Indexed OCR Text
Pages 501-520
الباب السابع الخطر والإباحة أو الأطعمة والأشربة واللباس وغيره عالى - ٥٠١ - ١ الله تعالى . تمهيد : هناك أمور تتردد بين الحل والحرمة تمس الإنسان والمجتمع ، لتحقيق عافية المرء في صحته ودينه ، أو لمنع الضرر المادي أو الأدبي عن المجتمع في المعاملات ، يعبر عنها الحنفية إما بالحظر ( المنع الشرعي ) والإباحة ( أي الإطلاق ) أو بالكراهية(١) ، أو بالاستحسان ( أي ما حسنه الشرع وقبحه) أو بكتاب الزهد والورع ؛ لأن كثيراً من مسائله أطلقه الشرع ، والزهد والورع تركه . ويبحثها غير الحنفية تحت عنوان الأطعمة والأشربة ، والآنية ، وخصال الفطرة ، ومقدمات عقد الزواج . وعبر عنها الشيخ خليل من المالكية بالمباح والمحرم والمكروه . والكلام عنها أو عن المهم منها في مباحث خمسة هي : المبحث الأول - الأطعمة الى المبحث الثاني - الأشربة المبحث الثالث - اللبس والاستعمال والحلي المبحث الرابع - الوطء والنّظر واللمس واللهو المبحث الخامس - مسائل في البيع ( بيع السماد الطبيعي ، الاحتكار ، التسعير ، بيع العنب للخمار ونحوها ) . (١) إذا أطلقت الكراهة عند الحنفية أريد بها الكراهة التحريمية ، وهي إلى الحرام أقرب ، لثبوت النهي فيها بدليل فيه شبهة . - ٥٠٣ - المبحث الأول - الأطعمة وفيه مقدمة عن حكم الطعام والشراب ، ومطالب أربعة : المطلب الأول - أنواع الأطعمة وحكم كل نوع منها ( الحلال ، والمكروه ، والحرام ) . المطلب الثاني - مالا نص فيه - الاحتكام إلى الذوق العربي المطلب الثالث - حالة الضرورة المطلب الرابع - إجابة الولائم ، وموائد المنكر ، وآداب الطعام . الله تعالى - ٥٠٤ - مقدمة - مبدأ تناول الطعام والشراب : عني الإسلام بالجسم والنفس ، فأوجب تناول الحد الأدنى أو الضروري من الطعام والشراب للحفاظ على الحياة ، ودفع الهلاك عن النفس(١)، وللقيام بالواجبات الدينية من صلاة وصيام ونحوهما ، وماعدا قدر الضرورة يباح تناوله ما لم يصل إلى حد الإسراف ، فالإسراف في الأكل والشرب فوق الطاقة الجسمية ضرر، وخطر ، وحرام . والاعتدال هو المطلوب . واستثنى الحنفية من التحريم إذا لم يخش الضرر حالة قصد التقوي على صوم الغد أو لئلا يستحي ضيفه ونحو ذلك ، قال تعالى: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد(٢) ، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ، إنه لا يحب المسرفين ﴾ . ١ والملبوس والمأكول : هو الحلال ، الطيب، فقد أحل الله للإنسان كل نافع في الأرض: ﴿ خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ وقد أردف الله تعالى الآية السابقة بقوله: ﴿ قل : من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ، والطيبات من الرزق). وتوالت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في تقرير هذا المباح، فقال تعالى: ﴿ يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً﴾ وقال أيضاً: ﴿ ويحل لهم الطيبات ، ويحرم عليهم الخبائث ) . وقال النبي صَ لّ: ((كلوا واشربوا، وتصدقوا ، والبسوا في غير إسراف (١) الدر المختار : ٢٣٨/٥ . (٢) أي عند الطواف أو الصلاة ، فستر العورة فيهما واجب ، وما بعد العورة سنة ، لا واجب . - ٥٠٥ - ولا مخيلة - كبر وإعجاب بالنفس - فإن الله يحب أن يرى أثر نعمه على (١) عبده)) (١) . وقال الحنفية : ولا تجوز الرياضة بتقليل الأكل حتى يضعف عن أداء العبادة(٢). المطلب الأول - أنواع الأطعمة وحكم كل نوع منها : الغذاء الإنساني الذي يؤكل نوعان : نبات وحيوان . أما النبات المأكول: فكله حلال إلا النجس والضار والمسكر(٣) . أما النجس أو ما خالطته نجاسة ( المتنجس ) ، فلا يؤكل ، لقوله تعالى: ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ) والنجس : خبيث . ولو تنجس طاهر كخل ، ودبس ودهن ذائب، وزيت ، حرم، لقوله مع المه في الفأرة تقع في السمن، وتموت فيه: ((إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وكلوه ، وإن كان مائعاً فأريقوه )»(٤) فلو حل أكله ، لم يأمر ياراقته . وأما المسكر : فحرام تناوله لقوله تعالى فيه ﴿ رجس من عمل الشيطان ، فاجتنبوه لعلكم تفلحون ﴾ . وأما الضار: فلا يحل أكله ، كالسُّم والمخاط والمني والتراب والحجر ، لقوله (١) رواه أحمد في مسنده والنسائي وابن ماجه والحاكم عن عبد الله بن عمرو . (٢) رد المحتار : ٢٣٨/٥. (٣) بداية المجتهد : ٤٥٠/١ - ٤٥٢، ٤٥٦، القوانين الفقهية: ص١٧١، المهذب: ٢٤٦/١، ٢٥٠ ، مغني المحتاج: ٣٠٥/٤ . (٤) رواه البخاري وأحمد والنسائي عن ميمونة زوج النبي مَ ◌ّم (سبل السلام: ٨/٣). - ٥٠٦ - تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم) وقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وأكل هذه الأشياء تهلكة ، فوجب ألا تحل . لكن قال المالكية : قيل : الطين مكروه . وقيل : حرام ، وهو الأرجح . ويحل أكل مالا يضر كالفواكه والحبوب ، لقوله تعالى : ﴿ قل : من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ، والطيبات من الرزق ﴾ . وأما الحيوان فنوعان : مائي ، وبري . نذكر هنا الحلال والحرام باختصار ، ونحيل التفصيل على بحث الحيوان الذبيح في الذبائح والصيد . أما المائي : فيحل منه السمك بالاتفاق ، إلا الطافي منه فلا يحل عند الحنفية ، ويحل عند غيرهم . وكره مالك خنزير الماء ، والمعتمد عند المالكية أن خنزير الماء وكلب الماء مباح . ولا يحل أكل الضفدع عند الجمهور غير المالكية ، لنهي النبي عَ لّ عن قتل الضفدع . ولو حل أكله لم ينه عن قتله . وأباح المالكية أكل الضفادع ، إذ لم يرد نص بتحريمها . وأما البري : فيحرم منه أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ( أي ما ذكر عند ذبحه اسم معبود غير الله ) ، والمنخنقة ( التي ماتت خنقاً ) والنطيحة ( التي نطحها حيوان فماتت ) ، والموقوذة ( التي ضربت فماتت ) ، والمتردية ( التي سقطت من مرتفع فماتت ) ، وما بقر الحيوان المفترس بطنها ، إلا إذا ذبحت ، وفيها حياة ، فيحل كل ما ذكر . ويحرم أكل الحيوانات المفترسة كالذئب والأسد والنمر عند الجمهور ، وقال المالكية : هي مكروهة . كما يحرم أكل الطيور الجارحة كالصقر والباز والنسر - ٥٠٧ _ ونحوها . وقال المالكية : هي مباحة ، إلا الوطواط ، فيكره أكله على الراجح . ويحرم أكل الكلاب والحمير الأهلية والبغال ؛ لأن الكلب من الخبائث ، بدليل قوله تع: ((الكلب خبيث، خبيث ثمنه))(١) ولنهي النبي عَ ◌ّه يوم خيبر عن الحُمُر والبغال))(٢) والمعتمد عند المالكية: أن الكلب الإنسي مكروه ، وأن كلب الماء مباح . ويحرم أكل حشرات الأرض ( صغار دوابها ) كالعقرب والثعبان والفأرة والنمل والنحل لسُّميتها واستخباث الطباع السليمة لها . ويحرم المتولد من مأكول وغير مأكول كالبغل المتولد من الحمير والخيل ، والحمار المتولد من حمار الوحش والحمار الأهلي ؛ لأنه مخلوق مما يؤكل ومما لا يؤكل ، فيغلب التحريم(٣) عملاً بقاعدة تقديم الحاظر على المبيح . وقال المالكية : يباح بالذكاة أكل خشاش الأرض كعقرب وخنفساء وبنات وردان وجندب ونمل ودود وسوس . ويباح أيضاً أكل حية أمن سمها إن ذبحت بحلقها(٤) . ويحل أكل الخيل بأنواعها الأصيلة وغير الأصيلة عند الشافعية والحنابلة (١) روى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي عن رافع بن خديج: ((ثمن الكلب خبيث )) ( نيل الأوطار : ١٤٣/٥، ٢٨٤) . (٢) رواه الحاكم في المستدرك عن جابر بن عبد الله ، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه . ( نصب الراية : ١٩٧/٤ ) . (٣) المهذب: ٢٤٩/١، مغني المحتاج: ٣٠٣/٤، كشاف القناع: ١٩٠/٦. (٤) الشرح الكبير: ١١٥/٢، وسمي ذلك خشاشاً لأنه يخش أي يدخل في الأرض ولا يخرج منها إلا بمخرج، ويبادر برجوعه إليها . - ٥٠٨ - ۔۔ وصاحبي أبي حنيفة لإذن النبي صَ لّ يوم خيبر بها(١). وقال أبو حنيفة بكراهتها كراهة تنزيهية ، لورود حديث ينهى عن لحوم الخيل(٢). والمشهور عند المالكية تحريم الخيل(٣). وأباح الشافعية والحنابلة أكل الضَّب والضَّبُع . وعند الشافعية : والثعلب ، وحرمه الحنابلة . وحرم الحنفية أكل ذلك كله . وأما المالكية فقد أباحوا مع الكراهة أكل كل السباع كما بينا . ويجوز بالإجماع أكل الأنعام ((الإبل والبقر والغنم)) لإباحتها بنص القرآن الكريم ، كما يجوز أكل الطيور غير الجارحة كالحمام والبط والنعامة والأوز، والسمان ، والقنبر، والزرزور، والقطا ، والكروان ، والبلبل وغير ذلك من العصافير . ويحل أكل الوحوش غير الضارية ، كالظباء ، وبقر الوحش وحماره لإذن النبي عَ التّ بأكلها(٤). ويباح أكل الأرنب والجراد ، لثبوت الإباحة في السنة النبوية . والدود وحده يحرم عند غير المالكية ، لكن دود الطعام والفاكهة وسوس الحبوب ، ودود الخل ، إذا أكل معه ميتاً ، وطابت به النفس ولم تعافه ، يحل أكله لتعسر تمييزه(٥). (١) أخرجه البخاري ومسلم ( نصب الراية : ١٩٨/٤ ). (٢) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن خالد بن الوليد ( نصب الراية : ١٩٦/٤). (٣) بداية المجتهد: ٤٥٥/١، الشرح الكبير: ١١٧/٢ . (٤) رواه البخاري ومسلم . (٥) مغني المحتاج: ٢٦٨/٤، ٣٠٣، المغني: ٦٠٥/٨. - ٥٠٩ - خلاصة مذهب المالكية في المباح والمحرم(١) : يظهر مما سبق أن مذهب المالكية أوسع المذاهب في إباحة الأطعمة والأشربة ، لذا أستحسن إعطاء خلاصة عنه : المباح : يباح حال الاختيار أكلاً أو شرباً كل طعام طاهر ، والحيوان البحري ، ولو آدميه وخنزيره ، وإن كان البحري ميتاً ، والطير بجميع أنواعه ولو كان جلاَّلة(٢)، أو ذا مخلب كالباز والعقاب والرخم ، إلا الوطواط ، فيكره أكله على الراجح، والنّعَم ( الإبل والبقر والغنم ولو جلالة )، والوحش غير المفترس كغزال وحمر وحش ويربوع، وخُلْد ، ووَبْر (٣)، وأرنب، وقُنْفُذ ، وضُرْبوب(٤) ، وحية أمن سمها (٥) إن ذكيت بحلقها . ويباح أيضاً هوام الأرض كخنفساء وبنات وَرْدان ، وجندب(٦) ، وغل ودود وسوس . (١) راجع متن العلامة خليل والشرح الكبير للدردير مع الدسوقي: ١١٥/٢. (٢) أي مستعمِلاً للنجاسة . والجلالة لغة : البقرة التي تستعمل النجاسة . والفقهاء يستعملونها في كل حيوان يستعملها . (٣) اليربوع : دابة قدر بنت عرس، رجلاها أطول من يديها . والخلد: فأرأعمى لا يصل للنجاسة . والوبر: فوق اليربوع كالأرنب يعتلف البنات والبقول ، ودون السنور، طحلاء اللون أي بين البياض والغبرة . (٤) القنفذ: أكبر من الفأر، كله شوك إلا رأسه وبطنه ويديه ورجليه. والضربوب: كالقنفذ في الشوك ، إلا أنه قريب من خلقة الشاة . وأباح الحنابلة أكل اليربوع والوبر والضب والضبع ( المغني : ٥٩٢/٨ ، كشاف القناع: ١٩١/٦) والشافعية أيضاً كما بينا في الذبائح: أباحوا أكل الضبع والضب والثعلب واليربوع والفنّك ( حيوان يؤخذ من جلده الفرو) والسمور (كالسنور) ، وهما من ثعالب الترك. وأباحوا أكل ابن عرس ( دويبة رقيقة تعادي الفأر تدخل تحت جحره وتخرجه ) ، والبجع ( الحوصل ) : وهو طائر أبيض من الكركي ، ذو حوصلة عظيمة يتخذ منها فرو، ويكثر بمصر، والقام ( دويبة يتخذ جلدها فروآً) لأن ما ذكر من الطيبات ( مغني المحتاج : ٢٩٩/٤). (٥) أمن سمها لمستعملها ، ويجوز أكلها بسمها لمن ينفعه ذلك لمرض . (٦) بنت وردان : دويبة كريهة الريح، تألف الأماكن القذرة في البيوت ، وهي ذات ألوان مختلفة وأرجل جانبية متعددة . والجندب : نوع من الجراد . - ٥١٠ - ويباح عصير ماء العنب أول عصره ، وفُقّاع ، وعقيد وسوبيا (١) أمن سكره . المحرّم : ويحرم تناول النجس من جامد أو مائع ، والخنزير البري ، والبغل والفرس والحمار، ولو كان حماراً وحشياً تأنس. والأرجح تحريم أكل الطين والتراب والعظام والخبز المحرق بالنار ، منعاً لأذى البدن . المكروه : ويكره سبع وضبع وثعلب وذئب ، وهر ولو كان وحشياً ، وفيل وفهد ودب ونمر ومس(٣) ، وكلب إنسي على المعتمد . والأظهر كراهة أكل القرد والنسناس ، والمشهور أن فأر البيوت الذي يصل إلى النجاسة يكره ، فإن شك في وصوله لها ، لم يكره ، وإن لم يصل للنجاسة فهو مباح . لحم الجلالة : الجلالة كما عرفها الحنفية : هي التي تعتاد أكل الجيف والنجاسات فقط ، ولا تخلط معها طعاماً غيره ويكون لها ريح منتنة . وهي عند غير الحنفية : هي التي أكثر طعامها النجاسة ، وقد اختلف الفقهاء في حكم أكل لحمها . فأباح المالكية(٣) كما بينا أكل لحم الجلالة . وكرهها مالك ، وأحمد في رواية عنه والحنفية والشافعية(٤) ، وحرمها الحنابلة(٥) . وسبب اختلافهم معارضة القياس للأثر . أما الأثر فهو ماروى ابن عمر : (١) الفقاع: شراب يتخذ من القمح والتمر. والسوبيا: شراب يميل إلى الحموضة بما يضاف إليه من عجوة ونحوها . وعقيد : هو ماء العنب يغلى على النار حتى ينعقد ويذهب إسكاره . ويسمى بالرُّب الصامت. (٢) وتسمى كل تلك الحيوانات ما عدا الهر الوحوش المفترسة . (٣) الشرح الكبير : ١١٥/٢، بداية المجتهد : ٤٥١/١. (٤) تبيين الحقائق للزيلعي: ١٠/١، البدائع: ٣٩/٥، وما بعدها، المهذب: ٢٥٠/١ مغني المحتاج: ٣٠٤/٤ ، الدر المختار : ٢٣٩/٥ وما بعدها . (٥) كشاف القناع: ١٩٢/٦، المغني : ٥٩٣/٨ . - ٥١١ - ((نهى النبي ◌َّ اللّ عن أكل الجلالة وألبانها))(١) وروى الخلال باسناده عن عبد الله بن عمرو: (( نهى رسول الله ◌َ فّ عن الإبل الجلالة أن يؤكل لحمها ، ولا يحمل عليها إلا الأَدُم ( الجلود المدبوغة ) ، ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة )) . وأما القياس المعارض لهذا : فهو أن ما يرد جوف الحيوان ينقلب إلى لحم ، فالمالكية القائلون بالحل نظروا إلى الانقلاب أو التحول إلى لحم ، كانقلاب الدم لحماً . والحنابلة أخذوا بظاهر النهي المقتضي للتحريم ، ولأن اللحم يتولد من النجاسة ، فيكون نجساً ، كرماد النجاسة . والحنفية والشافعية حملوا الحديث على الكراهة التنزيهية . وعبارة الحنفية : يكره لحم الجلالة ولبنها ، كما يكره لحم الأتان ولبنها ولبن الخيل ، وبول الإبل ، وأجازه ( أي بول الإبل ولحم الفرس ) أبو يوسف للتداوي به . وتحبس الجلالة حتى يذهب نتن لحمها ، وقدر بثلاثة أيام لدجاجة ، وأربعة لشاة ، وعشرة لإبل وبقر على الأظهر . ولو أكلت الجلالة النجاسة وغيرها بحيث لم ينتن لحمها ، حلت ، كما حل أكل جدي غذي بلبن خنزير ؛ لأن لحمه لا يتغير ، وما غذي به يصير مستهلكاً لا يبقى له أثر. وعليه : لابأس بأكل الدجاج ، لأنه يخلط أكل النجس مع غيره ، ولا يتغير لحمه (٢) . (١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حسن غريب. وفي رواية لأبي داود: ((نهى عن ركوب الجلالة)) وفي أخرى له: (( نهى عن ركوب جلالة الإبل)) وروى أحمد والنسائي وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن النبي مَّل نهى عن لحوم الحمر الأهلية وعن ركوب الجلالة، وأكل لحمها )). (٢) وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان يأكل الدجاج . وما روي أن الدجاج يحبس ثلاثة أيام ، ثم يذبح ، فذاك على سبيل التنزه ، لا أنه شرط ( تبيين الحقائق ، المكان السابق ) . - ٥١٢ - وعبارة الشافعية : يكره أكل الجلالة : وهي التي أكثر أكلها العَذِرَة ( الغائط ) من ناقة أو شاة ، أو بقرة ، أو ديك ، أو دجاجة ؛ لحديث ابن عمر المتقدم ، ولا يحرم أكلها ، لأنه ليس فيها أكثر من تغيير لحمها ، وهذا لا يوجب التحريم . فإن أطعم الجلالة طعاماً طاهراً لم يكره، لقول ابن عمر: ((تعلف الجلالة علفاً ظاهراً : إن كانت ناقة أربعين يوماً ، وإن كانت شاة سبعة أيام ، وإن كانت دجاجة ثلاثة أيام )). وعبارة الحنابلة : وتحرم الجلالة : وهي التي أكثر طعامها النجاسة ، كما تحرم ألبانها وهي رواية عن أحمد ، وفي رواية أخرى أنها مكروهة غير محرمة ، وتزول الكراهة بحبسها اتفاقاً . واختلف في قدره فروي عن أحمد أنها تحبس ثلاثاً ، سواء أكانت طائراً أم بهيمة. وروي عنه أيضاً: تحبس الدجاجة ثلاثاً، والبعير والبقرة ونحوهما يحبس أربعين. ويكره ركوب الجلالة. المطلب الثاني - مالا نص فيه - الاحتكام للذوق العربي : قال الشافعية والحنابلة(١) : الحيوان الذي لا نص فيه من كتاب أو سنة أو إجماع ، لا خاص ولا عام بتحريم ولا تحليل ، ولا ورد فيه أمر بقتله ولا بعدم قتله : إن استطابه أهل يسار ( أي ثروة وخصب ) وأهل طباع سليمة من أكثر العرب - سكان بلاد أو قرى ، في حال رفاهية عند الشافعية ، أو أهل الحجاز أهل الأمصار عند الحنابلة : حل أكله . لقوله تعالى: ﴿ويحل لهم الطيبات ، ويحرم عليهم الخبائث ) ولأن العرب هم الذين نزل عليهم الكتاب ، وخوطبوا به ، وبالسنة ، فيرجع في مطلق ألفاظها إلى عرفهم ، دون غيرهم . وعليه تكون القاعدة : المحرم من الحيوان : ما نص الله تعالى عليه في (١) مغني المحتاج: ٣٠٣/٤ وما بعدها، المهذب: ٢٤٩/١ ، المغني: ٥٨٥/٨. الفقه الإسلامي جـ٣ (٣٣) - ٥١٣ - كتابه . وما كانت العرب تسميه طيباً فهو حلال ، وما كانت تسميه خبيثاً فهو محرم . ولا يعتبر قول الأجلاف من أهل البادية والفقراء وأهل الضرورة ؛ لأنهم للضرورة والمجاعة ، يأكلون ما وجدوا . ومالم يوجد عند أهل الحجاز عند الحنابلة ، رد إلى أقرب ما يشبهه في الحجاز. فإن لم يشبه شيئاً منها، فهو مباح ، لدخوله في عموم قوله تعالى : قل : لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ... ) الآية، ولقول النبي متطلّعٍ: ((وماسكت الله عنه فهو مما عفا عنه))(١) . وقال الشافعية : إن جهل اسم حيوان ، سئل العرب عنه ، وعمل بتسميتهم له مما هو حلال أو حرام ؛ لأن المرجع في ذلك إلى الاسم وهم أهل اللسان . وإن لم يكن له اسم عندهم ، ألحق بالأشبه به من الحيوان ، في الصورة ، أو الطبع ، أو الطعم في اللحم . فإن تساوى الشبهان ، أو فقد ما يشبهه ، حل على الأصح ، لقوله تعالى: ﴿ قل: لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ... ) الآية . المطلب الثالث - حالة الضرورة : الضرورة نظرية متكاملة تشمل جميع أحكام الشرع ، يترتب عليها إباحة المحظور، وترك الواجب . والكلام عنها يطول(٣) ، أجتزئ ببيان المهم منها وهو تعريفها وحكمها وشروطها ، وهل تشمل حالة السفر والحضر جميعاً ، وجنس المستباح أو ما يجوز تناوله ، وكيفية ترتيب أفضلية الشيء المتناول ، ومقدار الجائز تناوله ، والتزود من الميتة ، وحكم أخذ طعام الغير قهراً للضرورة ، (١) أخرجه الترمذي وابن ماجه عن سلمان الفارسي ( نيل الأوطار: ١٠٦/٨). (٢) راجع كتابنا نظرية الضرورة الشرعية . - ٥١٤ - وحالات خاصة للحاجة ( المار ببستان الفاكهة ، والأكل من الزرع ، وحلب الماشية لمن مر بها )(١) . أولاً - تعريف الضرورة وحكمها : هي الخوف على النفس من الهلاك علماً ( أي قطعاً ) أو ظناً . فلا يشترط أن يصبر حتى يشرف على الموت . وحكمها في المذاهب الأربعة(٢): وجوب الأكل من المحرَّم، بمقدار ما يسد رمَقَه ( أي بقية حياته ) ، ويأمن معه الموت ، لقوله تعالى : ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد ، فلا إثم عليه) وقوله: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وقوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم﴾. فإن ترك الأكل والشرب حتى هلك ، فقد عصى ، لأن فيه إلقاء النفس إلى التهلكة ، وهو منهي عنه في محكم التنزيل ، ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحله الله له ، فلزمه ، كما لو كان معه طعام حلال . بخلاف من امتنع عن التداوي حتى مات ، لا يجب عليه ، ولا يعصي بالترك، إذ لا يتيقن أن الدواء يشفيه . هذا وقد قرر الحنابلة أنه يجب على المضطر تقديم السؤال على أكل الميتة . وقيل عند البعض كأبي يوسف وأبي اسحق صاحب المهذب وفي وجه عند الحنابلة : لا يجب على المضطر الأكل من الميتة أو لحم الخنزير ، بل يباح لأن له غرضاً في تركه ، وهو أن يجتنب ما حرم عليه ، وربما لم تطب نفسه بتناول (١) انظر المبسوط: ٤٨/٢٤، البدائع: ١٢٤/٥، رد المحتار: ٢٣٨/٥، أحكام القرآن للجصاص : ١٤٧/١ وما بعدها، الشرح الكبير للدردير: ١١٥/٢ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص١٧٣، بداية المجتهد : ٤٦١/١ وما بعدها، المهذب: ٢٥٠/١ وما بعدها، مغني المحتاج: ١٨٨/٤، ٣٠٦ - ٣١٠، المغني: ٥٩٥/٨ - ٦٠٣، كشاف القناع : ١٩٤/٦ - ٢٠٠. (٢) المبسوط، المكان السابق، البدائع: ١٧٦/٧، تبيين الحقائق: ١٨٥/٥، الدر المختار ورد المحتار: ٩٢/٥، ٢٣٨، درر الحكام: ٣١٠/١، الشرح الكبير: ١١٥/٢، مغني المحتاج: ٣٠٦/٤، المغني: ٥٩٦/٨، الفروق: ١٨٣/٤، الجصاص: ١٤٨/١، ١٥٠، أحكام ابن العربي : ٥٦/١ . بـ ٥١٥ - الميتة ، ولما روي عن عبد الله بن حذافة السَّهْمي صاحب رسول الله عَ اقٍ: ((أن طاغية الروم حبسه في بيت ، وجعل معه خمراً ممزوجاً بماء ، ولحم خنزير مشوي ثلاثة أيام ، فلم يأكل ، ولم يشرب ، حتى مال رأسه من الجوع والعطش ، وخشوا موته ، فأخرجوه ، فقال: قد كان الله أحله لي ، لأني مضطر ، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام )) ولأن إباحة الأكل رخصة ، فلا تجب عليه كسائر الرخص(١)، ولأن قوله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ) استثناء من التحريم ، والاستثناء من التحريم حل أو إباحة كما يقرر الأصوليون . وبهذا يظهر أن الإضراب عن الطعام في السجون ونحوها ، لا يحل إذا أدى إلى الموت ، على كلا الرأيين السابقين . ثانياً - شروط الضرورة أو ضوابطها : ليس كل من ادعى الضرورة يسلم له أدعاؤه ، أو يباح له فعل الحرام ، وإنما لا بد من توافر شروط أو ضوابط للضرورة ، وهي ما يأتي (٢) :. اً - أن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة في المستقبل ، أي أن يحصل في الواقع خوف الهلاك على النفس أو المال بغلبة الظن حسب التجارب ، أو التحقق من خطر التلف ، لو لم يأكل ، ويكفي في ذلك الظن ، كما في الإكراه على أكل الحرام ، فلا يشترط فيه التيقن ولا الإشراف على الموت ، بل لو انتهى إلى هذه الحالة لم يفد الأكل ولم يحل الأكل كما صرح الشافعية . ٢ - أن يتعين على المضطر ارتكاب المحظور الشرعي أي ألا يكون هناك (١) المغني: ٥٩٦/٨، تكملة فتح القدير : ٢٩٨/٧ . (٢) نظرية الضرورة الشرعية للمؤلف : ص٦٦ وما بعدها . - ٥١٦ - وسيلة أخرى من المباحات لدفع الخطر إلا تناول الحرام ؛ لأن سبب استعمال المحرمات في حال الاضطرار هو ضرورة التغذي أعني إذا لم يجد شيئاً حلالاً يتغذى به . وهذا لا خلاف فيه . ◌ً - أن يتوافر عذر يبيح الاقدام على الحرام، كالحفاظ على النفس أو العضو بأن خاف التلف إما من جوع ، أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي وانقطع عن الرفقة فيهلك ، أو يعجز عن الركوب فيهلك ، وبه يظهر أن كل ما يبيح التيم - كما صرح الشافعية والحنابلة - يبيح تناول الحرام أو ارتكاب المحظور، فيعتبر خوف حصول الشين الفاحش في عضو ظاهر كخوف طول المرض ، كل منهما يبيح الأكل من المحرمات . ٤ - ألا يخالف المضطر مبادئ الإسلام ، فلا يحل الزنا والقتل والكفر والغصب بأي حال ؛ لأنها مفاسد في ذاتها ، وإن كان يرخص في الكفر باللسان مع اطمئنان القلب بالإسلام ، كما يرخص بأخذ طعام الغير ولو قهراً إذا لم يكن هو أيضاً مضطراً إليه . وبه يظهر أن الإباحة تختلف عن الرخصة ؛ لأن الإباحة تقلب الحرام حلالاً ، وتزيل عنه صفة الحرمة ، وأما الرخصة فتمنع الإثم ويظل الفعل حراماً . ولا يباح أصلاً قتل آدمي وأكله ، كما لا يباح عند الجمهور غير الشافعية أكل آدمي ميت ، كما سنبين ويحرم على الراجح عند أئمة المذاهب الأربعة تناول الخمر إلا لإزالة غُصة عند عدم ما يسيغها به من غيرها ، ولا يحل عند المالكية تناول شيء من الدم أو العَذِرة ، أو ضالة الإبل . ٥ - أن يقتصر في رأي الجمهور على الحد الأدنى أو القدر اللازم لدفع الضرر، كما سنبين ؛ لأن إباحة الحرام ضرورة ، والضرورة تقدر بقدرها . - ٥١٧ - ٦ - أن يصف المحرم - في حال ضرورة الدواء - طبيب عدل ثقة في دينه وعلمه ، وألا يوجد من غير المحرَّم علاج آخر ، يقوم مقامه . ولا يتقيد الاضطرار بزمن مخصوص لاختلاف الأشخاص في ذلك(١). ثالثاً - هل تشمل الضرورة حالة السفر والحضر جميعاً ؟ تباح المحرمات عند الاضطرار إليها في الحضر والسفر جميعاً؛ لأن آية الضرورة ﴿ فمن اضطر﴾ مطلقة غير مقيدة بحالة معينة من هاتين الحالتين ، وهو لفظ عام في حق كل مضطر ، ولأن الاضطرار يكون في الحضر في سنة المجاعة العامة ، وسبب الإباحة : الحاجة إلى حفظ النفس عن الهلاك ، وهو عام في الحالين(٢). وهذا باتفاق المذاهب الأربعة ، ولم يميز الحنفية(٣) بين السفر المقصود به أصلاً المعصية ، أو طروء المعصية في أثناء سفر مباح . وهو الراجح عند الحنابلة كما في الحاشية . والمشهور من مذهب مالك(٤): أن المضطر يجوز له الأكل من الميتة ونحوها في سفر المعصية ، ولا يجوز له القصر والفطر لقوله تعالى: ﴿ غير باغ ولا عاد ﴾ . وفرق المالكية في المشهور والشافعية والحنابلة(٥) بين المعصية بالسفر، (١) كشاف القناع: ١٩٤/٦، المغني: ٥٩٥/٨ . (٢) هذا ما قرره ابن قدامة في مذهب أحمد ( المغني: ٥٩٦/٨ ) وهو الموافق لغيره من الكتب ( كشاف القناع : ١٩٤/٦) (٣) التوضيح: ١٩٤/٢، مسلم الثبوت: ١١٣/١، أحكام الجصاص: ١٤٧/١ وما بعدها . (٤) الموافقات: ٣٣٧/١، أحكام القرآن لابن العربي: ٥٨/١، تفسير القرطبي: ٢٣٣/٢، القوانين الفقهية: ص١٧٣ ، بداية المجتهد : ٤٦٢/١ . (٥) مخطوط قواعد الزركشي: ق١٠٧، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص١٢٤، مغني المحتاج: ٦٤/١، ٢٦٨، المغني : ٢٩٧/٨ ، الشرح الصغير: ٤٧٧/١ . - ٥١٨ - والمعصية في السفر أي أثنائه . فمن أنشأ سفراً يعتبر في ذاته معصية كالمرأة الناشز ، وقاطع الطريق ، والمسافر لظلم الناس ، لا يباح له الأكل من الميتة ، أو استعمال الرخص الشرعية ؛ لأن الرخص لا تناط بالمعاصي ، ولقوله تعالى : ﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد ، فلا إثم عليه ﴾ قال مجاهد : غير باغ على المسلمين ولا عاد عليهم . ومن سافر سفراً مباحاً ، وعصى أثناء سفره ، كأن شرب الخمر ، فهو عاص في سفره ، تباح له الرخص الشرعية ، لأنها منوطة بالسفر ، ونفس السفر ليس معصية ، ولا إثم به . رابعاً - جنس الشيء المستباح للضرورة : يستباح للضرورة في المذاهب الأربعة كل شيء محرم ، يرد جوعاً أو عطشاً، كالميتة من كل حيوان والخنزير وطعام الغير ونحوه (١) . واستثنى الحنابلة السم ونحوه مما يضر . واستثنى المالكية الآدمي والدم والخنزير والأطعمة النجسة كالعذرة والأشربة النجسة إلا الخمر، لإزالة الغُصة، ولا تباح لجوع ولا لعطش لأنها لا تدفعه، وقيل : تباح ، ولا يحل التداوي بها ولو لخوف الموت في المشهور . كما استثنوا ضالة الإبل ، إلا إن تعينت عند انفرادها ، وتقدم عليها الميتة عند وجودهما . واتفق أئمة المذاهب على أنه لا يباح قتل إنسان مسلم أو كافر معصوم أو (١) الشرح الكبير للدردر: ١١٥/٢ وما بعدها، ٣٥٢/٤ وما بعدها، بداية المجتهد: ٤٦١/١، القوانين الفقهية: ص١٧٣، الدر المختار ورد المختار: ٢٣٨/٥، مغني المحتاج: ٣٠٦/٤، المغني: ٥٩٥/٨، كشاف القناع: ١٩٤/٦. - ٥١٩ _ إتلاف عضو منه لضرورة الأكل، لأنه مثلة، فلا يجوز أن يبقي نفسه باتلافه. فلا يباح إذا الإنسان الحي . كما لا يباح الأكل من الإنسان الميت عند الجمهور غير الشافعية، لقوله مؤلّ: ((كسر عظم الميت ككسره حياً)) (١). وإن قال شخص لآخر مثلاً : اقطع يدي وكلها ، لا يحل ؛ لأن لحم الإنسان لا يباح في الاضطرار لكرامته . وأجاز الشافعية(٢) للمضطر أكل آدمي ميت إذا لم يجد ميتة غيره ؛ لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت ، إلا إذا كان الميت نبياً ، فإنه لا يجوز الأكل منه قطعاً ، أو كان الميت مسلماً والمضطر كافراً ، فإنه لا يجوز له الأكل منه لشرف الإسلام . وقال الخطيب الشربيني شارح المنهاج : بل لنا وجه : أنه لا يجوز أكل الميت المسلم ، ولو كان المضطر مسلماً . وبهذه الاستثناءات اقترب الشافعية من غيرهم . وأجاز الحنابلة أكل الآدمي الميت غير المعصوم أي مباح الدم كالحربي والمرتد والزاني المحصن والقاتل في المحاربة(٣). كذلك أجاز الشافعية والحنابلة للمضطر قتل حربي ومرتد وأكله ، ولا يجوز له قطع بعض أعضائه ، لأنها - أي في حالة القتل - غير معصومين ، فيباح قتلهما ، إذ لا حرمة لهما ، فكانا بمنزلة السباع ، وللمضطر أكله بعد موته ، لعدم حرمته . (١) رواه أحمد في مسنده، وأبو داود، وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها. وروى مالك وابن ماجه وأبو داود بإسناد صحيح ماعدا رجلاً واحداً هو سعد الأنصاري ، ضعفه أحمد ، ووثقه الأكثرون : حديثاً في معناه عن جابر رضي الله عنه أن النبي عائل قال لحفار قبر أخرج عظماً: ((لا تكسرها، فإن كسرك إياها ميتاً ككرك إياه حياً، ولكن دُسَّه في جانب القبر)) وأخرج ابن ماجه عن أم سلمة أنه معَّم قال: ((كسر عظم الميت ككسره حياً في الإثم)). (٢) مغني المحتاج : ٣٠٧/٤ . (٣) كشاف القناع : ١٩٨/٦ . - ٥٢٠ -