Indexed OCR Text

Pages 161-180

أمام القضاء، كما يحدث عادة في كثير من الأحيان، فيكون هناك وكيلان أو أكثر في
القضايا الخطيرة. ويعرف تفصيل حكم تصرفات الوكلاء مما يأتي(١).
فإن تعدد الوكلاء كلاً في عقد خاص وأعمال خاصة، كان لكل منهم أن ينفرد
في مباشرة ما وكل فيه دون استشارة غيره. وإن كان العمل واحداً، فلكل واحد
القيام به وحده أيضاً، فتنتهي حينئذ وكالة الآخرين .
وإن كان التوكيل للجميع في عقد واحد، فليس لأحدهم - دون إذن الموكل -
الانفراد بالتصرف بما وكلوا فيه ؛ لأن تعددهم كان بقصد تحقيق التعاون والتشاور فيا
بينهم ضمانا لصالح الموكل، ويستثنى من ذلك ما لا يحتاج من التصرفات لتبادل
الرأي كرد الودائع ووفاء الديون، أو ما لا يمكن فيه الاجتماع كالمرافعة أمام القضاء،
بشرط إعداد مذكرات الدفاع بالاشتراك بين جميع الوكلاء.
الفرق بين الوكالة والرسالة :
يحسن بيان الفرق بين الوكيل والرسول تمهيداً لمعرفة من يلتزم بحقوق العقد، إذ
d
يختلف الوكيل عن الرسول (٢).
فالوكيل : هو الذي يتصرف برأيه وعبارته وتقديره، فيساوم ويعقد العقود
حسبما يرى من المصلحة، ويتحمل تبعات تصرفاته، ويستغني غالبا عن إضافة
العقد إلى موكله، فيقول: بعت أو اشتريت كذا، لا: باع أو اشترى فلان ، فإذا أسند
العقد لموكله، صار مجرد سفير ومعبر عن كلام الأصيل، فيصبح عندئذ كالرسول.
والرسول : هو الذي يقتصر على نقل عبارة مرسله، دون أن يتصرف برأيه
وإرادته، وإنما يبلغ عبارة المرسل، وينقل رغبته وإرادته في التصرف، فيقول
البدائع: ٣٢/٦، تكملة فتح القدير: ٨٦/٦ - ٨٨.
(١)
(٢)
راجع مختصر أحكام المعاملات الشرعية لأستاذنا علي الخفيف: ص ١١٧ وما بعدها.
- ١٦١ -

للمرسل إليه: أرسلني فلان لأبلغك كذا، فيضيف عبارته دائماً للمرسل، ولا يتحمل
شيئاً من التزامات التعاقد .
حكم العقد وحقوقه في الوكالة :
حكم العقد : هو الغرض والغاية منه. ويراد به هنا الأثر الذي يترتب على
العقد شرعا . ففي عقد البيع: يكون الحكم: هو ثبوت ملكية المبيع للمشتري
واستحقاق الثمن للبائع، وفي عقد الإجارة: الحكم هو تملك المستأجر المنفعة،
واستحقاق الأجرة للمؤجر.
وقد اتفق الفقهاء على أن حكم العقد الذي يتم بواسطة وكيل : يقع مباشرة
للموكل نفسه، لا للوكيل؛ لأن الوكيل يعمل في الحقيقة لموكله وبأمره، فهو قد استمد
ولايته منه(١). ويترتب عليه أن المسلم لو وكل غير مسلم في شراء خمر أو خنزير، لم
يصح الشراء؛ لأن المسلم ليس له أن يتملك شيئاً من هذين .
حقوق العقد : هي الأعمال والالتزامات التي لا بد منها للحصول على حكمه أو
على الغاية والغرض منه، مثل تسليم المبيع ، وقبض الثمن ، والرد بالعيب أو بسبب
خيار الشرط أو الرؤية، وضمان رد الثمن ، إذ استحق " المبيع مثلا .
فإذا باشر المرء العقد بنفسه ولمصلحته عاد إليه حكم العقد وحقوقه. وأما إن
توسط وكيل في إجراء العقد وإبرامه، عاد حكم العقد إلى الموكل كما عرفنا، وأما
حقوق العقد فتارة ترجع إلى الموكل، وتارة ترجع إلى الوكيل بحسب نوع التصرف
الذي يتولاه الوكيل .
(١) تبيين الحقائق: ٢٥٦/٤، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص ١٣٧، المغني لابن قدامة:
١٣٠/٥، مغني المحتاج: ٢٢٩/٢ وما بعدها، بداية المجتهد: ٢٩٨/٢.
(٢)
الاستحقاق: هو أن يدعي أحد ملكية شيء موجود في يد غيره ويثبتها بالبينة، ویقضی له بها.
- ١٦٢ -

والتصرفات التي يمارسها الوكيل نوعان :
النوع الأول - ما يلزم أن يضيفه الوكيل إلى الموكل، ولا يجوز له إضافته إلى
نفسه، فإن أضافه إلى نفسه وقع العقد له لا للموكل ، مثل الزواج والطلاق والخلع ،
والعقود العينية أي التي لا تتم إلا بالقبض وهي خمسة (الهبة والإعارة والإيداع
والقرض والرهن). يلزم الوكيل أن يقول حين إبرام العقد: قبلت زواج فلانة
لفلان، وطلقت امرأة فلان، ووهبتك من مال فلان، ولا يصح أن يقول: تزوجت
أو طلقت على كذا أو وهبت، فينصرف أثر التصرف إليه ، أي أن الزواج يكون
للوكيل حينئذ لا للموكل، ويقع الطلاق عنه، لا عن الموكل، ويلزم بالهبة من ماله
لا من مال الموكل .
وحكم هذا النوع أن حقوق التصرف ترجع إلى الموكل ، ولا يطالب الوكيل منها
بشيء أصلاً؛ لأن الوكيل في هذه التصرفات يكون سفيراً ومعبراً محضاً عن الموكل .
فإذا كان الشخص وكيلاً عن الزوج لا يطالب بالمهر، وإنما يطالب الزوج، وإذا كان
وكيلاً عن المرأة لا يطالب بإزفافها إلى بيت زوجها، وإنما تطالب المرأة أو وليها .
ولو كان وكيلاً عن الواهب لا يلزم الوكيل بتسليم العين الموهوبة، وإنما يطالب
الموكل نفسه، ولا يلزم الوكيل بتسليم الموهوب إذا كان وكيلاً عن الموهوب له .
النوع الثاني : ما لا يلزم أن يضيفه الوكيل إلى الموكل، وإنما يصح إضافته
له أو لنفسه كالمعاوضات المالية، مثل البيع والشراء والإجارة والصلح الذي هو في
معنى البيع (أي الصلح بعوض عن إقرار) فيصح أن يقول الوكيل: بعت أو اشتريت،
کما یصح أن یقول : بعت مال فلان ، واشتريت لفلان .
وحكم هذا النوع: أن الوكيل إذا أضاف التصرف للموكل ، مثل : اشتريت
لفلان، رجعت الحقوق للموكل ، ولزمته هو، ولا يطالب الوكيل بشيء، لأنه في
هذه الحالة مجرد سفير ومعبر عن الأصيل .
- ١٦٣ -

وإن أضاف الوكيل التصرف لنفسه رجعت إليه الحقوق دون الموكل ؛ لأنه هو
الذي باشر العقد ولا يعرف الطرف الآخر سواه. فإذا كان وكيلاً عن البائع لزمه
تسليم المبيع للمشتري، وقبض الثمن . وإذا كان وكيلاً عن المشتري واطلع على عيب في
المبيع، أو ظهر أن المبيع مستحق لغير البائع، كان هو المكلف بمقاضاة البائع
وخصومته، ويلزمه ضمان الثمن للمشتري حال استحقاق المبيع، کما يلزمه دفع الثمن
للبائع إذا كان المبيع سليماً من العيوب.
ويستثنى من ذلك ما إذا كان العاقد ليس من أهل لزوم العهدة ( أي ليس أهلاً
للمسؤولية والتزام الحقوق) إما لنقص أهليته كالصبي المحجور عن التصرف، أو
لانشغاله كالقاضي وأمين القاضي، فترجع الحقوق حينئذ للموكل نفسه، لا إلى
الوكيل.
هذا مذهب الحنفية(١). ويوافقهم المالكية والشافعية(٢) في ذلك أي في أن حقوق
العقد تتعلق بالو کیل دون الموكل .
وقال الحنابلة(٢): إن حقوق العقد ترجع للموكل دون الوكيل؛ لأن الوكيل
عندهم مجرد سفير ومعبر عن العاقد الأصيل. لكن في هذا الرأي إضاعة للغرض من
الوكالة؛ لأن الموكل يوكل غيره في أموره ليخفف عن نفسه عناء مباشرته لها ، أو لأنه
لا يليق به أن يباشرها، أو لعدم قدرته على القيام بها، فإذا عادت الحقوق للموكل
نفسه لم يتحقق له الغرض من الوكالة (٤).
البدائع: ٦/ ٣٣ وما بعدها، تكملة فتح القدير٦ / ١٦ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٤ / ٢٥٦، رد المحتار:
(١)
٤١٩/٤، الكتاب مع اللباب: ٢ / ١٤١ .
المدونة الكبرى: ١٠ / ٨٣، ١٨٦، الشرح الصغير: ٣/ ٥٠٦ وما بعدها، نهاية المحتاج: ٤ / ٤٧، مغني المحتاج:
(٢)
٠٢٣٠/٢
كشاف القناع: ٢ / ٢٣٨، المغني: ٥/ ٩٧، مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى: ٣ / ٤٦٢.
(٣)
(٤)
الأموال ونظرية العقد للمرحوم محمد يوسف موسى: ص ٣٧٦ .
- ١٦٤ -
..... .

انتهاء الوكالة :
تنتهي الوكالة بأحد الأمور التالية(١):
١ - انتهاء الغرض من الوكالة : بأن يتم تنفيذ التصرف الذي وكل فيه الوكيل، إذ
يصبح العقد غير ذي موضوع .
٢ - قيام الموكل بالعمل الذي وكل فيه غيره : كأن يبرم البيع الذي وكل فيه
غيره .
٣- خروج الموكل أو الوكيل عن الأهلية: بموت، أو جنون استمر شهراً، أو حجر
لسفه؛ لأن الوكالة تتطلب استمرار الأهلية للتصرفات ، فإذا زالت الأهلية بطلت
الوكالة . والوكيل يستمد ولا يته من الموكل .
ولا يشترط عند الحنفية والشافعية والحنابلة أن يعلم العاقد بخروج الطرف
الآخر عن الأهلية بهذه العوارض. وقال المالكية: الأرجح أن الوكيل لا ينعزل
موت الموكل حتى يعلم به .
٤ - استقالة الوكيل: إذا تنازل الوكيل عن الوكالة أو استقال، أو رفض
الاستمرار في العمل ، انتهت الوكالة؛ لأن الوكالة بغير أجر كما بينا عقد غير لازم ، يجوز
للوكيل أن يتنازل عنها في أي وقت. لكن يشترط عند الحنفية في هذه الحالة أن يعلم
الموكل بهذا التنازل، حتى لا يتضرر بما فعل الوكيل، ولم يشترط الشافعي علم الموكل
بعزل الوكيل نفسه .
٥ - هلاك العين الموكل بالتصرف فيها ، بيعاً أو شراءً أو إيجاراً؛ لأن العقد يصبح
انظر عند الحنفية: البدائع: ٦/ ٣٧ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٦/ ١٢٣ وما بعدها، الدر المختار: ٤٣٤/٤،
(١)
تبيين الحقائق: ٤/ ٢٨٦ وما بعدها. وعند المالكية: بداية المجتهد: ٢ / ٢٩٨، الشرح الكبير: ٣٩٦/٣، وعند
الشافعية: مغني المحتاج: ٢/ ٢٣٢، المهذبة: ١/ ٣٥٧، وعند الحنابلة: المغني: ١١٣/٥، غاية المنتهى: ١٥٤/٢
وما بعدها.
- ١٦٥ -

غير ذي موضوع. فإذا انهدمت الدار الموكل في شرائها ، أو ماتت المرأة الموكل في
تزوجها ، بطلت الوكالة، لعدم تصور التصرف في المحل المعقود عليه بعد هلا كه.
٦ - عزل الموكل وكيله: لأن الوكالة كما عرفنا عقد غير لازم، فللموكل إنهاء
الوكالة في أي وقت شاء. لكن يشترط لصحة العزل عند الحنفية شرطان :
أخدهما : علم الو کیل بالعزل، حتى لا يلحقه ضرر بإبطال ولايته فيما إذا
تصرف تصرفاً يوجب عليه الضمان ، بدفع الثمن مثلاً ، وتملك المبيع .
وهذا شرط أيضاً في الأرجح عند المالكية .
وقال الشافعية في الأصح عندهم، والحنابلة في الأرجح لديهم: لا يشترط علم
١
الوكيل بالعزل ؛ لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا صاحبه، فلا يحتاج إلى علمه
كالطلاق .
ثانيهما : ألا يتعلق بالوكالة حق لغير الموكل : فإن تعلق بها حق لغيره لم يصح
العزل إلا برضا صاحب الحق، كأن يوكل المدين الراهن شخصاً (هو الدائن أو غيره)
ببيع الرهن وسداد الدين منه إذا حل الأجل، فلا يصح عزل الوكيل حينئذ بغير
رضا الدائن صاحب الحق ، لتعلق حقه بالموضوع .
وإذا وكل الزوج شخصاً بطلاق زوجته متى شاء، فلا يملك الزوج الموكل
الرجوع عن الوكالة إلا برضا المرأة .
ولو أراد المدين السفر إلى بلد، فطلب منه دائنه أن يوكل عنه شخصاً ليخاصمه
في طلب الدين وقت الحاجة، فوكل وكيلاً إجابة لطلبه وسافر، فليس له أن يعزل
الو کیل إلا برضا الدائن .
الفضالة
قد ينعقد العقد بالفضالة التي تتخذ بالإجازة حكم الوكالة . فمن هو الفضولي ،
- ١٦٦ -

وما حكم تصرفاته عند الفقهاء، وما أثر إجازة تصرفاته، وما هي شروط صحة
الإجازة، وهل يملك فسخ العقد الصادر منه قبل الإجازة ؟
تعريف الفضولي : الفضولي في اللغة : هو من يشتغل بما لا يعنيه أو بما ليس
له . وعمله هذا يسمى فضالة. وعند الفقهاء له معنى قريب من هذا. وهو من يتصرف
في شؤون غيره، دون أن یکون له ولا یة علی التصرف. أو من یتصرف في حق غيره
بغير إذن شرعي كأن يزوج من لم يأذن له في الزواج، او يبيع أو يشتري ملك الغير
بدون تفويض، أو يؤجر أو يستأجر لغيره دون ولاية أو توكيل . فهذا التصرف
يسمى فضالة .
حكم تصرفاته عند الفقهاء : للفقهاء رأيان في تصرف الفضولي :
أولهما - الحنفية والمالكية (١): تصرفات الفضولي تقع منعقدة صحيحة، لكنها
موقوفة على إجازة صاحب الشأن: وهو من صدر التصرف لأجله، إن أجازه نفذ،
وإن رده بطل(٢). واستدلوا على رأيهم بما يأتي:
أولاً - بعموم الآيات القرآنية الدالة على مشروعية البيع، مثل قوله تعالى:
﴿وأحل الله البيع﴾ والفضولي كامل الأهلية ، فإعمال عقده أولى من إهماله. وربما
كان في العقد مصلحة للمالك، وليس فيه أي ضرر بأحد؛ لأن المالك له ألا يجيز
العقد، وإن لم يجد فيه فائدة .
البدائع: ٥ / ١٤٨ وما بعدها، فتح القدير مع العناية: ٥/ ٣٠٩ وما بعدها، رد المحتار: ٤ / ٦، ١٤٢، بداية
(١)
المجتهد: ٢ / ١٧١، الشرح الكبير مع الدسوقي: ٣/ ١٢، القوانين الفقهية: ص ٢٤٥.
فرق الحنفية بين بيع الفضولي وشراء الفضولي. أما بيع الفضولي فينعقد صحيحاً موقوفاً على الإجازة، سواء
(٢)
أضاف الفضولي العقد لنفسه أم إلى المالك، وأما شراء الفضولي ففيه تفصيل :
إن أضاف الفضولي الشراء لنفسه نفذ العقد عليه، لأن الأصل أن يكون تصرف الإنسان لنفسه لا لغيره، وإذا
وجد العقد نفاذاً على العاقد نفذ عليه ولا يتوقف. وإن أضاف الفضولي الشراء لغيره، أو لم يجد نفاذاً عليه
لعدم الأهلية، كأن يكون العاقد صبياً أو محجوراً، انعقد الشراء صحيحاً موقوفاً على إجازة هذا الغير الذي تم
الشراء له، فإن أجازه نفذ عليه، واعتبر الفضولي وكيلاً ترجع إليه حقوق العقد من حين نشوء العقد (البدائع:
٥/ ١٤٨ - ١٥٠، مختصر الطحاوي: ص ٨٣، الدر المختار ورد المختار: ٤ / ١٤٣).
- ١٦٧ -
٨

ثانياً - بما ثبت - في الحديث المتقدم في الوكالة - أن النبي ◌ُ اقر أعطى عروة
البارقي - أحد أصحابه - ديناراً ليشتري له به شاة ، فاشترى شاتين بالدينار، وباع
إحداهما بدينار، وجاء للنبي مُ ◌ّ بدينار وشاة، فقال له ((بارك الله لك في صفقة
يمينك)) فشراء الشاة الثانية وبيعها لم يكن بإذن النبي عليه السلام، وهو عمل فضولي
جائز بدلیل إقرار الرسول له .
وخلاصة هذا الرأي: أن الملكية أو الولاية هي من شروط نفاذ التصرف، فإذا لم
يكن العاقد مالكاً ولا ولاية له كان العقد موقوفا .
الرأي الثاني - للشافعية والحنابلة والظاهرية(١): تصرف الفضولي باطل،
لا يصح ولو أجازه صاحب الشأن ؛ لأن الإجازة تؤثر في عقد موجود، وهذا العقد لا
وجود له منذ نشأته، فلا تصيره الإجازة موجوداً. واستدلوا بما يأتي :
أولاً - بأن تصرف الفضولي تصرف فيما لا يملك، وتصرف الإنسان فيما لا يملكه
منهي عنه شرعاً، والنهي يقتضي عدم مشروعية المنهي عنه عندهم ، وذلك في قوله
عٍَّ لحكيم بن حزام: ((لاتبع ما ليس عندك))(١) أي ماليس مملوكالك، وسبب النهي
اشتمال العقد على الغرر الناشئ عن عدم القدرة على التسليم وقت العقد، وما يترتب
عليه من النزاع.
وقالوا عن حديث عروة البارقي: إنه كان وكيلا مطلقا عن النبي محمد له،
وتصرفاته التي قام بها تنفذ، لأنها تمت بمقتضى وكالة خالف فيها الوكيل إلى خير،
فينفذ تصرفه .
-
المجموع للنووي: ٢٨١/٩، ٢٨٤ وما بعدها، مغني المحتاج: ١٥/٢، كشاف القناع: ١١/٢ وما بعدها، القواعد
(١)
لابن رجب: ص ٤١٧، غاية المنتهى: ٨/٢، المحلى: ٥٠٣/٨، م ١٤٦٠.
(٢)
نص الحديث كما رواه أحمد: ((إذا اشتريت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه)). وجاء في حديث عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده فيا رواه الخمسة: ((لا يحل سلف ولا بيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يَضْمن، ولا بيع ما
ليس عندك)) (نيل الأوطار: ١٥٧/٥، سبل السلام: ١٦/٣).
١٠
- ١٦٨ -

ثانياً - إن أي تصرف لا يوجد شرعا إلا بتوافر الولاية والأهلية عند العاقد،
وهذه الولاية لا تكون إلا بالملك أو بالإذن من المالك، والفضولي ليس مالكا لما
يتصرف فيه ولا مأذوناً له من المالك بالتصرف، فلا يكون لتصرفه وجود شرعاً، ولا
یترتب عليه أي أثر.
وخلاصة هذا الرأي : أن الملكية أو الولاية من شروط انعقاد التصرف، فإذا لم
يتوفر شرط الانعقاد کان التصرف باطلا .
وقد أخذ القانون المدني السوري في مواد عشرة (١٨٩ - ١٩٨) برأي الحنفية
والمالكية، وطبق عليها قواعد الوكالة إذا أقر رب العمل ماقام به الفضولي (م ١٩١)،
لكنه حصر الفضالة بقيام الفضولي بشأن عاجل لشخص آخر، كما يفهم من تعريفها
(م١٨٩): ((الفضالة: هي أن يتولى شخص عن قصد القيام بشأن عاجل لحساب
شخص آخر ، دون أن يكون ملزماً بذلك)).
شروط إجازة تصرف الفضولي :
اشترط الحنفية القائلون بصحة تصرف الفضولي شروطاً ثلاثة أحدها في المجيز
وثانيها في الإجازة وثالثها في نفس التصرف(١):
١ - أن يكون للعقد مجيز (٢) حالة إنشاء العقد: أي أن يكون صاحب الشأن
مستطيعاً إصدار العقد بنفسه، فإن لم يكن كذلك وقع العقد باطلاً من مبدأ الأمر،
وعلى هذا إذا طلق فضولي امرأة زوج بالغ عاقل، أو وهب ماله، أو باعه بغبن
فاحش ، انعقد التصرف موقوفاً على الإجازة؛ لأن صاحب الشأن كان يستطيع أن
يصدر هذه التصرفات بنفسه، فيستطيع إجازتها بعد وقوعها، فكان للتصرف مجيز
حالة إنشائه .
البدائع: ١٤٩/٥ - ١٥١، فتح القدير: ٣١١/٥، الدر المختار ورد المختار: ١٤١/٤ وما بعدها، ١٤٦ .
(١)
(٢)
المجيز: هو صاحب المصلحة والشأن في التصرف، والذي له حق تقرير وإمضاء التصرف أو رفضه.
- ١٦٩ -

أما لو فعل فضولي شيئاً من هذه التصرفات بالنسبة لصغير، فلا ينعقد التصرف
أصلاً؛ لأن الصغير ليس أهلاً لهذه التصرفات الضارة، فلا يكون أهلاً لإجازتها ، فلم
يكن لها مجيز حين نشوء التصرف .
فإن كان التصرف قابلاً لإجازة ولي الصغير كالبيع بمثل القيمة أو أكثر، وكان
للصغير ولي ، انعقد موقوفاً على إجازته، أو على إجازة الصغير بعد البلوغ.
٢ - أن تكون الإجازة حين وجود العاقدين (الفضولي والطرف الآخر) والمعقود
عليه وصاحب الشأن: فلو حصلت الإجازة بعد هلاك واحد من هؤلاء الأربعة،
بطل التصرف، ولم تفد الإجازة شيئاً؛ لأن الإجازة تؤثر في التصرف، فلا بد من
قيام التصرف، وقيامه بقيام العاقدين والمعقود عليه .
٣ - ألا يمكن تنفيذ العقد على الفضولي عند رفض صاحب الشأن: مثل بيع
ملك الغير أو إجارته، سواء أضاف العقد لنفسه أم لصاحب المال، ومثل شراء شيء
لغيره أو استئجار شيء لغيره وأضاف العقد لذلك الغير. ففي كل هذه الحالات يكون
العقد موقوفاً .
أما إذا أمكن تنفيذ العقد على الفضولي عند عدم إجازته ، فينفذ على الفضولي
كشراء شيء أو استئجاره مضيفاً العقد لنفسه ، فيلزمه هو .
أثر إجازة تصرف الفضولي :
يترتب على الإجازة من صاحب الشأن أثران: أحدهما - جعل التصرف نافذاً.
ثانيهما - جعل الفضولي وكيلاً يلتزم بحقوق التصرف؛ لأن ((الإجازة اللاحقة كالوكالة
السابقة)»(١).
(١) البدائع: ١٥١/٥.
- ١٧٠ -

أما تاريخ نفاذ التصرف بالإجازة فيختلف حسب نوع التصرف :
إن كان من التصرفات التي لاتقبل التعليق بالشرط كعقود المعاوضات المالية
(البيع والإيجار ونحوهما) فإنها تنفذ من وقت إنشائها أي أن للإجازة أثراً رجعياً؛
لأن آثارها لا تتراخى عنها، وتكون زوائد الشيء وغلاته كالأجرة مملوكة لمن وقع
العقد له، أي للمشتري في عقد البيع ؛ لأن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة .
وإن كان التصرف مما يصح تعليقه بالشرط كالكفالة والحوالة والوكالة
والطلاق ، فإنه ينفذ من وقت الإجازة ؛ لأن هذه التصرفات معلقة في المعنى على
الإجازة .
وإن كان التصرف يتطلب التسليم الفعلي كالهبة، فينفذ من وقت تسليم
الموهوب له .
فسخ تصرف الفضولي :
م
8
تصرف الفضولي غير ملزم لصاحب الشأن ، فيجوز حينئذ فسخه. والفسخ قد
يكون من صاحب الشأن (البائع أو المشتري مثلا)؛ لأن التصرف موقوف على رضاه
وإجازته، فما لم يجزه لم يتم التصرف.
وقد يكون الفسخ من الفضولي نفسه في عقد البيع قبل إجازة المالك صاحب
الشأن حتى يدفع عن نفسه الحقوق التي تلزمه لو أجاز المالك .
أما عقد الزواج فليس للفضولي فسخه؛ لأنه عقد ترجع فيه الحقوق إلى الأصيل
صاحب الشأن(١).
(١) البدائع: ١٥١/٥، فتح القدير: ٣٠٩/٥ - ٣١٢.
- ١٧١ -

هل لفضولي واحد أن يعقد العقد عن الطرفين ؟
عرفنا سابقاً أن تعدد العاقد شرط في انعقاد العقد، فليس للفضولي الواحد إبرام
العقد سواء في البيع أو الزواج وغيرهما ، بل يبطل الإيجاب ولا تلحقه الإجازة(١)،
سواء أكان فضولياً من الجانبين، أو من جانب واحد ومن الجانب الآخر أصيلاً عن
نفسه، أو وكيلاً، أو ولياً عن القاصر. فلو قال: بعت دار فلان، وقبلت الشراء عن
فلان، أو زوجت فلاناً فتاة اسمها كذا، وقبلت زواج هذه الفتاة لفلان ، لم ينعقد
العقد .
العنصر الثالث - محل العقد :
محل العقد أو المعقود عليه : هو ماوقع عليه التعاقد، وظهرت فيه أحكامه
وآثاره . وهو قد يكون عيناً مالية كالمبيع والمرهون والموهوب، وقد يكون عيناً غير
مالية كالمرأة في عقد الزواج، وقد يكون منفعة كمنفعة الشيء المأجور في إجارة
الأشياء من الدور والعقارات ومنفعة الشخص في إجارة الأعمال(٢).
وليس كل شيء صالحاً ليكون معقوداً عليه، فقد يمتنع إبرام العقد على شيء
شرعاً أو عرفاً، كالخمر لاتصلح أن تكون معقوداً عليها بين المسلمين، والمرأة المحرم
بسبب رابطة النسب أو الرضاع، لا تصلح أن تكون زوجة لقريبها .
لذا اشترط الفقهاء أربعة شروط في محل العقد، وهي ما يأتي :
١ - أن يكون موجوداً وقت التعاقد :
فلا يصح التعاقد على معدوم کبيع الزرع قبل ظهوره لاحتمال عدم نباته، ولا
(١)
حاشية ابن عابدين: ٤٤٨/٢ .
(٢)
الإجارة نوعان: إجارة المنافع: وهي أن يكون المعقود عليه منفعة كإجارة الدور والمنازل والحوانيت والأراضي،
وإجارة الأعمال: وهي التي تعقد على عمل معلوم كبناء وخياطة وحمل إلى موضع معين، وصباغة وإصلاح
شيء، وتقديم خبرة كخبرة الأطباء والمهندسين .
- ١٧٢ -

على ماله خطر العدم، أي احتمال عدم الوجود كبيع الحمل في بطن أمه، لاحتمال
ولادته ميتاً ، وكبيع اللبن في الضرع، لاحتمال عدمه بكونه انتفاخاً، وكبيع اللؤلؤ في
الصدف، ولا يصح التعاقد على مستحيل الوجود في المستقبل ، كالتعاقد مع طبيب
على علاج مريض توفي، فإن الميت لا يصلح محلاً للعلاج، وكالتعاقد مع عامل على
حصاد زرع احترق ، فكل هذه العقود باطلة .
وهذا الشرط مطلوب عند الحنفية والشافعية(١)، سواء أكان التصرف من عقود
المعاوضات أو عقود التبرعات، فالتصرف بالمعدوم فيها باطل ، سواء بالبيع أو الهبة أو
الرهن، بدليل نهي النبي ◌ُّ عن بيع حبّل الحبلة(٢) ونهيه عن المضامين والملاقيح(٢)،
وعن بيع ماليس عند الإنسان (٤)؛ لأن المبيع فيها وقت التعاقد معدوم.
واستثنى هؤلاء الفقهاء من هذه القاعدة العامة في منع التصرف بالمعدوم عقود
السلم والإجارة والمساقاة والاستصناع(٥)، مع عدم وجود المحل المعقود عليه حين إنشاء
العقد ، استحسانا مراعاة لحاجة الناس إليها ، وتعارفهم عليها، وإقرار الشرع صحة
البدائع: ١٣٨/٥ وما بعدها، المبسوط: ١٩٤/١٢ وما بعدها، فتح القدير: ١٩٢/٥، مغني المحتاج: ٣٠/٢،
(١)
المهذب: ١/ ٢٦٢.
أي بيع ولد ولد الناقة، أو بيع ولد الناقة. والحديث رواه أحمد ومسلم والترمذي عن ابن عمر (نيل الأوطار:
(٢)
١٤٧/٥)
المضامين: ما في أصلاب الإبل، والملاقيح: ما في بطون النوق. وهذه البيوع كانت متعارفة في الجاهلية.
(٣)
والحديث رواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عمر (نصب الراية: ١٠/٤).
رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن
(٤)
جده بلفظ: ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك)). (سبل
السلام: ١٦/٣).
(٥)
السلم: هو بيع آجل بعاجل أي بيع شيء غير موجود بثمن حال، كما يفعل الزراع مع التجار في بيعهم المحصولات
الزراعية قبل الحصاد. وقد أجازه الشرع في السنة: ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل
معلوم)» والإجارة هي عقد على المنافع بعوض. وقد ثبتت مشروعيتها بالقرآن والسنة وإجماع العلماء،
والاستصناع: هو الاتفاق على عمل الصانع بأن يصنع شيئاً نظير عوض معين، بخامات من عنده، كما نفعل مع
الخياطين والنجارين والحدادين مثلاً. وقد أجيز بالإجماع لحاجة الناس إلى التعامل به في كل زمان ومكان ..
- ١٧٣ -

السلم والإجارة، والمساقاة(١) ونحوها .
واكتفى المالكية(٢) باشتراط هذا الشرط في المعاوضات المالية، أما في عقود
التبرعات كالهبة والوقف والرهن فأجازوا ألا يكون محل العقد موجوداً حين
التعاقد، وإنما يكفي أن يكون محتمل الوجود في المستقبل .
وأما الحنابلة (٢): فلم يشترطوا هذا الشرط، واكتفوا بمنع البيع المشتمل على
الغرر(٤) الذي نهى عنه الشرع، مثل بيع الحَمْل في البطن دون الأم، وبيع اللبن في
الضرع، والصوف على ظهر الغنم. وأجازوا فيما عدا ذلك ، كما قرر ابن تيمية وابن القيم -
بيع المعدوم عند العقد إذا كان محقق الوجود في المستقبل بحسب العادة، كبيع الدار
على الهيكل أو الخريطة؛ لأنه لم يثبت النهي عن بيع المعدوم لا في الكتاب ولا في
السنة ولا في كلام الصحابة، وإنما ورد في السنة النهي عن بيع الغرر: وهو ما لا يقدر
على تسليمه، سواء أكان موجودا أو معدوما كبيع الفرس والجمل الشارد ، فليست العلة
في المنع لا العدم ولا الوجود، فبيع المعدوم إذا كان مجهول الوجود في المستقبل باطل
للغرر، لا للعدم.
عامـ
بل إن الشرع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع ، فإنه أجاز بيع الثمر بعد بدء
المساقاة: هي تعهد العمل على سقاية وتربية الأشجار بنسبة من الناتج. وقد ثبت تشريعها في السنة. ومثلها
(١)
المزارعة: هي العمل على استثمار الأراضي الزراعية بنسبة من المحصول.
(٢)
القوانين الفقهية: ص ٣٦٧، الشرح الصغير: ٣٠٥/٣، ط دار المعارف بمصر. قال ابن رشد في بداية المجتهد:
٣٢٤/٢ ((ولا خلاف في المذهب في جواز هبة المجهول والمعدوم المتوقع الوجود، وبالجملة: كل ما لا يصح بيعه
في الشرع من جهة الغرر.
أعلام الموقعين: ٨/٢ وما بعدها، نظرية العقد لابن تيمية: ص ٢٢٤، المغني: ٤ / ٢٠٠، ٢٠٨.
(٣)
(٤)
روى الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة ((نهى النبي ◌َّل عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر)) أي نهى عن بيع
المبيع المشتمل على غرر، فالمبيع نفسه لا البيع هو الغرر، كالثمرة قبل بدو صلاحها. والغرر: ما تردد بين
السلامة والعطب. أو ما لا يقدر المتعاقد على تسليمه موجوداً كان أو معدوماً. وبيع الحصاة: أي ما وقعت عليه
الحصاة من عدة أشياء (نيل الأوطار: ١٤٧/٥).
- ١٧٤ -

صلاحه ، والحب بعد اشتداده، والعقد في هذه الحالة ورد على الموجود والمعدوم الذي
لم يخلق بعد .
وأما حديث النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان فالسبب فيه: هو الغرر لعدم
القدرة على التسليم ، لا أنه معدوم .
بيع الثمار أو الخضار أو الزروع :
يترتب على اشتراط وجود المعقود عليه أو قابليته للوجود في المستقبل حكم بيع
الثمر أو الخضر أو الزرع في الأرض قبل ظهوره أو بعد ظهوره وقبل نضجه(١) .
أ - اتفق الفقهاء على بطلان بيع الثمار والزروع قبل أن تخلق، لنهي النبي محمد صلّ
عن بيع ما لم يخلق، ونهيه عليه السلام عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها . وعلل النهي
عن البيع بقوله ما في: ((أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه))(٢)؟
ب - إذا أصبح الزرع والثمر بحالة ينتفع بها انتفاعاً كاملاً ، صح التعاقد عليه؛
لأن محل العقد موجود. ويجوز إبقاؤه في الأرض أو على الشجر إلى وقت الحصاد أو
القطاف عند غير أبي حنيفة وأبي يوسف ؛ لأن العرف يقتضيه ويتعامل به الناس
عادة .
ج - إذا أصبح الزرع والثمر بحالة لا ينتفع بها انتفاعاً كاملاً، كأن صار العنب
(١) أنظر عند الحنفية: البدائع: ٥/ ١٧٣، المبسوط: ١٢ / ١٩٥ وما بعدها، فتح القدير: ١٠٢/٥ وما بعدها،
تبيين الحقائق: ٤ /١٢، الدر المختار: ٤٠/٤، وعند المالكية: المنتقى على الموطأ: ٤/ ٢١٧ وما بعدها، بداية
المجتهد: ٢ / ١٤٨ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٢٦١. وعند الشافعية: تكملة المجموع: ١١ / ٣٥١، ٣٦٠،
مغني المحتاج: ٢/ ٨٦، ٨٩، ٩١ وما بعدها، وعند الحنابلة: ٤ / ٨٠، ٨٧، ٨٩ وما بعدها، غاية المنتهى: ٢ / ٦٨
وما بعدها، وعند الظاهرية: المحلى: ٨/ ٤٧١ وعند الزيدية: البحر الزخار: ٣/ ٣١٧، وعند الإمامية: المختصر
النافع: ص ١٥٤ ، وعند الإباضية: شرح النيل: ٤/ ٧٢ وما بعدها .
(٢)
أخرجه البخاري ومسلم عن أنس ((أن النبي عَّل نهى عن بيع الثمرة ختى تَزْهى، قالوا: وما تزهى؟ قال:
تحمرّ، وقال: إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك)) (نيل الأوطار: ١٧٣/٥).
الفقه الإسلامي جـ ٤ (١٢)
- ١٧٥ _

حصرمآ، والبلح بسراً، والزرع سنبلاً أخضر لم ييبس، جاز بيعه عند الإمامين مالك
ومحمد بن الحسن استحساناً لتعارف الناس وتعاملهم به. ولم يجز بيعه عند أبي حنيفة
وأبي يوسف والشافعي ، لأن إبقاءه أمر مطلوب ، وفي إبقائه منفعة للمشتري
لا يقتضيها العقد ولا يلائمه .
د - إذا بدا صلاح بعض الأشجار المثمرة في بستان أو في بساتين متجاورة يجوز
بيع ما ظهر صلاحه وما لم يظهر عند المالكية والشيعة الإمامية وابن تيمية وابن القيم
من الحنابلة ، عملاً بحسن الظن بالله تعالى وبمسامحة الإنسان لأخيه، وتعارف الناس
عليه، إلحاقاً لما لم يظهر صلاحه بما ظهر، ودفعاً للمشقة على الناس في تعاملهم.
ولم يجز ذلك الحنفية والشافعية والحنابلة والزيدية والظاهرية والإباضية؛ لأن
العقد اشتمل على معلوم ومجهول قد لا يخرجه الله تعالى من الشجرة لعدم القدرة على
تسليم المبيع كله .
والخلاصة: أن من منع البيع في هذه الصور أراد الاحتياط في أخذ مال الغير،
ومن أجاز البيع أراد التيسير على الناس ومراعاة الأعراف.
هذا ويتفق القانون المدني السوري (م ١٣٢، ١٣٣) مع الفقه الإسلامي في هذا
الشرط ، فقد شرط فقهاء القانون في محل الالتزام أن يكون شيئاً موجوداً وقت نشوء
الالتزام، أو قابلاً للوجود في المستقبل(١)، لكن لا يجوز قانوناً ولا شرعاً بيع التركة
المستقبلة ، فلا يجوز للوارث بيع حصته من تركة مورثه وهو على قيد الحياة . ويجوز
قانوناً لا شرعاً بيع المؤلف مؤلفه قبل إتمامه، وبيع المحصولات المستقبلة قبل أن
تنبت بثمن مقدر، وبيع النتاج الذي لم يولد، ويمكن تصحيح هذه العقود على رأي
ابن تيمية الذي يجيز العقد على الشيء الذي يمكن وجوده في المستقبل إذا امتنع الغرر.
(١) النظرية العامة للالتزام للدكتور عبد الحي حجازي: ص ٦٥.
- ١٧٦ -

٢ - أن يكون المعقود عليه مشروعاً.
يشترط أن يكون محل العقد قابلاً لحكمه شرعاً، باتفاق الفقهاء(١)، بأن يكون
مالاً مملوكاً متقوماً، فإن لم يكن كذلك، كان العقد عليه باطلاً . فبيع غير المال كالميتة
والدم(٢)، أو هبتها أو رهنها أو وقفها أو الوصية بها باطل؛ لأن غير المال لا يقبل
التمليك أصلاً، وذبيحة الوثني والملحد والمجوسي والمرتد كالميتة .
ويبطل بيع غير المملوك أو هبته: وهو المباح للناس غير المحرز كالسمك في الماء
والطير في الهواء والكلاً والحطب والتراب والحيوانات البرية أو المخصص للنفع العام
كالطرقات والأنهار والجسور والقناطر العامة؛ لأنها غير مملوكة لشخص أو لا تقبل
التملك الشخصي .
والتصرف بغير المتقوم باطل أيضاً : وهو ما لا يمكن ادخاره ولا الانتفاع به
شرعاً ، كالخمر والخنزير بين المسلمين .
وأما آلات الملاهي كأدوات الموسيقا المختلفة فيجوز بيعها عند أبي حنيفة لإمكان
الانتفاع بالأدوات المركبة منها ، ولأنها مال في ذاتها، ولا ينعقد بيعها عند الصاحبين
وبقية الأئمة ؛ لأنها معدة للفساد واللهو. وبناء عليه يضمن قيمتها من يتلف شيئاً منها
عند أبي حنيفة ، ولا يضمن عند غيره من الفقهاء .
ويبطل التصرف بكل شيء، لا يقبل بطبيعته حكم العقد الوارد عليه،
فالأموال التي يتسارع إليها الفساد كالخضروات والفواكه لا تصلح محلاً للرهن ؛ لأن
(١) البدائع: ٥ / ١٤٠ وما بعدها، حاشية ابن عابدين: ٣/٤، مغني المحتاج: ٢/ ١١ وما بعدها، الشرح الصغير:
٣/ ٢٢ وما بعدها، غاية المنتهى: ٦/٢ وما بعدها.
(٢)
أجاز الشافعية والحنابلة خلافاً لأبي حنيفة ومالك بيع حليب المرأة المرضع للحاجة إليه وتحقيق النفع به،
وأجاز الحنابلة بيع أعضاء الإنسان كالعين وقطعة الجلد إذا كان ينتفع بها ليرفع بها جسم الآخر لضرورة
الأحياء، وبناء عليه يجوز بيع الدم الآن للعمليات الجراحية للضرورة (راجع المغني: ٤ / ٢٦٠).
- ١٧٧ -

حكمه: وهو حبس المرهون لإمكان استيفاء الدين منه عند عدم الأداء في وقته،
لا تقبله هذه الأموال. والمرأة من المحارم كالأخت والعمة بالنسبة لقريبها المحرم
لا تصلح محلاً لعقد الزواج. والعمل الممنوع شرعاً كالقتل والغصب والسرقة
والإتلاف لا يصح الإجارة عليه .
ويتفق القانون مع الفقه الإسلامي في اشتراط هذا الشرط ، فقد شرط
القانونيون أن يكون الشيء داخلاً في دائرة التعامل. وأن يكون في بعض الأحوال
مملوكاً للملتزم بنقل ملكيته وذلك في الحقوق العينية المنصبة على شيء معين
بالذات(١)، إلا أن فقهاء الشرع يجعلون تحريم الشرع وعدمه هو المحكم في جعل محل
الالتزام مشروعاً أم غير مشروع، والقانون يحكم في ذلك قواعد النظام العام والآداب.
٣ - أن يكون مقدور التسليم وقت التعاقد :
يشترط باتفاق الفقهاء توافر القدرة على التسليم وقت التعاقد، فلا ينعقد العقد
إذا لم يكن العاقد قادراً على تسليم المعقود عليه، وإن كان موجوداً ومملوكاً للعاقد.
ويكون العقد باطلاً .
وهذا الشرط مطلوب في المعاوضات المالية باتفاق العلماء وفي التبرعات(٢) عند
غير الإمام مالك ، فلا يصح بيع الحيوان الشارد ولا إجارته ورهنه وهبته ووقفه
ونحوها ، ولا يصح التعاقد بيعاً أو إجارة أو هبة على الطير في الهواء والسمك في البحر
والصيد بعد فراره والمغصوب في يد الغاصب والدار في الأرض المحتلة من العدو، لعدم
القدرة على التسليم .
وأجاز الإمام مالك أن يكون معجوز التسليم حال التعاقد محلاً لعقد الهبة وغيره
(١)
نظرية الالتزام للدكتور حجازي: ص ٦٥، ٧١ .
(٢)
البدائع: ٤ / ١٨٧، ٥/ ١٤٧، ٦/ ١١٩، بداية المجتهد: ٢ / ١٥٦، الشرح الكبير: ١١/٣، الشرح الصغير:
٢٢/٣، المهذب: ١ / ٢٦٢، مغني المحتاج: ٢ / ١٢، المغني: ٤/ ٢٠٠ وما بعدها، غاية المنتهى: ٢ / ١٠.
- ١٧٨ -

من التبرعات(١) . فيصح عنده هبة الحيوان الفار وإعارته والوصية به، لأنه في التبرع
لا يثورشيء من النزاع حول تسليم المعقود عليه؛ لأن المتبرع فاعل خير ومحسن،
والمتبرع له لا يلحقه ضرر من عدم التنفيذ، لأنه لم يبذل قليلاً ولا كثيراً، فلا يكون
هناك ما يؤدي إلى النزاع والخصام الذي يوجد في المعاوضات المالية .
وهذا الشرط لم يذكر عند القانونيين، ويظهر أنهم لا يشترطونه .
٤ - أن يكون معيناً معروفاً للعاقدين :
لا بد عند الفقهاء أن يكون محل العقد معلوماً علماً يمنع من النزاع؛ للنهي الوارد
في السنة عن بيع الغرر وعن بيع المجهول(٢). والعلم يتحقق إما بالإشارة إليه إذا كان
موجوداً، أو بالرؤية عند العقد أو قبله بوقت لا يحتمل تغيره فيه، ورؤية بعضه
كافية إذا كانت أجزاؤه متماثلة، أو بالوصف المانع للجهالة الفاحشة، وذلك ببيان
الجنس والنوع والمقدار، كأن يكون المبيع حديداً من الصلب أو الفولاذ من حجم
معين .
فلا يصح التصرف بالمجهول جهالة فاحشة: وهي التي تفضي إلى المنازغة.
ويكون العقد فاسداً عند الحنفية، باطلاً عند غير الحنفية، وتغتفر الجهالة اليسيرة،
وهي التي لا تؤدي إلى المنازعة ويتسامح الناس فيها عادة.
كما لا يصح التصرف بما يشتمل على الغرر. ويلاحظ أن الغرر أعم من الجهالة
فكل مجهول غرر، وليس كل غرر مجهولاً ، فقد يوجد الغرر بدون الجهالة كما في شراء
الشيء الهارب المعلوم الصفة، ولكن لا توجد الجهالة بدون الغرر(٣).
(١)
الشرح الصغير: ٤ / ١٤٢.
سبق تخريج الحديث، رواه الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة ((أن النبي ◌َ ◌ُّ نهى عن بيع الحصاة وعن بيع
(٢)
الغرر)» وبيع الحصاة: أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه هذه الحصاة، ويرمي الحصاة. أو
يقول: من هذه الأرض ما انتهت إليه في الرمي (نيل الأوطار: ٥/ ١٤٧).
(٣)
الفروق للقرافي المالكي: ٣ / ٢٦٥، تهذيب الفروق بهامشه: ٣ / ٢٧٠ وما بعدها .
- ١٧٩ -

وهذا الشرط مطلوب في المعاوضات المالية كالبيع والإيجار باتفاق الفقهاء، أما
اشتراطه في غيرها فمحل اختلاف :
فالشافعية والحنابلة(١) يشترطونه في عقود المعاوضات المالية وفي غير المالية
كعقد الزواج، وفي عقود التبرعات كالهبة والوصية والوقف.
وقصره الحنفية(٢) على المعاوضات المالية وغير المالية، ولا يشترطونه في عقود
التبرعات كالوصية والكفالة، فيصح التبرع مع جهالة المحل؛ لأن الجهالة فيه
لا تؤدي إلى النزاع، كأن يوصي شخص بجزء من ماله، ويكون البيان متروكاً
للورثة . ولأن يقول الكفيل : أنا ضامن ما على فلان من مال .
واكتفى المالكية(٣) باشتراطه في عقود المعاوضات المالية فقط ، فأبطلوا كل عقد
بيع مثلاً إذا كان مشتملاً على جهالة المبيع أو الثمن . ولم يشترطوا هذا الشرط في عقود
المعاوضات غير المالية ، وفي عقود التبرعات، فأجازوا الزواج المشتمل على غرر قليل
لا كثير كأثاث بيت، لا على شيء شارد أوضائع؛ لأن القصد من المهر هو المودة
والألفة فأشبه التبرع فاغتفرت فيه الجهالة اليسيرة، لا الفاحشة؛ لأن في الزواج
شبهاً بالمعاوضات، وصححوا التبرع بالمجهول جهالة فاحشة؛ لأن القصد منه
الإحسان بالصرف والتوسعة على الناس ، ولا يترتب على ذلك نزاع .
والقانون المدني في المادة (١٣٤) اشترط هذا الشرط أيضاً، متجاوزاً عن الجهالة
اليسيرة إذا كان المحل غير معين بالذات ، أي معيناً بنوعه فقط . فقال فقهاء القانون :
يشترط أن يكون الشيء معيناً أو قابلاً للتعيين بشرط بيان طرق التعيين اللاحق.
مغني المحتاج: ٢/ ١٦، المهذب: ١ / ٢٦٣، ٢٦٦، المغني: ٤ /٢٠٩، ٢٣٤، غاية المنتهى: ٢/ ٣٣٢،١١ وما
(١)
بعدها، ٣ / ١٨، ٦٠.
المبسوط: ١٣ / ٢٦، ٤٩، البدائع: ٥/ ١٥٨، فتح القدير: ١١٣/٥، ٢٢٢، الدر المختار: ٤ /٣٠، ١٢٥.
(٢)
الشرح الكبير: ٣/ ١٠٦، القوانين الفقهية: ص ٢٦٩، المنتقى على الموطأ: ٤ / ٢٩٨، الفروق: ١ / ١٥٠ وما
(٣)
بعدها .
- ١٨٠ -
y'