Indexed OCR Text

Pages 381-400

فكأنه قال: ((والله الحق )) والحلف به متعارف ، فوجب كونه يميناً(١) وهذا هو
رأي بقية الأئمة كما عرفنا .
الحلف بـ ((لعمر الله)): هي يمين موجبة الكفارة عند الجمهور؛ لأنه
أقسم بصفة من صفات ذات الله ، كالحلف ببقاء الله تعالى . وقال الشافعي : إن
قصد اليمين فهي يمين وإلا فلا. وإن قال: ((وأيم الله وأيمن الله )) فهي عند
الجمهور يمين موجبة للكفارة . وقال الشافعي : هي يمين إن قصد اليمين كما بينا
سابقاً(٢) .
الحلف بلفظ ( أقسم بالله ونحوه ) : إذا قال الحالف : أقسم بالله ، أو
أحلف بالله أو أشهد بالله أو أعزم بالله لأفعلن كذا ، يكون يميناً ، سواء نوى اليمين
أو أطلق عند الحنفية والحنابلة ، وفي الأصح عند الشافعية في حالة الإطلاق .
وقال المالكية : يكون يميناً إن نوى وأراد اليمين بالله ، فإن لم يرد اليمين بالله
فليست بيمين . والمراد بالنية : التقدير أي إن قدر أن هذا اللفظ يمين ، فإذا لم
يقدره ويلاحظه فلا يمين عليه .
والدليل على أن الحلف بذلك يمين هو عرف الناس واستعمالهم ، قال الله
تعالى: ﴿فيقسمان بالله﴾ ﴿وأقسموا بالله) ويدل عليه أنه لو قال الحالف:
بالله ولم يقل : أقسم أو أشهد : أي لم يذكر الفعل ، كان يميناً ، وإنما كان يميناً
بتقدير الفعل قبله ؛ لأن الباء تتعلق بفعل مقدر ، فإذا ذكر الفعل ونطق بالمقدَّر
کان أولی بثبوت حکمه .
(١) فتح القدير: ٤ص١١، البدائع: ٣ص٧، تبيين الحقائق: ٣ص١١١، الدر المختار: ٣ص٦٢ ، الفتاوى
الهندية : ٢ص٤٩ .
(٢) المغني : ٦٩١/٨ - ٦٩٣ .
- ٣٨١ -

وكذلك الحكم إن ذكر الفعل بلفظ الماضي ، فقال : أقسمت بالله أو حلفت
بالله لأفعلن كذا ، يكون يميناً(١) .
الحلف على الغير: قال الشافعية وغيرهم(٢): إذا قال شخص لغيره: أقسم
عليك بالله ، أو أسألك بالله لتفعلن كذا ، وأراد يمين نفسه فهو يمين ، ويسن
للمخاطب أن يبر الحالف، لما روى البخاري ((أن النبي ◌َّ فل أمر بإبرار المقسم))
وهذا على سبيل الندب لا على سبيل الإيجاب ، بدليل أن أبا بكر قال: ((أقسمت
عليك يا رسول الله لتخبرني بما أصبت مما أخطأت ، فقال النبي عَ ◌ّةٍ: لا تقسم
يا أبا بكر)» ولم يخبره ، ولو وجب عليه إبراره لأخبره ، فإن لم يبره فالكفارة على
الحالف ، وإن أراد يمين المخاطب أو لم يرد يميناً ، بل أراد التشفع بالله عز وجل في
الفعل لم يكن يميناً .
الحلف بقوله ( أقسم لأفعلن كذا ) : إذا ذكر الحالف القسم والخبر المقسم
عليه ، ولم يذكر المقسم به أي لفظ الجلالة بأن قال: ( أشهد ) أو ( أحلف ) أو
( أقسم ) أو (أعزم ) لأفعلن كذا ، كان يميناً عند جمهور الحنفية وفي رواية عن
أحمد وهي الراجحة في مذهبه : لأن القسم لما لم يجز بغير الله تعالى ، دل على أن
هنالك مقسماً به محذوفاً: وهو اسم الله تعالى، مثل « واسأل القرية)) أي أهلها ،
ولأن العرب تعارفت الحلف على هذا الوجه ، قال الله تعالى : ﴿ يحلفون لكم
لترضوا عنهم) ولم يقل: بالله، وقال عز وجل: ﴿إذا أقسموا ليصرمنها
مصبحين﴾ ولم يذكر بالله . وقال سبحانه: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا : نشهد
إنك لرسول الله - إلى قوله - اتخذوا أيمانهم جنة) فسماها الله يميناً .
(١) البدائع: فتح القدير: ص١٢ المرجعان السابقان، بداية المجتهد: ١ص٣٩٨، الشرح الكبير للدردير:
٢ص١٢٧، مغني المحتاج: ٤ص٣٢٣، المهذب: ٢ص١٣١، المغني: ٨ص٧٠٠ وما بعدها، شرح الباجوري: ٢ص٣٢١.
(٢) مغني المحتاج: ٤ص٣٢٤ ، المهذب : ٢ص١٣١، المغني: ٨ص٧٣١
- ٣٨٢ -

وقال المالكية مثل قولهم حالة ذكر المقسم به ، وهي الرواية الثانية عن
أحمد ، وقول زفر عند الحنفية : إن نوى اليمين بالله كان يميناً وإلا فلا ؛ لأنه
يحتمل القسم بالله وبغيره ، فلم تكن يميناً حتى يصرفه بنية إلى ما تجب به
الكفارة ، واستثنى المالكية من ذلك لفظ ( أعزم ) فإنه لا يكون يميناً وإن نوى ،
لأن معنى ( أعزم ) : أقصد وأهتم .
وقال الشافعية : لا يكون ذلك يميناً وإن نوى ؛ لأن ذكر المقسم به ركن
من أركان اليمين(١) .
تكرار المقسم به : إذا ذكر الحالف المقسم به مكرراً بدون حرف العطف
مثل قوله: ((والله الرحمن الرحيم الطالب الغالب المدرك)): كان يميناً واحدة بلا
خلاف. وإن كرر المقسم به بواسطة حرف عطف مثل قوله: ((والله والله)) أو
((والله والرحمن )) لا أفعل كذا: كان يمينين في أرجح الروايتين عن أئمة الحنفية
ماعدا زفر؛ لأنه لما عطف أحد الاسمين على الآخر كان الثاني غير الأول ؛ لأن
المعطوف غير المعطوف عليه ، فكان كل واحد منهما يميناً على حدة . أما إذا لم
يعطف أحدهما على الآخر ، فيجعل الثاني صفة للأول .
وقال زفر وهي الرواية الثانية عن أبي حنيفة : يكون ذلك يميناً واحدة في
الحالتين ؛ لأن حرف العطف قد يستعمل للاستئناف ، وقد يستعمل للصفة ،
فإنه يقال : فلان العالم والزاهد والجواد والشجاع ، فاحتمل المغايرة ، واحتمل
الصفة ، فلا تثبت يمين أخرى مع الشك(٢).
تكرار الخبر المقسم عليه : إذا كرر الحالف الخبر المقسم عليه بأن قال :
(١) المراجع السابقة: البدائع: ص٧، فتح القدير: ص١٣، الدردير: ص١٢٨، مغني المحتاج: ص٣٢٣ ،
المغني: ٨ص٧٠٢، ٧٣٢، تبيين الحقائق : ٣ص١١٠، بداية المجتهد: ص٣٩٨ .
(٢) البدائع: ٣ص٩ ، فتح القدير: ٤ص١٣، الدر المختار : ٣ص٥٧ .
- ٣٨٣ -

((والله لا أفعل كذا، لا أفعل)) أو قال: ((والله لا أكلم فلانا والله لا أكلمه)) فإنه
يكون عند الحنفية يمينين إلا إذا أراد بالكلام الثاني الإخبار عن الأول ، فإنه
يكون يميناً واحدة . والدليل على الحالة الأولى : أن الحالف لما أعاد المقسم عليه ،
علم أنه أراد به يميناً أخرى ، إذ لو أراد الصفة أو التأكيد لما أعاد المقسم عليه(١).
٣ - اليمين بالله تعالى بطريق الكناية :
إذا حلف إنسان بالخروج من الإسلام مثل أن يقول : إن فعلت كذا فأنا
بهودي أو نصراني أو مجوسي أو بريء من الإسلام أو من رسول الله أو من القرآن أو
كافر ، أو يعبد من دون الله أو يعبد الصليب أو نحوه مما يكون اعتقاده كفراً ،
فهذا ما اختلف فيه فقهاؤنا : فقال الحنفية (٢) وفي رواية عن أحمد : يكون يميناً
موجبة للكفارة إذا فعل الشيء المحلوف عليه ؛ لأن الناس. تعارفوا الحلف بهذه
الألفاظ من لدن رسول الله هم إلى يومنا هذا من غير نكير، ولو لم يكن ذلك
حلفاً لما تعارفوا ؛ لأن الحلف بغير الله تعالى معصية ، فدل تعارفهم على أنهم
جعلوا المذكور كناية عن الحلف بالله عز وجل ، وإن لم يعقل وجه الكناية فيه ،
كقول العرب: ((لله علي أن أضرب ثوبي حطيم(٣) الكعبة)) فهذا جعل كناية عن
النذر بالتصدق في عرفهم ، وإن لم يعقل وجه الكناية فيه .
وقال المالكية والشافعية والحنابلة في الرواية الصحيحة عندهم : لا يكون
ذلك يميناً لخلوه عن ذكر اسم الله تعالى وصفته ، ولا كفارة عليه بالحنث فيه ،
والحلف به معصية ، والتلفظ به حرام . هذا إذا قصد بيمينه تبعيد نفسه عن
(١) البدائع : ٣ص١٠.
(٢) البدائع ، المرجع السابق: ص٨ ، فتح القدير: ٤ص١٣، الدر المختار: ٣ص٥٩ ، الفتاوى الهندية :
٢ص٥١ .
(٣) الحطيم : جدار حجر الكعبة ، وقيل : ما بين الركن وزمزم والمقام .
- ٣٨٤ -

المحلوف عليه ، أما لو حلف على قصد الرضا بالتهود وما في معناه إذا فعل الفعل ،
كفر في الحال ، فإن لم يعرف قصده ، لا يحكم بكفره ، كما رجح الشافعية(١).
ويؤيد هذا الرأي ما روى بريدة أن رسول الله ماتم قال: ((من حلف أنه بريء
من الإسلام ، فإن كان كاذبا فقد قال ، وإن كان صادقاً فلم يرجع إلى الإسلام
سالما))(٢) .
هذا إذا أضاف اليمين إلى المستقبل ، فأما إذا أضاف اليمين إلى الماضي بأن
قال: ((إني يهودي أو نصراني إن فعلت كذا في الماضي)) كاذباً قصداً، فهذا يمين
الغموس ، ولا كفارة فيه عند جمهور الفقهاء ، كما بينا سابقاً .
لكن هل يكفرُ بقوله هذا ؟
اختلف مشايخ الحنفية في ذلك ، والصحيح ما روى الحاكم الشهيد عن أبي
يوسف أنه لا يكفر؛ لأنه ماقصد به الكفر، ولا اعتقده ، وإنما قصد به ترويج
كلامه وتصديقه فيه .
وكذلك لا يكفر في الصحيح إذا قال: (( يعلم الله أني فعلت كذا )) وهو يعلم
أنه لم يفعل . وقيل : انه يكفر إذا علم أن قوله هذا مكفر ؛ لأنه بالإقدام عليه
صار مختارا للكفر، واختيار الكفر كفر (٣).
(١) بداية المجتهد: ١ص٣٩٦، الشرح الكبير للدردير: ٢ص١٢٨، مغني المحتاج: ٤ص٣٢٤ ، المهذب :
٢ص١٢٩، المغني: ٨ص٦٩٨ ، القوانين الفقهية: ص١٥٨
(٢) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي وصححه من حديث بريدة بلفظ «من حلف ، فقال : إني بريء
من الإسلام ، فإن كان كاذباً ، فهو كما قال ؛ وإن كان صادقاً ، فلن يرجع إلى الإسلام سالما)» . وروى أبو يعلى عن أبي
هريرة قال : قال رسول الله فے: « من حلف علی یمین فهو كما قال : ان قال : اني هودي فهو يهودي ، وان قال:
اني نصراني فهو نصراني ، وأن قال : اني مجوسي فهو مجوسي » وفيه عنبس بن ميمون وهو متروك ( راجع جامع الأصول :
١٢ ص٢٩٥، سبل السلام: ٤ص١٠٢، نيل الأوطار: ٨ص٢٣٣، مجمع الزوائد: ٤ص١٧٧ ).
(٣) البدائع: ٣ص٨ ، تحفة الفقهاء : ٢ص٤٤٣، الطبعة القديمة ، الدر المختار: ٣ص٦١.
- ٣٨٥ _
الفقه الإسلامي جـ٣ (٢٥)

الحلف بتحريم شيء من ماله : قال الحنابلة والحنفية(١) إن قال : الحل
علي حرام ، أو قال : هذا حرام علي إن فعلت ، ثم فعل ، فهو مخير إن شاء ترك
ما حرمه على نفسه ، وإن شاء كفّر. وقال المالكية والشافعية : ليس بيمين
ولاشيء عليه ؛ لأنه قصد تغيير المشروع ، فلغا ما قصده . والراجح الرأي الأول
لقوله تعالى: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ـ إلى قوله - قد فرض الله
لكم تحلة أيمانكم ﴾ .
هل اليمين بحسب نية الحالف أم المستحلف ؟
اتفق الفقهاء على أن اليمين في الدعاوى تكون بحسب نية المستحلف ،
واختلفوا في مثل الأيمان على الوعود ونحوها ، فقال قوم : بحسب نية الحالف ،
وقال قوم آخرون : بحسب نية المستحلف .
أما المالكية فقالوا : اليمين على نية المستحلف ، ولا تقبل نية الحالف ؛ لأن
الخصم كأنه قبل هذه اليمين عوضاً عن حقه، ولأنه ثبت أن رسول الله ظافر قال:
((اليمين على نية المستحلف)) وفي رواية ((يمينك على ما يصدقك به
صاحبك)) (٢).
وأما الحنفية فقد فصلوا في رواية عن أبي حنيفة ، فقالوا : اليمين على نية
الحالف إذا كان مظلوما ، لأنه لا يقتطع بيمينه حقا ، فلا يأثم وإن نوى غير
الظاهر من كلامه ، وإن كان ظالما فعلى نية المستحلف ، لأنه يكون حينئذ آثماً
إن نوى به غير ما حلف عليه . والمعول عليه عندهم هو أن اليين على نية
(١) المغني: ٦٩٩/٨ وما بعدها ، ٧٣٣ .
(٢) أخرج مسلم وابن ماجه هاتين الروايتين عن أبي هريرة ، وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه
الرواية الثانية ، وهو حجة لمن قال: الاعتبار بقصد المحلّف سواء أكان حاكمً أو دائنا عاديا ظالما أو مظلوما ، صادقا أو
كاذبا (راجع نيل الأوطار: ٨ص٢١٨، جامع الأصول: ١٢ص٢٠٧، الإلمام: ص٤٢٧ ، سبل السلام: ٤ص١٠٢).
- ٣٨٦ -

المستحلف إلا إذا كانت اليمين بالطلاق أو العتاق ونحوهما ، فتعتبر نية الحالف إذا
لم ينو خلاف الظاهر ظالما كان الحالف أو مظلوما ، وكذلك إذا كانت اليمين بالله
تعالى وكان الحالف مظلوما ، فإنه تعتبر نية الحالف أيضا . والظالم : من يريد
بيمينه إبطال حق الغير .
ووافق الحنابلة أبا حنيفة ، فمن حلف فتأول في يمينه أي قصد بكلامه محتلاً
يخالف ظاهره ، فله تأويله إن كان مظلوماً ، وإن كان ظالماً لم ينفعه تأويله .
وأما الشافعية فقالوا : العبرة في اليمين بنية الحالف ؛ لأن المقصود من الأيمان
هو المعنى القائم بالنفس ، لا ظاهر اللفظ(١).
٤ - اليمين بغير الله تعالى صورة ومعنى ( الحلف بمخلوق ) :
إذا حلف الإنسان بغير الله تعالى ، كالإسلام أو بأنبياء الله تعالى أو بملائكته
أو بالكعبة أو بالصلاة والصوم والحج، أو قال: ((عليَّ سخط الله وعذابه)) أو
بالآباء أو الأمهات أو الأبناء ، أو بالصحابة أو بالسماء أو بالأرض أو بالشمس أو
بالقمر والنجوم ونحوها ، ومثل : لعمرك وحياتك وعيشك وحقك فلا يكون
يميناً بإجماع العلماء ، وهو مكروه (٢) . قال الشافعي: أخشى أن يكون معصية
ولا يجب عليه كفارة ؛ لأنه حلف بغير الله تعالى ، والناس وإن تعارفوا الحلف
بالآباء ونحوهم لكن الشرع نهى عنه ، وروي عن رسول الله تع أنه قال :
(١) راجع هذا المبحث في بداية المجتهد: ١ص٤٠٣، البدائع: ٣ص٢٠، الأشباه والنظائر لابن نجيم: ١ص٨١ ،
مغني المحتاج : ٤ص٣٢١، المغني: ٨ص٧٢٧ ، ٧٦٣ وما بعدها ، الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه :
٢ص١٣٩، القوانين الفقهية: ص١٦٢، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص٣٥.
(٢) البدائع، المرجع السابق: ص ٨، ٢١ ، فتح القدير: ٤ ص ٩ ، الفتاوى الهندية: ٢ ص ٤٨ ، الدر
المختار: ٣ ص ٥٦، الشرح الكبير للدردير: ٢ ص ١٢٨، مغني المحتاج: ٤ ص ٣٢٠ ، المهذب: ٢ ص ١٢٩ ، المغني :
٨ ص ٦٧٧، ٧٠٤ ، القوانين الفقهية : ص ١٥٨ .
- ٣٨٧ -

((لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت))(١)، ((فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو
ليذر)»(٣) وقال عليه السلام: ((من حلف بغير الله فقد أشرك))(٣) ولأن هذا النوع
من الحلف لتعظيم المحلوف به ، وهذا التعظيم لا يستحقه إلا الله تعالى .
٥ - اليمين بغير الله تعالى صورة ولكنها يمين بالله معنى :
وهي اليمين بغير القربات التي يتقرب بها إلى الله تعالى ، وهي الحلف
بالطلاق والعتاق ، أو كالمشي إلى مكة ، والصوم والصدقة وغيرها ، وذلك بذکر
الشرط والجزاء(٤) ، وبما أنه مانع عن تحصيل الشرط ، وحامل على البر ، فهو
بمنزلة ذكر اسم الله تعالى . ويتحقق هذا الحلف باستعمال أحد حروف الشرط
وهي : إن ، وإذا ، وإذا ما، ومتى ، ومتى ما ، ومهما ، وكلما .
مثل قوله لامرأته: ((إذا دخلت هذه الدار فأنت طالق)) أو: ((إن
دخلت)) أو: ((متى دخلت)) أو: ((إذا ما دخلت)) أو: ((متى ما دخلت )) فإن
(١) رواه النسائي، وأخرجه مسلم بلفظ : ((لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم)) عن عبد الرحمن بن سمرة ، ورواه
البزار والطبراني في الكبير عن سمرة بلفظ: (( لا تحلفوا بالطواغيت ولا تحلفوا بآبائكم واحلفوا بالله)) وإسناد البزار
ضعيف ، وفي إسناد الطبراني مساتير (راجع جامع الأصول : ١٢ ص ٢٩٤ ، مجمع الزوائد: ٤ ص ١٧٧ ) والمقصود
بالطواغي والطواغيت : الأوثان وكل ما كان أهل الجاهلية يقدسونه ويعبدونه، وكذلك الشياطين ، وكل رأس في
ضلالة فهو طاغوت .
(٢) هذه العبارة من حديث آخر بلفظ: (( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو
ليصمت)) وفي رواية: ((أو ليسكت)) أخرجه أصحاب الكتب الستة ومالك وأحمد والبيهقي عن ابن عمر، وقد سبق
تخريجه ( راجع جامع الأصول : ١٢ ص ٢٩٣، نصب الراية: ٣ ص ٢٩٥).
(٣) رواه أحمد بهذا اللفظ عن ابن عمر، ورواه أبو داود والترمذي وحسنه الحاكم وصححه بلفظ: ((من حلف
بغير الله، فقد كفر)) ورواه الترمذي وابن حبان بلفظ: ((فقد كفر وأشرك)» للمبالغة في الزجر والتغليظ في ذلك ،
وهو في الجملة محمول على من اعتقد فيا حلف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى (راجع جامع الأصول : ١٢
ص ٢٩٣ ، نيل الأوطار: ٨ ص ٢٢٧ ، سبل السلام: ٤ ص ١٠١ ).
(٤) الشرط : العلامة، فسمي ما حلف عليه الحالف شرطاً: علامة على تحقق الجزاء ، والجزاء : هو ما دخل
عليه حرف التعليق وهو حرف الفاء إذا كان الجواب متأخراً ذكره عن الشرط مثل : إن دخلت الدار فأنت طالق ،
فإن تقدم الجزاء فلا حاجة إلى حرف الفاء .
- ٣٨٨ -

وجد الدخول طلقت ؛ لأن هذه حروف الشرط ، فإذا وجد الشرط ، حنث في
يمينه ، فإن تكرر دخولها لا تطلق ؛ لأن هذه الحروف لا تقتضي التكرار (١).
وحكمها : أنه يلزمه تنفيذ ما حلف به ، ولا كفارة فيه .
ولو قال لامرأته : ( كلما دخلت هذه الدار فأنت طالق ) يحنث
بدخولها الدار ، فإن تكرر دخولها مرة ثانية أو ثالثة ، تكرر وقوع الطلاق ،
فتطلق طلقة واحدة في كل مرة ؛ لأن كلمة ( كلما ) تقتضي تكرار الأفعال ،
وهي قد دخلت على فعل الدخول . هذا إذا تكرر الدخول في حالة زوجية
واحدة ، فإن طلقت ثلاثاً ، فتزوجت بزوج آخر ، وعادت إليه ، ثم دخلت الدار
في المرة الرابعة ، لا يقع الطلاق عند أئمة الحنفية ما عدا زفر، لأن محل الجزاء قد
فات(٢).
ولو قال : ( كل امرأة أتزوجها فهي طالق ) فتزوج امرأة ، تطلق
لوجود الشرط ، ولو تزوجها ثانية لا تطلق ؛ لأن الطلاق توقف على الزواج
لا على طريق التعليق بالشرط ، بل لأنه أوقع الطلاق على امرأة متصفة بأنه
تزوجها ، ويحصل الاتصاف عند التزوج . ولو تزوج امرأة أخرى تطلق ؛ لأن
كلمة ( كل ) توجب عموم الأسماء أي كل ما يوصف بأنه امرأة ، ولا توجب عموم
الأفعال وتكرارها(٣) .
الجمع بين شرطين في يمين : إذا جمع الحالف بين شرطين بأن عطف أحدهما
على الآخر بحرف الواو لا يقع الطلاق إلا عند وجود الشرطين ، مثل قوله :
(١) البدائع: ٣ ص ٢١ ، القوانين الفقهية: ص ١٥٩.
(٢) البدائع ، المرجع السابق : ص ٢٣ .
(٣) البدائع : ص ٢١ .
- ٣٨٩ -

((إن دخلت هذه الدار وهذه الدار)) فلا يقع الطلاق إلا عند دخول الدارين
جميعاً ، سواء قدم الشرط أو أخره أو كان متوسطاً ، ولا يشترط الترتيب في
دخول الدارين ؛ لأن حرف الواو لمطلق الجمع ، ولعطف الشيء على جنسه ،
فيكون الشرط معطوفاً على الشرط لا على الجزاء .
وكذلك إن عطف بحرف الفاء لا بد من تحقق الشرطين أيضاً بأن قال :
((إن دخلت هذه الدار، فهذه الدار، فأنت طالق)) إلا أنه يشترط هنا دخول
الدارين على الترتيب بأن تدخل الأولى ثم الثانية ؛ لأن حرف الفاء يفيد الجمع
على سبيل الترتيب والتعقيب بلا تراخ .
وكذلك إن كان العطف بحرف ( ثم ) لا بد من تحقق الشرطين بأن قال :
((إن دخلت هذه الدار، ثم هذه الدار، فأنت طالق)) فيقع الطلاق بدخول
الدارين على الترتيب مع التراخي بأن يدخل الدارين الأولى ثم الثانية بعد مدة
ساعة من الزمن أو أكثر منها ؛ لأن حرف (ثم ) للترتيب والتعقيب مع التراخي .
والحكم لا يختلف في الجمع بين الشرطين ، سواء كرر حرف العطف بدون
الفعل، كما بينا، أو كرر حرف العطف مع الفعل بأن قال: ((إن دخلت هذه
الدار ودخلت هذه الدار» وذلك بالواو أو بالفاء أو بحرف (ثم)(١) .
فإن قال: ((الأيمان تلزمني)) يحمل على العرف الثابت عند المالكية ، والمراد
به في بعض البلاد الطلاق الثلاث ، فيلزمه(٢).
تكرار الأيمان في مجلس واحد أو في مجلسين : إذا حلف إنسان فقال :
((والله لا أكلم فلاناً)) ثم قال في ذلك المجلس، أو في مجلس آخر: ((والله لا أكلم
(١) البدائع : ٣ ص ٣١ .
(٢) القوانين الفقهية: ص ١٦٠ .
- ٣٩٠ -

فلاناً)) أو قال لامرأته: ((إن دخلت هذه الدار فأنت طالق)) ثم قال بعدئذ:
((إن دخلت هذه الدار فأنت طالق)) فهنا ثلاثة احتمالات: إما ألا يكون له
نية ، أو نوى بالثانية التغليظ والتشديد ، أو نوى بالثانية الأولى .
آ - فإن لم يكن له نية: فلا شك أنها يمينان ، حتى لو فعل كان عليه
كفارتان ، فلو كلم فلاناً لزمه كفارتان ، وفي اليمين بالطلاق يقع طلقتان إن
تحقق الشرط .
ب - وإن نوى باليمين الثانية التغليظ : فكذلك عليه يمينان ، ويلزمه
كفارتان إذا كلم فلاناً ، كما أنه يقع عليه طلاقان بدخول الدار . ودليل هاتين
الحالتين هو أنه لما أعاد المقسم عليه مع المقسم به ، علم أنه أراد به يميناً أخرى .
جـ - وإن نوى باليمين الثانية الأولى : كان عليه يمين واحدة ، لأنه نوى
التكرار ، وهو مستعمل في العرف للتأكيد ، إلا أن في مسألة الطلاق لا يصدق
قضاء ، ويصدق ديانة ؛ لأن كلامه ظاهر في تكرار الیمین ، فإن نوی خلاف
الظاهر ، صدق فيما بينه وبين الله تعالى(١) .
وقال المالكية(٢) كالحنفية : إذا حلف الحالف على شيء واحد بعينه مراراً
كثيرة ، ففي كل يمين كفارة ، إلا أن ينوي أو يريد التأكيد .
وقال الحنابلة(٣) : إذا كرر الحالف اليمين على شيء واحد ، مثل قوله : والله
لأغزون قريشاً ، والله لأغزون قريشاً ، والله لأغزون قريشاً ، فحنث ، فليس
عليه إلا كفارة واحدة .
(١) البدائع، المرجع السابق: ص ١٠، الفتاوى الهندية: ٢ ص ٥٣ ، تحفة الفقهاء : ٢ ص ٤٤٦ وما بعدها .
(٢) بداية المجتهد: ١ ص ٤٠٧ ، الشرح الكبير: ٢ ص ١٣٥ وما بعدها .
(٣) المغني : ٨ ص ٧٠٥ .
- ٣٩١ -

وعن الشافعي قولان(١): أحدهما كالحنابلة ، والآخر كالمالكية ، والراجح فيما
يظهر أنهم كالمالكية .
وسبب الاختلاف : هل الموجب للتعدد هو تعدد الأيمان بالجنس أو
بالعدد ، فمن قال : اختلافها بالعدد ، قال : لكل يمين كفارة إذا كرر . ومن
قال : اختلافها بالجنس ، قال : في هذه المسألة يمين واحدة .
المبحث الثالث - شروط اليمين :
اشترط الحنفية شروطاً لصحة اليمين بالله تعالى ، سواء بالنسبة للحالف
والمحلوف عليه ورکن اليمين(٣) .
آ - شروط الحالف: يشترط في الحالف شرطان :
أولهما - أن يكون الحالف عاقلاً بالغاً قاصداً إلى اليمين : فلا يصح يمين الصبي
والمجنون والنائم .
م
ثانيهما - أن يكون مسلماً : فلا يصح يمين الكافر؛ لأن كفارة اليمين عبادة ،
والكافر ليس من أهلها . والدليل على أن الكفارة عبادة : أنها لا تتأدى بدون
النية ، وكذا لا تسقط بأداء الغير عن الحانث ، وهذان حكمان مختصان
بالعبادات ، إذ غير العبادة لا تشترط فيه النية ، ويسقط بأداء الغير مثل الديون
ورد المغصوب ونحوها ، والكافر ليس من أهل العبادات ، فلا تجب بيمينه
الكفارة .
وقال غير الحنفية(٢): تصح اليمين من الكافر ، وتلزمه الكفارة سواء حنث في
(١) المهذب: ٢ ص ١٣١، مغني المحتاج: ٤ ص ٣٢٣.
(٢) البدائع: ٣ ص ١٠ - ١٥، فتح القدير: ٤ ص ٣ وما بعدها ، الفتاوى الهندية: ٢ ص ٤٨.
(٣) مغني المحتاج: ٤ ص ٣٢٠، المغني: ٨ ص ٦٧٦، الميزان للشعراني: ٢ ص ١٣٠.
- ٣٩٢ -

أثناء كفره ، أو بعد إسلامه ، بدليل أن عمر رضي الله عنه نذر في الجاهلية أن
يعتكف في المسجد الحرام، فأمره النبي ◌ُ ◌ّ بالوفاء بنذره (١)، ولأن الكافر من
أهل اليمين بالله تعالى ، بدليل قوله تعالى : ﴿ فيقسمان بالله ﴾ .
وأما الحرية فليست بشرط فتصح يمين العبد ، وكفارته بالصوم حال رقه ،
وكذا الطواعية والاختيار ليس شرطاً عند الحنفية والمالكية ، فتصح اليمين من
المكره ؛ لأنها من التصرفات التي لا تحتمل الفسخ ، فلا يؤثر الإكراه في اليمين
كالطلاق والنذر ونحوهما .
وقال الشافعية والحنابلة : يشترط أن يكون الحالف مختاراً ، فلا تنعقد يمين
المكره، لقوله مع اليه: ((ليس على مقهور يمين)) (٢) ولأنه قول حمل عليه بغير
حق ، فلم يصح ككلمة الكفر ، كما سبق بيانه في أنواع اليمين .
ب - شرط المحلوف عليه : يشترط في المحلوف عليه عند أبي حنيفة ومحمد
وزفر شرط واحد: وهو أن يكون متصور الوجود(٣) حقيقة عند الحلف ، وفي
حال بقاء اليمين . وهو شرط انعقاد اليمين على أمر في المستقبل ، وشرط لبقاء اليمين
أيضاً ، فلا ينعقد اليمين على ما هو مستحيل الوجود حقيقة ، ولا يبقى إذا صار
بحال يستحيل وجوده .
وقال أبو يوسف : ليس هذا بشرط لانعقاد اليمين ولا لبقائها ، وإنما الشرط
فقط أن تكون اليمين على أمر في المستقبل .
(١) رواه أصحاب الكتب الستة عن ابن عمر أن عمر قال: (( يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف
يوماً في المسجد الحرام؟ قال: أوف بنذرك)) وزاد البخاري في رواية: ((فاعتكف ليلة)) الفعل بصيغة الأمر (انظر
جامع الأصول: ١٢ ص ١٨٥، الإلمام: ص ٣١٢ ، سبل السلام: ٤ ص ١١٥، نيل الأوطار: ٨ ص ٢٤٩، نصب
الراية : ٣ ص ٣٠٠ ) .
(٢) حديث ضعيف ، وقد سبق تخريجه .
(٣) أي متصور البر والوفاء بمقتضى ما حلف عليه .
- ٣٩٣ -

وقد اتفق أبو حنيفة وصاحباه على أن كون اليمين متصور الوجود عادة ليس
بشرط لانعقاد اليمين ، وقال زفر : هو شرط ، لا تنعقد اليمين بدونه .
ويتوضح الخلاف بالأمثلة التطبيقية على كل من الحالتين : المستحيل
حقيقة ، والمستحيل عادة ، وذكر بعضها في بحث أنواع اليمين .
أما أمثلة النوع الأول وهو المستحيل حقيقة فهي : لو قال إنسان : ( والله
لأشربن الماء الذي في هذا الكوز ) فتبين أنه لا ماء فيه ، لا تنعقد اليمين عند
أبي حنيفة ومحمد وزفر ، لعدم تحقق شرط انعقاد اليمين : وهو تصور شرب الماء
الذي حلف عليه .
وعند أبي يوسف : تنعقد اليمين لوجود الشرط بحسب رأيه : وهو مجرد إضافة
اليمين إلى المستقبل .
فإن كان الحالف يعلم أنه لا ماء في الكوز، فهو من المستحيل عادة : تنعقد
اليمين عند أئمة الحنفية الثلاثة ، وعند زفر: لا تنعقد . ويجري هذا الخلاف فيما لو
وقَّت اليمين فقال: ((والله لأشربن الماء الذي في هذا الكوز اليوم ».
وإذا قال الحالف : ( والله لأقتلن فلاناً ) : مع أن فلاناً هذا ميت ، وهو
لا يعلم بموته ، لا تنعقد اليمين عند أبي حنيفة ومحمد وزفر ، وعند أبي يوسف :
تنعقد .
ويجري هذا الخلاف فيما إذا قال شخص : ( والله لأقضین دين فلان
غداً ) فقضاه اليوم ، أو أبرأه صاحب الدين قبل مجيء الغد ، لا يحنث في يمينه
عند الطرفين وزفر والحنابلة . وعند أبي يوسف والشافعي : يحنث .
وكذا إذا قال الزوج في اليمين بالطلاق : ( إن لم أشرب هذا الماء اليوم
- ٣٩٤ -

فامرأتي طالق ) ثم أهريق الماء قبل انقضاء اليوم : لا يحنث عند الطرفين
وزفر ، وعند أبي يوسف : يحنث .
وأما أمثلة النوع الثاني : وهو المستحيل عادة فهي : لو قال
شخص: ( والله لأمسن السماء) أو ( لأصعدن السماء ) أو ( لأحولن هذا
الحجر ذهباً ) وحكمه أنه تنعقد اليمين عند أئمة الحنفية الثلاثة . وعند زفر :
لا تنعقد .
الأدلة : استدل أبو يوسف على المستحيل حقيقة فقال : إن الحالف شرط
لحنثه عدم تحقق فعل من الأفعال : وهو القتل أو شرب الماء مثلاً ، فإذا تحقق
الشرط حنث ، كما في المستحيل عادة .
واستدل أبو حنيفة ومحمد وزفر : بأن اليمين تنعقد بقصد البر والوفاء بما حلف
عليه ، والكفارة تجب لستر الذنب الذي حصل بعدم البر وهو الحنث ، فإذا لم
يكن البر متصور الوجود حقيقة لا يتصور الحنث ، فلم يكن في انعقاد اليمين
فائدة ، فلا تنعقد . وهذا بخلاف المستحيل عادة ، فإن البر متصور الوجود في
نفسه حقيقة بأن يقدر الله تعالى الحالف على صعود السماء مثلاً ، كما أقدر الملائكة
والأنبياء عليهم السلام ، إلا أنه عاجز عن ذلك عادة ، فيحنث للعجز عن تحقيق
مقتضى يمينه في العادة .
واستدل زفر على عدم انعقاد اليمين في المستحيل عادة بقوله : المستحيل عادة
يلحق بالمستحيل حقيقة ، وبما أنه لا تنعقد اليمين في المستحيل حقيقة ، فلا تنعقد
في المستحيل عادة .
واستدل جمهور الحنفية على انعقاد اليمين في المستحيل عادة : بأن الذي .
ينبغي مراعاته هو حقيقة الشيء والعادة فيه ، فإذا قررنا انعقاد اليمين فقد اعتبرنا
- ٣٩٥ -

الحقيقة والعادة معاً ، وهو أولى من النظر إلى العادة فقط ، أو إهدار الحقيقة كما
یری زفر .
والخلاصة : أن زفر سوّى في الحكم بين المستحيل حقيقة والمستحيل عادة وهو
عدم انعقاد اليمين ، وأن أبا يوسف سوى في الحكم بين النوعين وهو انعقاد اليمين ،
وأن أبا حنيفة ومحمد فرقا بين المستحيل حقيقة والمستحيل عادة ، فتنعقد اليمين في
النوع الثاني دون الأول .
وقد وافق بقية أئمة المذاهب رأي جمهور الحنفية في المستحيل عادة . وأما في
المستحيل عقلاً فقد اتفق الشافعي والقاضي من الحنابلة مع أبي يوسف في الرأي .
كما اتفق مالك وأبو الخطاب من الحنابلة مع أبي حنيفة ومحمد وزفر رحمهم الله
جمیعاً ، وقد سبق ذكر ذلك كله
جـ ـ شرط ركن اليمين : ركن اليمين بالله تعالى: هو اللفظ الذي يستعمل
في اليمين بالله تعالى ، وهو مركب من المقسم عليه والمقسم به . وقد تكلمنا عن
المقسم به تحت عنوان : صيغة اليمين .
الاستثناء في اليمين : اشترط جميع الفقهاء(١) في نفس ركن اليمين : أن
يخلو عن الاستثناء(٢) ، مثل: إن شاء الله تعالى، أو إلا أن يشاء الله ، أو ما شاء
الله ، أو إلا أن يبدو لي غير هذا ، أو إلا أن أرى غير هذا ، أو إلا أن أحب غير
هذا ، أو قال : إن أعانني الله ، أو يسّر الله ، أو قال : بمعونة الله ، أو بتيسيره
ونحوها .
(١) راجع المغني لابن قدامة الحنبلي: ٨ ص ٧١٥ وما بعدها، البدائع: ٣ ص ١٥ ، مختصر الطحاوي :
ص ٣٠٨ ، بداية المجتهد: ١ ص ٣٩٩ ، القوانين الفقهية : ص ١٦٦ وما بعدها .
(٢) إذا قال الحالف مع يمينه: إن شاء الله، فهذا يسمى استثناء، روى ابن عمر عن النبي مَفع أنه قال: ((من
حلف فقال : إن شاء الله فقد استثنى )) .
- ٣٩٦ -

فإن قال الحالف شيئاً من ذلك متصلاً مع لفظ اليمين ، لم تنعقد اليمين أي أن
للاستثناء بالمشيئة تأثيراً في اليمين بالاتفاق . وإن فصل الاستثناء عن لفظ اليمين
انعقدت. ودليله قول النبي ◌َ ◌ّ: ((من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث)) (١)
وروى أبو داود: ((من حلف فاستثنى: فإن شاء رجع، وإن شاء ترك)) (٢) فقول
النبي عليه الصلاة والسلام: ((من حلف فاستثنى)» يقضي كونه عَقِبه لا منفصلاً
عنه .
وذكر المالكية شروطاً ثلاثة لتعطيل اليمين بالاستثناء بالمشيئة أو بإلا وهي
ما يأتي(٣):
أحدها - النطق باللسان، ولا يكفيه مجرد النية إلا في الاستثناء بمشيئة
الله .
الثاني - اتصاله باليين من غير فصل إلا بنحو سعال أو عطاس أو تثاؤب أو
شبه ذلك . وقال الشافعي : لا بأس بالسكتة الخفيفة للتذكر أو للتنفس أو
انقطاع الصوت .
الثالث - قصد حل اليمين : فلو قصد تأكيد اليمين أو التفويض إلى الله أو
التأدب والتبرك ، لم ينفعه الاستثناء .
(١) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة، وعند النسائي: ((من حلف على يمين، فقال: إن
شاء الله، فقد أستثنى)) ( راجع جامع الأصول: ١٢ ص ٢٩٨ ، نصب الراية: ٣ ص ٣٠٢).
(٢) رواه مالك والشافعي وأحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن حبان والحاكم من حديث ابن عمر، وفي لفظ :
((من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله، فقد استثنى)) وفي وراية الترمذي: ((من حلف على يمين فقال: إن شاء
الله، فلا حنث)) ورجاله رجال الصحيح إلا أن القاسم لم يدرك ابن مسعود ( المرجعان السابقان ، مجمع الزوائد : ٤
ص ١٨٢ ، الإلمام: ص ٤٢٧ ، نيل الأوطار: ٨ ص ٢١٩ ، سبل السلام: ٤ ص ١٠٣ ).
(٣) القوانين الفقهية: ص ١٦٧، ١٧١، الشرح الكبير: ٢ ص ١٢٩، ١٦١.
- ٣٩٧ -

أما النذر فلا ينفع فيه الاستثناء بالمشيئة .
ووافقهم بقية الفقهاء في الشرطين الأولين(١) . وإن قال : إلا أن يشاء فلان ،
فإن لم تعلم مشيئته لغيبة أو جنون أو موت ، انحلت اليمين ، لأنه لم يوجد
الشرط . وإن عرفت مشيئته فشاء لزمه الفعل .
المبحث الرابع - أحوال اليمين التي يحلف عليها فعلاً :
يحلف الإنسان عادة على الأحوال المحيطة به من أكل وشرب ودخول وخروج
وجلوس ورکوب وسکنی ولبس وكلام وضرب ونحوها قاصداً حث نفسه أو غيره
على فعل الشيء أو المنع منه ، فإن خالف مقتضى يمينه حنث ووجبت عليه
الكفارة . لهذا كان مناسباً أن نعنون لهذا المبحث بأحوال اليمين التي يكون الكلام
عنها في أحد عشر مطلباً بحسب ما هو الأغلب وقوعه بين الناس .
وقبل البدء بالكلام عن هذه المطالب نحقق هذه المسألة المهمة التي اختلف
فيها الفقهاء ، والتي يتوقف إصدار الحكم في أهم موضوعات هذه المطالب على
معرفتها وهي :
هل الأيمان مبنية على العرف أو النية أو صيغة اللفظ ؟
قال الحنفية : الأيمان مبنية على العرف والعادة لا على المقاصد والنيات ،
لأن غرض الحالف : هو المعهود المتعارف عنده ، فيتقيد بغرضه . هذا هو الغالب
عندهم ، وقد تبنى الأيمان عندهم على الألفاظ لا على الأغراض(٣).
(١) المغني : ٨ ص ٧١٦ وما بعدها .
(٢) قال ابن عابدين في رسائله (١ ص ٣٠٤): كل من هاتين القاعدتين مقيدة بالأخرى ، فقولهم: ((الأيمان
مبنية على العرف)) معناه العرف المستفاد من اللفظ لا الخارج عن اللفظ اللازم له. وقولهم: ((الأيمان مبنية على
الألفاظ لا الأغراض)» معناه الألفاظ العرفية. وإذا تعارض الوضع الأصلي للكلمة والوضع العرفي ترجح الوضع العرفي .
- ٣٩٨ _

وقال الشافعية : الأيمان مبنية على الحقيقة اللغوية أي بحسب صيغة اللفظ ،
لأن الحقيقة أحق بالإرادة والقصد ، إلا أن ينوي شيئاً فيعمل بنيته ، مثاله : لو
حلف إنسان ألا يأكل رؤوساً ، فأكل رؤوس حيتان ( مفرده : حوت ) فمن راعى
العرف قال : لا يحنث ، ومن راعى دلالة اللغة قال : يحنث . وكذلك يحنث من
حلف لا يأكل لحماً ، فأكل شحماً مراعاة لدلالة اللفظ ، وقال الآخرون :
لا يحنث .
والخلاصة : أن الشافعي يتبع مقتضى اللغة تارة ، وذلك عند ظهورها
وشمولها ، وهو الأصل العام ، وتارة يتبع العرف إذا اشتهر واطرد .
وقال مالك في المشهور من مذهبه : المعتبر في الأيمان التي لا يقضى(١) على
حالفها بموجبها وكذلك النذور هو النية ( أي نية الحالف في غير الدعاوى ففيها
تعتبر نية المستحلف كما بينا سابقاً ) ، فإن عدمت فقرينة الحال ، فإن عدمت
فعرف اللفظ أي ما قصد الناس من عرف أيمانهم ، فإن عدم فدلالة اللغة ،
وقيل : لا يراعى إلا النية أو ظاهر اللفظ اللغوي فقط ، وقيل : يراعى النية
وبساط الحال أي السبب الحامل على اليمين ، أو المقام وقرينة السياق في اصطلاح
علم المعاني . ولا ينفع في النذر الاستثناء بالمشيئة .
وأما الأيمان التي يقضى بها على صاحبها : ففي مجال الاستفتاء تراعى هذه
الضوابط على هذا الترتيب، وإن كان مما يقضى بها عليه لم يراع فيها إلا اللفظ إلا أن
يؤيد ما ادعاه من النية قرينة الحال أو العرف.
قال الشاطبي : من مذهب مالك أن يترك الدليل للعرف ، فإنه رد الأيمان
(١) أي التي لا يصدر فيها حكم قضائي ، وإنما يترك شأنها للحالف بينه وبين الله تعالى، وذلك في الأمور التي
تكون علاقتها بنفس الإنسان أو بالله سبحانه . أما الأمور التي تتعلق بالناس فهذه مما يقضى فيها على الحالف .
- ٣٩٩ -

إلى العرف ، مع أن اللغة تقتضي في ألفاظها غير ما يقتضيه العرف . كمن حلف
لا يدخل بيتاً : لا يحنث بدخول المسجد ، لأنه لا يسمى بيتاً في العرف(١).
وقال الحنابلة : يرجع في الأيمان إلى النية أي نية الحالف ، فإن نوى بيمينه
ما يحتمله اللفظ انصرفت يمينه إليه، سواء أكان ما نواه موافقاً لظاهر اللفظ، أم
مخالفاً له (٢) لقول النبي عَّمَ: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))(٢)
فإن لم ينو شيئاً رجع إلى سبب اليمين وما هيجها أو أثارها لدلالته على النية . فإن
حلف لا يأوي مع امرأته في هذه الدار ، فإن كان سبب يمينه غيظاً من جهة الدار
الضرر لحقه منها أو منة عليه بها ، اختصت يمينه بها . وإن كان لغيظ لحقه من
المرأة يقضي جفاءها ولا أثر للدار فيه ، تعلق ذلك پإيوائه معها في كل دار .
هذا .. وقد عرفنا أنه ينقسم هذا المبحث إلى أحد عشر مطلباً نبحثها فيا
يأتي :
المطلب الأول - الحلف على الدخول :
نبدأ ببيان الأفعال أو الأحوال التي يحلف عليها فعلاً ، وأولها الدخول لمكان
باعتباره من أهم الأسباب التي تثير المشكلات ، وتستدعي الحلول بعد انعقاد
الأيمان المحلوفة لمنع المرء نفسه أو غيره من الدخول إلى مكان من الأمكنة .
(١) الاعتصام : ٢ / ١٤١ .
(٢) انظر هذا المبحث في تبيين الحقائق: ٣ ص ١١٦ وما بعدها، البدائع: ٣ ص ٣٨ ، الفتاوى الهندية : ٢
ص ٦٣، الدر المختار: ٣ ص ٧٨، رسائل ابن عابدين: ١ ص ٢٩٢، الأشباه والنظائر لابن نجيم: ١ ص ٨٢ ، بداية
المجتهد: ١ ص ٣٩٨، ٤٠٢ وما بعدها. الشرح الكبير للدردير: ٢ ص ١٣٥، ١٣٩ وما بعدها ، مغني المحتاج: ٤
ص ٣٣٥ وما بعدها ، المغني: ٨ ص ٧٦٣ وما بعدها ، القوانين الفقهية: ص ١٦١ وما بعدها، ١٧١.
(٣) رواه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وهو حديث متواتر عن ثلاثين صحابياً ( شرح
مسلم : ١٣ ص ٥٣ ، الأربعين النووية: ص ١٦، النظم المتناثر من الحديث المتواتر للسيد جعفر الكتاني: ص ١٧ ) .
- ٤٠٠ -