Indexed OCR Text

Pages 501-520

الباب السابع
الخطر والإباحة
أو الأطعمة والأشربة واللباس وغيره
عالى
- ٥٠١ - ١

الله تعالى
.

تمهيد :
هناك أمور تتردد بين الحل والحرمة تمس الإنسان والمجتمع ، لتحقيق عافية
المرء في صحته ودينه ، أو لمنع الضرر المادي أو الأدبي عن المجتمع في المعاملات ،
يعبر عنها الحنفية إما بالحظر ( المنع الشرعي ) والإباحة ( أي الإطلاق ) أو
بالكراهية(١) ، أو بالاستحسان ( أي ما حسنه الشرع وقبحه) أو بكتاب الزهد
والورع ؛ لأن كثيراً من مسائله أطلقه الشرع ، والزهد والورع تركه .
ويبحثها غير الحنفية تحت عنوان الأطعمة والأشربة ، والآنية ، وخصال
الفطرة ، ومقدمات عقد الزواج . وعبر عنها الشيخ خليل من المالكية بالمباح
والمحرم والمكروه .
والكلام عنها أو عن المهم منها في مباحث خمسة هي :
المبحث الأول - الأطعمة
الى
المبحث الثاني - الأشربة
المبحث الثالث - اللبس والاستعمال والحلي
المبحث الرابع - الوطء والنّظر واللمس واللهو
المبحث الخامس - مسائل في البيع ( بيع السماد الطبيعي ، الاحتكار ،
التسعير ، بيع العنب للخمار ونحوها ) .
(١) إذا أطلقت الكراهة عند الحنفية أريد بها الكراهة التحريمية ، وهي إلى الحرام أقرب ، لثبوت النهي فيها
بدليل فيه شبهة .
- ٥٠٣ -

المبحث الأول - الأطعمة
وفيه مقدمة عن حكم الطعام والشراب ، ومطالب أربعة :
المطلب الأول - أنواع الأطعمة وحكم كل نوع منها ( الحلال ، والمكروه ،
والحرام ) .
المطلب الثاني - مالا نص فيه - الاحتكام إلى الذوق العربي
المطلب الثالث - حالة الضرورة
المطلب الرابع - إجابة الولائم ، وموائد المنكر ، وآداب الطعام .
الله تعالى
- ٥٠٤ -

مقدمة - مبدأ تناول الطعام والشراب :
عني الإسلام بالجسم والنفس ، فأوجب تناول الحد الأدنى أو الضروري من
الطعام والشراب للحفاظ على الحياة ، ودفع الهلاك عن النفس(١)، وللقيام
بالواجبات الدينية من صلاة وصيام ونحوهما ، وماعدا قدر الضرورة يباح تناوله
ما لم يصل إلى حد الإسراف ، فالإسراف في الأكل والشرب فوق الطاقة الجسمية
ضرر، وخطر ، وحرام . والاعتدال هو المطلوب . واستثنى الحنفية من التحريم
إذا لم يخش الضرر حالة قصد التقوي على صوم الغد أو لئلا يستحي ضيفه ونحو
ذلك ، قال تعالى: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد(٢) ، وكلوا واشربوا
ولا تسرفوا ، إنه لا يحب المسرفين ﴾ .
١
والملبوس والمأكول : هو الحلال ، الطيب، فقد أحل الله للإنسان كل نافع
في الأرض: ﴿ خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ وقد أردف الله تعالى الآية السابقة
بقوله: ﴿ قل : من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ، والطيبات من
الرزق). وتوالت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في تقرير هذا المباح،
فقال تعالى: ﴿ يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً﴾ وقال أيضاً:
﴿ ويحل لهم الطيبات ، ويحرم عليهم الخبائث ) .
وقال النبي صَ لّ: ((كلوا واشربوا، وتصدقوا ، والبسوا في غير إسراف
(١) الدر المختار : ٢٣٨/٥ .
(٢) أي عند الطواف أو الصلاة ، فستر العورة فيهما واجب ، وما بعد العورة سنة ، لا واجب .
- ٥٠٥ -

ولا مخيلة - كبر وإعجاب بالنفس - فإن الله يحب أن يرى أثر نعمه على
(١)
عبده)) (١) .
وقال الحنفية : ولا تجوز الرياضة بتقليل الأكل حتى يضعف عن أداء
العبادة(٢).
المطلب الأول - أنواع الأطعمة وحكم كل نوع منها :
الغذاء الإنساني الذي يؤكل نوعان : نبات وحيوان .
أما النبات المأكول: فكله حلال إلا النجس والضار والمسكر(٣) . أما
النجس أو ما خالطته نجاسة ( المتنجس ) ، فلا يؤكل ، لقوله تعالى: ﴿ ويحرم
عليهم الخبائث ) والنجس : خبيث . ولو تنجس طاهر كخل ، ودبس ودهن
ذائب، وزيت ، حرم، لقوله مع المه في الفأرة تقع في السمن، وتموت فيه: ((إن
كان جامداً فألقوها وما حولها، وكلوه ، وإن كان مائعاً فأريقوه )»(٤) فلو حل
أكله ، لم يأمر ياراقته .
وأما المسكر : فحرام تناوله لقوله تعالى فيه ﴿ رجس من عمل الشيطان ،
فاجتنبوه لعلكم تفلحون ﴾ .
وأما الضار: فلا يحل أكله ، كالسُّم والمخاط والمني والتراب والحجر ، لقوله
(١) رواه أحمد في مسنده والنسائي وابن ماجه والحاكم عن عبد الله بن عمرو .
(٢) رد المحتار : ٢٣٨/٥.
(٣) بداية المجتهد : ٤٥٠/١ - ٤٥٢، ٤٥٦، القوانين الفقهية: ص١٧١، المهذب: ٢٤٦/١، ٢٥٠ ، مغني المحتاج:
٣٠٥/٤ .
(٤) رواه البخاري وأحمد والنسائي عن ميمونة زوج النبي مَ ◌ّم (سبل السلام: ٨/٣).
- ٥٠٦ -

تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم) وقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى
التهلكة) وأكل هذه الأشياء تهلكة ، فوجب ألا تحل . لكن قال المالكية :
قيل : الطين مكروه . وقيل : حرام ، وهو الأرجح .
ويحل أكل مالا يضر كالفواكه والحبوب ، لقوله تعالى : ﴿ قل : من حرم
زينة الله التي أخرج لعباده ، والطيبات من الرزق ﴾ .
وأما الحيوان فنوعان : مائي ، وبري . نذكر هنا الحلال والحرام
باختصار ، ونحيل التفصيل على بحث الحيوان الذبيح في الذبائح والصيد .
أما المائي : فيحل منه السمك بالاتفاق ، إلا الطافي منه فلا يحل عند
الحنفية ، ويحل عند غيرهم . وكره مالك خنزير الماء ، والمعتمد عند المالكية أن
خنزير الماء وكلب الماء مباح .
ولا يحل أكل الضفدع عند الجمهور غير المالكية ، لنهي النبي عَ لّ عن قتل
الضفدع . ولو حل أكله لم ينه عن قتله . وأباح المالكية أكل الضفادع ، إذ لم يرد
نص بتحريمها .
وأما البري : فيحرم منه أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به
( أي ما ذكر عند ذبحه اسم معبود غير الله ) ، والمنخنقة ( التي ماتت خنقاً )
والنطيحة ( التي نطحها حيوان فماتت ) ، والموقوذة ( التي ضربت فماتت ) ،
والمتردية ( التي سقطت من مرتفع فماتت ) ، وما بقر الحيوان المفترس بطنها ، إلا
إذا ذبحت ، وفيها حياة ، فيحل كل ما ذكر .
ويحرم أكل الحيوانات المفترسة كالذئب والأسد والنمر عند الجمهور ، وقال
المالكية : هي مكروهة . كما يحرم أكل الطيور الجارحة كالصقر والباز والنسر
- ٥٠٧ _

ونحوها . وقال المالكية : هي مباحة ، إلا الوطواط ، فيكره أكله على الراجح .
ويحرم أكل الكلاب والحمير الأهلية والبغال ؛ لأن الكلب من الخبائث ،
بدليل قوله تع: ((الكلب خبيث، خبيث ثمنه))(١) ولنهي النبي عَ ◌ّه يوم خيبر
عن الحُمُر والبغال))(٢) والمعتمد عند المالكية: أن الكلب الإنسي مكروه ، وأن
كلب الماء مباح .
ويحرم أكل حشرات الأرض ( صغار دوابها ) كالعقرب والثعبان والفأرة
والنمل والنحل لسُّميتها واستخباث الطباع السليمة لها .
ويحرم المتولد من مأكول وغير مأكول كالبغل المتولد من الحمير والخيل ،
والحمار المتولد من حمار الوحش والحمار الأهلي ؛ لأنه مخلوق مما يؤكل ومما
لا يؤكل ، فيغلب التحريم(٣) عملاً بقاعدة تقديم الحاظر على المبيح .
وقال المالكية : يباح بالذكاة أكل خشاش الأرض كعقرب وخنفساء وبنات
وردان وجندب ونمل ودود وسوس . ويباح أيضاً أكل حية أمن سمها إن ذبحت
بحلقها(٤) .
ويحل أكل الخيل بأنواعها الأصيلة وغير الأصيلة عند الشافعية والحنابلة
(١) روى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي عن رافع بن خديج: ((ثمن الكلب خبيث )) ( نيل
الأوطار : ١٤٣/٥، ٢٨٤) .
(٢) رواه الحاكم في المستدرك عن جابر بن عبد الله ، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه
. ( نصب الراية : ١٩٧/٤ ) .
(٣) المهذب: ٢٤٩/١، مغني المحتاج: ٣٠٣/٤، كشاف القناع: ١٩٠/٦.
(٤) الشرح الكبير: ١١٥/٢، وسمي ذلك خشاشاً لأنه يخش أي يدخل في الأرض ولا يخرج منها إلا بمخرج،
ويبادر برجوعه إليها .
- ٥٠٨ -

۔۔
وصاحبي أبي حنيفة لإذن النبي صَ لّ يوم خيبر بها(١). وقال أبو حنيفة بكراهتها
كراهة تنزيهية ، لورود حديث ينهى عن لحوم الخيل(٢). والمشهور عند المالكية
تحريم الخيل(٣).
وأباح الشافعية والحنابلة أكل الضَّب والضَّبُع . وعند الشافعية : والثعلب ،
وحرمه الحنابلة . وحرم الحنفية أكل ذلك كله . وأما المالكية فقد أباحوا مع
الكراهة أكل كل السباع كما بينا .
ويجوز بالإجماع أكل الأنعام ((الإبل والبقر والغنم)) لإباحتها بنص القرآن
الكريم ، كما يجوز أكل الطيور غير الجارحة كالحمام والبط والنعامة والأوز،
والسمان ، والقنبر، والزرزور، والقطا ، والكروان ، والبلبل وغير ذلك من
العصافير .
ويحل أكل الوحوش غير الضارية ، كالظباء ، وبقر الوحش وحماره لإذن
النبي عَ التّ بأكلها(٤).
ويباح أكل الأرنب والجراد ، لثبوت الإباحة في السنة النبوية . والدود
وحده يحرم عند غير المالكية ، لكن دود الطعام والفاكهة وسوس الحبوب ، ودود
الخل ، إذا أكل معه ميتاً ، وطابت به النفس ولم تعافه ، يحل أكله لتعسر تمييزه(٥).
(١) أخرجه البخاري ومسلم ( نصب الراية : ١٩٨/٤ ).
(٢) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن خالد بن الوليد ( نصب الراية : ١٩٦/٤).
(٣) بداية المجتهد: ٤٥٥/١، الشرح الكبير: ١١٧/٢ .
(٤) رواه البخاري ومسلم .
(٥) مغني المحتاج: ٢٦٨/٤، ٣٠٣، المغني: ٦٠٥/٨.
- ٥٠٩ -

خلاصة مذهب المالكية في المباح والمحرم(١) :
يظهر مما سبق أن مذهب المالكية أوسع المذاهب في إباحة الأطعمة
والأشربة ، لذا أستحسن إعطاء خلاصة عنه :
المباح : يباح حال الاختيار أكلاً أو شرباً كل طعام طاهر ، والحيوان
البحري ، ولو آدميه وخنزيره ، وإن كان البحري ميتاً ، والطير بجميع أنواعه
ولو كان جلاَّلة(٢)، أو ذا مخلب كالباز والعقاب والرخم ، إلا الوطواط ، فيكره
أكله على الراجح، والنّعَم ( الإبل والبقر والغنم ولو جلالة )، والوحش غير
المفترس كغزال وحمر وحش ويربوع، وخُلْد ، ووَبْر (٣)، وأرنب، وقُنْفُذ ،
وضُرْبوب(٤) ، وحية أمن سمها (٥) إن ذكيت بحلقها .
ويباح أيضاً هوام الأرض كخنفساء وبنات وَرْدان ، وجندب(٦) ، وغل ودود
وسوس .
(١) راجع متن العلامة خليل والشرح الكبير للدردير مع الدسوقي: ١١٥/٢.
(٢) أي مستعمِلاً للنجاسة . والجلالة لغة : البقرة التي تستعمل النجاسة . والفقهاء يستعملونها في كل حيوان
يستعملها .
(٣) اليربوع : دابة قدر بنت عرس، رجلاها أطول من يديها . والخلد: فأرأعمى لا يصل للنجاسة . والوبر:
فوق اليربوع كالأرنب يعتلف البنات والبقول ، ودون السنور، طحلاء اللون أي بين البياض والغبرة .
(٤) القنفذ: أكبر من الفأر، كله شوك إلا رأسه وبطنه ويديه ورجليه. والضربوب: كالقنفذ في الشوك ، إلا
أنه قريب من خلقة الشاة . وأباح الحنابلة أكل اليربوع والوبر والضب والضبع ( المغني : ٥٩٢/٨ ، كشاف القناع:
١٩١/٦) والشافعية أيضاً كما بينا في الذبائح: أباحوا أكل الضبع والضب والثعلب واليربوع والفنّك ( حيوان يؤخذ من
جلده الفرو) والسمور (كالسنور) ، وهما من ثعالب الترك. وأباحوا أكل ابن عرس ( دويبة رقيقة تعادي الفأر تدخل
تحت جحره وتخرجه ) ، والبجع ( الحوصل ) : وهو طائر أبيض من الكركي ، ذو حوصلة عظيمة يتخذ منها فرو،
ويكثر بمصر، والقام ( دويبة يتخذ جلدها فروآً) لأن ما ذكر من الطيبات ( مغني المحتاج : ٢٩٩/٤).
(٥) أمن سمها لمستعملها ، ويجوز أكلها بسمها لمن ينفعه ذلك لمرض .
(٦) بنت وردان : دويبة كريهة الريح، تألف الأماكن القذرة في البيوت ، وهي ذات ألوان مختلفة وأرجل
جانبية متعددة . والجندب : نوع من الجراد .
- ٥١٠ -

ويباح عصير ماء العنب أول عصره ، وفُقّاع ، وعقيد وسوبيا (١) أمن سكره .
المحرّم : ويحرم تناول النجس من جامد أو مائع ، والخنزير البري ، والبغل
والفرس والحمار، ولو كان حماراً وحشياً تأنس. والأرجح تحريم أكل الطين
والتراب والعظام والخبز المحرق بالنار ، منعاً لأذى البدن .
المكروه : ويكره سبع وضبع وثعلب وذئب ، وهر ولو كان وحشياً ،
وفيل وفهد ودب ونمر ومس(٣) ، وكلب إنسي على المعتمد . والأظهر كراهة أكل
القرد والنسناس ، والمشهور أن فأر البيوت الذي يصل إلى النجاسة يكره ، فإن
شك في وصوله لها ، لم يكره ، وإن لم يصل للنجاسة فهو مباح .
لحم الجلالة : الجلالة كما عرفها الحنفية : هي التي تعتاد أكل الجيف
والنجاسات فقط ، ولا تخلط معها طعاماً غيره ويكون لها ريح منتنة . وهي
عند غير الحنفية : هي التي أكثر طعامها النجاسة ، وقد اختلف الفقهاء في حكم
أكل لحمها .
فأباح المالكية(٣) كما بينا أكل لحم الجلالة . وكرهها مالك ، وأحمد في رواية
عنه والحنفية والشافعية(٤) ، وحرمها الحنابلة(٥) .
وسبب اختلافهم معارضة القياس للأثر . أما الأثر فهو ماروى ابن عمر :
(١) الفقاع: شراب يتخذ من القمح والتمر. والسوبيا: شراب يميل إلى الحموضة بما يضاف إليه من عجوة
ونحوها . وعقيد : هو ماء العنب يغلى على النار حتى ينعقد ويذهب إسكاره . ويسمى بالرُّب الصامت.
(٢) وتسمى كل تلك الحيوانات ما عدا الهر الوحوش المفترسة .
(٣) الشرح الكبير : ١١٥/٢، بداية المجتهد : ٤٥١/١.
(٤) تبيين الحقائق للزيلعي: ١٠/١، البدائع: ٣٩/٥، وما بعدها، المهذب: ٢٥٠/١ مغني المحتاج: ٣٠٤/٤ ،
الدر المختار : ٢٣٩/٥ وما بعدها .
(٥) كشاف القناع: ١٩٢/٦، المغني : ٥٩٣/٨ .
- ٥١١ -

((نهى النبي ◌َّ اللّ عن أكل الجلالة وألبانها))(١) وروى الخلال باسناده عن عبد
الله بن عمرو: (( نهى رسول الله ◌َ فّ عن الإبل الجلالة أن يؤكل لحمها ، ولا يحمل
عليها إلا الأَدُم ( الجلود المدبوغة ) ، ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين
ليلة )) .
وأما القياس المعارض لهذا : فهو أن ما يرد جوف الحيوان ينقلب إلى لحم ،
فالمالكية القائلون بالحل نظروا إلى الانقلاب أو التحول إلى لحم ، كانقلاب الدم
لحماً .
والحنابلة أخذوا بظاهر النهي المقتضي للتحريم ، ولأن اللحم يتولد من
النجاسة ، فيكون نجساً ، كرماد النجاسة . والحنفية والشافعية حملوا الحديث على
الكراهة التنزيهية .
وعبارة الحنفية : يكره لحم الجلالة ولبنها ، كما يكره لحم الأتان ولبنها ولبن
الخيل ، وبول الإبل ، وأجازه ( أي بول الإبل ولحم الفرس ) أبو يوسف للتداوي
به . وتحبس الجلالة حتى يذهب نتن لحمها ، وقدر بثلاثة أيام لدجاجة ، وأربعة
لشاة ، وعشرة لإبل وبقر على الأظهر . ولو أكلت الجلالة النجاسة وغيرها بحيث لم
ينتن لحمها ، حلت ، كما حل أكل جدي غذي بلبن خنزير ؛ لأن لحمه لا يتغير ،
وما غذي به يصير مستهلكاً لا يبقى له أثر. وعليه : لابأس بأكل الدجاج ، لأنه
يخلط أكل النجس مع غيره ، ولا يتغير لحمه (٢) .
(١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حسن غريب. وفي رواية لأبي داود: ((نهى عن ركوب الجلالة))
وفي أخرى له: (( نهى عن ركوب جلالة الإبل)) وروى أحمد والنسائي وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده: ((أن النبي مَّل نهى عن لحوم الحمر الأهلية وعن ركوب الجلالة، وأكل لحمها )).
(٢) وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان يأكل الدجاج . وما روي أن الدجاج يحبس ثلاثة أيام ، ثم يذبح ،
فذاك على سبيل التنزه ، لا أنه شرط ( تبيين الحقائق ، المكان السابق ) .
- ٥١٢ -

وعبارة الشافعية : يكره أكل الجلالة : وهي التي أكثر أكلها العَذِرَة
( الغائط ) من ناقة أو شاة ، أو بقرة ، أو ديك ، أو دجاجة ؛ لحديث ابن عمر
المتقدم ، ولا يحرم أكلها ، لأنه ليس فيها أكثر من تغيير لحمها ، وهذا لا يوجب
التحريم . فإن أطعم الجلالة طعاماً طاهراً لم يكره، لقول ابن عمر: ((تعلف
الجلالة علفاً ظاهراً : إن كانت ناقة أربعين يوماً ، وإن كانت شاة سبعة أيام ،
وإن كانت دجاجة ثلاثة أيام )).
وعبارة الحنابلة : وتحرم الجلالة : وهي التي أكثر طعامها النجاسة ، كما تحرم
ألبانها وهي رواية عن أحمد ، وفي رواية أخرى أنها مكروهة غير محرمة ، وتزول
الكراهة بحبسها اتفاقاً . واختلف في قدره فروي عن أحمد أنها تحبس ثلاثاً ، سواء
أكانت طائراً أم بهيمة. وروي عنه أيضاً: تحبس الدجاجة ثلاثاً، والبعير والبقرة
ونحوهما يحبس أربعين. ويكره ركوب الجلالة.
المطلب الثاني - مالا نص فيه - الاحتكام للذوق العربي :
قال الشافعية والحنابلة(١) : الحيوان الذي لا نص فيه من كتاب أو سنة أو
إجماع ، لا خاص ولا عام بتحريم ولا تحليل ، ولا ورد فيه أمر بقتله ولا بعدم
قتله : إن استطابه أهل يسار ( أي ثروة وخصب ) وأهل طباع سليمة من أكثر
العرب - سكان بلاد أو قرى ، في حال رفاهية عند الشافعية ، أو أهل الحجاز
أهل الأمصار عند الحنابلة : حل أكله . لقوله تعالى: ﴿ويحل لهم الطيبات ،
ويحرم عليهم الخبائث ) ولأن العرب هم الذين نزل عليهم الكتاب ، وخوطبوا
به ، وبالسنة ، فيرجع في مطلق ألفاظها إلى عرفهم ، دون غيرهم .
وعليه تكون القاعدة : المحرم من الحيوان : ما نص الله تعالى عليه في
(١) مغني المحتاج: ٣٠٣/٤ وما بعدها، المهذب: ٢٤٩/١ ، المغني: ٥٨٥/٨.
الفقه الإسلامي جـ٣ (٣٣)
- ٥١٣ -

كتابه . وما كانت العرب تسميه طيباً فهو حلال ، وما كانت تسميه خبيثاً فهو
محرم .
ولا يعتبر قول الأجلاف من أهل البادية والفقراء وأهل الضرورة ؛ لأنهم
للضرورة والمجاعة ، يأكلون ما وجدوا .
ومالم يوجد عند أهل الحجاز عند الحنابلة ، رد إلى أقرب ما يشبهه في
الحجاز. فإن لم يشبه شيئاً منها، فهو مباح ، لدخوله في عموم قوله تعالى :
قل : لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ... ) الآية، ولقول النبي متطلّعٍ:
((وماسكت الله عنه فهو مما عفا عنه))(١) .
وقال الشافعية : إن جهل اسم حيوان ، سئل العرب عنه ، وعمل بتسميتهم
له مما هو حلال أو حرام ؛ لأن المرجع في ذلك إلى الاسم وهم أهل اللسان . وإن لم
يكن له اسم عندهم ، ألحق بالأشبه به من الحيوان ، في الصورة ، أو الطبع ، أو
الطعم في اللحم . فإن تساوى الشبهان ، أو فقد ما يشبهه ، حل على الأصح ،
لقوله تعالى: ﴿ قل: لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ... ) الآية .
المطلب الثالث - حالة الضرورة :
الضرورة نظرية متكاملة تشمل جميع أحكام الشرع ، يترتب عليها إباحة
المحظور، وترك الواجب . والكلام عنها يطول(٣) ، أجتزئ ببيان المهم منها وهو
تعريفها وحكمها وشروطها ، وهل تشمل حالة السفر والحضر جميعاً ، وجنس
المستباح أو ما يجوز تناوله ، وكيفية ترتيب أفضلية الشيء المتناول ، ومقدار
الجائز تناوله ، والتزود من الميتة ، وحكم أخذ طعام الغير قهراً للضرورة ،
(١) أخرجه الترمذي وابن ماجه عن سلمان الفارسي ( نيل الأوطار: ١٠٦/٨).
(٢) راجع كتابنا نظرية الضرورة الشرعية .
- ٥١٤ -

وحالات خاصة للحاجة ( المار ببستان الفاكهة ، والأكل من الزرع ، وحلب
الماشية لمن مر بها )(١) .
أولاً - تعريف الضرورة وحكمها : هي الخوف على النفس من الهلاك
علماً ( أي قطعاً ) أو ظناً . فلا يشترط أن يصبر حتى يشرف على الموت . وحكمها
في المذاهب الأربعة(٢): وجوب الأكل من المحرَّم، بمقدار ما يسد رمَقَه ( أي بقية
حياته ) ، ويأمن معه الموت ، لقوله تعالى : ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد ، فلا
إثم عليه) وقوله: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وقوله: ﴿ ولا تقتلوا
أنفسكم﴾. فإن ترك الأكل والشرب حتى هلك ، فقد عصى ، لأن فيه إلقاء
النفس إلى التهلكة ، وهو منهي عنه في محكم التنزيل ، ولأنه قادر على إحياء نفسه
بما أحله الله له ، فلزمه ، كما لو كان معه طعام حلال .
بخلاف من امتنع عن التداوي حتى مات ، لا يجب عليه ، ولا يعصي
بالترك، إذ لا يتيقن أن الدواء يشفيه . هذا وقد قرر الحنابلة أنه يجب على
المضطر تقديم السؤال على أكل الميتة .
وقيل عند البعض كأبي يوسف وأبي اسحق صاحب المهذب وفي وجه عند
الحنابلة : لا يجب على المضطر الأكل من الميتة أو لحم الخنزير ، بل يباح لأن له
غرضاً في تركه ، وهو أن يجتنب ما حرم عليه ، وربما لم تطب نفسه بتناول
(١) انظر المبسوط: ٤٨/٢٤، البدائع: ١٢٤/٥، رد المحتار: ٢٣٨/٥، أحكام القرآن للجصاص : ١٤٧/١
وما بعدها، الشرح الكبير للدردير: ١١٥/٢ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص١٧٣، بداية المجتهد : ٤٦١/١
وما بعدها، المهذب: ٢٥٠/١ وما بعدها، مغني المحتاج: ١٨٨/٤، ٣٠٦ - ٣١٠، المغني: ٥٩٥/٨ - ٦٠٣، كشاف
القناع : ١٩٤/٦ - ٢٠٠.
(٢) المبسوط، المكان السابق، البدائع: ١٧٦/٧، تبيين الحقائق: ١٨٥/٥، الدر المختار ورد المحتار: ٩٢/٥،
٢٣٨، درر الحكام: ٣١٠/١، الشرح الكبير: ١١٥/٢، مغني المحتاج: ٣٠٦/٤، المغني: ٥٩٦/٨، الفروق: ١٨٣/٤،
الجصاص: ١٤٨/١، ١٥٠، أحكام ابن العربي : ٥٦/١ .
بـ ٥١٥ -

الميتة ، ولما روي عن عبد الله بن حذافة السَّهْمي صاحب رسول الله عَ اقٍ: ((أن
طاغية الروم حبسه في بيت ، وجعل معه خمراً ممزوجاً بماء ، ولحم خنزير مشوي
ثلاثة أيام ، فلم يأكل ، ولم يشرب ، حتى مال رأسه من الجوع والعطش ، وخشوا
موته ، فأخرجوه ، فقال: قد كان الله أحله لي ، لأني مضطر ، ولكن لم أكن
لأشمتك بدين الإسلام )) ولأن إباحة الأكل رخصة ، فلا تجب عليه كسائر
الرخص(١)، ولأن قوله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم
إليه ) استثناء من التحريم ، والاستثناء من التحريم حل أو إباحة كما يقرر
الأصوليون .
وبهذا يظهر أن الإضراب عن الطعام في السجون ونحوها ، لا يحل إذا أدى
إلى الموت ، على كلا الرأيين السابقين .
ثانياً - شروط الضرورة أو ضوابطها :
ليس كل من ادعى الضرورة يسلم له أدعاؤه ، أو يباح له فعل الحرام ، وإنما
لا بد من توافر شروط أو ضوابط للضرورة ، وهي ما يأتي (٢) :.
اً - أن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة في المستقبل ، أي أن يحصل في
الواقع خوف الهلاك على النفس أو المال بغلبة الظن حسب التجارب ، أو التحقق
من خطر التلف ، لو لم يأكل ، ويكفي في ذلك الظن ، كما في الإكراه على أكل
الحرام ، فلا يشترط فيه التيقن ولا الإشراف على الموت ، بل لو انتهى إلى هذه
الحالة لم يفد الأكل ولم يحل الأكل كما صرح الشافعية .
٢ - أن يتعين على المضطر ارتكاب المحظور الشرعي أي ألا يكون هناك
(١) المغني: ٥٩٦/٨، تكملة فتح القدير : ٢٩٨/٧ .
(٢) نظرية الضرورة الشرعية للمؤلف : ص٦٦ وما بعدها .
- ٥١٦ -

وسيلة أخرى من المباحات لدفع الخطر إلا تناول الحرام ؛ لأن سبب استعمال
المحرمات في حال الاضطرار هو ضرورة التغذي أعني إذا لم يجد شيئاً حلالاً يتغذى
به . وهذا لا خلاف فيه .
◌ً - أن يتوافر عذر يبيح الاقدام على الحرام، كالحفاظ على النفس أو العضو
بأن خاف التلف إما من جوع ، أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي وانقطع
عن الرفقة فيهلك ، أو يعجز عن الركوب فيهلك ، وبه يظهر أن كل ما يبيح
التيم - كما صرح الشافعية والحنابلة - يبيح تناول الحرام أو ارتكاب المحظور،
فيعتبر خوف حصول الشين الفاحش في عضو ظاهر كخوف طول المرض ، كل
منهما يبيح الأكل من المحرمات .
٤ - ألا يخالف المضطر مبادئ الإسلام ، فلا يحل الزنا والقتل والكفر
والغصب بأي حال ؛ لأنها مفاسد في ذاتها ، وإن كان يرخص في الكفر باللسان
مع اطمئنان القلب بالإسلام ، كما يرخص بأخذ طعام الغير ولو قهراً إذا لم يكن
هو أيضاً مضطراً إليه . وبه يظهر أن الإباحة تختلف عن الرخصة ؛ لأن الإباحة
تقلب الحرام حلالاً ، وتزيل عنه صفة الحرمة ، وأما الرخصة فتمنع الإثم ويظل
الفعل حراماً .
ولا يباح أصلاً قتل آدمي وأكله ، كما لا يباح عند الجمهور غير الشافعية أكل
آدمي ميت ، كما سنبين ويحرم على الراجح عند أئمة المذاهب الأربعة تناول الخمر
إلا لإزالة غُصة عند عدم ما يسيغها به من غيرها ، ولا يحل عند المالكية تناول
شيء من الدم أو العَذِرة ، أو ضالة الإبل .
٥ - أن يقتصر في رأي الجمهور على الحد الأدنى أو القدر اللازم لدفع الضرر،
كما سنبين ؛ لأن إباحة الحرام ضرورة ، والضرورة تقدر بقدرها .
- ٥١٧ -

٦ - أن يصف المحرم - في حال ضرورة الدواء - طبيب عدل ثقة في دينه
وعلمه ، وألا يوجد من غير المحرَّم علاج آخر ، يقوم مقامه .
ولا يتقيد الاضطرار بزمن مخصوص لاختلاف الأشخاص في ذلك(١).
ثالثاً - هل تشمل الضرورة حالة السفر والحضر جميعاً ؟
تباح المحرمات عند الاضطرار إليها في الحضر والسفر جميعاً؛ لأن آية
الضرورة ﴿ فمن اضطر﴾ مطلقة غير مقيدة بحالة معينة من هاتين الحالتين ، وهو
لفظ عام في حق كل مضطر ، ولأن الاضطرار يكون في الحضر في سنة المجاعة
العامة ، وسبب الإباحة : الحاجة إلى حفظ النفس عن الهلاك ، وهو عام في
الحالين(٢).
وهذا باتفاق المذاهب الأربعة ، ولم يميز الحنفية(٣) بين السفر المقصود به أصلاً
المعصية ، أو طروء المعصية في أثناء سفر مباح . وهو الراجح عند الحنابلة كما في
الحاشية . والمشهور من مذهب مالك(٤): أن المضطر يجوز له الأكل من الميتة
ونحوها في سفر المعصية ، ولا يجوز له القصر والفطر لقوله تعالى: ﴿ غير باغ
ولا عاد ﴾ .
وفرق المالكية في المشهور والشافعية والحنابلة(٥) بين المعصية بالسفر،
(١) كشاف القناع: ١٩٤/٦، المغني: ٥٩٥/٨ .
(٢) هذا ما قرره ابن قدامة في مذهب أحمد ( المغني: ٥٩٦/٨ ) وهو الموافق لغيره من الكتب ( كشاف القناع :
١٩٤/٦)
(٣) التوضيح: ١٩٤/٢، مسلم الثبوت: ١١٣/١، أحكام الجصاص: ١٤٧/١ وما بعدها .
(٤) الموافقات: ٣٣٧/١، أحكام القرآن لابن العربي: ٥٨/١، تفسير القرطبي: ٢٣٣/٢، القوانين الفقهية:
ص١٧٣ ، بداية المجتهد : ٤٦٢/١ .
(٥) مخطوط قواعد الزركشي: ق١٠٧، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص١٢٤، مغني المحتاج: ٦٤/١، ٢٦٨،
المغني : ٢٩٧/٨ ، الشرح الصغير: ٤٧٧/١ .
- ٥١٨ -

والمعصية في السفر أي أثنائه . فمن أنشأ سفراً يعتبر في ذاته معصية كالمرأة الناشز ،
وقاطع الطريق ، والمسافر لظلم الناس ، لا يباح له الأكل من الميتة ، أو استعمال
الرخص الشرعية ؛ لأن الرخص لا تناط بالمعاصي ، ولقوله تعالى : ﴿ فمن اضطر
غير باغ ولا عاد ، فلا إثم عليه ﴾ قال مجاهد : غير باغ على المسلمين ولا عاد
عليهم .
ومن سافر سفراً مباحاً ، وعصى أثناء سفره ، كأن شرب الخمر ، فهو عاص في
سفره ، تباح له الرخص الشرعية ، لأنها منوطة بالسفر ، ونفس السفر ليس
معصية ، ولا إثم به .
رابعاً - جنس الشيء المستباح للضرورة :
يستباح للضرورة في المذاهب الأربعة كل شيء محرم ، يرد جوعاً أو عطشاً،
كالميتة من كل حيوان والخنزير وطعام الغير ونحوه (١) .
واستثنى الحنابلة السم ونحوه مما يضر .
واستثنى المالكية الآدمي والدم والخنزير والأطعمة النجسة كالعذرة والأشربة
النجسة إلا الخمر، لإزالة الغُصة، ولا تباح لجوع ولا لعطش لأنها لا تدفعه،
وقيل : تباح ، ولا يحل التداوي بها ولو لخوف الموت في المشهور .
كما استثنوا ضالة الإبل ، إلا إن تعينت عند انفرادها ، وتقدم عليها الميتة
عند وجودهما .
واتفق أئمة المذاهب على أنه لا يباح قتل إنسان مسلم أو كافر معصوم أو
(١) الشرح الكبير للدردر: ١١٥/٢ وما بعدها، ٣٥٢/٤ وما بعدها، بداية المجتهد: ٤٦١/١، القوانين الفقهية:
ص١٧٣، الدر المختار ورد المختار: ٢٣٨/٥، مغني المحتاج: ٣٠٦/٤، المغني: ٥٩٥/٨، كشاف القناع: ١٩٤/٦.
- ٥١٩ _

إتلاف عضو منه لضرورة الأكل، لأنه مثلة، فلا يجوز أن يبقي نفسه باتلافه.
فلا يباح إذا الإنسان الحي . كما لا يباح الأكل من الإنسان الميت عند الجمهور غير
الشافعية، لقوله مؤلّ: ((كسر عظم الميت ككسره حياً)) (١). وإن قال شخص
لآخر مثلاً : اقطع يدي وكلها ، لا يحل ؛ لأن لحم الإنسان لا يباح في الاضطرار
لكرامته .
وأجاز الشافعية(٢) للمضطر أكل آدمي ميت إذا لم يجد ميتة غيره ؛ لأن حرمة
الحي أعظم من حرمة الميت ، إلا إذا كان الميت نبياً ، فإنه لا يجوز الأكل منه
قطعاً ، أو كان الميت مسلماً والمضطر كافراً ، فإنه لا يجوز له الأكل منه لشرف
الإسلام . وقال الخطيب الشربيني شارح المنهاج : بل لنا وجه : أنه لا يجوز أكل
الميت المسلم ، ولو كان المضطر مسلماً . وبهذه الاستثناءات اقترب الشافعية من
غيرهم .
وأجاز الحنابلة أكل الآدمي الميت غير المعصوم أي مباح الدم كالحربي والمرتد
والزاني المحصن والقاتل في المحاربة(٣).
كذلك أجاز الشافعية والحنابلة للمضطر قتل حربي ومرتد وأكله ، ولا يجوز
له قطع بعض أعضائه ، لأنها - أي في حالة القتل - غير معصومين ، فيباح
قتلهما ، إذ لا حرمة لهما ، فكانا بمنزلة السباع ، وللمضطر أكله بعد موته ، لعدم
حرمته .
(١) رواه أحمد في مسنده، وأبو داود، وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها. وروى مالك وابن ماجه وأبو
داود بإسناد صحيح ماعدا رجلاً واحداً هو سعد الأنصاري ، ضعفه أحمد ، ووثقه الأكثرون : حديثاً في معناه عن جابر
رضي الله عنه أن النبي عائل قال لحفار قبر أخرج عظماً: ((لا تكسرها، فإن كسرك إياها ميتاً ككرك إياه حياً،
ولكن دُسَّه في جانب القبر)) وأخرج ابن ماجه عن أم سلمة أنه معَّم قال: ((كسر عظم الميت ككسره حياً في الإثم)).
(٢) مغني المحتاج : ٣٠٧/٤ .
(٣) كشاف القناع : ١٩٨/٦ .
- ٥٢٠ -