Indexed OCR Text

Pages 701-720

وقال الشافعية في الأظهر : إن جرحه جرحاً يمكن إحالة الموت عليه ،
وغاب ، ثم وجده ميتاً ، ولم يظن أن سهمه قتله ، حرم ، لحديث عدي بن حاتم
قال : قلت : يا رسول الله ، إنا أهل صيد ، وإن أحدنا يرمي الصيد ، فيغيب
عنه الليلتين والثلاث ، فيجده ميتاً ، فقال : إذا وجدت فيه أثر سهمك ، ولم
يكن أثر سبع، وعلمت أن سهمك قتله ، فكل )»(١) .
وقال المالكية في المشهور : إن وجده ميتاً بعد يوم أو يومين منفوذ المقاتل
لا يؤكل لاحتمال موته بشيء من الهوام مثلا ، ولحديث مسند عن أبي رَزين وعن
عائشة، ومرسل عند أبي داود، مفاده ((أن النبي ماتز كره أكل الصيد: إذا غاب
عن الرامي ، وقال: لعل هوام الأرض قتلته )).
والخلاصة : أن الصيد الذي غاب بعد رميه ، ولم يعلم أو يظن أنه مات
بضربه ، لا يؤكل في المذاهب .
حالة الوقوع في الماء أو التردي من مكان عال على الأرض : إذا
رمى الصائد صيداً ، فوقع في ماء أو تردى من مكان عال كجبل أو سطح على
الأرض ، أو وطئه شيء فمات ، لم يؤكل باتفاق المذاهب(٢) ، لكن إن وقع على
الأرض مباشرة ، أكل ؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه . بخلاف الحالة المتقدمة ، فإنه
يمكن الاحتراز عنه ، وقد اجتمع فيه سبب الحل والحرمة معاً ، فترجح جهة الحرمة
احتياطاً ، ولحديث عدي بن حاتم السابق: (( وإن وقع في ماء، فلا تأكل )).
هذا مالم يكن سهم قد أنفذ مقاتله قبل الوقوع ، فإن حدث ذلك لم يضره الغرق
أو التردي .
(١) رواه أحمد والبخاري ( نيل الأوطار: ١٣٥/٨ وما بعدها، جامع الأصول: ٤٤٤/٧).
(٢) اللباب: ٢٢٠/٣ وما بعدها، تكملة الفتح: ١٨٤/٨، تبيين الحقائق: ٥٨/٦، القوانين الفقهية: ص١٧٨ ،
الشرح الكبير: ١٠٥/٢، بداية المجتهد: ٤٤٦/١ وما بعدها، مغني المحتاج: ٢٧٤/٤، المهذب: ٢٥٤/١، المغني :
٥٧٧/٨، كشاف القناع : ٢١٨/٦ .
٠ - ٧٠١ -

المطلب الثاني - شروط آلة الصيد :
الآلة نوعان : سلاح ، وحيوان .
أ - أما السلاح : فيشترط أن يكون محدداً كالرمح والسهم والسيف والبارود
ونحو ذلك . وإذا رمى الصيد بسيف أو غيره ، فقطعه قطعتين أو قطع رأسه ،
أكل جميعه وأكل الرأس ، عند الجمهور(١) ، ولا يؤكل الجزء المبان منه إذا بقيت فيه
حياة مستقرة؛ لأن ((الجزء المقطوع من الحي كميتته)). ويؤكل العضو المبان إذا
لم تبق فيه حياة مستقرة ومات بالجرح .
وكذلك قال الحنفية (٢): إذا رمى إلى صيد، فقطع عضواً منه أكل المصيد ،
كوجود الجرح، ولا يؤكل العضو المقطوع بحال، لقوله تع الى: ((ما أبين من
الحي فهو ميت))(٣) والمبان منه حي حقيقة لوجود الحياة . وان قطعه الرامي
أثلاثاً أو أكثره مع عجزه ، أو قطع نصف رأسه أو أكثره ، أو قده نصفين ، أُكل
كله ؛ لأن هذه الصور لا يمكن فيها وجود حياة فوق حياة المذبوح ، فلم يتناولها
الحديث المذكور. أما لو كان الأكثر مع الرأس ، أكل الأكثر، ولا يؤكل الأقل ،
لإمكان الحياة فوق حياة المذبوح ، وأما الأقل فهو مبان من الحي .
ولا يجوز الاصطياد بمالا يجوز التذكية به ، وهي السن والظفر والعظم على
الخلاف السابق في التذكية به .
(١) القوانين الفقهية: ص١٧٦، ١٧٨، المغني: ٥٥٦/٨ وما بعدها، بداية المجتهد: ٤٤٧/١ ، مغني المحتاج :
٠٢٧٠/٤
(٢) اللباب: ٢٢٢/٣، الدر المختار: ٣٣٦/٥، تكملة الفتح: ١٨٥/٨ وما بعدها .
(٣) رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين وأحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عمر بلفظ ((ما قطع من حي
فهو ميتة)) أو (( ما قطع من البهية وهي حية فهو ميتة)) (نيل الأوطار: ١٤٦/٨ ).
- ٧٠٢ -

ولا يجوز الصيد بمثقل(١) كالحجر ، والبندقة ( طينة مدورة يرمى بها)،
والمعراض بعُرْضه ( سهم لا ريش له ولا نصل، أو عصا محددة الرأس ) إلا أن
يكون له حد ، ويوقن أنه أصاب به ، لا بالرض ؛ لأن ما قتله بحده بمنزلة
ما طعنه برمحه ، ورماه بسهم ، وما قتل بعُرْضه ( جانبه ) إنما يقتل بثقله ، فهو
موقوذ أو وقيذ ( ميت بالضرب ) ولما روي أن عدي بن حاتم قال للنبي معَاتٍ: إني
أرمي الصيد بالمعراض(٣)، فأصيب، فقال: ((إذا رميت بالمعراض ، فخزق
( نفذ )، فكله، وإن أصاب بعُرْضه (بغير طرفه المحدد )، فلا تأكله))(٣) . وفي
حديث عبد الله بن مغَفِّل قال: (( نهى رسول الله لتر عن الخَذْف ، وقال : انه
لا يقتل الصيد، ولا ينكأ العدو، وانه يفقأ العين، ويكسر السن)»(9).
وعليه : إذا قتل الصائد أو الذابح الحيوان بُمُثَقّل ( شيء ثقيل ) ، أو ثقل
محدد كبندقة وسوط ، وسهم بلا نصل ولا حد ، أوسهم وبندقة معاً ، أو جرحه
نصل وأثر فيه عُرْض السهم ( جانبه ) في مروره ، ومات بها ( أي الجرح
والتأثير ) أو انخنق بأحبولة أو شبكة ، فهو محرم ، بلا خلاف ، لأنه قتله بما ليس
له حد(٥) . وهكذا حكم سائر آلات الصيد حكم المعراض في أنها إذا قتلت بعُرْضها
ولم تجرح ، لم يبح الصيد ، كالسهم يصيب الطائر بعُرْضه فيقتله ، أو كالسيف
بصفحه .
(١) تكملة الفتح: ١٨٥/٨، اللباب: ٢٢١/٣، تبيين الحقائق: ٥٨/٦، القوانين الفقهية: ص ١٧٦ ، بداية
المجتهد: ١ / ٤٤١، مغني المحتاج: ٤ / ٢٧٤، المهذب: ٢٥٤/١، المغني: ٥٥٨/٨ وما بعدها، كشاف القناع: ٢١٧/٦
وما بعدها .
(٢) قال القرطبي : المشهور أنه خشبة ثقيلة آخرها عصا محدد رأسها ، وقد لا يحدد . وقال ابن التين :
المعراض : عصا في طرفها حديدة يرمي بها الصائد .
(٣) رواه البخاري ومسلم وأحمد ( نيل الأوطار: ١٣٠/٨ ).
(٤) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي (جامع الأصول : ٤٥٢/٧).
(٥) مغني المحتاج: ٢٧٤/٤، المهذب : ٢٥٤/١ ، بداية المجتهد : ٤٤٦/١، المغني : ٥٥٩/٨.
- ٧٠٣ -

والخلاصة : أنه يؤكل المصيد بالرمي بأداة محددة كالرماح والسيوف والسهام
ونحوها للنص عليها في القرآن والسنة . كما يؤكل المصيد بالمثقل إذا قتله بجده
وخرق جسد الصيد، ولا يؤكل إذا قتله بالمثقل ولم يخرق لقول النبي محمد له:
((ما خزق فكل)). وهذا التفصيل بالمثقل هو رأي الجماهير.
ب - وأما الحيوان الجارح : فيحل الاصطياد بجوارح السباع والطير إذا
كانت معلمة ، ولم تأكل من الصيد عند غير المالكية . فالسبع مثل الكلب والفهد
والنمر والأسد والهر ، والطير مثل الباز أو البازي ( نوع من الصقور) والشاهين
( من جنس الصقر) والصقر والنسر والعقاب ونحوها من كل ما يقبل التعليم (١)
لقوله تعالى : ﴿ أحل لكم الطيبات ، وما علمتم من الجوارح مكلبين ﴾ ، قال ابن
عباس : هي الكلاب المعلمة ، وكل طير تعلم الصيد والفهود والصقور وأشباهها ،
أي يحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح(٢) . ولحديث عدي بن حاتم ، قال: سألت
رسول الله مُ ئل عن صيد البازي، فقال: ((إذا أمسك عليك، فكل)) ولأنه
جارح يصاد به عادة ، ويقبل التعليم ، فأشبه الكلب . ومثله كل سبع حتى
الأسد .
واستثنى أبو يوسف(٣) من ذلك الأسد والدب ، لأنها لا يعملان لغيرهما :
الأسد لعلو همته ، والدب لخساسته ، وألحق بعضهم بها الجِدَّة لخساستها ،
والخنزير مستثنى ؛ لأنه نجس العين ، فلا يجوز الانتفاع به .
(١) البدائع : ٤٤/٥، الدر المختار: ٣٢٩/٥، تبيين الحقائق: ٥٠/٦، تكملة الفتح: ١٧١/٨، اللباب: ٢١٧/٣
وما بعدها، بداية المجتهد: ٤٤١/١، القوانين الفقهية: ص١٧٦، الشرح الكبير: ١٠٤/٢، مغني المحتاج: ٢٧٥/٤ ،
المهذب: ٢٥٣/١ وما بعدها، المغني: ٥٣٩/٨، ٥٤٥ - ٥٤٧، كشاف القناع: ٢٢٠/٦.
(٢) والجوارح : الكواسب . ومكلبين : من التكليب : وهو الإغراء
(٣) الهداية مع تكملة الفتح : ١٧٣/٨ .
- ٧٠٤ _

٠٠٠
واستثنى الإمام أحمد من الكلاب : الكلب الأسود البهيم ( الذي لا يخالط
لونه لون سواه كالبياض ونحوه ) ، لأنه كلب يحرم اقتناؤه ، ويسن قتله بأمر
النبي، فلم يبح صيده، كغير المُعلّم. ودليله قول النبي عَّ: ((عليكم بالأسود
البهيم ذي النُكْتتين ، فإنه شيطان))(١) فقد سماه النبي شيطاناً، ولا يجوز اقتناء
الشيطان . واباحة الصيد المقتول بالجارح رخصة ، فلا تستباح بمحرم كسائر
الرخص ، ويكون عموم الآية السابقة مخصصاً بهذا الحديث(٢).
ويسن أيضا عند الحنابلة قتل الخنزير ويحرم الانتفاع به ، ويجب قتل
الكلب العقور ولو كان معلماً ، ويحرم اقتناؤه لأذاه .
شروط الحيوان الصائد : يشترط في الحيوان المصيد به ستة شروط (٢):
الأول - أن يكون معلماً : بأن ينتقل عن طبعه الأصلي ، حتى يصير تحت
تصرف الصائد كالآلة ، لا صائداً لنفسه . وشرط التعليم متفق عليه بنص القرآن .
وتعليم الكلب عند الحنفية : أن يترك الأكل ثلاث مرات . وتعليم البازي
ونحوه : أن يرجع ويجيب إذا دعوته ، ولا يشترط فيه ترك الأكل من الصيد ،
وهو مأثور عن ابن عباس ، ولأن آية التعليم : ترك ما هو مألوفه عادة ، فيترك
الكلب ونحوه من السباع الأكل والاستلاب مما يصيده ، ويتعود الطائر الإجابة ،
أو الرجوع إذا دعوته . وفي رواية أخرى عن أبي حنيفة : لا يقدر التعليم بالثلاث
بل بحسب رأي المدرب .
ويؤكل ما اصطاده في المرة الثالثة عند أبي حنيفة ، ولا يؤكل عند
(١) رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر مرفوعا بلفظ ((ذي الطفيتين)) أي الخطين الأبيضين فوق عينيه ،
وهما النكتتان ، والنكتة : النقطة البيضاء في الأسود ، أو السوداء في الأبيض .
(٢) المغني: ٥٤٧/٨، كشاف القناع: ٢٢٠/٦.
(٣) رد المحتار: ٣٢٨/٥، بداية المجتهد : ٤٤٤/١، القوانين الفقهية: ص١٧٦ وما بعدها .
الفقه الإسلامي جـ ٣ (٤٥)
- ٧٠٥ -

الصاحبين ؛ لأنه إنما يصير معلماً بعد تمام الثلاث(١) . ولابد من الإرسال ، لكن
لا يشترط الزجر في حل الصيد .
ولا بد في التعليم عند الشافعية والحنابلة من أوصاف أو شروط ثلاثة : إذا
أرسله صاحبه استرسل ، وإذا زجره انزجر ، وإذا أمسك الصيد لم يأكل منه .
ويكفي عند المالكية توفر الشرطين الأولين(٢). ويشترط تكرار هذه الأمور حتى
يصير معلماً في حكم العرف بأن يظن تأدب الجارحة ، ولا يضبط ذلك بعدد عند
المالكية والشافعية ، بل يرجع في أمر التكرار إلى أهل الخبرة بالجوارح . وأقل
المطلوب عند الحنابلة ثلاث مرات ؛ لأن ما اعتبر فيه التكرار اعتبر ثلاثاً ،
كالمسح في الاستجمار وغسلات الوضوء .
ولا يعتبر أيضا عند بعض المالكية شرط: ((إذا زجر انزجر)) في الباز، لأنه
لا ينزجر .
ودليل شرط عدم أكل الجارح من الصيد: هو حديث عدي بن حاتم
المتقدم: ((إذا أرسلت كلبك المعلم، وسميت ، فأمسك وقتل ، فكل ، وان أكل
فلا تأكل ، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه )) .
فإن ظهر كون الجارح معلماً ، ثم أكل مرة من لحم صيد ، لم يحل الصيد في
الأرجح عند الجمهور غير المالكية ، لحديث عدي السابق ، ولأن عدم الأكل شرط ..
في التعلم ابتداء ودواماً ، فيشترط تعليم جديد . وأجاز الحنفية أكل ما أكل منه
البازي ؛ لأن ترك الأكل ليس شرطاً عندهم في تعليمه .
(١) تكملة الفتح: ١٧٣/٨ وما بعدها، ١٧٥، اللباب : ٢١٨/٣ .
(٢) الشرح الكبير: ١٠٣/٢ وما بعدها، بداية المجتهد: ٤٤٣/١، القوانين الفقهية: ص١٧٦ ، مغني المحتاج:
٢٧٥/٤، المهذب : ٢٥٣/١، المغني: ٥٤٢/٨ وما بعدها، كشاف القناع: ٢٢١/٦.
- ٧٠٦ -

وقال المالكية : يؤكل(١) ، لعموم قوله تعالى: ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم﴾
وحديث أبي ثعلبة: (( ما صدت بقوسك ، فذكرت اسم الله عليه ، فكل ،
وما صدت بكلبك الُعلّم ، فذكرت اسم الله عليه ، فكل ، وما صدت بكلبك غير
المعلم ، فأدركت ذكاته فكل(٢)) ولأن الأكل يحتمل أن يكون لفرط جوع ، أو
غيظ على الصيد .
ويحل الصيد الذي صاده قبل الأكل ، كما يحل في الراجح عند الحنابلة
ما صاده الكلب بعد الصيد الذي أكل منه(٣).
وهل يجب غسل معضّ الكلب أي أثر فى الكلب ؟ قال الشافعية وفي وجه
عند الحنابلة(٤): معض الكلب تجس ، ولا يعفى عنه ، لأنه ثبتت نجاسته ،
فيجب غسل ما أصابه كبوله ، ويغسل سبعاً إحداهن بالتراب . وقال المالكية
وهو الوجه الثاني عند الحنابلة : لا يجب غسله ؛ لأن الله تعالى ورسوله أمرا
بأكله ، ولم يأمرا بغسله ، والكلب طاهر في مذهب المالكية ، فيؤكل موضع نابه .
الثاني - أن يذهب على سنن الإرسال ولو من غير تعيين عند الحنفية . أما
عند المالكية والشافعية والحنابلة فلابد من أن يرسله الصائد من يده على الصيد
بعد أن يراه ويعينه(٥) . فإن انبعث من نفسه لم يؤكل اتفاقاً . ومن سمع حساً ظنه
(١) المراجع السابقة .
(٢) متفق عليه بين أحمد والشيخين ( نيل الأوطار: ١٣٠/٨ ).
(٣) المغني : ٥٤٥/٨ .
(٤) مغني المحتاج: ٢٧٦/٤، المغني: ٥٤٦/٨، المهذب: ٢٥٣/١ .
(٥) رد المحتار: ٣٢٨/٥، تكملة الفتح: ١٨١/٨، تبيين الحقائق: ٥٤/٦ وما بعدها، الشرح الكبير: ١٠٦/٢ ،
القوانين الفقهية: ص١٧٧، المغني: ٥٤٥/٨، مغني المحتاج: ٢٧٧/٤، كشاف القناع: ٢٢٢/٦، ٢٢٥، المهذب :
٢٥٥/١ .
- ٧٠٧ -

حس صيد ، فرماه ، أو أرسل كلباً أو بازاً عليه ، فأصاب صيداً ثم تبين أنه صيد ،
حل المصاب عند الحنفية ، لأنه قصد الاصطياد .
وإن زجره بعد انبعاثه من تلقاء نفسه ، فرجع إليه ، ثم أشلاه ( أغراه ) ،
أكل . وإن لم يرجع إليه ، بعد أن انزجر ، ثم زاد في عدوه ، أبيح صيده عند
الحنفية والحنابلة ، وهو الأولى ؛ لأن الزجر مثل الإرسال من حيث كونه فعل
الصائد ، فالزجر إرسال لأنه دليل الطاعة . ولم يبح عند المالكية والشافعية ، كما
أشرنا سابقاً ، تغليباً لجانب المنع ؛ لأنه اجتمع إرسال بنفسه وإغراء ، فغلب
الأول(١) .
وإن أرسله على صيد بعينه ، فصاد غيره ، لم يؤكل عند غير الحنفية . فإن
أرسل ، ولم يقصد شيئاً معيناً ، وإنما قصد ما يأخذه الجارح ، أو ما تقتل الآلة في
جهة محصورة كالغار وشبهه ، جاز على المشهور عند المالكية . وان كانت جهة غير
معينة كالمتسع من الأرض والغياض أو كان الإرسال على كل صيد يعثر عليه ، لم
يجز ولم يبح المصيد عندهم . ولو اضطرب الجارح فأرسله الصائد ، ولم يرشيئاً ،
وليس المكان محصوراً من غار أو غيضة ، فصاد شيئاً ، لم يؤكل لاحتمال أن يكون
غير المضطرب عليه ولم ينوه ، فإن نواه وغيره أكل . وقيل : لا يؤكل .
ولابد عند الشافعية والحنابلة : أن يقصد صيداً معيناً ، لا مبهماً ، فلو أرسل
سهاً لاختبار قوته ، أو إلى غرض يرمي إليه ، فاعترضه صيد ، فقتله ، حرم ،
لأنه لم يقصد برميه معيناً .
الثالث - ألا يشاركه في الأخذ مالا يحل صيده ، كالجارح غير المعلم ، وهو
(١) فيه حديث موقوف على ابن مسعود وهو: (( ما اجتمع الحلال والحرام، إلا وغلب الحرام الحلال)) وفيه
ضعيف وانقطاع ( نصب الراية : ٣١٤/٤ ) .
- ٧٠٨ -

شرط مجمع عليه . فإن تيقن أن المُعَلَّم هو المنفرد بالأخذ أو الجرح ، أكل . وإن
1
تيقن خلافه أوشك لم يؤكل ، لأنه اجتمع المبيح والمحرم ، فتغلب جهة المحرم
احتياطاً . وان غلب على ظنه أنه القاتل، ففيه خلاف(١)، فإن أدركه حياً
فذكاه ، حل اتفاقاً .
ودليل هذا الشرط حديث عدي بن حاتم قال: «سألت رسول الله ما اتهم ،
فقلت: أرسل كلبي، فأجد معه كلبا آخر)) قال: (( لا تأكل ، فإنك إنما سميت
على كلبك، ولم تسم على الآخر)) وفي لفظ: ((فإن وجدت مع كلبك كلباً آخر ،
فخشيت أن يكون أخذ منه ، وقد قتله ، فلا تأكله ، فإنك إنما ذكرت اسم الله
على كلبك)) وفي لفظ ((فإنك لا تدري أيها قتله ؟))(٢) .
الرابع - أن يقتله جَرْحا، فإن خنقه أو قتله بصدمته ، لم يبح عند
الجمهور(٣) غير الشافعية ؛ لأن قتله بغير جَرْح أشبه بقتله بالحجر والبندق ، ولأن
الله تعالى حرم الموقوذة، وقول النبي مَ ◌ّ السابق: (( ما أنهر الدم، وذكر اسم
الله ، فكل )) يدل على أنه لا يباح مالم ينهر الدم . فعلى هذا يكون الجرح
شرطاً . وهذا أولى في نظري ؛ لأن الوقيذ محرم بالقرآن والإجماع ، والعقر ذكاة
الصيد .
وقال الشافعية(٤): لو تحاملت الجارحة على صيد ، فقتلته بثقلها ، حل في
الأظهر ، لعموم قوله تعالى: ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ) ولأنه يعسر تعليمه ألا
(١) رد المحتار: ٣٢٨/٥، تكملة الفتح: ١٨٠/٨، اللباب: ٢١٩/٣ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص١٧٧ ،
بداية المجتهد: ٤٤٦/١، المهذب: ٢٥٣/١، المغني: ٥٤٩/٨، كشاف القناع: ٢١٦/٦ .
(٢) متفق عليه بين أحمد والشيخين ( نيل الأوطار : ١٣٤/٨).
(٣) رد المحتار: ٣٢٨/٥، تكملة الفتح: ١٨٠/٨، اللباب: ٢١٩/٣، الشرح الكبير: ١٠٢/٢ - ١٠٤، بداية
المجتهد: ٤٤١/١، ٤٤٤، ٤٤٧، المغني: ٥٤٥/٨، كشاف القناع: ٢٢٢/٦.
(٤) مغني المحتاج : ٢٧٦/٤ .
- ٧٠٩ -

يقتل إلا بجرح، ولعموم حديث عدي: (( ما علمت من كلب أو باز، ثم
أرسلته ، وذكرت اسم الله عليه ، فكل ما أمسك عليك ، قلت : وان قتل ؟
قال : وان قتل ، ولم يأكل منه شيئاً، فإنما أمسكه عليك))(١) .
الخامس - ألا يأكل من الصيد، فإن أكل منه لم يبح . ويمكن دمج هذا
الشرط بالشرط الأول .
وهذا شرط عند الجمهور غير المالكية ، وهو أصح الروايتين عند الحنابلة ،
وهو مذهب الحنفية في الكلب ونحوه من السباع .
وقال مالك ومتأخرو المالكية ( وهو مشهور المذهب ) ، وفي رواية ثانية عن
أحمد : يجوز الأكل مما أكل منه الكلب أو غيره من الطيور .
وقال الحنفية وبعض المصنفين من الحنابلة كصاحب كشاف القناع(٢):
لا يباح ما أكل منه الكلب عملاً بالحديث المتفق عليه: ((فإن أكل فلا تأكل ،
فإني أخاف أن يكون انما أمسك على نفسه )»، ويباح ما أكل منه الطائر ذو
المخلب كالبازي والصقر والعقاب والشاهين ونحوها ، لأن تعليمه بأن يسترسل إذا
أرسل ، ويرجع إذا دعي، ولا يعتبر ترك الأكل لقول ابن عباس: ((إذا أكل
الكلب فلا تأكل ، وإن أكل الصقر، فكل )).
ودليل الجمهور: حديث عدي بن حاتم: ((إذا أرسلت كلبك المعلم ، وذكرت
اسم الله تعالى ، فكل ما أمسك عليك . قلت : وان قتل ؟ قال : وان قتل ، إلا
أن يأكل الكلب ، فإن أكل ، فلا تأكل ، فإني أخاف أن يكون انما أمسك على
(١) رواه أحمد وأبو داود (نيل الأوطار: ١٣٠/٨).
(٢) رد المحتار: ٣٢٨/٥، اللباب: ٢١٨/٣، تبيين الحقائق: ٥٢/٦، تكملة الفتح: ١٧٥/٨ ، بداية المجتهد :
٤٤٣/١٠ وما بعدها ، مغني المحتاج : ٢٧٥/٤، المغني: ٥٤٣/٨، كشاف القناع: ٢٢١/٦ .
- ٧١٠ -

نفسه )) . وظاهر الكتاب يدل عليه وهو قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن
عليكم ﴾ والإمساك يكون بعدم الأكل من الصيد ، ولأن من أهم خواص التعليم
عدم الأكل .
واستدل المالكية في المشهور عندهم ، وأحمد في رواية عنه بعموم قوله تعالى :
﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ وبحديث أبي ثعلبة الخشني: ((إذا أرسلت كلبك
المعلم ، وذكرت اسم الله عليه ، فكل ، قلت : وان أكل منه يا رسول الله ؟ قال :
وان أكل )) وحملوا حديث عدي على الندب ، وهذا على الجواز. ولأنه صيد جارح
معلم ، فأبيح ، كما لو لم يأكل ، فإن الأكل يحتمل أن يكون لفرط جوع أو غيظ على
الصيد .
ويلاحظ أن حديث عدي أصح من حديث أبي ثعلبة ، لأنه متفق عليه ،
وعدي بن حاتم أضبط ، ولفظه أبين ، لأنه ذكر الحكم والعلة . ورد ابن رشد
المالكي على متأخري المالكية بقوله(١): وهذا الذي قالوه خلاف النص في
الحديث ، وخلاف ظاهر الكتاب ، وهو قوله تعالى: ﴿ فكلوا مما أمسكن
عليكم ﴾ وللإمساك على سيد الكلب طريق تعرف به، وهو العادة . ولذلك قال
عليه الصلاة والسلام: ((فإن أكل ، فلا تأكل ، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك
على نفسه )» .
السادس عند المالكية(٢) : ألا يرجع الجارح عن الصيد ، فإن رجع
بالكلية ، لم يؤكل وكذلك لو اشتغل بصيد آخر ، أو بما يأكله ، لا يؤكل . وهذه
الشروط كلها إذا قتله الجارح ، فإن لم يقتله ، وأدركه القانص ، ذكي ، وأكل .
(١) بداية المجتهد : ٤٤٤/١ .
(٢) القوانين الفقهية : ص١٧٧ .
- ٧١١ -

المطلب الثالث - شروط المصيد :
ذكر المالكية(١) خمسة شروط لحل المصيد، كما ذكر الحنفية (٢) شروطاً خمسة له
أيضا ، إلا أن الثلاثة المذكورة عند الحنفية منها يمكن عدها شرطاً واحداً .
وسأذكر هذه الشروط حسب منهج المالكية ، لأنه أدق وأشمل . ويلاحظ
أنه يجوز عند الحنفية(٣) اصطياد ما يؤكل لحمه من الحيوان، وكذا مالا يؤكل لأنه
سبب للانتفاع بجلده أو شعره أو قرنه أو لاستدفاع شره .
الأول - أن يكون المصيد مباح الأكل شرعا ؛ لأن الحرام عند غير الحنفية
والمالكية لا يؤثر فيه الصيد ، ولا الذكاة . وقد عبر الحنفية عن هذا الشرط بألا
يكون متقوياً بنابه أو بمخلبه ، وألا يكون من الحشرات ، وألا يكون من بنات
الماء إلا السمك ، لأنه لا يحل أكل شيء من حيوان الماء عندهم إلا السمك .
الثاني - أن يكون متوحشاً ، بأن يعجز الإنسان عن أخذه في أصل خلقته
كالوحوش والطيور، فإن كان مستأنساً كالإبل والبقر والغنم ، ثم توحش ، لم
يؤكل بالصيد عند المالكية . ويؤكل به عند غير المالكية ؛ لأن الصيد يعد حينئذ
ذكاة اضطرارية ، تباح للضرورة ، كما بينا في بحث أنواع التذكية .
وإن تأنس المتوحش الأصل ، ثم ندَّ ( هرب ) أكل بالاصطياد عند المالكية ،
كما يؤكل بالعقر عندهم الحمام ونحوه إن توحش ؛ لأن كله صيد .
وقد عبر الحنفية عن هذا الشرط بقولهم : أن يمنع نفسه بجناحيه أو قوائمه .
الثالث - أن يموت من الجَرْح ، لا من صدم الجارح ، ولا من الرعب ، أو
(١) القوانين الفقهية: ص١٧٧ وما بعدها، بداية المجتهد : ٤٤٤/١.
(٢) رد المحتار : ٣٢٨/٥.
(٣) الكتاب مع اللباب : ٢٢٣/٣.
- ٧١٢ -

الخوف من الجارح . وهذا شرط عند الجمهور غير الشافعية . وأجاز الشافعية أكل
ما قتله الجارح بثقله ، كأن صدمه بصدره أو جبهته ، فقتله ، ولم يجرحه ، کما بينا
في شروط آلة الصيد .
الرابع - ألا يشك في عين الصيد الذي أصابه في حالة غيبته عن عينه ، هل
هو، أو غيره ؟ ولا يشك ، هل قتلته الآلة، أو لا ؟ فإن شك لم يؤكل . ولو
غاب عنه الصيد ليلة ، ثم وجده غداً ميتاً لم يؤكل في المشهور عند المالكية .
ويباح أكله عند غيرهم إن تابع طلبه ، أو لم يتشاغل عنه بشيء آخر ، وتأكد أنه
صيده .
الخامس - أن يذبحه إن أدركه حياً، وقدر على تذكيته لقوله عليه الصلاة
والسلام في حديث عدي: ((وإن أدركته حياً فاذبحه)) فإن أدركه ميتاً ، أو
نفذت مقاتله ، أو حياته كحياة المذبوح ، أو عجز عن تذكيته بسبب مقاومته
مثلاً حتى مات ، ولم يذكه ، أكل من غير ذبح باتفاق الفقهاء(١) .
وان قتله الجارح المصيد به قبل أن يقدر عليه أكل أيضا ، بشرط أن يقتله
جرحاً كما بينا في شروط الآلة . وصرح الحنابلة بأن الصائد ان لم يكن معه
ما يذكيه ، أشلى ( أغرى ) الصائد له عليه حتى يقتله ، فيؤكل(٢) عندهم لأنها حال
تتعذر فيها الذكاة في الحلق واللبة غالبا ، فجازت ذكاة الضرورة ، ولا يؤكل في
قول أكثر أهل العلم ، لأنه صيد مقدور عليه ، فلم يبح بقتل الجارح له كبهية
الأنعام ، وكما لو أخذه سليما .
(١) تكملة الفتح: ١٧٨/٨ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٥٣/٦ ، اللباب مع الكتاب: ٢١٩/٣ وما بعدها ،
القوانين الفقهية: ص١٧٨، المهذب: ٢٥٣/١، المغني: ٥٤٧/٨ وما بعدها ، مغني المحتاج : ٢٦٩/٤ .
(٢) وهو رأي إبراهيم النخعي الذي كان يقول: ((إذا أدركته حياً ولم يكن معك حديدة، فأرسل عليه
الكلاب حتى تقتله)» وبه قال الحسن البصري لعموم قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ ( بداية المجتهد :
٤٤٥/١ ) .
- ٧١٣ -

المبحث الثالث - ما يباح اصطياده من الحيوان عند الحنفية :
يباح عند الحنفية(١) اصطياد ما في البحر والبر ، مما يحل أكله ، وما لا يحل
أكله . غير أن ما يحل أكله يكون اصطياده للانتفاع بلحمه وبقية أجزائه ، وما
لا يحل أكله ، يكون اصطياده للانتفاع بجلده وشعره وعظمه ، أو لدفع أذاه
وشره ، وهذا هو رأي المالكية كما بينا سابقاً فيما تعمل به الذكاة ، إلا صيد الحرم
( في مكة والمدينة ) فإنه لا يباح اصطياده ، باتفاق الفقهاء إلا المؤذي منه ،
لقوله عز شأنه: ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً﴾ وقول النبي مع التّ في صيد
حرم مكة: (( ولا ينفر صيده))(٢). وكذلك قال في صيد المدينة: (( لا ينفر
صيدها)) (٢) وخص منه المؤذيات بقوله عليه الصلاة والسلام: (( خمس فواسق
يقتلن في الحل والحرم : الغراب، والحدأة ، والعقرب، والفأرة، والكلب
(٤)
العقور ))(٤) .
هـ
ويباح اصطياد ما في البحر للحلال ( غير الحاج أو المعتمر) والمحرم ( الحاج
أو المعتمر) ، ولا يباح اصطياد ما في البر للمحرم خاصة، لقوله تعالى: ﴿ أحل
لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة ، وحرم عليكم صيد البرما دمتم
حرماً) ولقوله مافعل: ((صيد البرلكم حلال، وأنتم حرم ، مالم تصيدوه ، أو
يُصَد لكم ))(٥) وعن الصّعب بن جَثَّامة ((أنه أهدى إلى رسول الله مع التع حماراً
(١) البدائع: ٦١/٥، الكتاب مع اللباب: ٢٢٣/٣، تكملة الفتح: ١٨٨/٨، تبيين الحقائق: ٦١/٦ وما بعدها.
(٢) متفق عليه بين أحمد والشيخين عن ابن عباس ( نيل الأوطار: ٢٥/٥).
(٣) رواه أصحاب الكتب الستة ما عدا ابن ماجه عن علي ( جامع الأصول : ١٩٣/١٠ ).
(٤) متفق عليه بين أحمد والشيخين عن عائشة ، وفيه روايات أخرى عن ابن عمر، وابن مسعود وابن عباس
وغيرهم ، وفي بعضها ذكر الحية بدل الحدأة ، حتى صارت تسعاً ( نيل الأوطار: ٢٦/٥).
(٥) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن ) إلا ابن ماجه عن جابر ( نيل الأوطار: ٢٣/٥).
- ٧١٤ -

وحشياً، وهو بالأبواء أو بوَدَّان (مكان بين مكة والمدينة)، فرده عليه ، فلما رأى
مافي وجهه، قال: إنا لم نُردَّه عليك إلا أنا حُرُم))(١) .
المبحث الرابع - متى يملك الصائد المصيد ؟
جاء في الدر المختار ورد المختار(٢): أن أسباب الملك ثلاثة :
ناقل من مالك إلى مالك كبيع وهبة . وذو خلافة عن المالك كارث . وذو
أصالة : وهو الاستيلاء الحقيقي بوضع اليد ومنه إحياء الموات ، والاستيلاء الحكمي
بالتهيئة كنصب شبكة صيد على مباح خالٍ عن المالك . فإن كان المصيد أو المباح
مملوكاً لم يتملك ، فلو استولى رجل في مفازة على حطب غيره ، لم يملكه .
والاستيلاء الحكمي يتم باستعمال ماهو موضوع للاصطياد، فمن نصب
شبكة ، فتعلق بها صيد ، ملكه ، قصد بها الاصطياد ، أو لا ، فلو نصبها
للتجفيف مثلا ، لا يملكه ، لأنه قصد مغاير للاصطياد .
- وإن نصب فسطاطاً ( خيمة ): إن قصد الصيد، يملكه ، وإلا فلا ، لأنه
غير موضوع للصيد .
5
- ولو دخل صيد دار إنسان ، فلما رآه أغلق عليه الباب ، وصار بحال يقدر
على أخذه ، بلا اصطياد بشبكة أو سهم ، ملكه . وإن أغلق ولم يعلم به ،
لا يملكه .
- ولو نصب حِبالة ( مِصْيَدة ) ، فوقع فيها صيد ، فقطعها ، وانفلت
الصيد ، فأخذه آخر ، ملكه . ولو جاء صاحب الحبالة ليأخذه ، ودنا منه ،
(١) رواه البخاري ومسلم والموطأ والترمذي والنسائي (جامع الأصول: ٤١٩/٣).
(٢) انظر ٣٢٩/٥ .
- ٧١٥ -
-

بحيث يقدر على أخذه ، فانفلت ، لا يملكه الآخذ . وكذا لا يملكه الآخذ لو
انفلتِ من الشبكة في الماء قبل الإخراج ، فأخذه غيره ، وإنما ملکه صاحب
المصيدة . أما لو رمى به صاحب الشبكة خارج الماء ، في موضع يقدر على
أخذه ، فوقع في الماء ، فأخذه غيره ، يملكه الآخذ ؛ لأن الأمور بمقاصدها .
ومن رمى صيداً ، فأصابه ، ولم يثخنه ( يوهنه بالجراحة ) ، ولم يخرجه من
حيِّز الامتناع عن الأخذ ( أي ما يزال قابل الأخذ من الغير ) ، فرماه آخر ،
فقتله ، أو أثخنه ( أضعفه ) ، وأخرجه عن حيز الامتناع ، فهو للرامي الثاني ،
لأنه الآخذ وقد قال عليه الصلاة والسلام: (( الصيد لمن أخذه))(١) .
وإن كان الرامي الأول قد أثخنه بحيث أخرجه عن حيز الامتناع ، فرماه
الثاني ، فقتله ، لم يؤكل ، لاحتمال الموت بالثاني ، ولا يعد فعل الثاني ذكاة
شرعية ، للقدرة على ذكاة الاختيار. ويضمن الثاني قيمته للأول ، لأنه بالرمي
أتلف صيداً مملوكاً للغير ؛ لأن الأول ملكه بالرمي المثخن ، لكن تقدر قيمته وهو
جريح ؛ لأن المتعدي وهو الرامي الثاني أتلفه ، وهو جريح ، وقيمة المتلف تعتبر
أو تقدر يوم الإتلاف(٢) .
والمالكية(٣): قالوا مثل الحنفية : لا يستحق الصيد إلا بالأخذ أي بالصيد
وقصد الاصطياد ، أو بوضع اليد ، فمن رأى صيداً وصاده آخر ، كان لمن صاده ،
فإن صاده واحد ، ثم ند ( هرب ) منه فصاده آخر ، فاختلف : هل يكون للأول
أو للثاني ، إلا إن توحش بعد الأول ، فهو للثاني .
(١) قال عنه الزيلعي: غريب. وقال عنه في الدراية: لا أصل له بهذا الإسناد عن أبي هريرة (نصب
الراية : ٣١٨/٤ ) .
(٢) تكملة الفتح: ١٨٧/٨، تبيين الحقائق: ٦٠/٦، اللباب مع الكتاب: ٢٢٢/٣ وما بعدها .
(٣) القوانين الفقهية : ص١٧٨ وما بعدها .
- ٧١٦ -

ومن طرد صيداً ، فدخل دار إنسان ، فإن كان اضطره ، فهو له ، وان كان
لم يضطره ، فهو لصاحب الدار .
وقال الشافعية(١) : مثلما قال المالكية والحنفية : يملك الصيد إما
بالاستيلاء الفعلي أي بوضع اليد والأخذ ، وإن لم يقصد تملكه ، كسائر
المباحات ، وإما بصيده مع قصد الاصطياد . فوضع اليد : مثل ضبطه بيده ، إن
لم يكن به أثر ملك لغيره كخَضْب وقص جناح وقُرْط ، وكان صائده غير محرم
وغير مرتد ، يكون سببا للملكية ، وإن لم يقصد تملكه . فلو أخذ صيداً لينظر
إليه ملكه ، لأنه مباح ، فيملك بوضع اليد عليه كسائر المباحات .
ويملك الصيد أيضا باصطياده: بجُرْح مذفّف (مسرع للهلاك ) وبإزمان
( إزالة امتناعه ) وكسر جناح بحيث يعجز عن الطيران والعَدْو جميعاً، ان كان مما
يمتنع بها ، وإلا فبإبطال واحد منهما ، وإن لم يضع يده عليه . ويملكه أيضا
بوقوعه في شبكة نصبها للصيد ، فيملكه ، وإن لم يضع يده عليه ، سواء أكان
حاضراً أم غائباً ، طرده إليها طارد أم لا ، وسواء أكانت الشبكة مباحة أم
مغصوبة ، لأنه يعد بذلك مستوليا عليه .
ويملكه أيضا بالجائه إلى مضيق ، ولو مغصوباً ، لا يفلت منه ، أي لا يقدر
الصيد على التفلت منه كبيت لأنه صار مقدوراً عليه .
ولابد من قصد الاصطياد ، فمن رأى صيداً ، فظنه حجراً ، أو حيواناً غير
الصيد ، فرماه ، فقتله ، حل أكله ، وملكه ، لأنه قتله بفعل قصده ، وإنما جهل
حقيقته ، والجهل بها لا يؤثر .
ولو قصد صيداً في ملكه ، وصار مقدوراً عليه بتوحل ( أوحال ) وغيره ، لم
(١) مغني المحتاج: ٢٧٨/٤ - ٢٨٢، المهذب: ٢٥٥/١ - ٢٥٧ .
- ٧١٧ -

يملكه في الأصح ؛ لأن مثل هذا لا يقصد به الاصطياد ، والقصد ضروري
للتملك ، لكن يصير أحق به من غيره .
ومتى ملكه ، لم يزل ملكه بانفلاته ، فمن أخذه ، لزمه رده ، ولا يزول
ملكه أيضاً بإرسال المالك له في الأصح ؛ لأن رفع اليد عنه ، لا يقتضي زوال
الملك عنه ، كما لو سيب بهيته ، فليس لغيره أن يصيده إذا عرفه .
حالة الاشتراك في الصيد : لو جرح الصيد اثنان متعاقبان ، فإن ذفف
( قتل ) الثاني منها الصيد ، أو أزمن ( بأن أزال امتناعه ) ، دون الأول منهما ،
فهو للثاني ؛ لأن جُرْحه هو المؤثر في امتناعه ، ولا شيء له على الأول بجرحه ،
لأنه كان مباحاً حينئذ .
وإن أزمن الأول ، فله ، فإن انضم إليه فعل الثاني ، بأن ذفف بقطع حُلقوم
ومريء ، فهو حلال الأكل ، لحصول الموت بفعل ذابح ، وعليه للأول مقدار
ما نقص بالذبح . وإن ذفف الثاني لا بقطع الحلقوم والمريء ، أو لم يذفف أصلاً ،
ومات بالجرحين فحرام ، لأنه في حالة عدم القطع كان الصيد مقدوراً عليه ،
والمقدور عليه لا يحل إلا بذبحه ، وفي الحالة الثانية ( عدم التذفيف ) فلاجتماع
المبيح والمحرم ، فيغلب المحرم . ويضمنه الثاني للأول لأنه أفسد ملكه . وهذا كما
قال الحنفية سابقاً ، وهو مذهب الحنابلة أيضا فيه وفيا يأتي من مسائل .
وإن جرحا معاً ، وذففا بجرحهما ، أو أزمنا به ، فلهما الصيد ، لاشتراكهما في
سبب الملك بجرحهما .
وإن ذفف أحدهما ، أو أزمن من دون الآخر ، فله ، لانفراده بسبب الملك .
ولو جهل كون التذفيف منهما أو من أحدهما ، كان لهما ، لعدم الترجيح .
وان ذفف واحد في غير مذبح ، وأزمن الآخر على الترتيب بالإصابة لا
- ٧١٨ -

بالرمي ، وجهل السابق منها ، حرم الصيد على المذهب ، لاجتماع الحظر
والإباحة ، فيقدم الحظر .
وقال الحنابلة(١): كالشافعية : يتملك الصيد إما بالاصطياد مع قصده ،
أو بوضع اليد ( الأخذ ) ، فمن رمى طيراً على شجرة في دار قوم ، فطرحه في
دارهم ، فهو للرامي ؛ لأنه ملکه یازالة امتناعه .
ومن نصب خيمة أو شبكة أو فخاً للاصطياد ، فوقع فيه صيد ، ملكه
للحيازة . وكذا لو ألجأ صيداً لمضيق لا يفلت منه أو أغلق باب داره عليه ، ملكه
بذلك ، ولو لم يقصد ملكه للحيازة أو لأنه منزلة إثباته بوضع اليد .
ومن صنع بِرْكة يصيد بها سمكاً ، فما وقع فيها ملكه ، كالصيد بالشبكة .
وإن لم يقصد بالبركة صيد السمك ، لم يملكه بحصوله فيها .
ومن كان في سفينة ، فوثبت سمكة، فوقعت في حجره ، فهي له ، دون
صاحب السفينة ؛ لأن السمكة من الصيد المباح ، يملك بالسبق إليه .
والصياد الذي يتعاطى سبباً للصيد في قوارب الصيد كضوء أو جرس يملكه
بذلك . فإن لم يقصد الصيد بفعل منه ، ووقعت سمكة في حجر راكب معه ،
فهي له ، لاستيلائه على مباح ، وإن وقعت في السفينة فلصاحب السفينة .
ولو وقع صيد في شبكة إنسان ، وأثبته ( ثبتت يده عليه ) ثم أخذه إنسان
آخر ، لزمه رده إلى رب الشبكة ، لأنه أثبته بآلته . وإن لم تمسكه الشبكة وانفلت
منها في الحال ، أو خرقها وذهب منها ، ولو بعد زمن ، لم يملكه رب الشبكة ،
(١) كشاف القناع: ٢٢٣/٦ وما بعدها، المغني: ٥٥٩/٨ - ٥٦٤ .
- ٧١٩ -

لأنه لم يثبته ، فإذا صاده غيره ملكه . ولو ذهب الصيد بالشبكة ، فصاده إنسان
مع بقاء امتناعه ، ملكه الصائد الثاني ، ورد الشبكة لصاحبها ؛ لأن الأول لم
يملكه . فإن مشى الصيد بالشبكة على وجه لا يقدر على الامتناع فهو لصاحبها ،
لأنه أزال امتناعه ، كما في حالة انفلاته منه .
انتهى الجزء الثالث
ويليه الجزء الرابع- النظريات الفقهية والعقود
الله تعالى
- ٧٢٠ -