Indexed OCR Text

Pages 461-480

١ - إن كان فعلا له حقوق (١) ترجع إلى الفاعل كالبيع والشراء والإِجارة ،
والقسمة : لا يحنث ؛ لأن حقوق هذه العقود تختص بالعاقد المباشر لها دون الآمر
وحينئذ لا ينسب الفعل إلى الآمر ، وإنما ينسب إلى الفاعل باعتبار أنه العاقد في
الحقيقة. وأما ما يرجع للأمر فهو حكم العقد أي ((الغرض والغاية من إنشائه))
ففي البيع : الحكم هو انتقال ملكية المبيع للمشتري وملكية الثمن للبائع .
ففي هذه الزمرة من العقود لا يحنث الحالف على فعلها كما بينا إلا إذا كان
الحالف ممن لا يتولى القيام بهذه العقود بنفسه ، كالقاضي والسلطان ونحوهما ،
فيحنث بمجرد أمر غيره بهذه الأفعال ؛ لأن المعتاد أن تتم هذه العقود بواسطة
غيره .
وكذلك لو كان الوكيل هو الحالف فإنه يحنث ؛ لأن حقوق العقد راجعة
إليه ، وأنه هو العاقد حقيقة ، لا الآمر .
٢ - وإن كان المحلوف عليه فعلا ترجع حقوقه إلى الآمر ، أو كان مما ليس له
حقوق ، كالنكاح والطلاق والهبة والصدقة والكسوة وقضاء الحقوق واقتضائها
والادعاء أمام القضاء والشركة : بأن حلف لا يشارك رجلاً ، فأمر غيره بأن يعقد
عقد الشركة معه ، وكالضرب والذبح والقتل والبناء والخياطة والنفقة ونحوها ،
فإذا فعل الحالف هذه الأفعال بنفسه ، أو أمر غيره ففعل ، حنث ؛ لأن مالا
حقوق له أو ترجع حقوقه إلى الآمر ، لا إلى الفاعل ينسب إلى الأمر ، لا إلى
الفاعل .
وأما عقد الصلح : ففيه روايتان عن أبي يوسف : في رواية إذا حلف
لا يصالح ، فوكل بالصلح لم يحنث ؛ لأن الصلح عقد معاوضة كالبيع . وفي
(١) حقوق العقد : هي الأعمال التي لابد منها للوصول إلى حكم العقد لتام الغاية والغرض منه، مثل تسليم
المبيع وقبض الثمن والرد بالعيب أو بخيار الرؤية أو الشرط .
- ٤٦١ -

رواية : أنه يحنث ؛ لأن الصلح اسقاط حق كالإبراء .
فإن قال الحالف في زمرة الأفعال التي ترجع الحقوق فيها إلى الآمر كالنكاح
والطلاق: (( نويت أن أباشر ذلك بنفسي )) يصدق ديانة فيما بينه وبين الله
تعالى ، لا قضاء ، لأنه نوى ما يحتمله كلامه إلا أنه خلاف الظاهر .
ولو قال الحالف فيما لا حقوق له كالضرب والذبح: ((عنيت أن أباشر ذلك
بنفسي» يصدق ديانة وقضاء ؛ لأنه نوى حقيقة كلامه ؛ لأن الضرب والذبح من
الأفعال الحقيقية لا الحكمية أو الاعتبارية ، فكانت العبرة فيه لمباشرة الفعل(١).
المطلب الحادي عشر - الحلف على أمور شرعية :
الكلام في المطالب السابقة كان محصوراً في الحلف على الأمور العادية التي
يمارسها الإنسان عادة بحكم تقلب شؤونه في هذه الحياة . وهذا المطلب مخصص
للبحث عن أحوال اليمين التي يخلفها الحالف على الأمور الشرعية ، باعتبار أن
الشارع له حكم فيها من ناحية الصحة والفساد ، مثل البيع والشراء والهبة
والعارية والصدقة والقرض والتزويج والصلاة والصوم ونحوها .
الحلف على عدم شراء الذهب والفضة: إذا حلف شخص (( لا يشتري
ذهباً ولا فضة)) فاشترى عملة نقدية فضية كالدراهم في الماضي ، أو ذهبية
كالدنانير ، أو آنية أو سبيكة أو حلياً مصوغاً أو غيرها مما هو ذهب أو فضة : فإنه
يحنث عند أبي يوسف . وقال محمد : لا يحنث في الدراهم والدنانير .
وسبب الخلاف هو أن أبا يوسف يعتبر الحقيقة اللغوية في هذه الأمور .
ومحمد : يعتبر العرف السائد عند الناس .
عدم شراء الصوف : لو حلف لا يشتري صوفاً ، فاشترى شاة على ظهرها
(١) البدائع: ٨٢/٣ وما بعدها، الفتاوى الهندية: ١٠٤/٢.
- ٤٦٢ -

صوف : لم يحنث . والقاعدة في مثل هذا : أن من حلف لا يشتري شيئا ،
فاشترى غيره ، ودخل المحلوف عليه في البيع تبعاً : لم يحنث ، وإن دخل مقصوداً
يحنث . والصوف ههنا لم يدخل في العقد مقصوداً ؛ لأن التسمية لم تتناول
الصوف، وإنما دخل في العقد تبعاً للشاة(١).
عدم الهبة والصدقة ونحوهما : لو حلف لا يهب لفلان شيئاً ، أو
لا یتصدق علیه ، أو لا یعیرہ ، أو لا ینحل له أو لا یعطیه ، ثم وهب له أو
تصدق عليه ، أو أعاره أو نحله أو أعطاه فلم يقبل المحلوف عليه : يحنث عند
جمهور الحنفية . وعند زفر : لا يحنث .
وأما القرض : فقد روي عن محمد أنه لا يحنث مالم يقبل ، وعن أبي يوسف
روايتان : في رواية مثل قول محمد ، وفي رواية: يحنث من غير قبول ، وهو
الأرجح ؛ لأن القرض لا تتوقف صحته على تسمية عوض ، فهو كالهبة . ووجه
قول محمد : أن القرض يشبه البيع ، لأنه تمليك بعوض .
عدم البيع والإجارة ونحوهما : إن حلف الشخص على عقد فيه عوض
كالبيع والإجارة والصرف والسلم ونحوها ، ففعل الحالف ، ولم يقبل الآخر:
لا يحنث .
والفرق بين عقود التبرعات كالهبة ونحوها ، وعقود المعاوضات كالبيع
ونحوه : هو أن التبرعات تفيد التمليك من جانب واحد وهو المتبرع ، وأما القبول
فهو شرط لثبوت الحكم في حق الجانب الآخر أي أنه شرط فقط لترتب الأثر
الشرعي على العقد : وهو انتقال الملكية بالنسبة إليه ، فإذا وجد ما يطلق عليه
اسم العقد لغة واصطلاحاً عند الفقهاء ، فيحنث .
(١) البدائع : ٨١/٣ .
- ٤٦٣ -

وأما المعاوضات : فلا تفيد التمليك إلا بإرادة المتعاقدين لغة وشرعاً فلا
يتحقق وجود اسم العقد إلا بوجود الإيجاب من أحد المتعاقدين ، والقبول من
المتعاقد الآخر ، وحينئذ يحنث .
فإذا كان البيع صحيحاً وتم قبول المشتري : يحنث الحالف ، وكذلك يحنث
إن كان البيع فاسداً أن تحقق قبول المشتري وقبض المبيع فعلاً ؛ لأن اسم البيع
يتناول الصحيح والفاسد : وهو مبادلة شيء مرغوب فيه بشيء مرغوب فيه .
ولو باع بيعاً فيه خيار للبائع أو للمشتري : حنث عند محمد ، ولم يحنث عند
أبي يوسف . وجه قول محمد : أن البيع كما يطلق على البيع البات أي الذي
لا خيار فيه ، يطلق أيضاً على البيع الذي فيه خيار ، فإن كل واحد منهما يسمى
بيعاً في عرف الناس ، إلا أن انتقال الملكية في بيع الخيار يتوقف على أمر آخر هو
اجازة البيع أو سقوط الخيار فأشبه البيع الفاسد .
ووجه قول أبي يوسف : أن وجود شرط الخيار يمنع نقل الملكية ، فأشبه
حالة وجود الإيجاب فقط من أحد المتعاقدين دون القبول(١) .
الحلف على عدم الزواج: لو حلف ((لا يتزوج هذه المرأة )) فيقع على
الزواج الصحيح دون الفاسد ، فلو تزوج المرأة بنكاح فاسد : لا يحنث ؛ لأن
المقصود من النكاح هو حل المرأة ، ولا يثبت الحل بالفاسد ، بخلاف البيع ، فإن
المقصود منه الملك ، ويثبت الملك بالفاسد .
وقال الشافعية(٢) : حلف لا يبيع أو لا يشتري ، فعقد لنفسه أو غيره ،
حنث ، ولا يحنث بعقد وكيله له . ولو حلف لا يُزوج أو لا يطلق أو
(١) البدائع ، المرجع السابق: ص٨٣ .
(٢) مغني المحتاج: ٣٥٠/٤ .
- ٤٦٤ -

لا يضرب ، فوكل من فعله لا يحنث ، إلا أن يريد ألا يفعل هو ولا غيره . وإن
حلف لا ينكح ، حنث بعقد وكيله له ، لا بقبوله هو لغيره . ورأى الحنابلة
والمالكية(١) أن من حلف لا يفعل شيئاً كالشراء والضرب ، فوكل في فعله حنث ،
إلا أن ينوي مباشرته بنفسه . ر
الحلف على عدم الصلاة والصوم : وكذلك لو حلف لا يصلي
ولا يصوم ، فيقع على الصحيح دون الفاسد ، حتى لو صلى بغير طهارة أو صام
بغير نية : لا يحنث ؛ لأن المقصود منه التقرب إلى الله سبحانه وتعالى ،
ولا يحصل التقرب بالفاسد من الصلوات أو الصيام .
أما إذا حلف في الماضي بأن قال: ((والله ما تزوجت)) أو (( ما صليت)) أو
((ما صمت)) فإنه يقع على الصحيح والفاسد ؛ لأن القصد من كلامه هو الإخبار
عن الصلاة وغيرها ، واسم الصلاة أو النكاح أو الصوم يطلق على الصحيح
والفاسد ، فإن قصد الصحيح صدق قضاء .
ولو حلف ((لا يصلي)) فكبر ، ودخل في الصلاة : لم يحنث حتى يركع
ويسجد سجدة استحساناً ؛ لأن الصلاة أفعال مختلفة من القيام والقراءة والركوع
والسجود ، والمتركب من أجزاء مختلفة : لا يوجد مالم يكتمل كله ، فما لم توجد
هذه الأفعال كلها لا يوجد فعل الصلاة ، وبالتالي لا يسمى مصليا . وهذا بخلاف
الصوم : ففي صوم ساعة يحصل فعل الصوم .
وبخلاف مالو حلف (( لا يصلي صلاة)) لا يحنث ، ما لم يصل ركعتين ،
لان أدنى الصلاة ركعتان .
٠ ٠٠
(١) المغني : ٧٢٤/٨ ومابعدها .
الفقه الإسلامي جـ ٣ (٣٠)
- ٤٦٥ -

ولو حلف (( لا يصلي الظهر)) : لا يحنث مالم يتشهد التشهد الأخير ؛
لأن صلاة الظهر مقدرة بأربع ركعات ، فما لم توجد الأربع ، لا توجد الظهر .
ولو حلف (( لا يصوم)) فأصبح صائماً لمدة ساعة ثم أفطر : يحنث لأنه
يسمى صائماً بصوم ساعة واحدة ، إذ الصوم هو الإمساك عن المفطرات على قصد
التقرب ، وبه وجد شرط الحنث .
ولو حلف (( لا يصوم يوماً)): لا يحنث حتى يصوم يوماً كاملاً ، لأنه
جعل شرط الحنث صوماً مقدراً باليوم .
ولو حلف ((لا يصوم صوماً)): لم يحنث مالم يصم اليوم ؛ لأن أقل الصوم
الشرعي يوم كامل .
ولو حلف ((ليفطرن عند فلان)» فأفطر بالماء في منزله ، ثم تعشى عند
فلان : حنث ؛ لأن شرط بره هو الإفطار عند فلان ، والإفطار اسم لما يضاد
الصوم أي نقيض الصوم ، وقد حصل المعنى بالإفطار في منزله بالماء . أما إن نوى
بالإفطار تناول العشاء عند فلان : لا يحنث لأنه نوى به أمراً متعارفاً ، يقال :
((فلان يفطر عند فلان)) إذا كان يتعشى عنده ، حتى ولو كان أصل الإفطار يقع
في منزله .
الحلف على ((عدم الحج)): ولو حلف ((لا يحج)) أو((لا يحج
حجة)) : لا يحنث حتى يطوف طواف الزيارة ؛ لأن الحج عبادة مركبة من
أجناس أفعال من الوقوف بعرفة ، والطواف والسعي وغيرها ، فيكون اسم الحج
واقعاً على كل الأفعال حقيقة ، لا على البعض ، وللأكثر حكم الكل ، فإذا طاف
أكثر الطواف : حنث .
- ٤٦٦ -

ولو حلف (( لا يعتمر)) فأحرم ، وطاف أربعة أشواط : حنث ؛ لأنه وجد
الأكثر، وللأكثر حكم الكل كما بينا ، فإن جامع الرجل امرأته في الحج :
لا يحنث ؛ لأن الحج قربة إلى الله تعالى ، فتنعقد اليين على الحج الذي هو قربة
أي عبادة: وهو الحج الصحيح لا الفاسد ؛ لأن الفاسد ليس بقربة(١).
لله تعالى
--------
(١) البدائع: ٨٤/٣ وما بعدها، تحفة الفقهاء، الطبعة القديمة: ٤٨/٢ وما بعدها، فتح القدير: ٩٣/٤
وما بعدها، الفتاوى الهندية: ١٠٨/٢ وما بعدها، المغني: ٧٢٠/٨ .
- ٤٦٧ -

الفصل الثاني
النذور
خطة الموضوع :
نتكلم في هذا البحث عن ثلاثة أمور : تعريف النذر وشروط النذر ، وحكم
النذر .
تعريف النذر وركنه : النذر لغة : الوعد بخير أو شر، وشرعاً : الوعد
بخير خاصة .
٠
وقال بعضهم : هو التزام قربة لم تتعين(١) . وركنه عند الحنفية: هو الصيغة
الدالة عليه مثل قول الشخص: ((لله علي كذا)) أو ((علي كذا)) أو ((علي نذر))
أو ((هذا هدي)) أو ((صدقة)) أو ((مالي صدقة)) أو ((ما أملك صدقة))
ونحوها(٢) .
وللنذر عند الجمهور غير الحنفية أركان ثلاثة : الناذر ، والمنذور ، وصيغة
النذر . فأما الناذر : فهو كل مكلف مسلم ، فلا نذر الصبي والمجنون والكافر .
وأما المنذور فنوعان : مبهم ومعين ، فالمبهم : مالا يبين نوعه كقوله : لله
علي نذر ، وحكمه أن فيه في رأي المالكية كفارة يمين . والمعين : أربعة أنواع :
(١) مغني المحتاج: ٤ / ٣٥٤ وقال الراغب : النذر أن توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر.
(٢) البدائع : ٥ / ٨١ .
- ٤٦٨ -

الأول - قربة ، فيجب الوفاء بها .
الثاني - معصية ، فيحرم الوفاء بها .
الثالث - مكروه ، فيكره الوفاء به .
الرابع - مباح ، فيباح الوفاء به وتركه ، وليس على من تركه شي .
وأما الصيغة ، فنوعان أيضا : مطلق ومقيد .
فأما المطلق فما كان شكراً لله على نعمة أو لغير سبب ، مثل لله علي أن أصوم
كذا أو أصلي كذا ، وهو مستحب عند المالكية ، ويجب الوفاء به .
وأما المقيد : فهو المعلق بشرط ، كقوله : إن قدم فلان أو شفى الله مريضي
فعلي كذا . وحكمه أنه يلزم الوفاء به بتحقق الشرط .
وهو مباح عند المالكية،وقيل : مكروه .
شروط النذر : هناك شروط في الناذر وشروط في المنذور به ، أما شروط
الناذر فهي ما يأتي(١):
أولاً - الأهلية من العقل والبلوغ : فلا ينعقد نذر المجنون والصبي غير
المميز والصبي المميز؛ لأن هؤلاء غير مكلفين بشيء من الأحكام الشرعية ، فليسوا
أهلا للالتزام .
ثانياً - الاسلام : فلا يصح نذر الكافر ، حتى لو نذر ، ثم أسلم ، لا يلزمه
الوفاء بنذره لعدم أهليته للقربة أو التزامها .
وأما الحرية فليست بشرط لصحة النذر ، فيصح نذر المملوك . وكذلك
(١) انظر البدائع، المرجع السابق: ص ٨١ وما بعدها، مغني المحتاج ، المرجع السابق ، الشرح الكبير
للدردير: ٢ / ١٦١، القوانين الفقهية: ص ١٦٧ وما بعدها .
- ٤٦٩ -

الاختيار أو الطواعية ليس بشرط عند الحنفية ، وهو شرط عند الشافعية فلا يصح
نذر المكره عندهم الخبر: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)»(١).
وأما شروط المنذور به فهي مايلي(٣):
أولاً - أن يكون المنذور به متصور الوجود في نفسه شرعاً : فلا
يصح النذر بما لا يتصور وجوده شرعاً كمن قال: ((لله علي أن أصوم ليلاً)) أو
قالت المرأة: ((لله علي أن أصوم أيام حيضي )) لأن الليل ليس محل الصوم ،
والحيض مناف له شرعاً ؛ إذ الطهارة عن الحيض والنفاس شرط وجود الصوم
الشرعي .
ثانياً - أن يكون المنذور به قربة : كصلاة وصيام وعيادة مريض ،
وتشييع جنازة ، وسلام ، فلا يصح النذر بما ليس بقربة كالنذر بالمعاصي بأن
يقول: ((لله علي أن أشرب الخمر)) أو (أقتل فلاناً)) أو ((أضربه)) أو ((أشته))
وهذا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم(٣) لقوله مع له: ((لانذر في معصية الله، ولافيما
لا يملكه ابن آدم))(٤) وقوله عليه السلام: ((لانذر إلا ما يُبتغى به وجه الله
تعالى(٥) وقوله أيضاً (( من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصي الله فلا
(١) رواه الطبراني في الكبير عن ثوبان ، وهو حديث صحيح ، وروي عن غيره ، وقد سبق تخريجه ، وهو
بلفظ: ((إن الله تجاوز عن أمتي ثلاثة: الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه)).
(٢) البدائع ، المرجع السابق : ص ٨٢ وما بعدها .
(٣) انظر بداية المجتهد: ١ / ٤٠٩، المحلى: ٨ / ٣، مختصر الطحاوي: ص ٣١٦، مغني المحتاج: ٤ / ٣٥٤،
المغني: ٩ / ٣، المهذب: ١ / ٢٤٢، القوانين الفقهية: ص ١٦٨.
(٤) رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن عمران بن حصين رضي الله عنه ، وروى النسائي وأبو داود عن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((لا نذر، ولا يمين فيما لا تملك ، ولا في معصية، ولا في قطيعة رحم »
( نصب الراية: ٣ / ٣٠٠، جامع الأصول: ١٢ / ١٨٨، نيل الأوطار: ٨ / ٢٣٨).
(٥) رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص (جامع الأصول، المرجع السابق ) وروى أحمد عن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي مظاهر قال: ((لا نذر إلا فيا ابتغي به وجه الله تعالى)) ( نيل الأوطار:
٨ / ٢٤٢ ) .
٠٤
- ٤٧٠ -

يعصه))(١) ولأن حكم النذر : وجوب المنذور به ، ووجوب فعل المعصية محال ،
وعليه فإنه يحرم الوفاء بالمعصية ، ولا يجب عند الجمهور على الناذر شيء . وقال أبو
حنيفة : عليه كفارة يمين ، كما سيأتي .
وكذلك لا يلزم النذر بالمباحات من الأكل والشرب واللبس والركوب
وطلاق المرأة ؛ لأن هذه الأمور ليست قربة لله ، فلا تلزم بالنذر .
ثالثاً - أن يكون قربة مقصودة : فلا يصح النذر بعيادة المرضى
وتشييع الجنائز والوضوء وتكفين الميت والاغتسال ودخول المسجد ومس المصحف
والأذان وبناء الرباطات(٢) والمساجد ونحوها؛ لأن هذه الأمور، وإن كانت قُرَباً
لله إلا أنها ليست قرباً مقصودة لذاتها عادة . ومن المعلوم أن النذر قربة مقصودة
لذاتها كاليمين ، فلا يصح نذر ماليس عبادة أو طاعة مقصودة لنفسها (٣)، وإنما
يصح نذر الصلاة والصوم والحج والعمرة والاعتكاف ونحوها ؛ لأنها عبادات
مقصودة ، ومن جنسها واجب شرعاً، وقد قال النبي عَ لّم: ((من نذر أن يطيع
الله فليطعه )) .
عالي
وقال الشافعية : الصحيح انعقاد النذر بكل قربة لاتجب ابتداء كعيادة
مريض وتشييع جنازة والسلام على الغير أو على نفسه إذا دخل بيتاً خالياً ،
وتشميت العاطس ، وزيارة القادم ؛ لأن الشارع رغب فيها ، والعبد يتقرب
بها ، فهي كالعبادات . وأما القرب التي يجب جنسها بالشرع والصوم والحج : فإنها
تلزم بالنذر قطعاً بدون خلاف ، وكون الاعتكاف يلزم بالنذر وهو أنه يوجد من
(١) رواه البخاري وأحمد وأصحاب السنن الأربعة عن عائشة رضي الله عنها ( انظر تخريج وتحقيق أحاديث
•• تحفة الفقهاء: ٢ / ٤٥٩ وما بعدها للمؤلف مع الأستاذ المنتصر الكتاني).
(٢) الرباطات : المعاهد المبنية والموقوفة للفقراء .
(٣) انظر البدائع: ٥ / ٨٢، فتح القدير والعناية: ٤ / ٢٧، الدر المختار ورد المختار: ٣ / ٧٣.
- ٤٧١ -

جنسه في الشرع ماهو واجب وهو الوقوف بعرفة والقعدة الأخيرة في الصلاة ،
فهذان يعتبران مكثاً كالاعتكاف(١).
ولو قال شخص: (( لله علي أن أصوم يوم النحر ، أو أيام
التشريق)» يصح نذره عند أبي حنيفة وصاحبيه؛ لأنه نذر بقربة مقصودة ،
فيصح النذر ، كما لو نذر الصوم في غير هذه الأيام .
وقال جمهور العلماء وزفر من الحنفية : لا يصح نذر يوم العيد أو أيام
التشريق ؛ لأنه نذر بما هو معصية ؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن
الصوم في هذه الأيام، فقال ((ألا لا تصوموا، فإنها أيام أكل وشرب))(٢) والمنهي
عنه يكون معصية ، والنذر بالمعاصي لا يصح بدليل قوله عليه السلام: «لانذر
في معصية الله ، ولا فيما لا يملكه ابن آدم)»(٣) .
ولو قال: (( لله علي أن أحج ماشياً)) يلزمه الحج ماشياً باتفاق الفقهاء ،
لأنه التزم المشي ، وفيه زيادة قربة، قال عليه السلام: (( من حج ماشياً فله بكل
خطوة حسنة من حسنات الحرم، قيل: وما حسنات الحرم ؟ قال النبي ما لم:
واحدة بسبعمائة))(٤) فان عجز عن المشي ركب ، وعليه دم عند الحنفية والمالكية
والشافعية ، وفي رواية عن أحمد . وأضاف مالك رضي الله عنه أن الناذر يرجع
(١) مغني المحتاج: ٤ / ٣٧٠ .
(٢) هذا الحديث رواه أصحاب السنن وابن حبان والحاكم والبزار عن عقبة بن عامر بلفظ أن النبي عَ ◌ّم قال:
(( أيام التشريق: أيام أكل وشرب وصلاة فلا يصومها أحد)) وروى البخاري ومسلم وأحمد عن أبي سعيد الخدري عن
رسول الله عَّفل أنه نهى عن صوم يومين: ((يوم الفطر ويوم النحر)) ( راجع تخريج أحاديث تحفة الفقهاء للمؤلف مع
الأستاذ الكتاني : ١ / ٢٩٦ ) .
(٣) المراجع السابقة في بحث شروط المنذور به ، البدائع : ٥ / ٨٣ .
(٤) رواه ابن خزيمة والحاكم وقال: صحيح الإسناد عن زاذان رضي الله عنه، ولفظه مختصراً: ((من حج من
مكة ماشياً حتى يرجع إلى مكة كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة ، كل حسنة مثل حسنات الحرم . قيل :
وما حسنات الحرم؟ قال: بكل حسنة مائة ألف حسنة)) (الترغيب والترهيب: ٢ / ١٦٦).
- ٤٧٢ -

عند العجز ، ثم يمشي مرة أخرى من حيث عجز ، والدم عنده أي الهدي هو بدنة
أو بقرة ، أو شاة إن لم يجد بقرة أو بدنة(١) . ودليل هذه المسألة ماروي عن ابن
عباس رضي الله عنهما عن عقبة بن عامر أن أخته نذرت أن تمشي إلى بيت الله
الحرام، فأتى النبي مع الإ، فسأله: فقال: ((إن لله لغني عن نذر أختك ،
لتركب ، ولتهدٍ بدنة)) (٢) ولأن المشي صار بالنذر نسكاً واجباً، فوجب بتركه
الدم كالإحرام من الميقات .
والأرجح عند الحنابلة أنه إذا عجز عن المشي ركب ، وعليه كفارة يمين ،
لأن النبي ◌ُ ◌ّ قال لأخت عقبة بن عامر لما نذرت المشي إلى بيت الله: ((لتمش
ولتركب ، ولتكفر عن يمينها )) أخرجه أبو داود ، وفي رواية الجوزجاني والترمذي
وبقية أصحاب السنن: ((فلتصم ثلاثة أيام)» ولقوله عليه السلام: ((كفارة النذر
كفارة يمين))(٣) ولأن المشي مما يوجبه الإحرام فلم يجب الدم بتركه ، وحديث
الهدي ضعيف كما أشرنا في الحاشية .
رابعاً - أن يكون المال المنذور به مملوكاً للناذر وقت النذر ، أو
يكون النذر مضافاً إلى الملك ، أو إلى سبب الملك : فلو نذر في الحال صدقة
مالا يملكه لا يصح بالاتفاق لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لانذر فيما لا يملكه ابن
(١) انظر البدائع: ٥ / ٨٤، بداية المجتهد: ١ / ٤١١، مغني المحتاج: ٤ / ٣٦٣ وما بعدها، المهذب: ١ / ٢٤٥
وما بعدها ، المغني: ٩ / ٨ .
(٢) رواه أبو داود عن عبد الله بن عباس بهذا اللفظ، ورواه أحمد وأبو يعلى الموصلي في مسنديها بلفظ: ((إن
الله غني عن نذر أختك ، ولتركب ولتصم ثلاثة أيام )) ورواه أحمد وأصحاب الكتب الستة عن عقبة بن عامر بلفظ :
(( لتش ولتركب)) وفي رواية: (( إن الله تعالى لا يصنع بشقاء أختك شيئاً، مرها فلتختمر ، ولتركب ، ولتصم ثلاثة
أيام)) ( جامع الأصول: ١٢ / ١٨٥، مجمع الزوائد: ٤ / ١٨٩، نصب الراية: ٣ / ٣٠٥، نيل الأوطار: ٨ / ٢٤٦،
سبل السلام : ٤ / ١١٣ ) .
(٣) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر بلفظ: ((كفارة النذر كفارة يمين)) وهو
حديث صحيح ، وهناك روايات أخرى استوفيناها في تخريج أحاديث تحفة الفقهاء : ٢ / ٤٦٤ وما بعدها .
- ٤٧٣ -

آدم)). ولو أضاف النذر إلى الملك مثل : كل مال أملكه في المستقبل فهو صدقة ،
أو أضافه إلى سبب الملك مثل : كل ما أشتريه أو أرثه فهو صدقة : يصح النذر
عند الحنفية خلافاً للشافعي رحمه الله لقوله عز وجل: ﴿ومنهم من عاهد الله :
لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ) إلى قوله تعالى :
﴿ فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا
يكذبون ) فهذه الآية الشريفة تدل على صحة النذر المضاف إلى الملك(١).
ودليل الشافعي على أنه لايصح النذر بالتصدق بما لا يملكه الانسان : هو
حديث عمران بن الحصين أن النبي صَ لّ قال: ((لانذر في معصية الله، ولافيما
لا يملكه ابن آدم)» (٣) .
خامساً - ألا يكون المنذور فرضاً أو واجباً : فلا يصح النذر بشيء
من الفرائض، سواء أكان فرض عين كالصلوات الخمس وصوم رمضان، أم فرض كفاية
كالجهاد وصلاة الجنازة، ولا بشيء من الواجبات سواء أكان عيناً كالوتر وصدقة
الفطر والأضحية أم كفائياً كتجهيز الموتى وغسلهم ورد السلام، لأن إيجاب الواجب
(٣)
لا يتصور).
حكم النذر : هذا البحث يتطلب الكلام في أمور ثلاثة هي : أصل الحكم ،
وفيه تعرف أدلة مشروعية النذر ، ووقت ثبوت الحكم ، وكيفية ثبوت الحكم .
١ - أصل حكم النذر : اختلف العلماء : هل النذر مكروه أو قربة ؟ فقال
الحنفية: النذر في الطاعات مباح، سواء أكان مطلقاً أم معلقاً على شرط. وقال
(١) البدائع : ٥ / ٩٠.
(٢) المهذب : ١ / ٢٤٢ .
(٣) البدائع ، المرجع السابق .
- ٤٧٤ -

جماعة : النذر تقرب . ورأى المالكية أن النذر المطلق مندوب ، وهو ماليس
بمعلق على شيء ولامكرر بتكرر الأيام كنذر صوم كل يوم خميس ، وهو ما أوجبه
على نفسه شكراً لله تعالى على نعمة وقعت ، كمن شفى الله مريضه أو رزق ولداً
أو زوجة ، فنذر . أما المكرر كنذر صوم كل يوم خميس فمكروه ، وأما المعلق
مثل إن شفى الله مريضي فعلي صدقة ، ففي كراهته وإباحته تردد ، قال الباجي
بالكراهة ، وقال ابن رشد بالإباحة ، وهذا هو الراجح .
وقال الشافعية والحنابلة : إنه مكروه كراهة تنزيه لاتحريم ، فلا يستحب
بدليل ماروى ابن عمر عن النبي مائة ((أنه نهى عن النذر، وقال: ((إنه لا يرد
شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل)) وفي لفظ: ((أنه لا يأتي بخير وإنما(١) ... الخ))
ولأن النذر لو كان مستحباً لفعله النبي ◌َ ◌ّةٍ وأفاضل أصحابه ، لكن مع هذا من
نذر طاعة لله عز وجل لزمه الوفاء بها بأدلة من القرآن والسنة والمعقول (٢).
أما القرآن : فقوله تعالى : ﴿ وليوفوا نذورهم ﴾ ﴿ يوفون بالنذر ويخافون
(١) أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي عن ابن عمر وصح أيضاً مسنداً فيما يرويه الجماعة
إلا أبا داود من طريق أبي هريرة . قال الخطابي : معنى نهيه عليه السلام عن النذر إنما هو تأكيد لأمره وتحذير عن
التهاون به بعد إيجابه ، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه وإسقاط لزوم الوفاء به ،
إذ كان بالنهي عنه قد صار معصية ، فلا يلزم الوفاء به : أي أن الحديث متأول وليس على ظاهره ، وبمثله قال ابن
الأثير في النهاية ، وأضاف قوله : وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك أمر لا يجر لهم في العاجل نفعاً،
ولا يصرف عنهم ضراً، ولا يرد قضاء ، فلا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئاً لم يقدره الله لكم أو تصرفون به عنكم
ما جرى به القضاء عليكم ، فإذا فعلتم ذلك فاخرجوا عنه بالوفاء فإن الذي نذرتموه لازم لكم . وقيل : الحديث على
ظاهره فإنه صريح بكراهة النذر، لأنه إنما يفعله البخيل يستخرج به من ماله ما لا تسخو به نفسه إلا قهراً إذا تحقق
غرضه المنذور عليه. (راجع المحلى: ٨ / ٤، جامع الأصول: ١٢ / ١٨١، ٢٤٣، نيل الأوطار: ٨ / ٢٤٠، سبل
السلام : ٤ / ١١٠) .
(٢) المحلى: ٨ / ٣، المغني: ٩ / ١، مغني المحتاج: ٤ / ٣٥٤، البدائع: ٥ / ٩٠، بداية المجتهد: ١ / ٤٠٩،
الشرح الكبير للدردير : ٢ /١٦٢.
- ٤٧٥ -

يوماً كان شره مستطيرا ﴾ ﴿ ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ﴾ ﴿وأوفوا بالعهد
إن العهد كان مسئولا﴾ ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ والنذر نوع من العهد
من الناذر مع الله عز وجل ، والعقود : العهود .
وأما السنة : - فقوله عليه السلام: (( من نذر أن يطيع الله فليطعه )) وقوله
عليه الصلاة والسلام (( من نذر وسمى(١) فعليه الوفاء بما سمى))(٢) وكلمة ((على))
تفيد الايجاب .
وأما المعقول : فهو أن المسلم يحتاج إلى أن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى
بنوع من القرب المقصودة التي يجوز له تركها ، طمعاً في نيل الدرجة العليا عند
الله تعالى ، وبما أن النذر يوجب فعل المنذور به ، فيكون النذر طريقاً لإلزام
النفس فعل الشيء ومنعها من الترك ، فيتحقق المقصود للناذر .
وقد فصل الحنفية حكم ما يجب الوفاء به بالنظر لتسمية المنذور به وعدم تسميته
فقالوا :
أولاً - إن نذر الناذر وسمى المنذور به: مثل: «لله علي حج أو
عمرة)) أو قال: ((إن شفى الله مريضي فعلي صدقة مائة ليرة)) فيجب عليه
الوفاء بما سمى، سواء - كما لاحظنا - أكان النذر مطلقاً أم معلقاً بشرط، ولا تجزئ عنه
الكفارة .
وقال المالكية : النذر نوعان : مطلق ومقيد ، فأما المطلق : فهو ماكان
شكراً لله على نعمة ، أو لغير سبب كقوله : لله علي أن أصوم كذا أو أصلي كذا ،
(١) أي سمى شيئاً يفعله كالصلاة والصوم والحج ونحوها من الطاعات .
(٢) قال الزيلعي في نصب الراية: ٣ / ٣٠٠ عن هذا الحديث : غريب . وفي وجوب الوفاء بالنذر أحاديث
ذكر منها أحاديث ابن عباس وعائشة وابن عمر وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (وراجع أيضاً فتح القدير :
٤ / ٢٧ ) .
- ٤٧٦ -

وهو مستحب ويجب الوفاء به ، سواء ذكر لفظ النذر أو لم يذكره إلا إن قصد
الاخبار فلا يجب عليه شيء .
وأما المقيد فهو المعلق بشرط كقوله : إن قدم فلان ، أو شفى الله مريضي ،
أو إن قضى الله حاجتي فعلي كذا ، وهو مباح ، وقيل : مكروه ويلزم الوفاء به
مطلقا . ولا اعتبار باختلاف الوجوه التي يقع النذر عليها من لجاج أو غضب أو
غيرهما(١).
وقال الشافعية(٢) : إذا كان النذر معلقا بشرط يفرق بين ما يريد الناذر
وقوعه ، وبين مالا يريد وقوعه أي يفرق بين نذر التبرر ، ونذر اللجاج .
ونذر التبرر (٣) : بأن يلتزم الإنسان قربة إن حدثت نعمة أو ذهبت
نقمة ، مثل : ان شفى الله مريضي فلله علي صوم أو نحوه ، ففي هذا النوع يلزم
الناذر بالوفاء بنذره إذا حصل الشرط المعلق عليه .
ونذر اللجاح(٤): ويسمى أيضا يمين اللجاج ، والغضب ، ويمين الغَلَق : هو
الذي خرج مخرج اليين بأن يقصد الناذر حث نفسه على فعل شيء أو منعها غير
قاصد للنذر ولا القربة ، مثل : ان كلمت فلاناً فلله علي صوم أو نحوه ، فالأظهر
في هذا النوع أن الناذر بالخيار : إن شاء وفى بما التزم ، وإن شاء كفر كفارة
يمين، وهذا هو المقصود بحديث: ((كفارة النذر كفارة يمين))(6) فيما أنه لا كفارة
(١) القوانين الفقهية: ص ١٦٨، الشرح الكبير: ٢ / ١٦١.
(٢) راجع مغني المحتاج: ٣٥٥/٤ وما بعدها، المهذب : ٢٤٣/١.
(٣) هو تفعل من البر، سمي بذلك ، لأن الناذر طلب به البر والتقرب إلى الله تعالى .
(٤) اللجاج : هو التاحك والتمادي في الخصومة ، سمي بذلك لوقوعه حال الغضب .
(٥) رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي والترمذي، وزاد فيه : (إذا لم يسمّه ) وصححه عن عقبة بن عامر
بهذا اللفظ قال ابن حجر: وهو صحيح ، وروي بألفاظ أخرى عن عائشة وابن عباس وعمران بن حصين وأبي هريرة
( راجع سبل السلام: ١١١/٤، نيل الأوطار: ٢٤٣/٨ وما بعدها، نصب الراية: ٢٩٥/٣، الإلمام: ص٣٠٩ ، تخريج
أحاديث التحفة : ٤٦٥/٢ ).
- ٤٧٧ -

في نذر التبرر قطعا ، فتعين أن يكون المراد بالحديث نذر اللجاج .
وقال الحنابلة(١): حكم نذر اللجاج والغضب حكم اليمين ويخير كما قال
الشافعية بين فعل المنذور وبين كفارة اليمين ، قال عليه السلام: (( لا نذر في
غضب، وكفارته كفارة يمين))(٢). وقال الإمام مالك: النذر لازم على أي جهة
(٣)
وقع(٣) .
ثانياً - وان كان النذر لا تسمية فيه : أي إن المنذور به غير مسمى ،
فحكمه وجوب ما نواه الناذر إن نوى شيئاً، سواء أكان النذر مطلقاً عن الشرط أم
مقيداً بشرط، بأن قال: ((لله علي نذر)) أو قال: (( ان فعلت كذا فلله علي
نذر)) فإن نوى صوماً أو صلاة أو حجاً أو عمرة لزمه الوفاء به للحال حالة كون
النذر مطلقاً ، وعند وجود الشرط إذا كان النذر معلقاً بشرط ، ولا تجزئ كفارة
اليمين .
وان لم تكن هناك نية عند الناذر وهو النذر المبهم ، فعليه كفارة اليمين .
وهذه الكفارة تجب حالا إذا كان النذر مطلقاً عن الشرط ، فإن كان معلقاً على
شرط فتجب الكفارة عند تحقق الشرط . والدليل قوله عليه الصلاة والسلام :
((النذر يمين، وكفارته كفارة يمين))(٤) .
(١) المغني: ٦٩٦/٨، ٢/٩.
(٢) رواه النسائي عن عمران بن الحصين رضي الله عنه (راجع المحلى: ٨/٨، جامع الأصول: ١٨٩/١٢
وما بعدها) ورواه الطبراني في الكبير والأوسط عن ابن عباس بلفظ ((ولا يمين في غضب)) (مجمع الزوائد: ١٨٦/٤).
(٣) بداية المجتهد: ٤٠٩/١، الشرح الكبير للدردير: ١٦١/٢.
(٤) نص الحديث: هو مارواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس مرفوعا أن رسول الله عائلة
قال: (( من نذر نذراً لم يسّه ، فكفارته كفارة يمين ، ومن نذر نذرا في معصية الله فكفارته كفارة يمين ، ومن نذر
نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين ، ومن نذر نذرا أطاقه فليف به )) وهناك روايات أخرى مثل حديث عقبة بن
عامر: ((كفارة النذر كفارة يمين)) (راجع تخريج أحاديث تحفة الفقهاء: ٤٦٤/٢ وما بعدها) وقد سبقت الإشارة
إليه .
- ٤٧٨ -

ووجوب الكفارة مقرر عند الحنفية سواء أكان الشرط الذي علق به النذير
مباحاً أم معصية، ويجب عليه أن يحنث نفسه ويكفر عن يمينه(١)، لقوله عليه
الصلاة والسلام: (( من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها ، فليأت الذي هو
خير ، وليكفر عن يمينه))(٣) .
وإذا كان النذر مبهماً ونوى الناذر فيه صياماً ولم ينو عدداً معيناً: فعليه
صيام ثلاثة أيام .
وان نوى في قوله ((لله علي نذر)) طعاماً ولم ينو عدداً : فعليه طعام عشرة
مساكين ، لكل مسكين نصف صاع من حنطة أي حوالي نصف رطل شامي .
ولو قال: (( لله علي صدقة )) فعليه نصف صاع .
ولو قال: ((لله علي صوم )) فعليه صوم يوم بالاتفاق .
ولو قال: ((لله علي صلاة )) فعليه ركعتان بالاتفاق .
والعلة في حكم هذه الصور: هو أن النذر لم يذكر فيه التقدير ، فاعتبر أدنى
ماورد به الأمر في الشرع ؛ لأن النذر يعتبر بحسب ما جاء به الأمر .
وقال المالكية (٣): من نذر صوم أيام لزمه الأيام التي نواها، وإن لم يعين
عدداً كفاه يوم واحد . ولو نذر صوم الدهر لزمه ، ولا شيء عليه في أيام العيد
والحيض ورمضان ، وله الفطر في المرض والسفر، ولا قضاء عليه ، إذ لا يمكنه .
٠
(١) راجع مذهب الحنفية بهذا التفصيل في المبسوط: ١٣٦/٨، البدائع: ٩٠/٥ - ٩٢، فتح القدير: ٢٧/٤ ،
الفتاوى الهندية : ٦٠/٢ .
(٢) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن عدي بن حاتم . ورواه آخرون عن غيره ، وقد سبق تخريجه
( انظر نيل الأوطار : ٢٣٧/٨).
(٣) القوانين الفقهية: ص١٦٨ - ١٧٠، الشرح الكبير: ١٦٦/٢.
- ٤٧٩ -

وإن نذر صلاةٌ ، لزمه ما نوى ، وإلا كفته ركعتان . وإن نذر صدقة جميع ماله
أو حلف بذلك ، فحنث ، كفاه الثلث . وان عين مقداراً معيناً كالنصف أو
الثلثين ، لزمه ما نوى . وان نذر المشي إلى مكة ، فإن ذكر الحج أو العمرة ، لزمه
ذلك ، وإن لم يذكر الحج أو العمرة ولا نواهما، وجب عليه الحج أو العمرة ، كما
بينا . ومن نذر أن يضحي ببدنة ، لم تقم مقامها بقرة مع القدرة عليها ، أما مع
العجز فيجزئه بقرة في رأي مالك . وكذلك قال الشافعية(١): من نذر المشي إلى
بيت الله أو إتيانه ، فالمذهب وجوب إتيانه بحج أو عمرة . وإن نذر أن يحج أو
يعتمر ماشياً ، فالأظهر وجوب المشي ، فإن قال : أحج ماشياً فمن حيث يحرم ،
وإن قال : أمشي إلى بيت الله تعالى ، فمن دويرة أهله في الأصح .
نذر المباح ونذر المعصية :
إذا نذر الإنسان فعل مباح، كما إذا قال: (( لله علي أن أمشي إلى بيتي ))
أو ((أركب فرسي)) أو ((ألبس ثوبي)) أو نذر ترك مباح كأن لا يأكل الحلوى : لم
يلزمه الفعل ولا الترك لخبر أبي داود: (( لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله
تعالى))(٣) ولخبر البخاري عن ابن عباس ((بينما النبي مُ ل يخطب إذ رأى رجلاً
قائماً في الشمس ، فسأل عنه ، فقالوا : هذا أبو اسرائيل ، نذر أن يصوم
ولا يقعد ، ولا يستظل ولا يتكلم ، قال : مروه فليتكلم وليستظل ، وليقعد ،
وليتم صومه))(٢) وعن أبي هريرة قال: ((نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله
(١) مغني المحتاج : ٣٦٢/٤ وما بعدها .
(٢) رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( انظر تخريج أحاديث تحفة الفقهاء : ٤٦١/٢ ، نيل
الأوطار: ٢٤٢/٨ وما بعدها ، مجمع الزوائد: ١٨٦/٤ ).
(٣) وأخرجه أيضا مالك وابن ماجه وأبو داود ( انظر تخريج أحاديث التحفة ، المرجع السابق ، جامع
الأصول: ١٨٤/١٢، نيل الأوطار: ٢٤٢/٨، الإلمام ص٣١١) ورواه الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله ، وفيه
حجاج بن أرطاة وهو مدلس ( راجع مجمع الزوائد : ١٨٧/٤ ) .
- ٤٨٠ -