Indexed OCR Text
Pages 581-600
لا بحالته القائمة(١) . لكن يكره هذا البيع، لأنه تسبيب إلى المعصية . بخلاف بيع العصير لمن يتخذه خمراً ، لأن المعصية لا تقام بعينه ، بل بعد تغييره . رابعاً - الإجارة للكنيسة أو حمل خمر الذمي : يجوز للشخص عند أبي حنيفة (٢) أن يؤجر نفسه أو سيارته أو دابته بأجر لتعمير كنيسة ، أو لحمل خمر ذمي ، لا لعصرها ؛ لأنه لا معصية في الفعل عينه ، لأن الإجارة على الحمل ليس بمعصية ولا سبب لها، وإنما تحصل المعصية باختيار الشارب، وقد يكون حملها للإراقة أو التحليل. أما عصرها بقصد الخمرية كمعاصر الخمور في بلادنا أو في أمريكا مثلاً من مسلم فيحرم ؛ لأن المعصية في الفعل عينه. وأجاز أبو حنيفة أيضاً إجارة بيت لاتخاذه كنيسة أو لبيع الخمر فيه في بلاد غالب أهلها أهل الذمة ؛ لأن الإجارة تقع على منفعة البيت ، ولهذا تجب الأجرة بمجرد التسليم ، ولا معصية فيه ، وإنما المعصية بفعل المستأجر ، وهو مختار فيه . ولا تحوز تلك الإجارة في بلاد غالب أهلها الإسلام ؛ لأن أهل الذمة لا يمكنون من اتخاذ الكنائس وإظهار بيع الخمور ونحو ذلك في الأصح . وقال الصاحبان والأئمة الثلاثة : لا ينبغي كل تلك الإجارات ، وهي مكروهة ؛ لأنها إعانة على المعصية ، ولأنه عليه الصلاة والسلام لعن في الخمر عشرة، وعد منها ((حاملها))(٣) واعتبر أبو حنيفة الحديث محمولاً على الحمل المقرون بقصد المعصية . وعلى كل (١) المرجع السابق: ٢٧٣/٥، تكملة فتح القدير: ١٢٧/٨. (٢) الدر المختار : ٢٧٧/٥ وما بعدها، تكملة الفتح : ١٢٧/٨. (٣) رواه أبو داود عن ابن عمر ، وصححه ابن السكن ( التلخيص الحبير: ص٣٥٩ ) .. - ٥٨١ _ حال فرأي أبي حنيفة قياس . ورأي الصاحبين استحسان . وهو المعول عليه في كثير من الفتاوى . خامساً - بيع بناء بيوت مكة وأرضها ، وإجارتها : يجوز عند الحنفية والشافعية بلا كراهة بيع بناء بيوت مكة وأرضها ؛ لأن البناء مملوك لبانيه ، والأرض مملوكة لأهلها ، لظهور آثار الملك فيها ، وهو الاختصاص بها شرعاً . ويكره عند الحنفية إجارة بيوت مكة في أيام الموسم ، في الحج ، ويرخص لهم الإجاره في غير الموسم ، لقوله تعالى: ﴿سواء العاكف فيه والباد ) وهكذا كان عمر بن الخطاب ينادي أيام الموسم ويقول : يا أهل مكة ، لا تتخذوا لبيوتكم أبواباً ، لينزل البادي حيث شاء ، ثم يتلو الآية(١). سادساً - دخول الكافر المساجد : أجاز أبو حنيفة(٢) للكافر دخول المساجد كلها ، حتى المسجد الحرام من غير إذن ، ولو لغير حاجة . ومعنى آية ﴿ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ عنده : ألا يحجوا ، ولا يعتمروا عراة بعد حج عامهم هذا ، عام تسع من الهجرة ، حين أمر الصديق ، ونادى علي بهذه السورة ، وقال: (( ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك ، ولا يطوف عريان )»(٣). وقد دخل أبو سفيان مسجد المدينة لتجديد عقد صلح الحديبية ، بعدما نقضته قريش ، وكذلك دخل إليه وفد ثقيف ، وربط ثمامة بن أثال في المسجد النبوي حينما أسر . (١) الدر المختار ورد المختار: ٢٧٨/٥ . (٢) الدر المختار: ٢٧٤/٥، شرح السير الكبير: ٩٣/١ ، الأشباه والنظائر لابن نجيم: ١٧٦/٢، أحكام القرآن للجصاص : ٨٨/٣ . (٣) رواه الشيخان . - ٥٨٢ - وأجاز المالكية(١) لغير المسلم دخول الحرم المكي ، دون البيت الحرام ، بإذن أو أمان . ولا يجوز عندهم مطلقاً دخول الكافر مسجداً ، ولا يمكن من دخوله ، إلا لعذر ، كالدخول للتقاضي أمام الحاكم المسلم ، قياساً على منعه من دخول المسجد الحرام ؛ لأن العلة وهي النجاسة موجودة في كل مشرك ، والحرمة موجودة في كل مسجد . وقال الشافعية والحنابلة(٢) : يمنع غير المسلم ، ولو لمصلحة من دخول حرم مكة ، لقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ وقد ورد في الأثر: ((الحرم كله مسجد))(٢). ويجوز عندهم للكافر لحاجة دخول المساجد الأخرى غير المسجد الحرام ، بإذن المسلمين ؛ لأن نص الآية في المسجد الحرام ، والأصل في الأشياء الإباحة ، ولم يرد في الشرع ما يخالف هذا الأصل ، ولأن النبي علّ قدم عليه وفد أهل الطائف، فأنزلهم في المسجد قبل إسلامهم . وقال سعيد بن المسيب : قد كان أبو سفيان يدخل مسجد المدينة ، وهو على شركه . وقدم عمير بن وهب ، فدخل المسجد ، والنبي ◌َ ◌ّ فيه ليفتك به ، فرزقه الله الإسلام. سابعاً - الاحتكار : معناه : الاحتكار : هو الادخار للبيع ، وطلب الربح بتقلب الأسواق . أما الادخار للقوت فليس من الاحتكار . هذا تعريف المالكية(٤). (١) مواهب الجليل الحطاب: ٣٨١/٣، الخرشي: ١٤٤/٣، ط ثانية، أحكام القرآن لابن العربي : ٩٠١/٢ ، مذكرة تفسير آيات الأحكام للسايس : ٢٢/٣ وما بعدها . (٢) مغني المحتاج: ٢٤٧/٤، تفسير ابن كثير: ٣٤٦/٢ ، الإفصاح لابن هبيرة : ص٤٤٨ ، المغني : ٥٣١/٨ - ٠٥٣٢ (٣) قال عطاء : الحرم كله مسجد لقوله تعالى: ﴿ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ . (٤) المنتقى على الموطأ : ١٥/٥ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص٢٥٥ وما بعدها - ٥٨٣ - ٠٠ وعرفه الحنفية(١) بقولهم : الاحتكار لغة مصدر حكر أي حبس فهو احتباس الشيء انتظاراً لغلائه ، والمراد به شرعاً: حبس الأقوات متربصاً للغلاء . أو هو اشتراء طعام ونحوه ، وحبسه إلى الغلاء أربعين يوماً ، لقوله عليه الصلاة والسلام: (( من احتكر طعاماً أربعين ليلة، فقد برئ من الله ، وبرئ الله منه، وأيما أهل عَرْصة - بقعة - بات فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله)) (٢) . وعرفه الشافعية(٢) بأنه : إمساك ما اشتراه وقت الغلاء ليبيعه بأكثر مما اشتراه عند اشتداد الحاجة . بخلاف إمساك ما اشتراه وقت الرخص ، لا يحرم مطلقاً ، ولا إمساك غلة ضيعته ، ولا ما اشتراه في وقت الغلاء لنفسه وعياله ، أو ليبيعه بمثل ما اشتراه . وفي كراهة إمساك ما فضل عن كفايته وكفاية عياله سنة : وجهان : أوجهها - عدم الكراهة ، لكن الأولى بيعه . وقال الحنابلة(٤): الاحتكار المحرم ما اجتمع فيه ثلاثة شروط : أ - أن يكون بطريق الشراء، لا الجلب ، فلو جلب شيئاً، أو أدخل من غلته شيئاً ، فادخره ، لم يكن محتكراً ، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الجالب مرزوق ، والمحتكر ملعون))(٥) . (١) العناية شرح الهداية بهامش تكملة الفتح: ١٢٦/٨، رد المحتار: ٢٨٢/٥، البدائع: ١٢٩/٥، تبيين الحقائق : ٢٧/٦، اللباب : ١٦٦/٤ . (٢) رواه أحمد وابن أبي شيبة والبزار وأبو يعلى الموصلي والحاكم والدارقطني والطبراني وأبو نعيم عن ابن عمر ( نصب الراية: ٢٦٢/٤، نيل الأوطار: ٢٢١/٥) . (٣) مغني المحتاج : ٣٨/٢، سبل السلام: ٢٥/٣ . (٤) المغني : ٢٢١/٤ . (٥) أخرجه ابن ماجه وابن راهويه والدارمي وعبد بن حميد وأبو يعلى الموصلي والبيهقي عن عمر بن الخطاب ( نصب الراية : ٢٦١/٤ ) . - ٥٨٤ _ ٢ - أن يكون المشترى قوتاً أي من الحبوب المقتاتة ونحوها؛ لأنه مما تعم الحاجة إليه . أما الإدام والحلواء والعسل والزيت وأعلاف البهائم ، فليس فيها احتكار محرم . ٣ - أن يُضيَّق على الناس بشرائه بأمرين: أحدهما - بأن يكون في بلد يضيق بأهله الاحتكار ، كالحرمين والثغور ، أما البلاد الواسعة الكثيرة المرافق والجلب كبغداد ودمشق ومصر، فلا يحرم فيها الاحتكار ؛ لأن ذلك لا يؤثر فيها غالباً . والثاني - أن يكون في حال الضيق : بأن يدخل البلد قافلة فيبادر ذوو الأموال لشرائها ، ويضيقون على الناس ، وعلى هذا لا فرق بين البلد الصغير والكبير . أما الشراء في حال الاتساع والرخص على وجه لا يضيق على أحد ، فليس بمحرم . متى يتحقق الاحتكار وما نوع المحتكّر ؟ يظهر من تعاريف الفقهاء للاحتكار : أنهم اتفقوا على أن الاحتكار يكون في حال الضيق والضرورة لا في وقت السعة ، وفي البلد الصغير عادة ، ومن طريق الشراء والامتناع عن البيع مما يضر بالناس ؛ لأن في الحبس ضرراً بالمسلمين . ولا يكون محتكراً بحبس غلة أرضه بلا خلاف لأنه خالص حقه ولا ما جلبه من بلد آخر ؛ لأن حق الناس بالموجود في البلد ، والمختار عند الحنفية قول محمد وهو إن كان يجلب منه عادة كره تحريماً حبسه ؛ لأن حق الناس تعلق به . واتفق الفقهاء أيضاً على أن الاحتكار حرام في كل وقت في الأقوات أو طعام الإنسان ، مثل الحنطة والشعير والذرة والأرز ، والتين والعنب والتمر والزبيب واللوز ونحوها مما يقوم به البدن ، لا العسل والسمن ، واللحم والفاكهة . - ٥٨٥ - وكذلك يحرم الاحتكار عند الحنفية والشافعية والحنابلة في طعام البهائم كتبن وفصفصة وهي الرطبة من علف الدواب . ويحرم الاحتكار أيضاً عند المالكية وأبي يوسف في غير الطعام في وقت الضرورة ، لا في وقت السعة ، فلا يجوز عندهم الاحتكار في الطعام وغيره ، من الكتان والقطن وجميع ما يحتاج إليه الإنسان ، أو كل ما أضر بالناس حبسه ، قوتاً كان أو لا ولو ثياباً أو دراهم . وقال السبكي من الشافعية: إذا كان الاحتكار في وقت قحط ، كان في ادخار العسل والسمن والشيرج وأمثالها إضرار، فينبغي أن يقضى بتحريمه ، وإذا لم يكن إضرار فلا يخلو احتكار الأقوات من كراهة(١). ويخرج الطعام من بلد إلى غيره إذا أضر بأهل البلد . والخلاصة : أن الجمهور خصوا الاحتكار بالقوتين ( قوت الناس وقوت البهائم ) نظراً للحكمة المناسبة للتحريم وهي دفع الضرر عن الناس ، والأغلب في ذلك إنما يكون في القوتين ، ومنعه المالكية مطلقاً . المدة : وإذا قصرت مدة الاحتباس لا تكون احتكاراً لعدم الضرر، وإذا 5 طالت تكون احتكاراً لتحقق الضرر . وقيل: يقدر طول المدة بأربعين ليلة للحديث السابق: (( من احتكر طعاماً أربعين ليلة ، فقد برئ من الله ، وبرئ الله منه)). وقيل: بالشهر؛ لأن مادونه قليل عاجل ، والشهر وما فوقه كثير عاجل . وقيل : المدة للمعاقبة في الدنيا ، وأما الإثم فيحصل وإن قلت المدة . حكم الاحتكار : للاحتكار أحكام أهمها ما يأتي : اً - الاحتكار ممنوع: وعبر أغلب الحنفية عن المنع بكراهته التحريمية، (١) نيل الأوطار: ٢٢٢/٥. - ٥٨٦ - فقالوا : يكره الاحتكار في أقوات الآدميين ، والبهائم ، إذا كان ذلك في بلد يضر الاحتكار بأهله ، كما يكره تلقي الركبان، أو الجلب، لنهي النبي مَّ عن تلقي البيوع(١) . فأما إذا كان لا يضر ، فلابأس به (٣) . وعبر الكاساني في البدائع عن منع الاحتكار بالحرمة(١) ، وهو متفق مع تعبير الأئمة الآخرين : الاحتكار حرام . وأدلة التحريم أحاديث كثيرة ، منها ما ذكر سابقاً في البحث ، ومنها قوله عَاقٍ: (( لا يحتكر إلا خاطئ)) ((من احتكر حُكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ)) (( من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم ، كان حقاً على الله أن يقعده بُعْظم من النار - مكان عظيم من النار - يوم القيامة)) ((من احتكر على المسلمين طعامهم ، ضربه الله بالجذام والإفلاس)) (٤). اً - بيع المال المحتكر: قال الحنفية(٥): يؤمر المحتكر من القاضي ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله ، فإن لم يفعل وأصر على الاحتكار ، ورفع أمره إلى الحاكم مرة أخرى ، وهو مصر عليه ، وعظه الحاكم وهدده . فإن لم يفعل ورفع إليه أمره للمرة الثالثة ، حبسه وعزره ، زجراً له عن سوء صنعه ، ويجبره القاضي على البيع ، ويبيعه القاضي عليه جبراً عنه إذا امتنع عن بيع طعامه بالاتفاق بين (١) متفق عليه بين أحمد والشيخين عن ابن مسعود ( نيل الأوطار: ١٦٦/٥) وأخرج مسلم عن أبي هريرة : (( نهى رسول الله وَ التّ عن تلقي الجلب. وفي لفظ: لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشتراه ، فإذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار)) وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس: ((لا تتلقوا الركبان، ولا يبيع حاضر لباد)) (نصب الراية: ٢٦١/٤ ) . (٢) تكملة الفتح ، الدر المختار، اللباب ، تبيين الحقائق : المكان السابق (٣) البدائع ، المكان السابق . (٤) روى الأول أحمد ومسلم وأبو داود عن ابن المسيب ، وروى الثاني والثالث أحمد عن معقل بن يسار، وعن أبي هريرة، وروى الرابع ابن ماجه عن عمر ( نيل الأوطار: ٢٢٠/٥). (٥) مراجعهم السابقة . - ٥٨٧ - الحنفية على الصحيح ، ويكون البيع بسعر المثل . وكذلك قال المالكية (١): يباع الشيء المحتكر للمحتاج إليه بمثل ما اشتراه به ، لا يزاد عنه شيء . وإن لم يعلم ثمنه ، فبسعره يوم احتكاره . وأضاف الحنفية(٢): لو خاف الحاكم على أهل بلد الهلاك، أخذ الطعام من المحتكرين ، ووزعه عليهم ، حتى إذا صاروا في سعة ، ردوا مثله ، وذلك للضرورة ، ومن اضطر إلى مال غيره ، وخاف الهلاك ، تناوله بلا رضاه ، ويضمن قيمته ؛ لأن الاضطرار لا يبطل حق الغير ، كما بينا . ثامناً - التسعير : المبدأ الاقتصادي في الإسلام هو الحرية الاقتصادية التي يراعي فيها المسلم حدود النظام الإسلامي ، ومن أهمها العدالة والقناعة والتزام قواعد الربح الطيب الحلال بأن كان في حدود الثلث ، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ))(٣) . وبناء عليه : الأصل عدم التسعير ، ولا يسعر حاكم على الناس ، وهذا متفق عليه بين الفقهاء . والتزم الشافعية والحنابلة(٤) هذا الأصل ، فقال الحنابلة : ليس للإمام أن يسعر على الناس ، بل يبيع الناس أموالهم على ما يختارون . وقال الشافعية : يحرم التسعير ، ولو في وقت الغلاء ، بأن يأمر الوالي السوقة ألا يبيعوا أمتعتهم (١) المنتقى على الموطأ: ١٧/٥ (٢) الدر المختار : ٢٨٣/٥، البدائع : ١٢٩/٥ (٣) رواه الطبراني عن أبي السائب بلفظ: ((دعوا الناس يصيب بعضهم من بعض ، فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه)) وورد في ( نيل الأوطار: ١٦٤/٥): ((دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)). (٤) مغني المحتاج: ٣٨/٢، المغني : ٢١٧/٤ . - ٥٨٨ _ إلا بكذا ، للتضييق على الناس في أموالهم ، وذلك لا يختص بالأطعمة . ولو سعر الإمام ، عزر مخالفه ، بأن باع بأزيد مما سعر، لما فيه من مجاهرة الإمام بالمخالفة ، وصح البيع ، إذ لم يعهد الحجر على الشخص في ملكه أن يبيع بثمن معين . وأجاز ابن الرفعة الشافعي وغيره التسعير في وقت الغلاء . واستدل مانعو التسعير بحديث أنس قال: ((غلا السعر على عهد رسول الله مَالتّ ، فقالوا: يا رسول الله، لو سعرت، فقال: إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر ، وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ، ولا يطلبني أحد بمَظْلَمة ، ظلمتها إياه في دم ، ولا مال))(١) فالنبي لم يسعر، ولو جاز، لأجابهم إليه ، وعلل بكونه مظلمة ، والظلم حرام ، ولأنه ماله ، فلم يجز منعه من بيعه بما تراضى عليه المتبايعان ، كما اتفق الجماعة عليه ، ولأن في التسعير إضراراً بالناس ، إذا زاد تبعه أصحاب المتاع ، وإذا نقص أضر بأصحاب المتاع . وأجاز المالكية والحنفية(٢) للإمام تسعير الحاجيات ، دفعاً للضرر عن الناس ، بأن تعدى أصحاب السلعة عن القيمة المعتادة تعدياً فاحشاً ، فلا بأس حينئذ بالتسعير بمشورة أهل الرأي والبصر ، رعاية لمصالح الناس والمنع من إغلاء السعر عليهم، والإفساد عليهم. ومستندهم في ذلك القواعد الفقهية: ((لا ضرر ولا ضرار)) و ((الضرر يزال)) و((يتحمل الضرر الخاص لمنع الضرر العام)). ولا يجبر الناس على البيع ، وإنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحدده (١) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي، وصححه الترمذي. وعن أبي سعيد مثله (نيل الأوطار: ٥ / ٢١٩ ) . (٢) الدر المختار: ٥ / ٢٨٣، تبيين الحقائق: ٦ / ٢٨، البدائع: ٥ / ١٢٩، تكملة الفتح: ٨ / ١٢٧ ، اللباب: ٤ / ١٦٧، المنتقى على الموطأ: ٥ / ١٧ - ١٩، القوانين الفقهية: ص ٢٥٥ . - ٥٨٩ - الإمام على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمبتاع ، ولا يمنع البائع ربحاً ، ولا يسوغ له منه ما يضر بالناس . ويجب أن يختص التسعير في قول ابن حبيب المالكي بالمكيل والموزون مأكولاً كان أو غير مأكول ، دون غيره من المبيعات التي لا تكال ولا توزن ؛ لأن المكيل والموزون من المثليات يرجع فيه إلى المثل ، وغير ذلك من القيميات يرجع فيه إلى القيمة ، وتختلف أغراض الناس في الأعيان ، فلا يمكن حمل الناس فيه على سعر واحد . وليس في التسعير مخالفة لنص الحديث السابق ، وإنما هو تطبيق للنص نفسه ، وفهم اجتهادي لمناطه وحكمته في الواقع ، وتفسير له بالمعنى المناسب أو المصلحة المتبادرة إلى الفهم من ذات النص ، لا من خارجه(١) . فامتناع الرسول من التسعير لا لكونه تسعيراً ، وإنما لكون علة التسعير وهي ظلم التجار أنفسهم غير متوفرة ، فهم كانوا يبيعون بسعر المثل ، وإنما كان ارتفاع السعر ليس من قبل التجار، وإنما بسبب قانون العرض والطلب ، فقد قل عرض البضاعة ، فارتفع السعر . ولا تسعير إذا لم تدع الحاجة إليه ، بأن كانت السلع متوفرة في الأسواق ، وتباع بسعر المثل دون ظلم أو جشع(٢). 6 (١) وكذلك أجاز المالكية تلقي الركبان إذا كثرت السلع واعتدلت الأسعار، وعلم البائع بسعر السوق ، وباع بسعر المثل ، أو أزيد منه . ويظل النهي عن تلقي الركبان قائماً معمولاً به إذا تضرر أهل السوق عامة ولم تتوفر السلع لهم ، أو إذا جهل البائع نفسه بالأسعار ، فتجب حينئذ رعاية المصلحة العامة ، وحماية البائع نفسه . (٢) الوسيط في أصول الفقه للمؤلف : ص ٣٦٥ وما بعدها ، ط ثالثة . - ٥٩٠ - الباب الثامن أن ضحية والعقيقة وفيه فصلان : الفصل الأول - في الأضحية الفصل الثاني - في العقيقة وأحكام المولود عالى - ٥٩١ - الله تعالى الفصل الأول الأضحية الكلام عن الأضحية في المباحث الستة الآتية : المبحث الأول - تعريف الأضحية ومشروعيتها وحكمها . المبحث الثاني - شروطها ( شروط إيجابها أو سنيتها ، شروط صحتها ، شروط المكلف بها). المبحث الثالث - وقت التضحية . المبحث الرابع - الحيوان المضحى به ( نوعه ، سنه ، ما يجزئ عنه ، صفاته ) . الله تعالى المبحث الخامس - آداب التضحية - مندوباتها ومكروهاتها ، وما يسن لمريد التضحية . المبحث السادس - أحكام لحوم الضحايا - الأكل والتوزيع . - ٥٩٣ - الفقه الإسلامي جـ ٣ (٣٨) المبحث الأول - تعريف الأضحية ومشروعيتها وحكمها : وفيه مطلبان : المطلب الأول - تعريف الأضحية ومشروعيتها : الأضحية لغة : اسم لما يضحى به ، أو لما يذبح أيام عيد الأضحى ، فالأضحية ما يذبح في يوم الأضحى . وفقهاً : هي ذبح حيوان مخصوص بنية القربة في وقت مخصوص(١) . أو هي ما يذبح من النِّعَم تقرباً إلى الله تعالى في أيام (٢) النحر(٢) . وقد شرعت في السنة الثانية من الهجرة كالزكاة وصلاة العيدين ، وثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنة والإجماع(٣). أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ فصلٌّ لربك وانحر﴾(٤) ﴿ والبدنَ جعلناها لكم من شعائر الله ﴾ أي من أعلام دين الله. وأما السنة فأحاديث ، منها حديث عائشة: (( ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله تعالى من إراقة الدم ، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها ، وإن الدم ليقع من الله عز وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض ، فطيبوا بها نفساً )»(٥) . (١) الدر المختار: ٥/ ٢١٩، تبيين الحقائق: ٢/٦، تكملة الفتح: ٨ / ٠٦٦ (٢) شرح الرسالة: ١ / ٣٦٦، مغني المحتاج: ٤ / ٢٨٢، حاشية الباجوري على ابن قاسم: ٢ / ٣٠٤، كشاف القناع : ٢ / ٠٦١٥ (٣) المغني: ٨ / ٦١٧، مغني المحتاج، المكان السابق، المهذب: ١ / ٢٣٧، كشاف القناع: ٣ / ١٧. (٤) أشهر الأقوال : أن المراد بالصلاة صلاة العيد ، وبالنحر : الضحايا . (٥) رواه الحاكم وابن ماجه والترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. وجاء في لفظ: (( أحب إلى الله من هراقة دم وإنه ليأتي .. )) ( نيل الأوطار: ٥ / ١٠٨). - ٥٩٤ _ ومنها حديث أنس قال: (( ضحى رسول الله مافعل بكبشين أملحين ، أقرنين، فرأيته واضعاً قدميه على صِفَاحها، يُسمّ ويكبِّر، فذبحهما بيده))(١) . وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية . ودلت الأحاديث على أنها أحب الأعمال إلى الله يوم النحر ، وأنها تأتي يوم القيامة على الصفة التي ذبحت عليها ، ويقع دمها بمكان من القبول قبل أن يقع على الأرض ، وإنها سنة إبراهيم لقوله تعالى : ﴿وفديناه بذبح عظيم ﴾ . والحكمة من تشريعها : هو شكر الله على نعمه المتعددة ، وعلى بقاء الإنسان من عام لعام ، ولتكفير السيئات عنه : إما بارتكاب المخالفة ، أو نقص المأمورات ، وللتوسعة على أسرة المضحي وغيرهم ، فلا يجزئ فيها دفع القيمة ، بخلاف صدقة الفطر التي يقصد منها سد حاجة الفقير . ونص الإمام أحمد على أن الأضحية أفضل من الصدقة بقيمتها . اله المطلب الثاني - حكم الأضحية : عالم اختلف الفقهاء في حكم الأضحية ، هل هي واجبة أم هي سنة ؟ فقال أبو حنيفة وأصحابه : إنها واجبة مرة في كل عام على المقيمين من أهل الأمصار ، وذكر الطحاوي وغيره : أن على قول أبي حنيفة : واجبة ، وعلى قول الصاحبين ( أبي يوسف ومحمد ) : سنة مؤكدة(٢) . (١) رواه الجماعة، ورواه أحمد أيضاً عن عائشة ( نيل الأوطار: ٥ / ١١٩، ١٢١)، والأملح: الأبيض الخالص ، أو بياضه أغلب من سواده . والأقرن: الذي له قرنان معتدلان . والصفحة : جانب العنق . وإنما فعل ذلك ليكون أثبت له وأمكن لئلا تضطرب الذبيحة برأسها ، فتمنعه من إكمال الذبح ، أو تؤذيه . (٢) تكلة فتح القدير: ٨ / ٦٧، اللباب شرح الكتاب : ٣ / ٢٣٢، تبيين الحقائق: ٦ / ٢، البدائع: ٥ / ٠٦٢ - ٥٩٥ - وقال غير الحنفية(١): إنها سنة مؤكدة غير واجبة ، ويكره تركها للقادر عليها . وذلك عند المالكية على المشهور لغير الحاج بمنى . والأكمل عندهم للقادر أن. يضحي عن كل شخص عنده أضحية ، فإن أراد إنسان أن يضحي بنفسه عن كل من عنده ممن تجب عليه نفقته جاز في المذهب . وهي عند الشافعية سنة عين للمنفرد في العمر مرة ، وسنة كفاية إن تعدد أهل البيت ، فإذا فعلها واحد من أهل البيت ، كفى عن الجميع . ودليل الحنفية على الوجوب: هو قوله عليه السلام: (( من وجد سعة ، فلم يضح ، فلا يقربن مصلانا))(٢) قالوا: ومثل هذا الوعيد لا يلحق بترك غير الواجب ، ولأن الأضحية قربة يضاف إليها وقتها ، يقال : يوم الأضحى ، وذلك يؤذن بالوجوب ؛ لأن الإضافة للاختصاص ، والاختصاص بوجود الأضحية فيه ، والوجوب هو المفضي إلى الوجود في الظاهر بالنسبة لمجموع الناس . 8 واستدل الجمهور على السنية للقادر عليها بأحاديث : منها حديث أم سلمة: (( أن رسول الله سُ ئل قال : إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي ، فليمسك عن شعره وأظفاره )) (٣) ففيه تعليق الأضحية بالإرادة ، والتعليق بالإرادة ينافي الوجوب . ومنها حديث ابن عباس قال: سمعت رسول الله عَ اقّ يقول: ((ثلاث هن (١) بداية المجتهد: ١ / ٤١٥، القوانين الفقهية: ص ١٨٦، الشرح الكبير: ٢ / ١١٨، مغني المحتاج: ٤ / ٢٨٢ وما بعدها ، المهذب: ١ / ٢٣٧، المغني: ٨ / ٦١٧، شرح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني: ١ / ٣٦٦. (٢) رواه أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: ٥ / ١٠٨). (٣) رواه الجماعة إلا البخاري ( نيل الأوطار: ٥ / ١١٢). - ٥٩٦ - علي فرائض ، وهن لكم تطوع : الوتر، والنحر وصلاة الضحى ))() وروى الترمذي: (( أمرت بالنحر وهو سنة لكم)). ويؤيد ذلك أن الأضحية ذبيحة لم يجب تفريق لحمها ، فلم تكن واجبة كالعقيقة . وضعف أصحاب الحديث حديث الحنفية ، أو هو محمول على تأكيد الاستحباب كغسل الجمعة في حديث: ((غُسل الجمعة واجب على كل محتلم)) (٢). ويرشد إليه الأثر: (( أن أبا بكر وعمر كانا لا يضحيان ، مخافة أن ترى الناس ذلك واجباً))(٣) والأصل عدم الوجوب . ودليل الشافعية على أن الأضحية سنة كفاية لكل بيت : حديث مِخْنَف بن سُلَيم قال: (( كنا وقوفاً مع النبي ◌َ ◌ّر، فسمعته يقول: يا أيها الناس، على كل أهل بيت في كل عام أضحية .. ))(٤) ، ولأن الصحابة كانوا يضحون في عهده عَاقٍ، والظاهر اطلاعه، فلا يُنكر عليهم(٥). وقد ضحى النبي ◌ُ ◌ّ بكبشين سمينين أقرنين أملحين ، أحدهما عن أمته ، والثاني عن نفسه وآله (٦). ودليل الشافعية على أن الأضحية سنة عين للمنفرد في العمر مرة هو أن الأمر عندهم لا يقتضي التكرار(٧) . (١) رواه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك، والدارقطني. وسكت عنه الحاكم ، وفيه راو ضعيف ضعفه النسائي والدارقطني ( نصب الراية: ٤ / ٢٠٦) . (٢) رواه السبعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن أبي سعيد الخدري ( سبل السلام: ١ / ٨٧). (٣) رواه البيهقي وغيره بإسناد حسن . (٤) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب ( نيل الأوطار: ٥ / ١٣٨). (٥) ثبت هذا برواية ابن ماجه والترمذي وصححه عن عطاء بن يسار، وبرواية ابن ماجه عن الشعبي ( نيل الأوطار : ٥ / ١٢٠ ) . (٦) رواه ابن ماجه عن عائشة وأبي هريرة ( نصب الراية: ٤ / ٢١٥). (٧) قرر الشافعية في أصولهم : أن الأمر لا يقتضي التكرار ولا يفيد المرة ، وإنما يفيد طلب الماهية من غير = - ٥٩٧ - حالة تغير حكم الأضحية أو نوعا الأضحية : الأضحية عند الحنفية نوعان : واجبة وتطوع(١) . أما الواجبة : فهي أولاً - المنذورة كأن يقول المرء : لله علي أن أضحي شاة ، أو بدنة ( ناقة ) أو هذه الشاة ، أو هذه البدنة ، أو جعلت هذه الشاة ضحية أو أضحية، سواء أكان القائل غنياً أم فقيراً. وثانياً - المشتراة للأضحية إذا كان المشتري فقيراً . فإن اشترى فقير شاة بنية الأضحية ، صارت واجبة ؛ لأن الشراء للأضحية ممن لا أضحية عليه ، يجري مجرى الإيجاب ، وهو النذر بالتضحية عرفاً . وثالثاً - المطلوبة من الغني دون الفقير في كل عيد ، من غير نذر ولا شراء للأضحية ، بل شكراً لنعمة الحياة ، وإحياء لميراث الخليل عليه السلام حين أمره الله تعالى بذبح الكبش في أيام العيد ، فداء عن ولده ، ومطية على الصراط(٢) ، ومغفرة للذنوب ، وتكفيراً للخطايا . وإن ولدت الأضحية ولداً يذبح ولدها مع الأم ، وإن باعه يتصدق بثمنه ، لأن الأم تعينت للأضحية . وأما التطوع : فأضحية المسافر، والفقير الذي لم يوجد منه النذر بالتضحية ، ولا الشراء للأضحية ، لانعدام سبب الوجوب وشرطه . = إشعار بتكرار أو مرة ، إلا أنه لا يمكن إدخال تلك الماهية في الوجود بأقل من المرة الواحدة ، فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به ( شرح الإسنوي : ٢ / ٤٣ ) . (١) البدائع: ٥ / ٦١ - ٦٣، ٧٨، الدر المختار: ٥/ ٢٢٧. (٢) ذكر الرافعي وابن الرفعة حديث: ((عظموا ضحاياكم، فإنها على الصراط مطاياكم)) لكن قال ابن الصلاح : إنه غير ثابت . - ٥٩٨ - وقال ابن جزي المالكي(١) : تتعين الأضحية وتصبح واجبة بالذبح اتفاقاً ، وبالنية قبله على خلاف في المذهب ، وبالنذر إن عينها له اتفاقاً ، فإذا قال : جعلت هذه أضحية ، تعينت على أحد قولين ، فإن ماتت فلا شيء عليه على كلا القولين ، وإن باعها لزمه أن يشتري بثمنها كله أخرى . لكن قال الدردير والدسوقي المالكيان(٢): المعتمد المشهور في المذهب : أن الأضحية لا تجب إلا بالذبح فقط ، ولا تجب بالنذر. وقالا أيضاً : يندب ولا يجب على المعتمد ذبح ولد الأضحية الذي ولد قبل ذبح أمه ؛ لأن الأضحية لا تتعین عندهم إلا بالذبح ، ولا تتعین بالنذر . وقال الشافعية في الصحيح والحنابلة(٣): إن نوى الشراء للأضحية ولم يتلفظ بذلك لا تصير به أضحية ؛ لأن إزالة الملك على سبيل القربة لا تحصل بذلك ، وإنما تجب الأضحية إما بالنذر ، مثل لله علي ، أو علي أن أضحي بهذه الشاة ، أو بالتعيين بأن يقول : هذه أضحية أو جعلتها أضحية ، لزوال ملكه عنها بذلك . والجعل بمعنى النذر ، فتصير واجبة ، ويحرم حينئذ الأكل منها ، ولا يقبل القول بإرادة التطوع بها . فإن قال : أضحية إن شاء الله لم تتعين ولم تجب . وإشارة الأخرس المفهمة كنطق الناطق . ولا يجوز تأخيرها للعام القابل ، وتعين ذبحها وقت الأضحية . وإن ولدت الأضحية المعينة أو المنذورة، فولدها تابع لها، يذبح معها، وحكمه حكمها، سواء أكان حملاً عند التعيين أم حدث بعده. ولا يشرب صاحبها من لبنها إلا الفاضل عن ولدها، فإن لم يفضل عنه شيء لم يكن له أخذه. (١) القوانين الفقهية : ص ١٨٩ . (٢) الشرح الكبير وحاشيته: ٢ / ١٢٢، ١٢٥. (٣) مغني المحتاج: ٤ / ٢٨٣، ٢٨٨، ٢٩١، المهذب: ١ / ٢٤٠ وما بعدها، حاشية الباجوري: ٢ / ٣٠٥، المغني: ٨ / ٦٢٧ وما بعدها ، كشاف القناع: ٣ / ٨ . - ٥٩٩ - المبحث الثاني - شروط الأضحية : وفيه مطالب ثلاثة : المطلب الأول - شروط إيجاب الأضحية أو سنيتها : يشترط لإيجاب الأضحية عند الحنفية ، أو سنيتها عند الأئمة الآخرين : القدرة عليها ، فلا تطلب من العاجز عنها في أيام عيد الأضحى . والمقصود بالقدرة عند الحنفية : هو اليسار أي يسار الفطرة(١) ، وهو أن يكون مالكاً مائتي درهم الذي هو نصاب الزكاة ، أو متاعاً يساوي هذا المقدار زائداً عن مسكنه ولباسه ، أو حاجته وكفايته هو ومن تجب عليه نفقتهم . والقادر عليها عند المالكية(٢): هو الذي لا يحتاج إلى ثمنها لأمر ضروري في عامه . ولو استطاع أن يستدين استدان . والمستطيع عليها عند الشافعية(٣): هو من يملك ثمنها زائداً عن حاجته وحاجة من يعوله يوم العيد وأيام التشريق ، لأن ذلك وقتها ، مثل زكاة الفطر ، فإنهم اشترطوا فيها أن تكون فاضلة عن حاجته وحاجة مَمونه يوم العيد وليلته فقط . والقادر عليها عند الحنابلة(٤) : هو الذي يمكنه الحصول على ثمنها ولو بالدين ، إذا كان يقدر على وفاء دينه . (١) الدر المختار: ٥ / ٢٢٢، اللباب: ٣ / ٢٣٢، تبيين الحقائق: ٦ / ٣. (٢) شرح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني : ١ / ٣٦٧ . (٣) حاشية الباجوري : ٢ / ٣٠٤. (٤) كشاف القناع : ٣ / ١٨ . - ٦٠٠ -