Indexed OCR Text

Pages 521-540

وللمضطر أيضاً عندهم ( الشافعية والحنابلة ) قتل الزاني المحصن ، والمحارب
( قاطع الطريق ) ومن عليه قصاص ، وإن لم يأذن الإمام في القتل ؛ لأن قتلهم
مستحق ، وإنما يعتبر إذن الإمام في غير حال الضرورة تأدباً معه ، وحال
الضرورة ليس فيها رعاية أدب .
ولا يجوز للمضطر قتل ذمي ومستأمن ومعاهد ، لحرمة قتلهم . والأصح له
حل قتل صبي حربي وامرأة حربية ، لأنهما ليسا بمعصومين ، ومنع قتلهما. في غير
الضرورة لا لحرمتها ، بل لحق الغامين .
تشريح الجثث ونقل الأعضاء :
يرى المالكية والحنابلة عملاً بحديث: ((كسر عظم الميت ككسره حياً)) أنه
لا يجوز شق بطن الميتة الحامل لإخراج الجنين منه ؛ لأن هذا الولد لا يعيش
عادة ، ولا يتحقق أنه يحيا ، فلا يجوز هتك حرمة متيقنة لأمر موهوم .
وأجاز الشافعية شق بطن الميتة لإخراج ولدها ، وشق بطن الميت لإخراج
مال منه . كما أجاز الحنفية كالشافعية شق بطن الميت في حال ابتلاعه مال غيره ،
إذا لم تكن له تركة يدفع منها ، ولم يضمن عنه أحد (١)
وأجاز المالكية أيضاً شق بطن الميت إذا ابتلع قبل موته مالاً له أو لغيره إذا
كان كثيراً : هو قدر نصاب الزكاة ، في حالة ابتلاعه لخوف عليه أو لعذر . أما إذا
ابتلعه بقصد حرمان الوارث مثلاً ، فيشق بطنه ، ولو قل .
وبناء على هذه الآراء المبيحة : يجوز التشريح عند الضرورة أو الحاجة بقصد
التعليم لأغراض طبية ، أو لمعرفة سبب الوفاة وإثبات الجناية على المتهم بالقتل
(١) الدر المختار ورد المختار: ٢٤٦/٣.
- ٥٢١ -

ونحو ذلك لأغراض جنائية إذا توقف عليها الوصول إلى الحق في أمر الجناية ،
الأدلة الدالة على وجوب العدل في الأحكام ، حتى لا يظلم بريء ، ولا يفلت من
العقاب مجرم أثيم .
كذلك يجوز تشريح جثث الحيوان للتعليم ؛ لأن المصلحة في التعليم تتجاوز
إحساسها بالألم .
وعلى كل حال ينبغي عدم التوسع في التشريح لمعرفة وظائف الأعضاء
وتحقيق الجنايات ، والاقتصار على قدر الضرورة أو الحاجة ، وتوفير حرمة
الإنسان الميت وتكريمه بمواراته وستره وجمع أجزائه وتكفينه وإعادة الجثمان لحالته
بالخياطة ونحوها بمجرد الانتهاء من تحقيق الغاية المقصودة .
كما يجوز نقل بعض أعضاء الإنسان لآخر كالقلب والعين إذا تأكد الطبيب
المسلم الثقة العدل موت المنقول عنه ؛ لأن الحي أفضل من الميت ، وتوفير البصر أو
الحياة لإنسان نعمة عظمى مطلوبة شرعاً .
التداوي بالخمر :
قال أئمة المذاهب الأربعة (١): يحرم على الراجح الانتفاع بالخمر وسائر
المسكرات للمداواة وغيرها ، كاستخدامها في دُهن أو طعام أو إذابة دواء أو بَلَّ
طين، لقوله مَّاقّ: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)) (٢)، وروى
(١) البدائع: ٥ / ١١٣، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: ٥ / ٣٢٠، المنتقى على الموطأ: ٣ / ١٥٤، ١٥٨،
التاج والإكليل: ٦ / ٣١٨، الشرح الكبير للدردير: ٤ / ٣٥٢ وما بعدها، المهذب: ١ / ٢٥١ ، مغني المحتاج :
٤ / ١٨٧، كشاف القناع: ٦ / ١٩٨، زاد المعاد: ٣ / ١١٤، المغني: ٤ / ٢٥٥، ٨ / ٣٠٨، الفرائد البهية في القواعد
الفقهية لحمزة : ص ٢٨٦ .
(٢) رواه البخاري عن ابن مسعود . وكذا رواه عبد الرزاق والطبري وابن أبي شيبة موقوفاً عليه . وذكره
البيهقي وأحمد وأبو يعلى والبزار مرفوعاً ، وابن حبان وصححه ، من حديث أم سلمة .
- ٥٢٢ -

طارق بن سويد أنه سأل النبي ◌ُ فّ عن الخمر ، فنهاه ، أو كره أن يصنعها ،
فقال: إنما أصنعها للدواء؟ فقال: ((إنه ليس بدواء، ولكنه داء))(١) .
لكن قال الحنفية(٢) : يجوز التداوي بالمحرم إن علم يقيناً أن فيه شفاء،
ولا يقوم غيره مقامه ، أما بالظن فلا يجوز . وقول الطبيب لا يحصل به اليقين .
ولا يرخص التداوي بلحم الخنزير ، وإن تعين .
وقيد الشافعية(٣) حرمة التداوي بالخمر إذا كانت صرفاً، غير ممزوجة بشيء
آخر تستهلك فيه . أما الترياق المعجون بها ونحوه مما تستهلك فيه ، فيجوز
التداوي به عند فقد ما يقوم به ، مما يحصل به التداوي من الطاهرات ، كالتداوي
بنجس كلحم حية وبول . وكذا يجوز التداوي بما ذكر لتعجيل شفاء بشرط إخبار
طبيب مسلم عدل بذلك ، أو معرفته للتداوي به ، وبشرط أن يكون القدر
المستعمل قليلاً لا يسكر .
قال العز بن عبد السلام(٤) : جاز التداوي بالنجاسات إذا لم يجد طاهراً يقوم
مقامها ؛ لأن مصلحة العافية والسلامة أكمل من مصلحة اجتناب النجاسة ،
ولا يجوز التداوي بالخمر على الأصح إلا إذا علم أن الشفاء يحصل بها ، ولم يجد دواء
غيرها .
وأبان ابن العربي والقرطبي المالكيان(٥) أنه يجوز الانتفاع بالخمر للضرورة ،
(١) رواه مسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والترمذي وصححه هو وابن عبد البر. وروي أيضاً:
((لا تداووا بحرام)) من حديث رواه أبو داود والطبراني ورجاله ثقات عن أبي الدرداء بلفظ: ((إن الله خلق الداء
والدواء فتداووا ولا تتداووا بحرام)) (مجمع الزوائد: ٥ / ٨٦ ).
(٢) الهدية العلائية للعلامة الشيخ علاء الدين عابدين: ص ٢٥١ .
(٣) مغني المحتاج: ٤ / ١٨٨.
(٤) قواعد الأحكام: ١ / ٨١ .
(٥) أحكام القرآن لابن العربي: ١ / ٥٦ وما بعدها، تفسير القرطبي: ٢ / ٢٣١ .
- ٥٢٣ -

لقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد ﴾ فرفعت الضرورة التحريم،
وخصصت الضرورة الحرام ؛ لأن إهمال تعاطي الدواء قد يسبب الوفاة .
شرب الخمر حالة العطش :
أجاز جمهور الفقهاء(١) شرب الخمر عند ضرورة العطش أو الغصص أو الإكراه
قدر ما تندفع به الضرورة ؛ لأن الحفاظ على الحياة تقتضي إباحة كل ما يطفئ
الظماً .
وقيد الحنابلة(٢) شرب الخمر لضرورة العطش بما إذا كانت ممزوجة بما يروي
من العطش ، فتباح حينئذ فقط . فإن شربها صرفاً أو ممزوجة بشيء يسير
لا يروي من العطش ، لم يبح له ذلك ، وعليه عقوبة الحد المقررة .
خامساً - كيفية ترتيب الأفضلية بين مطعومات الضرورة :
إذا وجد المضطر ميتة وطعاماً لغيره وصيداً لمحرم أو مأكولاً غير مذبوح ، فهل
يقدم الميتة أو غيرها ؟ للفقهان رأيان :
١ - قال الجمهور ( الحنفية، والشافعية في المعتمد عندهم، والحنابلة)(٣): إنه
يأكل الميتة ؛ لأن أكل الميتة ثبت بالنص ، وطعام الغير أو إباحة الصيد ثبت
بالاجتهاد ، والأخذ بالمنصوص عليه أولى ، ولأن الميتة لا تبعة فيها لأحد من
الناس في الدنيا ولا في الآخرة ، فكان أكلها أخف من أكل طعام الغير ، إذ حقوق
الناس مبنية على التشديد ، وحق الله تعالى أوسع . ولو حصل ضرر بأكل الميتة
(١) أحكام القرآن لابن العربي: ١ / ١٤٧، بداية المجتهد: ١ / ٤٦٢، الإفصاح لابن هبيرة : ص ٣٧٤ ، تفسير
القرطبي: ٢ / ٢٢٨.
(٢) المغني : ٨ / ٣٠٨، ٦٠٥ .
(٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ١ / ١٢٤، أحكام الجصاص: ١ / ١٤٨، مغني المحتاج : ٤ / ٣٠٩ ، المهذب :
١ / ٢٥٠، المغني: ٨ / ٦٠٠، كشاف القناع: ٦ / ١٩٤ وما بعدها .
- ٥٢٤ _

يرجى الشفاء منه بالمداواة . ويجب عند الحنابلة تقديم السؤال على أكل الميتة .
وإن وجد المحرم صيداً حياً وميتة ، أكل الميتة ؛ لأن ذبح الصيد جناية
لا تجوز له حال الإحرام . فإن لم يجد المضطر ميتة ، ذبح الصيد وأكله .
وإن لم يجد المضطر شيئاً يأكله ، لم يبح له عند الحنابلة(١) أكل بعض
أعضائه ؛ لأن أكله من نفسه ربما قتله ، فيكون قاتلاً لنفسه ، ولا يتيقن حصول
البقاء بأكل جزء من جسده .
وقال النووي في المنهاج(٢): الأصح جواز قطع بعضه ، لا كله ، لأنه إتلاف
بعضه لاستبقاء كله . وشرط الجواز أمران : أحدهما - فقد الميتة ونحوها . والثاني -
أن يكون الخوف في قطعه أقل من الخوف في ترك الأكل . فإن كان مثله أو
أكثر، حرم جزماً . كما يحرم جزماً على شخص قطع بعض نفسه لغيره من
المضطرين ؛ لأن قطعه لغيره ليس فيه قطع البعض لاستبقاء الكل . ويحرم على
مضطر أيضاً أن يقطع لنفسه قطعة من حيوان معصوم .
٢ - وقال المالكية (٣) : تقدم الميتة وجوباً على أكل لحم الخنزير ، لأنه حرام
لذاته ، وحرمة الميتة عارضة ، كما تقدم الميتة للمضطر المحرم على الصيد الحي الذي
صاده المحرم أو أعان عليه ، ما لم تكن الميتة متغيرة يخاف على نفسه من أكلها ،
وإلا قدم الصيد المذكور . فإن كان المضطر حلالاً قدم صيد المحرم على الميتة .
. ويقدم طعام الغير ندباً ، لا وجوباً على أكل الميتة ، إن لم يخف الأذى من
قطع عضو ، أو ضرب ونحوه ؛ لأن الطعام طاهر ، ولأن الغالب أن الإنسان
(١) المغني : ٨ / ٦٠١.
(٢) مغني المحتاج : ٤ / ٣١٠ .
(٣) الشرح الكبير: ٢ / ١١٦، القوانين الفقهية: ص ١٧٣، تفسير القرطبي: ٢ / ٢٢٩.
- ٥٢٥ -

يبذل طعامه للمضطر ولا يتلكأ في ذلك . وهذا المذهب هو المعقول ، بل إني أرى
وجوب تقديم طعام الغير على أكل الميتة ، دفعاً للضرر .
قال ابن كثير(١) : إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير بحيث لا قطع فيه
ولا أذى ، فإنه لا يحل له أكل الميتة ، بل يأكل طعام الغير بغير خلاف(٢) .
سادساً - مقدار الجائز تناوله للضرورة :
هل يقتصر المضطر من تناول الحرام كالميتة على مقدار دفع الضرر ، أم يباح
له الشبع ؟ رأيان للفقهاء :
١ - قال الجمهور ( الحنفية، والأظهر عند الشافعية ، وأصح الروايتين عند
الحنابلة ، وبعض المالكية كابن الماجشون وابن حبيب )(٢): يأكل المضطر
للغذاء ، ويشرب للعطش ، ولو من حرام أو ميتة أو مال غيره ، مقدارما يدفع
الهلاك عن نفسه أو يؤمن معه الموت : وهو مقدار ما يتمكن به من الصلاة قائماً ،
ومن الصوم ، وهو لقيمات معدودة ، ويمتد ذلك من حالة عدم القوت إلى حالة
وجوده . لقوله تعالى: ﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد ، فلا إثم عليه﴾(٤) ولأن
( ما جاز للضرورة يتقدر بقدرها ) ويكون المضطر بعد سد الرمق غير مضطر ،
فلم يحل له الأكل ، فيصير بعد سد رمقه كما كان قبل أن يضطر ، وحينئذ لم يبح
له الأكل ، فكذا بعد زوال حالة الضرورة .
(١) تفسير ابن كثير: ١ / ٢٠٥.
(٢) كذا قال ، وقد عرفنا أن هناك خلافاً في المسألة .
(٣) رد المحتار: ٥ / ٢٣٨، المهذب: ١ / ٢٥٠، كشاف القناع: ٦ / ١٩٤، المغني: ٨ / ٥٩٥، ٥٩٧ ، مغني
المحتاج : ٤ / ٣٠٧ .
(٤) أي غير متجاوز حد الضرورة ، ولا باغ في الأكل بما يزيد عن حاجته .
- ٥٢٦ -

٢ - وقال المالكية على المعتمد (١): يجوز للمضطر التناول من الحرام حتى
يشبع ، وله التزود ( ادخار الزاد ) من الميتة ونحوها ، إذا خشي الضرورة في
سفره ، فإذا استغنى عنها طرحها ، لأنه لا ضرر في استصحابها ، ولا في إعدادها
لدفع ضرورته وقضاء حاجته ، ولكن لا يأكل منها إلا عند ضرورته .
ودليلهم أن الضرورة ترفع التحريم ، فتعود الميتة جميعها ونحوها مباحة
لظاهر قوله تعالى : ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾ . ومقدار الضرورة إنما هو
في حالة عدم القوت إلى حالة وجوده ، ولأن كل طعام يباح ، جاز أن يأكل منه
الإنسان قدر سد الرمق ، جاز له أن يشبع منه كالطعام الحلال .
هذا إذا كانت المخمصة نادرة في وقت ما ، فإن كانت المجاعة عامة مستمرة ،
فلا خلاف بين العلماء في جواز الشبع من الميتة ونحوها من سائر المحظورات .
ويتفق الشافعية ، والحنابلة في أصح الروايتين(٢) مع المالكية في جواز التزود
من المحرَّمات ، ولو رجا الوصول إلى الحلال . ويبدأ وجوباً بلقمة حلال ظفر
بها ، فلا يجوز له أن يأكل من الحرام حتى يأكلها لتتحقق الضرورة .
وصرح الشافعية : لو عمَّ الحرام الأرض بحيث لا يوجد فيه حلال إلا نادراً ،
جاز استعمال ما يحتاج إليه ، ولا يقتصر على الضرورة ، بل على الحاجة . وعلل
العز بن عبد السلام(٣) جواز تناول الحرام حينئذ ، دون أن يقتصر على الضرورات
بقوله : لأن المصلحة العامة كالضرورة الخاصة .
(١) بداية المجتهد: ١ / ٤٦٢، أحكام القرآن لابن العربي: ١ / ٥٥، الشرح الكبير: ٢/ ١١٦ وما بعدها ،
القوانين الفقهية : ص ١٧٣، تفسير القرطبي : ٢ / ٢٢٦ وما بعدها .
(٢) مغني المحتاج : ٤ / ٣٠٧ ، المغني: ٨ / ٥٩٧ ، كشاف القناع: ٦ / ١٩٤.
(٣) قواعد الأحكام : ٢ / ١٦٠.
- ٥٢٧ -

سابعاً - حكم أخذ طعام قهراً للضرورة :
لا خلاف بين الفقهاء(١) في أنه يجب على مالك الطعام أو المال ، إذا لم يكن
مضطراً إليه في الحال ، أن يبذله إلى المحتاج إليه بقيمته ، ليدفع عنه أذى الجوع أو
العطش أو الحر أو البرد أو الضرر الذي قد يلحق به . فإن امتنع أو طلب أكثر من
ثمن المثل ، فيجوز قتاله ولو كان مسلماً ؛ لأخذه جبراً عنه ؛ لأن المسلمين
متكافلون متعاونون على السراء والضراء ، قال تعالى : ﴿وتعاونوا على البر
والتقوى ، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) ، ولأن امتناع مالك المال أو الطعام
من بذله للمضطر إليه إعانة على قتله، وقد ورد: (( من أعان على قتل امرئ
مسلم ، ولو بشطر كلمة ، جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه : آيس من رحمة
الله)) (٢). وقد ذم الله على منع ذلك مطلقاً بقوله تعالى: ﴿ويمنعون
الماعون ﴾ .
ولا يجوز للمضطر في هذه الحالة أن يأكل الميتة ، لأنه غير مضطر ، والتزامه
بدفع قيمة الطعام أمر مقرر شرعاً ؛ لأن الإباحة للاضطرار لا تنافي الضمان(٣).
وتنص القاعدة: ((الاضطرار لا يبطل حق الغير)) .
وأما في حال المجاعة العامة فلا يلزم المرء ببذل الطعام للمضطرين ؛ لأن
الضرر لا يزال بالضرر(٤) .
(١) رد المحتار: ٥ / ٢٣٨، الموافقات: ٢ / ٣٥٢، الشرح الكبير: ٢ /١١٦ وما بعدها ، مغني المحتاج:
١ / ٢٥٠، المهذب: ١ / ٢٥٠، كشاف القناع: ٦ / ١٩٥، غاية المنتهى: ١ / ٣١٦، المغني: ٨ / ٦٠٢ ، الطرق
الحكمية: ص ٢٦ ، ط السنة المحمدية، الحسبة لابن تيمية: ص ٤٠، القواعد لابن رجب: ص ٢٢٧ .
(٢) رواه ابن ماجه عن أبي هريرة ، وهو حديث ضعيف .
(٣) شرح المجلة للأتاسي: ص ٧٦ وما بعدها ، للمجاسني: ص ٦٠ وما بعدها، الفروق: ١ / ١٩٥ وما بعدها ،
٤ / ٩، حاشية الجمل على المنهج، القواعد لابن رجب: ص ٣٦ ، ٢٨٦ ، القواعد والفوائد لابن اللحام الحنبلي :
ص ٤٣ .
(٤) كشاف القناع: ٦ / ١٩٨.
- ٥٢٨ -

ثامناً - حالات خاصة للضرورة أو الحاجة :
هناك حالات خاصة بالمار ببستان الغير والأكل من الزرع أو الفاكهة ،
والمار بماشية الغير ، هل يجوز التناول منه أم لا ؟
أ - الأكل من ثمار البساتين :
من مر في طريقه ببستان فيه أشجار مثمرة ، فله أن يأكل من فاكهته الرطبة
ولو كان هناك حائط عند الضرورة بشرط الضمان أي دفع القيمة .
فإن لم يكن هناك ضرورة للأكل ، فلا يجوز للمار عند جمهور الفقهاء(١) أن
يأخذ منه شيئاً بغير إذن صاحبه ، كما لا يجوز له أن يحمل معه شيئاً لقوله
عَظلقم: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه))(٢) وقوله عليه السلام: ((إن
دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا))(٣) وهذا الرأي أنزه
وأورع وأحوط ديناً .
وقال الحنابلة(٤) : يجوز في حال الجوع والحاجة لمن مر بثمرة أن يأكل منها،
ولا يحمل . قال أحمد : إذا لم يكن للبستان حائط ، يأكل الإنسان منه إذا كان
جائعاً ، وإذا لم يكن جائعاً ، فلا يأكل . وقد فعله غير واحد من أصحاب النبي
عَ لٍّ . فإذا كان عليه حائط لم يأكل ، لأنه قد صار شبه الحريم ، ولقول ابن
عباس: ((إن كان عليها حائط فهو حريم ، فلا تأكل ، وإن لم يكن عليها
(١) رد المحتار: ٥ / ٢٣٨، المهذب: ٢ / ٢٥١، الميزان للشعراني: ٢ / ٥٩ .
(٢) رواه الحاكم وابن حبان في صحيحيهما عن أبي حميد الساعدي بلفظ: (( لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه
بغير طيبة نفس منه )) .
(٣) رواه البخاري ومسلم. وروى مسلم وغيره عن أبي هريرة: ((كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله
وعرضه)).
(٤) المغني : ٨ / ٥٩٧ .
- ٥٢٩ -
الفقه الإسلامي جـ ٣ (٣٤)

حائط ، فلا بأس )) ، ولأن إحراز الثمار بالحائط يدل على شح صاحبه به ، وعدم
المسامحة فيه .
والدليل على جواز الأكل للحاجة في حال عدم وجود حائط للبستان قوله
مسافةٍ: «ما أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خُبْنة(١) ، فلا شيء عليه ، ومن
أخرج منه شيئاً، فعليه غرامة مثليه، والعقوبة))(٢) وقوله أيضاً: ((إذا أتيت
على حائط - أي بستان - فناد صاحب البستان ثلاثاً ، فإن أجابك ، وإلا فكل ،
من غير أن تفسد))(٣). وروي عن أبي زينب التيمي، قال: ((سافرت مع
أنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وأبي بردة ، فكانوا يمرون بالثمار ، فيأكلون
في أفواههم)» وهو قول عمر وابن عباس وأبي بردة، قال عمر: ((يأكل ولا يتخذ
خبنة ))(٤) .
وهناك رواية أخرى عن الإمام أحمد أنه أجاز الأكل من ثمار البساتين غير
المحوطة مطلقاً ، سواء أكان المار جائعاً ، أم لا. لذا جاء في متن الإقناع وكشاف
القناع(٥): من مر بثمر على شجر بستان ، أو مر بثمر ساقط تحت الشجر،
لا حائط عليه ، ولا ناظر ( حافظ ) ولو كان المار به غير مسافر ولا مضطر ،
فله أن يأكل منه مجاناً ، ولو لغير حاجة إلى أكله ، وكذا لو أكله من غصونه من
غير رميه بشيء ولا ضربه ، ولا صعود شجرة، لحديث الخدري السابق: ((إذا
أتيت حائط بستان .. )). والحقيقة أن هذا كان سائداً بحسب العرف القائم بين
(١) الخبنة : ما تحمله في حضنك .
(٢) رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر، وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من
حدیث يحيي بن سليم .
(٣) رواه أحمد وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري ، ورجاله ثقات . وروى سعيد عن الحسن عن سمرة مثله .
(٤) المغني : ٨ / ٥٩٨ .
(٥) كشاف القناع : ٦ / ١٩٨ وما بعدها .
- ٥٣٠ -

الناس ، فإنهم كانوا يتسامحون عادة في الأكل للمار، وفي تناول الثمار الساقطة
بلا إذن صاحبها ، إلا إذا كان قائماً بالتقاطها ، أو نهى الناس عن التناول منها (١).
ب - الأكل من الزرع :
روي عن أحمد روايتان فيمن مر بزرع الغير ، فأراد الأكل منه(٢)، أي
للحاجة :
إحداهما - قال : لا يأكل ، إنما رخص في الثمار ليس في الزرع ، وقال :
ما سمعنا في الزرع أن يمس منه . والفرق بين الثمر والزرع : أن الثمار خلقها الله
تعالى للأكل رطبة ، والنفوس تتوق إليها ، أما الزرع فهو بخلاف ذلك .
والثانية - قال : يأكل من الفريك ؛ لأن العادة جارية بأكله رطباً ، فأشبه
الثمر .
قال ابن قدامة : والأولى في الثمار وغيرها ألا يأكل منها إلا بإذن صاحبها لما
فيه من الخلاف والأخبار الدالة على التحريم .
جـ - حلب ماشية الغير :
عن أحمد أيضاً روايتان في حلب لبن الماشية(٣):
إحداهما - يجوز - أي للمحتاج - أن يحلب ويشرب من ماشية الغير، ولكن
لا يحمل معه شيئاً، لحديث سمرة: ((إذا أتى أحدكم على ماشية ، فإن كان فيها
صاحبها ، فليستأذنه ، فإن أذن ، فليحلب وليشرب ، وإن لم يكن فيها ،
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي: ص ٨١ .
(٢) المغني : ٨ / ٥٩٩ .
(٣) المغني : ٨ / ٥٩٩ .
- ٥٣١ -

فليصوت ثلاثاً ، فإن أجابه أحد ، فليستأذنه ، وإن لم يجبه أحد ، فليحلب
وليشرب ، ولا يحمل ))(١) .
والثانية - لا يجوز له أن يحلب ولا يشرب، لقوله عز له: ((لا يحلبن أحد
ماشية أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته، فتكسر خزانته ، فَيُنْتَقَلُ
طعامه، فإنما تَخْزَنُ لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا
بإذنه))، وفي لفظ: ((فإن ما في ضروع مواشيهم، مثل ما في مشاربهم)) (١).
المطلب الرابع - إجابة الولائم ، وموائد المنكر ، وآداب الطعام :
أ - إجابة الولائم وموائد المنكر :
إجابة الوليمة مشروعة ، لقوله عَ الَ: (( شر الطعام: طعام الوليمة ، يُمنعها
من يأتيها ، ويدعى إليها من يأباها ، ومن لا يجب الدعوة ، فقد عصى الله
ورسوله)»(٣) ولا خلاف في أن وليمة العرس سنة مشروعة لقول النبي محمدواله
لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج: ((أولم ولو بشاة))(٤). والمنصوص لدى
أصحاب الشافعي أنها واجبة ، لهذا الحديث . ومنهم من قال : هي مستحبة ،
لأنه طعام لحادث سرور ، فلم تجب كسائر الولائم . وهذا قول أكثر العلماء(٥) .
وإجابة الدعوة سنة عند الحنفية(٦) ، وتجب الإجابة إذا لم يكن فيها منكر أو
(١) رواه الترمذي، وقال : هذا حديث حسن صحيح .
(٢) متفق عليه بين البخاري ومسلم .
(٣) رواه مسلم عن أبي هريرة، ورواه الباقون إلا الترمذي موقوفاً عن أبي هريرة بلفظ: ((شر الطعام طعام
الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء ، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله)) ( نصب الراية : ٤ / ٢٢١).
(٤) رواه مالك وأحمد وأصحاب الكتب الستة عن أنس بن مالك .
(٥) المغني : ٧ / ٢ .
(٦) تكملة الفتح: ٨ / ٨٧، تبيين الحقائق: ٦ / ١٣.
- ٥٣٢ -

لهو عند الشافعية والحنابلة(١).
وتجب الإجابة لوليمة النكاح عند المالكية وفاقاً للشافعية والحنابلة(٢)،
وتستحب إجابة ما يفعله الرجل بخواص إخوانه تودداً . وتجوز إجابته كدعوة
العقيقة ، وتكره إجابته : وهو ما يفعل للفخر والمباهاة . وتحرم إجابته : وهو
ما يفعله الرجل لمن تحرم عليه هديته كالغريم ( الدائن ) ، وأحد الخصمين
للقاضي . وهذا تفصيل حسن لدى المالكية .
والمستحب لمن فرغ من الطعام أن يدعو لصاحب الطعام ، لما روى ابن
ماجه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، قال: ((أفطر رسول الله عَ ◌ّ عند
سعد بن معاذ رضي الله عنه، فقال: أفطر عندكم الصائمون ، وصلت عليكم
الملائكة، وأكل طعامكم الأبرار)).
مانع المنكر من إجابة الدعوة
إن علم المدعو بوجود منكر كلعب وغناء وملاهي ونصب تماثيل وصور مجسمة
على الحيطان أو الأستار أو الوسائد، قبل حضوره، فلا يحضر، لقوله عز ◌ّ:
(( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخمر والخنزير والخزَّ والمعازف)) (٣). وفي
لفظ: (( ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ، يعزف على رؤوسهم
بالمعازف والمغنيات(٤) ، يخسف الله بهم الأرض ، ويجعل منهم القردة
(١) المهذب: ٢ / ٦٤، المغني: ٧ / ٢، مغني المحتاج: ٣ / ٢٤٥.
(٢) القوانين الفقهية: ص ١٩٤، المهذب: ٢ / ٦٤ - ٦٥، غاية المنتهى: ٣ / ٧٧ ، الشرح الصغير: ٢ / ٥٠٠
وما بعدها .
(٣) أخرجه البخاري وأبو داود عن عبد الرحمن بن غُنْم (نيل الأوطار: ٢ / ٩٢) والخز: هو المخلوط من
صوف وحرير .
(٤) اختلف في الغناء المجرد عن الآلات أو المعازف ، فقال بعضهم : إنه حرام مطلقاً، والاستماع إليه معصية ،
لإطلاق هذين الحديثين ، ولو سمع بغتة فلا إثم عليه ، ومنهم من قال : لا بأس بالتغني ليستفيد فهم القوافي =
- ٥٣٣ -

والخنازير))(١).
وإن حضر المدعو، ففوجئ بالمنكر: فإن كان على المائدة كالخمر،
فلا يقعد ، لقوله تعالى : ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ﴾ .
وروى أبو داود وابن ماجه والحاكم عن ابن عمر: ((نهى رسول الله مع تلّ عن
الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر ، وأن يأكل الرجل وهو منبطح على
بطنه )» .
وإن كان في المنزل ، لا على المائدة الجالس عليها :
فإن قدر على المنع، منعهم، لقوله مع المه: ((من رأى منكم منكراً فليغيره
بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف
الإيمان)) (٣). وإن لم يقدر على المنع : فإن كان قدوة ، خرج ولم يقعد ؛ لأن في
ذلك شين الدين ، وفتح باب المعصية على المسلمين .
وإن لم يكن قدوة ، صبر ، وقعد ، وأكل، ولا يخرج ؛ لأن إجابة الدعوة
سنة (٢) .
المـ
ب - آداب الطعام والشراب :
ورد في السنة آداب كثيرة للطعام والشراب منها ما يأتي(٤):
= والفصاحة . ومنهم من قال : يجوز التغني لدفع الوحشة إذا كان وحده ، ولا يكون على سبيل اللهو ، وهو رأي
السرخسي . ولو كان في الشعر حكم أو عبر أو فقه أو ذكر امرأة غير معينة، لا يكره ( تبيين الحقائق: ٦ / ١٤) وقال
الشافعية : يكره الغناء من غير آلة مطربة ، ويحرم استعمال الآلات المطربة من غير غناء ( المهذب : ٢ / ٣٢٦
وما بعدها ) .
(١) رواه ابن ماجه والبيهقي عن أبي مالك الأشعري .
(٢) رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري .
(٣) تكملة الفتح ، تبيين الحقائق ، المكان السابق، المهذب: ٢ / ٦٤ ، مغني المحتاج : ٢٤٧ .
(٤) الدر المختار ورد المختار: ٥/ ٢٣٩، القوانين الفقهية: ص ٤٣٦ وما بعدها، مغني المحتاج: ٣ / ٢٥٠ ،
٤ / ٣١٠، المغني: ٨ / ٦١٤ - ٦١٦.
- ٥٣٤ _
٠

يسن للأكل أو الشرب البسملة عند أول الطعام ، والحمدلة آخره ، وللأكل
غسل اليدين قبله وبعده بأن يقول : بسم الله الرحمن الرحيم ، فإن نسي البسملة
فليقل : بسم الله على أوله ، وعلى آخره . ويرفع الصوت بها لتلقين من معه ،
ولا يرفع بالحمد إلا إذا فرغ الحضور من الأكل، فيقول: ((الحمد لله حمداً كثيراً
طيباً مباركاً فيه))(١) أو: ((الحمد لله الذي أطعمني وسقاني من غير حول مني
ولا قوة )).
ويستحب الأكل والشرب باليمين ، ودليل ما سبق قول النبي صَ لّ لعمر بن
أبي مسلمة: (( سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك))(٢) وقوله عليه السلام :
((إذا أكل أحدكم، فليأكل بيمينه ، وإذا شرب ، فليشرب بيمينه ، فإن الشيطان
يأكل بشماله، ويشرب بشماله)(٢). والأكل مما يليه من موضع واحد، إلا أن
يكون طبقاً فيه ألوان الثمار ، فيأكل من حيث شاء ، لأنه ألوان ، كما ورد في
ء.
الأثر .
ويستحب الأكل بثلاث أصابع لما ثبت عن النبي(٤). والتقليل من الأكل
فيجعل ثلثاً للطعام ، وثلثاً للشراب ، وثلثاً للنَّفَس . وترك التبسط في الطعام ،
كما هو خلق السلف . وألا يأكل متكئاً(٥) ، وقال الحنفية: لا بأس به. وألا ينفخ
في الطعام ولا في الشراب ، ولا يتنفس في الإناء . وأن يوافق من يأكل معه في
تصغير اللقم ، وإطالة المضغ ، والتمهل في الأكل ، وألا يشرب من فم الإناء .
(١) رواه البخاري .
(٢) رواه أحمد والشيخان وابن ماجه وأبو داود عن عمر بن أبي سَلَمة (نيل الأوطار: ٨ / ١٦١).
(٣) رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه عن ابن عمر (نيل الأوطار: ٨ / ١٦٠).
(٤) رواه أحمد عن كعب بن مالك .
(٥) روى الجماعة إلا مسلماً والنسائي عن أبي جحيفة قال: قال رسول اللّه ◌َ افّ: ((أما أنا فلا آكل متكئاً)
( نيل الأوطار: ٨ / ١٦١ ) .
- ٥٣٥ -

ويجوز الشرب قائماً ، والأفضل القعود . وإذا كان جماعة يدار عليهم ماء الشرب ،
يأخذ بعد الأول : الأيمن فالأيمن .
ويسن تناول الحلو من الأطعمة ، وكثرة الأيدي على الطعام ، وإكرام
الضيف ، والحديث الحسن القليل على الأكل ، ويكره السكوت ، لأنه تشبه
بالمجوس .
ويكره ذم الطعام إذا كان الطعام لغيره ، لما فيه من الإيذاء ، فإن كان له
فلا .
ويسن أن يأكل من أسفل الصحفة ، ويكره من أعلاها ، أو وسطها ، فإن
البرکة تنزل في وسطها(١)
ومن السنة البداءة بالملح والختم به ؛ لأن فيه شفاء من سبعين داء . ويبسط
رجله اليسرى ، وينصب الينى ، ولا يأكل الطعام حاراً ، ولا يشمه .
المبحث الثاني - الأشربة :
ع
البحث هنا في الأشربة يتناول حكم الحرام والحلال منها ، والانتباذ في
5
الظروف والأواني ، وتخليل الخمر .
أولاً - حكم الأشربة :
اتفقت المذاهب ( المفتى به - وهو رأي محمد - عند الحنفية ، وغير الحنفية)(٢)
على تحريم جميع الأشربة المسكرة ، قليلها وكثيرها ، نيئها ومطبوخها ، سواء
(١) روى أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه عن ابن عباس أن النبي ◌َّم قال: ((البركة تنزل في وسط
الطعام ، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه)) (نيل الأوطار: ٨ / ١٦٠).
(٢) البدائع: ٥ / ١١٧، نتائج الأفكار: ٨ / ١٦٠ وما بعدها، الدر المختار: ٥/ ٣٢٣، اللباب: ٣ / ٢١٥،
بداية المجتهد: ١ / ٤٥٧ وما بعدها ، الشرح الكبير والدسوقي : ٤ / ٣٥٢، القوانين الفقهية: ص ١٧٤ ، مغني المحتاج :
٤ / ١٨٧، المهذب: ٢ / ٢٨٦، المغني: ٨ / ٣٠٤ وما بعدها، كشاف القناع: ٦ / ١١٦ وما بعدها .
- ٥٣٦ -

أكانت خمراً (وهي عصير العنب المتخمر) أم غيرها من الأشربة الأخرى المتخذة
من الزبيب أو التمر أو العسل والتين ، أو الحبوب كالقمح والشعير والذرة ،
ونحوها ، ويحد كما سنوضح في بحث الحدود شارب القليل أو الكثير منها عند غير
الحنفية ، ولا يجد إلا بالسكر من الأشربة غير الخمر ، أو بشرب القليل أو الكثير
من الخمر عند الحنفية، لقوله مَ الّ: ((كل مسكر خمر، وكل خمر حرام)»(١)،
((أنهاكم عن قليل ما أسكر قليله)) ((ما أسكر كثيره، فقليله حرام))(٢) «إن من
العنب خمراً ، وإن من العسل خمراً ، ومن الزبيب خمراً ، ومن الحنطة خمراً ، ومن
التمر خمراً، وأنا أنهاكم عن كل مسكر))(٣).
خلط الخمر بغيره : يحرم بالاتفاق شرب الماء الممزوج بالخمر ، لما فيه من
ذرات الخمر ، ويعزر الشارب ، ويجب الحد إن كانت الخمر أكثر من الماء ، لبقاء
اسم الخمر ومعناها . كما يحرم شرب الخمر المطبوخة ؛ لأن الطبخ لا يحل حراماً ،
ولو شربها يجب الحد ، لبقاء اسم الخمر ومعناها(٤) .
ويكره تحريماً عند الحنفية أكل الخبز المعجون بالخمر ، لوجود ذرات الخمر
فيه ، وفيه التعزير . ويحرم ذلك عند غير الحنفية ، ولا حد فيه عند الكل ،
والخلاف في التسمية والاصطلاح فقط . فما ثبت بدليل ظني كالقياس وخبر الآحاد
يسميه الحنفية مكروهاً تحريماً يعاقب فاعله ، والجمهور يسمونه حراماً .
ويكره تحريماً أيضاً عند الحنفية(٥) الاحتقان بالخمر ( بأخذها حقنة شرجية )
(١) رواه مسلم والدارقطني عن ابن عمر ( نصب الراية: ٤ / ٢٩٥).
(٢) روي عن تسعة من الصحابة ( نصب الراية: ٤ / ٣٠١ وما بعدها ) .
(٣) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي عن النعمان بن بشير ( التلخيص الحبير: ص ٣٥٩).
(٤) المراجع السابقة ، مغني المحتاج : ٤ / ١٨٨ ، المغني : ٨ / ٣٠٦ .
(٥) تكملة فتح القدير : ٨ / ١٦٧.
- ٥٣٧ -

أو جعلها في سَعُوط ( ما يصب في الأنف من دواء ونحوه ) ؛ لأنه انتفاع بالمحرَّم
النجس ، ولكن لا يجب الحد ، لأن الحد مرتبط بالشِّرْب .
كذلك لا يحد بالاحتقان والسَّعُوط عند الشافعية والمالكية . ولا يحد
بالاحتقان بالخمر عند الحنابلة ، لكن يحد إن استعط به ، لأنه أوصله إلى باطنه من
حلقه(١) .
ويكره تحريماً عند الحنفية(٢) شرب دُرْدِي الخمر(٣)، والامتشاط به ، ليزيد
بريقَ الشَّعَر ؛ لأن فيه ذرات الخمر المتناثرة فيه ، وقليله ككثيره ، للأحاديث
المتقدمة . ولكن لا يحد شاربه إلا إذا سكر منه ، لأنه لا يسمى خمراً .
وقال غير الحنفية(٤): يحرم شرب دردي الخمر، ويحد به ، لأنه خمر
بلا شك .
الأدوية السامة : قال الحنابلة(٥) في الأصح : ما فيه السموم من الأدوية :
إن كان الغالب من شربه واستعماله الهلاك به أو الجنون ، لم يبح شربه . وإن كان
الغالب منه السلامة ، ويرجى منه المنفعة ، فالأولى إباحة شربه ، لدفع ما هو
أخطر منه كغيره من الأدوية ، ولأن كثيراً من الأدوية يخاف منه ، وقد أبيح
لدفع ما هو أضر منه .
(١) الشرح الكبير: ٤ / ٣٥٢، مغني المحتاج ، المغني: المكان السابق، كشاف القناع: ٦ / ١١٨، ويلاحظ أن
المرجع الأخير ذكر فيه : أنه يحد من احتقن بالمسكر ، أو استعط به .
(٢) تكملة الفتح : ٨ / ١٦٧ .
(٣) دردي الخمر: أي كدره أو عكره ، ودردي الشيء: ما يبقى أسفله . فالمراد به: ما في أسفل وعاء الخمر من
عكر .
(٤) مغني المحتاج : ٤ / ١٨٨.
(٥) المغني : ١ / ٤٠١ وما بعدها .
- ٥٣٨ -
٠

غير المسكر : ويحل شرب كل الأشربة غير المسكرة ؛ لأن الأصل في الأشياء
الإباحة .
لكن يكره من غير المسكر (١) : المنصَّف: وهو ما يعمل من تمر ورطب،
والخليطان : وهو ما يعمل من بسر ورطب ، أو تمر وزبيب ، ما لم يغل ، أو
تأت عليه ثلاثة أيام ، فإن قصرت المدة ، فلا كراهة . فيباح الانتباذ ( طرح التمر
أو الزبيب أو الحبوب في الماء ) إذا بقي مدة يسيرة كيوم أو ليلة ونحوها بحيث
لا يحتمل توقع الإسكار فيها ، بدليل ما روى أحمد ومسلم وأبو داود عن ابن
عباس : أنه كان ينقع الزبيب للنبي ، فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء
الليلة الثالثة ، ثم يأمر به فيهراق .
ودليل الكراهة: أن النبي ◌ُّ نهى عن الخليطين، فقال: ((لا تَنْبُذوا
الزَّهْو(٢) والرطب جميعاً ، ولا تنبذوا الزبيب والرطب جميعاً ، ولكن انبذوا كل
واحد منهما على حدته))(٣). وعن أبي سعيد أن النبي مُ لّ نهى عن التمر والزبيب
أن يخلط بينهما ، وعن التمر والبسر أن يخلط بينهما يعني في الانتباه(٤).
ولأن الإسكار يسرع إلى ذلك بسبب الخلط ، قبل أن يتغير ، فيظن
الشارب أنه ليس بمسكر ، ويكون مسكراً .
وصرح المالكية والحنابلة(٥) بأنه لا بأس بالفُقَّاع ( وهو شراب يتخذ من قمح
وتمر ، وقيل : ما جعل فيه زبيب ونحوه حتى انحل فيه ) لأنه غير مسکر ، وإنما
(١) الشرح الكبير للدردير: ٢ / ١١٧، بداية المجتهد: ١ / ٤٦٠ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ١٧٤ ،
مغني المحتاج: ٤ / ١٨٧، كشاف القناع: ٦ / ١٢٠، المغني: ٨ / ٣١٨ .
(٢) الزهو : هو البسر الملون الذي بدا فيه حمرة أو صفرة وطاب . والبسر: نوع من تمر النخل معروف .
(٣) متفق عليه عن أبي قتادة ( نيل الأوطار: ٨ / ١٨٥).
(٤) رواه أحمد ومسلم ( نيل الأوطار: ٨ / ١٨٥).
(٥) كشاف القناع: ٦ / ١٢٠، المغني: ٨ / ٣١٨، بداية المجتهد: ١ / ٤٥٩، المنتقى على الموطأ: ٣ / ١٥٣.
- ٥٣٩ -

يتخذ لهضم الطعام . ويحل عندهم شراب السوبيا : وهو ما يتخذ من الأرز
بطبخه طبخاً شديداً حتى يذوب في الماء ، ويصفی ویوضع فیه السُّكَّر ليحلو
به .
ويحل عقيد العنب : وهو ماء العنب المغلي حتى يعقد ويذهب إسكاره الذي
حصل في ابتداء غليانه ، ويسمى الرُّب الصامت . ولا تحل هذه الأشربة إلا إذا
أمن السكر منها . وبه يظهر أن الدبس ونحوه من المربَّيات مباح لعدم الإسكار .
ثانياً - الانتباذ في الظروف والأواني :
اتفق العلماء على أنه يجوز الانتباذ ( اتخاذ النبيذ المباح ) في الأوعية المصنوعة
من جلد ، وهي الأسقية ، واختلفوا فيما عداها :
فقال الحنفية(١): لا بأس بالانتباذ في جميع الظروف والأواني، سواء الدُّاء
والخَنْتم والمزفَّت والنَّقير(٢) ؛ لأن الشراب الحاصل ليست فيه شدة مطربة . والنهي
عن الانتباذ في هذه الأوعية منسوخ بقوله مؤلم: (( كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في
ظروف الأدم - الجلود المدبوغة - فاشربوا في كل وعاء ، غير ألا تشربوا
مسكراً)) (٣). وفي رواية: (( نهيتكم عن الظروف، وإن ظرفاً لا يحل شيئاً،
ولا يُحرِّمه ، وكل مسكر حرام » (٤) .
وقال المالكية(٥) : يكره الانتباذ في الدباء والمزفت فقط ، ولا يكره في غير
(١) تكملة الفتح: ٨ / ١٦٦، اللباب شرح الكتاب: ٣ / ٢١٦.
(٢) الدباء : القرعة اليابسة المجعولة وعاء . والحنتم : الجرار الخضراء المدهونة . والمزفت : الوعاء المطلي بالزفت
وهو القار، وهذا مما يحدث التغير في الشراب سريعاً . والنقير : خشبة تنقر أو تحفر كقصعة وقدح ، وينبذ فيها .
(٣) رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي عن بريدة ( نصب الراية: ٤ / ٣٠٨ وما بعدها، نيل الأوطار:
٨ / ١٨٣ ) .
(٤) رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داود عن بريدة .
(٥) الشرح الكبير: ٢ / ١١٧، بداية المجتهد: ١ / ٤٦٠، القوانين الفقهية: ص ١٧٤.
- ٥٤٠ -