبدأ وحدة الصفقة وتفريقها :
الصفقة : ضرب اليد على اليد في البيع ، والبيعة للإمام ، ثم جعلت عبارة عن
العقد نفسه (١). قال النووي: الصفقة: هي عقد البيع، لأنه كان من عادتهم أن يضرب
كل واحد من المتعاقدين يده على يد صاحبه عند تمام العقد(٢).
والعقد يحتاج في تكوينه كما هو معلوم إلى مبيع ، وثمن ، وبائع، ومشتر، وبيع
وشراء. وباتحاد بعض هذه الأشياء مع بعض وتفرقها، يحصل اتحاد الصفقة،
وتفريقها(٣).
! هل
وقد اتفق العلماء على ضرورة اتحاد الصفقة من حيث المبدأ، لأن من شرائط
انعقاد البيع الشرط المذكور قريباً : وهو أن يكون القبول موافقاً للإيجاب، إلا أن
هناك اختلافات جزئية في تحقيق هذا المبدأ أو عدم تحقيقه أي تفريق الصفقة .
فقال الحنفية(٤): لا بد من معرفة ما يوجب اتحاد الصفقة وتفريقها، وذلك إما
بسبب العاقدين أو بسبب المبيع .
أ- أما بالنسبة للعاقدين: فإن اتحد شخص الموجب سواء أكان بائعاً ، أم
العناية بهامش فتح القدير: ٥ ص ٨٠.
(١)
(٢)
المجموع للنووي: ٩ ص ٤٢٥ .
العناية، المكان السابق، المجموع: ٩ ص ٤٣٢ وما بعدها .
(٣)
(٤)
فتح القدير: ٨٠/٥، البدائع: ١٣٦/٥ وما بعدها، رد المحتار لابن عابدين: ٢٠/٤.
- ٣٦٦ -

مشترياً، وتعدد القابل المخاطب، لم يجز للقابلين تفريق الصفقة بأن يقبل أحدهما
البيع دون الآخر. وإن انعكس الأمر فتعدد الموجب واتحد القابل، لم يجز للقابل
القبول في حصة أحد الموجبين دون الآخر. مثال الحالة الأولى: أن يقول البائع
المشتريين: بعتكما هذه السلعة بألف ليرة ، فقال أحدهما: اشتريت، ولم يقبل الآخر،
كانت الصفقة متعددة ، فلم ينعقد العقد إلا باتفاق جديد. ومثال الحالة الثانية : أن
يقول شخص لمالكي سلعة: اشتريت منكما هذه السلعة بألف ليرة مثلاً ، فباعه أحدهما
دون الآخر، فإن الصفقة تتعدد في هذه الحالة، فلا ينعقد العقد .
ب- وأما بالنسبة للمبيع : فإن اتحد العاقدان ، وقبل أحدهما في بعض المبيع دون
بعض ، لم يصح العقد ، لتفرق الصفقة .
وإن اتحد العاقدان، وتعدد المبيع، فإما أن يكون المبيع مثليين أو مثلياً وقيمياً
وفي كلتا الحالتين لا يجوز للمشتري أن يقبل في أحد المبيعين، ويرفض الآخر، فإن
فعل، تعددت الصفقة، وحينئذ لا يتم البيع إلا برضا جديد من البائع بما قبل به
المشتري، فيصبح القبول إيجاباً، والرضا قبولاً، ويبطل الإيجاب الأول.
غير أن هناك فرقاً بين الحالتين: وذلك في قسمة الثمن على أجزاء المبيع وفي
وحدة الصفقة وتعددها. فإذا كان المبيع مثليين كقفيزين من أرز أو كمدين من
حنطة أو رطلين من حديد، وقبل المشتري في أحدهما ، انقسم الثمن بنسبة أجزاء
المبيع، فيكون ثمن الجزء الذي تم فيه المبيع في هذا المثال نصف الثمن الأصلي المذكور
لجزئي المبيع ؛ لأن الثمن في المثليات ينقسم على المبيع باعتبار الأجزاء، فكانت حصة
كل جزء من الثمن معلوماً. وتكون الصفقة عندئذ واحدة. ويشبه المثليات (المكيل
والموزون) في قسمة الثمن عليه بالأجزاء ما إذا كان المبيع شيئاً واحداً كحيوان واحد .
وإذا كان المبيع من غير المثليات أي القييات كثوبين ودابتين، لا ينقسم الثمن
على المبيع باعتبار الأجزاء، لعدم تماثل الأجزاء، وإذا لم ينقسم الثمن في هذه الحالة،
- ٣٦٧ -
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٢٤)

بقيت حصة كل واحد من جزئي المبيع من الثمن مجهولة، وجهالة الثمن تمنع صحة
البيع. فإن أريد تصحيح الصفقة فلا بد من أحد أمرين :
إما أن يكرر البائع لفظ البيع بأن يقول: بعتك هذين الثوبين، بعتك هذا
بألف، وبعتك هذا بألف، أو اشتريت منك هذين المتاعين ، اشتريت هذا بمائة،
واشتريت هذا بمائة. فيصح العقد، ويصبح هنا صفقتان.
وإما أن يفرق الثمن على أجزاء المبيع، بأن يقول البائع : بعتك هذين
الكتابين ، هذا بمئة، وهذا بخمسين، فقبل المشتري في أحدهما، جاز البيع لانعدام
تفريق الصفقة الواحدة من المشتري ، بل البائع هو الذي فرق الصفقة، حيث سمى
لكل واحد من المبيعين ثمناً على حدة، فكانت هذه الحالة صفقات معنى، وإلا لو كان
غرض البائع ألا يبيع المبيعين للمشتري إلا جملة واحدة ، لم تكن هناك فائدة لتعيين
ثمن كل منهما على انفراد .
وإذا تطابق الإيجاب والقبول، لزم البيع، ولا خيار لواحد من العاقدين إلا
بسبب وجود عيب أو عدم رؤية للمبيع. نصت المادة (٣٥١) من المجلة على ما يأتي:
((ما بيع صفقة واحدة إذا ظهر بعضه معيباً: فإن كان قبل القبض، كان المشتري
مخيراً: إن شاء رد مجموعه، وإن شاء قبله بجميع الثمن ، وليس له أن يرد المعيب
وحده، ويمسك الباقي. وإن كان بعد القبض : فإذا لم يكن في التفريق ضرر، كان له
أن يرد المعيب بحصته من الثمن سالماً وليس له أن يرد الجميع حينئذ ما لم يرض البائع .
وأما إذا كان في تفريقه ضرر، رد الجميع، أو قبل الجميع بكل الثمن، مثلاً: لو اشترى
قلنسوتين بأربعين قرشاً ، فظهرت إحداهما معيبة قبل القبض، يردهما معاً، وإن كان
بعد القبض يرد المعيبة وحدها بحصتها من الثمن سالمة، ويمسك الثانية بما بقي من
الثمن . أما لو اشترى زوجي خف، فظهر أحدهما معيباً بعد القبض ، كان له ردهما معاً
للبائع، وأخذ ثمنها منه)».
- ٣٦٨ -

وقال أبو حنيفة والمالكية(١): إذا اشتملت الصفقة على حلال وحرام، كالعقد على
سلعة متقومة وخمر، أو خنزير، أو غيرهما ، فالصفقة كلها باطلة . وقال الصاحبان :
يصح العقد في الصحيح، ويفسد في الفاسد. ومنشأ الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه
هو: أن الصفقة إذا اشتملت على الصحيح والفاسد يتعدى الفساد إلى الكل عند أبي
حنيفة. وأما عند الصاحبين فلا يتعدى إلى الصحيح، وإنما يقتصر أثر الفساد على
الفاسد .
ولو باع الرجل ملكه وملك غيره في صفقة واحدة، صح البيع فيهما ، ويلزم
البيع فيما يملكه المالك، ويتوقف اللزوم في ملك الغير على إجازته، وهذا باتفاق
الحنفية والمالكية، لأنهم يصححون العقد الموقوف أو عقد الفضولي ، كما سنعلم .
وقال الشافعية والحنابلة في الأرجح عندهم(٢): تفريق الصفقة معناه: أن يبيع
ما يجوز بيعه، وما لا يجوز بيعه صفقة واحدة بثمن واحد، وهو ثلاثة أقسام :
أحدها - أن يبيع معلوماً ومجهولاً بثمن واحد، لقوله: بعتك هذا الكتاب
وكتاباً آخر، وهما ملك له بمئة ليرة مثلاً، لم يصح البيع فيها؛ لأن المجهول لا يصح
بيعه لجهالته، والمعلوم مجهول الثمن ، ولا سبيل إلى معرفته، لأن معرفته إنما تكون
بتقسيط الثمن عليهما، والمجهول لا يمكن تقويمه، فيتعذر التقسيط.
الثاني - أن يكون المبيعان مما ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء، كشيء مشترك بين
اثنين، فباعه كله أحدهما بغير إذن شريكه، وكشيئين من المثليات مثل قفيزين من
صبرة واحدة باعهما من لا يملك إلا بعضهما ، فالأصح أن يصح البيع فيما يملكه بقسطه
من الثمن، ويفسد فيما لا يملكه؛ لأن لكل واحد منهما حكماً مستقلاً حالة إفراده
(١)
القوانين الفقهية: ص ٢٦٠، البدائع: ٢١٧/٥.
(٢)
المجموع: ٤٢٥/٩ - ٤٣٧، المهذاب: ٢٦٩/١، المغني: ٢٣٦/٤ وما بعدها، القواعد لابن رجب: ص ٤٢١، الأشباه
والنظائر للسيوطي: ص ٩٨، غاية المنتهى: ١٦/٢.
- ٣٦٩ -

بالبيع ، فإذا جمع مع غیرہ ثبت لکل واحد منھما حکمہ الخاص به، کا لو باع رجل
شقصاً(١) وسيفاً فإنه تثبت الشفعة في الشقص بلا خلاف، كما لو أفرده.
الثالث - أن يكون المبيعان معلومين مما لا ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء أي أن
تشتمل الصفقة على حلال وحرام كخل وخمر وشاة وخنزير، وميتة وشاة مذكاة ،
ونحوها من القيميات، فأصح القولين عند الشافعي وفي رواية عند الحنابلة عن أحمد
أن البيع يصح في الحلال ويبطل في الحرام(٣). وفي كيفية توزيع الثمن على هذه
الأشياء أوجه ثلاثة عند الشافعية أشهرها أنه يوزع الثمن على المبيعين باعتبار
الأجزاء، فيقدر الخمر خلاً، والخنزير شاة ، والميتة مذكاة. وهذا ما قاله أنصار هذه
الرواية الأولى عن أحمد .
ورجح ابن قدامة الحنبلي الرواية الثانية عن أحمد : وهو أنه يفسد البيع في
المبيعين جميعاً.
فإن كانت الصفقة مشتملة على مال للبائع ومال لغيره لا ينقسم الثمن عليهما
بالأجزاء، فالأصح عند الشافعية أيضاً أن البيع يصح فيما يملكه، ويبطل فيما لا يملكه
ويوزع الثمن حسب القيمة لكل منهما، وعند الحنابلة: الأصح أنه يبطل البيع في
المبيعين جميعاً .
وقال الحنابلة والشافعية فيما يتعلق بخيار تفرق الصفقة: متى صح البيع في
بعض الصفقة : فإن كان المشتري عالماً بالحال كأن يعلم أن المبيع مما ينقسم الثمن عليه
بالأجزاء كما ذكرنا، فلا خيار له، لأنه اشترى على بصيرة. وإن لم يعلم بالحال، مثل
(١)
الشقص : الطائفة من الشيء، والمراد به هنا قطعة من أرض أو دار.
بهذا يعرف المقصود من عبارة يتردد ذكرها عند الشافعية وهي ((قولا تفريق الصفقة)» الأشهر عند الشافعية:
(٢)
أنها تفرق الصفقة، فيبطل البيع فيما لا يجوز، ويصح فيا يجوز، لأنه ليس إبطاله فيها بأولى من تصحيحه
فيهما. والقول الثاني: أن الصفقة لا تفرق فيبطل العقد فيهما .
- ٣٧٠ -

٣٠
أن يشتري رجل متاعاً يظنه كله للبائع ، فبان أنه لا يملك إلا نصفه، أو متاعين فتبين
أنه لا يملك البائع إلا أحدهما ، فله الخيار بين الفسخ والإمساك، لأن الصفقة تبعضت
عليه . وأما البائع عند إمساك المشتري جزء المبيع، فلا خيار له في الأصح؛ لأنه رضي
بزوال ملکه عما يجوز بيعه بقسطه من الثمن .
فإن تلف أحد المبيعين صفقة واحدة قبل القبض، فيفسخ العقد في التالف بلا
خلاف. وأما الباقي فللمشتري الخيار فيه بين إمساكه بحصته من الثمن ، وبين الفسخ،
لتبعض الصفقة عليه .
وقال الظاهرية (١): كل صفقة جمعت حراماً وحلالاً، فهي باطل كلها ، لا يصح
منها شيء، مثل أن يكون بعض المبيع مغصوباً، أو غير مملوك للبائع، أو آل إليه بعقد
فاسد .
والخلاصة : أن جمهور العلماء يبطلون الصفقة المشتملة على حلال وحرام أو
مملوك وغير مملوك. وقال الشافعية كما رجح النووي: يصح العقد فيما يجوز، ويبطل
فیما لا يجوز.
تعالى
ثانياً - شروط النفاذ:
لنفاذ (٢) العقد شرطان :
أ - الملك أو الولاية : الملك هو حيازة الشيء متى كان الحائز له قادراً وحده
على التصرف فيه عند عدم المانع الشرعي ، فالقيم على المجنون أو السفيه، والوصي على
القاصر، لا يعتبر أحدهما مالكاً يتصرف في الشيء، على حين أن المجنون والسفيه
والقاصر يعتبر كل منهم مالكاً؛ لأن له حق الاستقلال في التصرف والانتفاع لولا
(١) المحلى: ٢٠/٩.
النفاذ في الأصل المضي والجواز، ثم أطلق عند الفقهاء على مضي العقد دون توقف على الإجارة أو الإذن .
(٢)
- ٣٧١ -

المانع الشرعي من ذلك وهو أنه تحت ولاية غيره(١)
والولاية : سلطة شرعية بها ينعقد العقد وينفذ، وهي إما أصلية : وهي أن
يتولى الإنسان أمور نفسه بنفسه، أو نيابية: وهي أن يتولى الشخص أمور غيره من
ناقصي الأهلية ، إما يإنابة المالك كالوكيل أو بإنابة الشارع كالأولياء وهم: الأب
والجد والقاضي ووصي الأب أو الجد أو القاضي وترتيبهم كالآتي : الأب ثم وصيه ثم الجد
ثم وصيه ثم القاضي ثم وصیه(٢)
ومدلول هذا الشرط أن يكون المبيع مملوكاً للبائع، فلا ينفذ بيع الفضولي ،
لانعدام الملك والولاية، لكنه ينعقد عند الحنفية موقوفاً على إجازة المالك .
واعتبر الشافعي الملك أو الولاية من شرائط الانعقاد، فتعتبر تصرفات الفضولي
عنده باطلة . وسنبحث ذلك بالتفصيل قريباً(٢)
٢ - ألا يكون في المبيع حق لغير البائع:
إن كان في المبيع حق لغير البائع كان العقد موقوفاً غير نافذ، وعلى هذا
فلا ينفذ بيع الراهن المرهون ، ولا بيع المؤجر المأجور، وإنما يكون البيع موقوفاً على
إجازة المرتهن ، أو المستأجر، وليس فاسداً، وهذا هو الصحيح عند الحنفية؛ لأن
ركن البيع صدر من أهله مضافاً إلى مال متقوم مملوك له مقدور على التسليم ، من غير
ضرر يلزمه (٤).
وذكر الأستاذ مصطفى الزرقاء: أن الرأي الراجح فقهاً: أنه لا يكون البيع
موقوفاً على إجازة المرتهن أو المستأجر وإن كانا أصحاب حق في المبيع، إذ الإجازة
(١)
الأموال ونظرية العقد: ص ١٦٥ .
(٢)
المرجع السابق: ص ٣٤٨، حاشية ابن عابدين: ٦/٤، البدائع: ١٥٥/٥.
(٣)
البدائع : ٠١٤٨/٥
البدائع: ١٥٥/٥، حاشية ابن عابدين: ٦/٤.
(٤)
- ٣٧٢ -

لا تكون شرعاً إلا لمالك أو ذي ولاية، بل البيع نافذ، ولكن لا يسلم المبيع إلى
المشتري دون رضا المرتهن أو المستأجر صيانة لحقها ، بل يمنح المشتري الخيار في أن
يفسخ البيع أو ينتظر إلى فكاك الرهن أو إلى انقضاء مدة الإجارة ليستلم المبيع (١).
تقسيم البيع من حيث النفاذ والوقف :
يترتب على ما ذكرناه من شروط النفاذ عند الحنفية أن البيع قسمان : نافذ
وموقوف.
أما البيع النافذ: فهو أن يتوافر فيه ركن العقد مع وجود شرائط الانعقاد
والنفاذ .
وأما البيع الموقوف : فهو أن يوجد فيه ركن العقد مع وجود شرائط
الانعقاد، ولكن لم يوجد فيه شرط النفاذ: وهو الملك أو الولاية .
واختلال شرط النفاذ: يكون إما في المبيع كما في بيع الفضولي شيئاً لغيره، وإما
في التصرف كما في بيع الصغير المميز أو المعتوه أو شرائهما .
آراء العلماء في تصرف الفضولي :
الفضولي في الأصل : من يشتغل بما لا يعنيه أو يعمل عملاً ليس من شأنه، ومنه
سمي فضولياً: من يتصرف في شيء أو يعقد عقداً من العقود، دون أن يكون له ولاية
ما على القيام به، کمن یبیع أو يشتري للغیر، أو يؤجر أو يستأجر لغيره، دون وكالة
أو وصاية أو ولاية له على العقد، وبدون إذن من الغير(٣). وبيع الإنسان ملك غيره
دون إذن منه شائع في الحياة العملية كما في بيع الأزواج ملك زوجاتهم أو بيع الأفراد
ملك الحكومة أو ملك من تغیب حتى طالت غيبته .
عقد البيع: ص ٣١، رد المحتار لابن عابدين: ٣٦١/٥.
(١)
(٢)
بداية المجتهد: ١٧١/٢، الأموال ونظرية العقد: ص ٣٨٠، أصول البيوع الممنوعة للأستاذ عبد السميع:
ص ١٣٤.
- ٣٧٣ -

ويلاحظ أن الفضولي : هو من يتصرف فیما تظهر ملکیة غیره له، وإلا كان
تصرفه من بيع ما لا يملك ، وهو منهي عنه .
ومحل بحثنا: أن يبيع الرجل مال غيره بشرط : إن رضي به صاحب المال أمضي
البيع، وإن لم يرض فسخ، أو يشتري الرجل للرجل بغير إذنه على أنه إن رضي
المشتري، صح الشراء وإلا لم يصح(١)، فالفضولي: هو المتصرف للغير بغير إذنه. وقد
اختلف الفقهاء في حكم تصرف الفضولي .
فأما الحنفية : فقد فرقوا بين البيع والشراء، ففي حالة البيع ينعقد تصرف
الفضولي صحيحاً موقوفاً، سواء أضاف الفضولي العقد إلى نفسه أم إلى المالك، لأنه
لا يمكن نفاذ العقد على العاقد .
وفي حالة الشراء : إن أضاف الفضولي الشراء لنفسه، مع أنه يريد في نيته الشراء
لغيره، كان الشراء له هو نفسه إن صح أن ينفذ عليه ؛ لأن الأصل أن يكون تصرف
الإنسان لنفسه لا لغيره .
م
وأما إن أضاف الشراء لغيره أو لم يجد عقد الشراء نفاذاً على الفضولي بأن كان
صبياً أو محجوراً عن التصرف، انعقد الشراء صحيحاً موقوفاً على إجازة الغير، أو من
اشترى له ، فإن أجازه نفذ عليه، واعتبر الفضولي وكيلاً ترجع إليه حقوق العقد .
وفي الجملة : إن تصرفات الفضولي جائزة موقوفة على إجازة صاحب الشأن عند
الحنفية(٢)، وتصرفات الفضولي مثل بيع المسلم فيه والمغصوب وبيع الوكيل(٣) هي من
الحالات المستثناة من بيع ما ليس مملوكاً للإنسان .
(١)
بداية المجتهد : ٢/ ١٧١ .
البدائع: ١٤٨/٥ - ١٥٠، فتح القدير مع العناية بهامشه: ٣٠٩/٥ وما بعدها، رد المحتار لابن عابدين:
(٢)
٤ / ٥_٠٦
يصح بيع المسلم فيه وإن لم يكن مملوكاً للبائع وقت العقد، وأما المغصوب فيصح بيعه من الغاصب ويضمن
(٣)
قیمته، وبيع الو کیل نافذ.
- ٣٧٤ -

وقال المالكية : تعتبر تصرفات الفضولي وعقوده بصفة عامة في حالة البيع
وحالة الشراء منعقدة موقوفة على إجازة صاحب الشأن. فإن أجازها جازت
ونفذت وإلا بطلت؛ لأن الإجازة اللاحقة كالإذن أو الوكالة السابقة(١).
استدل الحنفية والمالكية بآيات البيع التي وردت عامة لم يستثن منها كون
العاقد فضولياً، مثل قوله تعالى: ﴿وأحلّ اللهُ البَيْعَ) وقوله سبحانه: ﴿ يا أيُّها
الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالكُمْ بَينَكُمْ بِالباطِلِ ، إلا أنْ تكونَ تِجارَة عَن تَراضٍ
مِنكُم) وقوله: ﴿فَإذا قُضيت الصلاة فانتَشِروا في الأرْضِ وابْتَغوا منْ فَضْلِ الله ﴾.
والفضولي كامل الأهلية ، فإعمال عقده أولى من إهماله، وربما كان في العقد
مصلحة للمالك، وليس فيه أي ضرر بأحد ؛ لأن المالك له ألا يجيز العقد، إن لم يجد
فيه فائدته. وقد ثبت أن الرسول للطفل فيما يرويه البخاري وغيره : أعطى عروة
البارقي ديناراً ليشتري له به شاة فاشترى له به شاتین ، فباع إحداهما بدینار، وجاءه
بدينار وشاة، فقال: ((بارك الله لك في صفقة يمينك)). وروى الترمذي وأبو داود
عن حكيم بن حزام: أن النبي طائر أعطاه ديناراً ليشتري به شاة يضحيها، فاشترى
شاتين بالدينار، وباع إحداهما بدينار جاء به هو والشاة للرسول الله، فأثنى عليه،
ودعا له بالبركة قائلاً: ((بارك الله لك في صفقتك)) (٢) فالنبي عليه السلام لم يأمر في
الحالتين في الشاة الثانية لا بالشراء ولا بالبيع .
وقال الحنابلة(٢): لا يصح تصرف فضولي مطلقاً أي ببيع أو شراء أو غيرهما ،
ولو أجيز تصرفه بعد وقوعه إلا إن اشترى الفضولي في ذمته، ونوى الشراء لشخص لم
یسمه، فیصح، أو اشترى بنقد حاضر ونوی لشخص لم يسمه، فیصح، ثم إن أجاز
بداية المجتهد، المرجع السابق، حاشية الدسوقي: ١٢/٣، القوانين الفقهية: ص ٢٤٥.
(١)
(٢)
انظر سبل السلام: ٣١/٣.
كشاف القناع: ١١/٢ وما بعدها، القواعد لابن رجب: ص ٤١٧، غاية المنتهى: ٨/٢، مطالب أولي النهى
(٣)
في شرح غاية المنتهى: ١٨/٣ .
- ٣٧٥ _

الشراء من اشتري له ، ملكه من حين الشراء، وإن لم يجزه وقع الشراء للمشتري ولزمه
حكمه. وقال ابن رجب : تصرف الفضولي جائز موقوف على الإجازة إذا دعت
الحاجة إلى التصرف في مال الغير أو حقه، وتعذر استئذانه إما للجهل بعينه أو لغيبته
ومشقة انتظاره .
ونصت المادة (١٣) من مشروع تقنين الشريعة على مذهب أحمد: ((تصرف
الفضولي باطل، ولو أجيز بعد ، إلا إذا اشترى في ذمته ونوى الشراء لشخص لم يسمه،
فیصح البيع)».
وقال الشافعية والظاهرية: يشترط في المبيع أن يكون مملوكاً لمن له العقد،
فبيع الفضولي باطل من أساسه لا ينعقد أصلاً فلا تلحقه إجازة صاحب الشأن،
ودليلهم ما رواه أبو داود والترمذي. وقال: إنه حسن - عن النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((لا بيع
إلا فيما تملك)). وصح أيضاً النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان(١) أي ما ليس مملوكاً
للبائع، وذلك للغرر الناشئ عن عدم القدرة على التسليم وقت العقد، وما يترتب
عليه من النزاع. وقالوا عن حديث عروة البارقي أو حكيم بن حزام: إنه محمول على
أنه كان وكيلاً مطلقاً عن النبي ◌ُِّّ، ويدل عليه أنه باع الشاة وسلمها(٢)، فهي وكالة
خالف فيها الوكيل إلى خير فينفذ تصرفه. وأما شراء الفضولي في رأي هؤلاء فيعتبر
شراء لنفسه ، ويلزمه هو وحده ولا ينتقل الملك عنه إلى غيره إلا بعقد جديد كما هو
رأي الحنفية .
شروط إجازة تصرف الفضولي :
اشترط الحنفية لإجازة عقد الفضولي شروطاً(٣):
نص الحديث رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن حكيم بن حزام، وهو أن النبي ◌َ ◌ّ قال له: ((لا تبع
(١)
ما ليس عندك)) حسنه الترمذي (انظر نصب الراية: ٤ /٤٥، نيل الأوطار: ١٥٥/٥).
(٢)
مغني المحتاج: ١٥/٢، المجموع للنووي: ٢٨١/٩، ٢٨٤ وما بعدها .
البدائع: ١٤٩/٥ - ١٥١، فتح القدير: ٣١١/٥، الدر المختار ورد المختار: ١٤٢/٤.
(٣)
- ٣٧٦ -

١ - أن يكون للعقد مجيز حالة العقد: أي من كان يستطيع إصدار العقد بنفسه،
لأن ماله مجيز متصور منه الإذن بإتمام العقد للحال، وبعد صدور التصرف. وأما
ما لا مجيز له فلا يتصور منه الإذن للحال، والإذن في المستقبل قد يحدث وقد
لا يحدث. وعلى هذا : إذا طلق فضولي امرأة زوج بالغ، أو وهب ماله، أو تصدق
به، انعقد التصرف موقوفاً على الإجازة؛ لأن صاحب الشأن كان يستطيع أن يصدر
هذه العقود بنفسه ، فيستطيع لهذا أن يجيزها بعد وقوعها ، فكان للتصرف مجیز حال
العقد. أما لو فعل فضولي شيئاً مما ذكر بالنسبة لصغير، فلا ينعقد العقد ؛ لأن الصبي
ليس من أهل هذه التصرفات بنفسه، فلم يكن لها مجيز حين العقد ، وكذلك ولي
الصبي لاقيمة لإجازته؛ لأنه لا يملك أيضاً هذه التصرفات بنفسه .
٢ - أن تكون الإجازة حين وجود البائع، والمشتري، والمالك، والمبيع، فلو
حصلت الإجازة بعد هلاك أحد هؤلاء، بطل العقد ولم تفد الإجازة شيئاً؛ لأن
الإجازة تصرف في العقد، فلا بد من قيام العقد، وقيامه بقيام العاقدين والمعقود
عليه .
٣ - ألا يمكن تنفيذ العقد على الفضولي عند رفض صاحب الشأن، على ما بينًا
في ص ١٧٠ .
فسخ عقد الفضولي :
فسخ العقد الصادر من الفضولي كبيع مثلاً: قد يكون من صاحب الشأن
المالك للمبيع كما هو واضح، وقد يكون من الفضولي البائع قبل إجازة المالك، حتى
يدفع عن نفسه الحقوق التي تلزمه لو أجاز المالك ، وقد يكون من المشتري ليدفع عن
نفسه ما قد يلحقه من ضرر بشرائه من غير صاحب الشأن .
أما في عقد الزواج: فليس للفضولي فسخه، لأنه عقد ترجع فيه ا-حقوق إلى
الأصيل صاحب الشأن(١).
(١) البدائع: ١٥١/٥، فتح القدير: ٣٠٩/٥ - ٣١٢.
- ٣٧٧ -

هل للفضولي الواحد أن يعقد العقد عن الطرفين ؟
إذا باع الفضولي دار إنسان مثلاً وهما غائبان، وقبل عن المشتري، أو زوج
م
إنساناً من امرأة وقبل عنهما ، فلا ينعقد العقد؛ لأن تعدد العاقد شرط في انعقاد
العقد، كما سبق بيانه، فلا يتوقف الإيجاب على قبول غائب عن المجلس في سائر
العقود من نكاح وبيع وغيرهما ، بل يبطل الإيجاب ولا تلحقه الإجازة اتفاقاً .
وعلى هذا : إذا كان الشخص في عقد النكاح فضولياً من الجانبين أو من جانب
واحد وکان من الجانب الآخر أصیلاً أو وکیلاً أو ولياً، فلا يتوقف إيجابه، بل يبطل
عند أبي حنيفة ومحمد، سواء تكلم بكلام واحد أو بكلامين : أي إيجاب وقبول،
كزوجت فلاناً وقبلت عنه. وقال أبو يوسف: يتوقف إيجاب الفضولي على قبول
الغائب، كما يتوقف اتفاقاً لو قبل عنه فضولي آخر، فلو زوج فضولي رجلاً من امرأة
بغير علمهما جاز، وتوقف على قبولهما، فإن قبلا نفذ العقد، وإن رفضا لم ينفذ .
دليل الطرفين : أن قبول الفضولي غير معتبر شرعاً؛ لأن الإيجاب لما صدر من
الفضولي ، وليس له قابل في المجلس، ولو فضولياً آخر، صدر باطلاً، غير متوقف
على قبول الغائب، فلا يفيد قبول العاقد بعده .
وبعبارة أخرى: إن الموجود حينئذ هو شطر العقد، ولا يمكن أن يعتبر الشطر
الآخر متحققاً إلا بوكالة أو ولاية .
ودليل أبي يوسف : أن عبارة الفضولي تتضمن شطري العقد ، فيجوز كما في الولي
(١)
والوكيل(١).
تصرف الصبي المميز:
إذا كان الصبي عاقلاً مميزاً: تصح تصرفاته في رأي الحنفية والحنابلة موقوفة على
) انظر حاشية ابن عابدين: ٤٤٨/٢، الأحوال الشخصية للأستاذ المرحوم الدكتور مصطفى السباعي : ٩٥/١ .
- ٣٧٨ _

إجازة وليه، ما دام صغيراً أو على إجازته بنفسه بعد البلوغ إن لم توجد الإجازة من
وليه حال صغره. فلو بلغ الصبي قبل إجازة الولي، فأجاز بنفسه جاز(١)، وقد سبق
ذكره، وتعرضنا له هنا لصلته بالبيع الموقوف.
ثالثاً - شروط صحة البيع :
شروط الصحة قسمان: عامة وخاصة(٢).
فالشروط العامة: هي التي يجب أن تتحقق في كل أنواع البيع لتعتبر
صحيحة شرعاً. وهي إجمالاً أن يخلو عقد البيع من العيوب الستة، وهي : الجهالة،
والإكراه، والتوقيت، والغرر، والضرر، والشروط المفسدة.
الأول - الجهالة : يراد بها الجهالة الفاحشة أو التي تفضي إلى نزاع يتعذر حله
وهو النزاع الذي تتساوى فيه حجة الطرفين بالاستناد إلى الجهالة، كما لو باع إنسان
شاة من قطيع. وهذه الجهالة أربعة أنواع :
١ - جهالة المبيع جنساً أو نوعاً أو قدراً بالنسبة إلى المشتري .
٢ - جهالة الثمن كذلك: فلا يصح بيع الشيء بثمن مثله، أو بما سيستقر عليه
السعر.
٣ - جهالة الآجال، كما في الثمن المؤجل ، أو في خيار الشرط، فيجب أن تكون
المدة معلومة وإلا فسد العقد. ويلاحظ أن الذي يجوز تأجيله لأجل معلوم في عقد
البيع هو الثمن أو المبيع إذا كان كل منهما ديناً ثابتاً في الذمة، فإن كان الثمن أو المبيع
عيناً، فلا يجوز تأجيله باتفاق العلماء، فلو باع شخص سلعة معينة على أن يسلمها
بعد شهر، أو اشترى شخص آخر بثمن عین علی أن یدفع الثمن بعد شهر، فالبيع فاسد،
(١)
البدائع : ١٤٩/٥، المغني : ٢٤٦/٤ .
(٢)
أنظر التفصيل في حاشية ابن عابدين: ٦/٤ ، عقد البيع للأستاذ الزرقاء ص ٢٥ وما بعدها، الأموال ونظرية
العقد للدكتور محمد يوسف موسى : ص ٣٩٤ وما بعدها .
- ٣٧٩ -

ولو كان الأجل معلوماً؛ لأن الأجل شرع ترفيها ليتمكن العاقد من الحصول على
العوض أثناءه، وهذا أمر يليق بالديون لأنها ليست معينة في البيع، ولا يليق
بالأعيان المعينة لأن المبيع العين معين حاضر، فيكون تأخير تسليمه ملحقاً ضرراً من
غير فائدة أو تحصيلاً لحاصل(١) .
٤ - الجهالة في وسائل التوثيق، كما لو اشترط البائع تقديم كفيل أو رهن بالثمن
المؤجل ، فيجب أن يكونا معينين وإلا فسد العقد .
الثاني - الإكراه : هو حمل المستكره على أمر يفعله وهو نوعان :
١ - إكراه ملجئ أوتام: وهو الذي يجد المستكره نفسه مضطراً به لفعل الأمر
المكره عليه، وذلك كالتهديد بالقتل أو الضرب الذي يخشى منه ضياع عضو.
٢ - إكراه غير ملجئ أو ناقص: كالتهديد بالحبس أو الضرب أو إيقاع الظلم به
كمنع ترقيته في وظيفته أو إنزاله درجة .
والإكراه بنوعيه يؤثر في البيع ، فيجعله فاسداً عند جمهور الحنفية وموقوفاً عند
زفر. فيلك المشتري المبيع بالقبض إذا اعتبر فاسداً، ولا يملكه مطلقاً بالقبض إذا
اعتبر موقوفاً، والأرجح اعتبار عقد المكره موقوفاً ، لأنه باتفاق الحنفية إذا أجازه
المستكره بعد زوال الإكراه يجوز ويلزم في حقه، وهذا هو حكم العقد الموقوف لا
(٢)
الفاسد(٢).
الثالث - التوقيت : هو أن يوقت البيع بمدة كما لوقال : بعتك هذا الثوب
شهراً أو سنة، فيكون البيع فاسداً، لأن ملكية العين لا تقبل التأقيت .
راجع فتح القدير: ٢١٩/٥، المجموع: ٣٧٣/٩ ، بداية المجتهد : ١٥٥/٢.
(١)
(٢)
انظر البدائع: ١٨٨/٧، المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء : ٣٦٤/١ في الحاشية ف ١٨٥.
- ٣٨٠ -
Islamic Jurisprudence and its Evidence — pages 361-380 | ScribeTools Library