Indexed OCR Text

Pages 321-340

:
عند أحمد من حديث ابن عمر: (( وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف
صلاة)) وروي الطبراني عن أبي الدرداء: ((الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف
صلاة ، والصلاة في مسجدي بألف صلاة ، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة
صلاة)) وهذا يدل على أفضلية هذه المساجد الثلاثة : المسجد الحرام ثم المسجد
النبوي ثم المسجد الأقصى ، والمسجد الحرام أفضل المساجد على الإطلاق ، ويقصد
بالذات للعبادة فيه، ويجب أداء الصلاة فيه إذا نذرت، لقوله مَ اقال: ((لا تشد
الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ، ومسجدي هذا، والمسجد
الأقصى )»(١) .
ويطلق المسجد الحرام غالباً ويراد به هذا المسجد ، وقد يراد به الحرم ، وقد
يراد به مكة ، كما في قوله تعالى: ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد
الحرام) وقد ازدادت أهميته بجعله من أهم أماكن شعائر الحج في أيام
معلومات(٣) .
ثالثاً - المجاورة بمكة وفضيلتها :
تعالـ
قال جماعة منهم النووي والزركشي(٢): إن حرم مكة كالمسجد الحرام في
مضاعفة ثواب الصلاة بل وسائر أنواع الطاعات ، قال الحسن البصري : صوم يوم
بمكة بمائة ألف ، وصدقة درهم بمائة ألف ، وكل حسنة بمائة ألف .
قال ◌َواقعٍ: ((رمضان بمكة أفضل من ألف رمضان بغير مكة))(٤) وقال
(١) رواه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة .
(٢) وقد عرفنا أن الأيام المعلومات عند المالكية هي أيام النحر الثلاثة ، والأيام المعدودات هي أيام منى وهي
أيام التشريق وهي الثلاثة بعد يوم النحر .
(٣) إعلام الساجد بأحكام المساجد: ص١١٩ - ١٢٩، فتح القدير: ٣٣٥/٢، الدر المختار: ٣٥٤/٢، الإيضاح:
ص٨٤ ، غاية المنتهى: ٣٩٥/١ .
(٤) رواه البزار عن ابن عمر، وهو ضعيف كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد .
الفقه الإسلامي جـ ٣ (٢١)
- ٣٢١ -

أيضا: (( من حج من مكة ماشياً ، حتى يرجع إليها كتب له بكل خطوة سبعمائة
حسنة من حسنات الحرم، وحسنات الحرم بمائة ألف حسنة))(١) .
وقال جماعة من العلماء منهم ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأحمد بن
حنبل : تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات . وقال بعض المتأخرين :
القائل بالمضاعفة : أراد مضاعفة مقدارها أي غلظها لا كميتها في العدد ، فإن
السيئة جزاؤها سيئة ، لكن السيئات تتفاوت ، فالسيئة في حرم الله أكبر وأعظم
منها في طرف من أطراف البلاد .
ويعاقب فيها على الهم بالسيئات وإن لم يفعلها ، قال تعالى : ﴿ ومن يرد
فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) وهذا مستثنى من قاعدة الهم بالسيئة وعدم
فعلها ، تعظيماً لحرمة الحرم .
أما المجاورة بمكة : فذهب مالك وأبو حنيفة إلى كراهتها ، خوفاً من
التقصير في حرمتها ، والتبرم واعتياد المكان والأنس به ، وذلك يجر إلى قلة المهابة
والتعظيم ، ولتهييج الشوق بالمفارقة لتنبعث داعية العود ، وخوفاً من ركوب
الخطايا والذنوب بها ، فإن ذلك محظور، والراجح عند الحنفية رأي الصاحبين
وهو عدم كراهة المجاورة بمكة أو بالمدينة ، واختار بعضهم أن المجاورة بالمدينة
أفضل منها بمكة .
واستحب الشافعية والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة المجاورة لمن لم يخف الوقوع
في محظور بمكة أو المدينة(٢)؛ لأن النبي طفلٍ قال عن مكة: (( إنك لأحب البقاع
(١) رواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس وقال : حديث صحيح الإسناد ، ورواه البيهقي في سننه وضعفه .
(٢) فتح القدير: ٣٣٥/٢، غاية المنتهى: ٣٩٥/١، إعلام الساحد: ص١٢٩ وما بعدها ، المغني : ٥٥٦/٣ .
- ٣٢٢ -

إلى الله عز وجل ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت))(١) قال أحمد: والمقام
بالمدينة أحب إلي من المقام بمكة لمن قوي عليه ؛ لأنها مهاجر المسلمين ، وقال
النبي ◌َّ اللّ: (( لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت له شهيداً وشفيعاً يوم
(٢)
القيامة))(٢) .
رابعاً - هل مكة أفضل أم المدينة(٣) ؟
قال القاضي عياض وغيره: انعقد الإجماع على أن أفضل بقع الأرض على
الإطلاق المكان الذي ضم جسده وم اله، وعلى أن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض
بعده .
واختلفوا في أيهما أفضل مكة أم المدينة ؟ فقال مالك تبعاً لعمر وغيره من
الصحابة المدنيين بتفضيل المدينة ؛ لأنها موطن الهجرة ، ومستقر الصحابة ،
ومثوى الرسول مَالٍ ، ولما ورد في فضلها من الأحاديث الصحيحة(٤)، منها:
((إنها طيبة - يعني المدينة - وإنها تنفي الخَبَث كما تنفي النار خبث الفضة))(٥) .
وذهب أكثر العلماء منهم الأئمة الثلاثة إلى تفضيل مكة ، للحديث السابق
عن مكة: ((والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني
أخرجت منك ما خرجت)) (٦) .
(١) أخرجه الترمذي عن ابن عباس وعبد الله بن عدي بن الحمراء بعبارات مقاربة لهذا ( جامع الأصول :
١٨٥/١٠ ) .
(٢) رواه مسلم والموطأ والترمذي عن ابن عمر ( جامع الأصول : ١٩٨/١٠ ).
(٣) الإيضاح: ص٧٢، الدر المختار: ٣٥٢/٢ ، إعلام الساجد: ص١٨٥ وما بعدها ، القوانين الفقهية :
ص١٤٣ .
(٤) انظر جامع الأصول: ١٩٢/١٠ - ٢١١
(٥) رواه مسلم عن زيد بن ثابت ( جامع الأصول : ٢٠١/١٠ )
(٦) رواه الترمذي ، وقال : هذا حديث حسن صحيح .
- ٣٢٣ -

وحديث: (( يا مكة، والله، إنك لخير أرض الله ، وأحب البلاد إلى الله ،
ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت))(١) .
وحديث الترمذي أيضاً عن ابن عباس: أن النبي ◌ُّالإِ قال لمكة :
(( ما أطيبك وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك)).
وذكر العز بن عبد السلام أوجه تفضيل مكة على المدينة ، منها :
١ - وجوب قصدها للحج والعمرة ، وهما واجبان لا يقع مثلهما بالمدينة .
٢ - أن الله تعالى حرمها يوم خلق السموات والأرض .
٣ - أن الله جعلها حرماً آمناً في الجاهلية والإسلام .
٤ - لا يدخلها أحد إلا بحج أو عمرة وجوباً أو ندباً.
خامساً - آداب دخول مكة :
يستحب لمن دخل مكة ما يأتي(٢):
اللّه
ـتعالىـ
أ - ينبغي لمن أحرم بحج أو عمرة من الميقات أو غيره أن يتوجه إلى مكة،
ومنها يكون خروجه إلى عرفات .
٣ - إذا بلغ الحرم المكي دعا، فقال: ((اللهم هذا حرمك وأمنك، فحرمني
على النار ، وآمني من عذابك يوم تبعث عبادك ، واجعلني من أوليائك وأهل
طاعتك )) . هذا ويستحضر من الخشوع والخضوع في قلبه وجسده ما أمكنه .
(١) رواه النسائي عن أبي هريرة .
(٢) الإيضاح: ص٣١ - ٣٣، الكتاب مع اللباب: ١٨٢/١، الدر المختار ورد المختار: ٣٥١/٢، القوانين
الفقهية، ص١٤٣، مغني المحتاج: ٥١١/١، المغني : ٣٦٨/٣ - ٣٧٠، ٥٥٥.
؛
- ٣٢٤ -
-

٣ - إذا بلغ مكة اغتسل بذي طوى(١) بنية غسل دخول مكة ، فإن جاء من
مے
طريق آخر اغتسل في غيرها . وهذا الغسل مستحب لكل أحد حتى الحائض
والنفساء والصبي .
٤ - السنة أن يدخل مكة من ثنية كَداء(٢) ، وإذا خرج راجعاً إلى بلده خرج
من ثنية كُدا(٢).
٥ - الأصح عند الشافعية أن يدخل مكة ماشياً لا راكباً.
٦ - يدخلها الإنسان ليلاً أو نهاراً، فقد دخلها رسول الله م خافٍ نهاراً في
الحج ، وليلاً في عمرة له ، والأفضل في الأصح عند الشافعية دخولها نهاراً.
٧ - ينبغي أن يتحفظ في دخوله من إيذاء الناس في الزحمة ، ويتلطف بمن
يزاحمه ، ويلحظ بقلبه جلالة البقعة التي هو فيها والتي يتجه إليها .
٨ - ينبغي لمن يأتي من غير الحرم ألا يدخل مكة إلا محرماً بحج أو عمرة .
والأصح عند الشافعية أن دخولها محرماً مستحب ، وواجب عند غيرهم .
٩ - يستحب إذا وقع بصره على البيت أن يرفع يديه ، فقد جاء أنه
يستجاب دعاء المسلم عند رؤية الكعبة ، ويقول :
(( اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة ، وزد من شرفه
وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبراً)» ويضيف إليه :
((اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام)).
ويدعو بما أحب من مهمات الآخرة والدنيا ، وأهمها سؤال المغفرة . وينبغي
(١) مثلثة الطاء ، وهي في أسفل مكة في صوب طريق العمرة المعتادة ومسجد عائشة رضي الله عنها .
(٢) بفتح الكاف ، وهي بأعلى مكة ، ينحدر منها إلى المقابر، والثنية : هي الطريق الضيقة بين جبلين .
(٣) بضم الكاف ، وهي بأسفل مكة بقرب جبل قُعَيْقِعَان ، وإلى صوب ذي طوى .
- ٣٢٥ -

أن يستحضر عند رؤية الكعبة ما أمكنه من الخشوع والتذلل والخضوع ، فهذه
عادة الصالحين والعارفين .
ويقول قبالة البيت: (( اللهم البيت بيتك، والحرم حرمك ، والأمن
أمنك ، وهذا مقام العائذ بك من النار)) .
١٠ - یستحب ألا يعرج أول دخوله على استئجار منزل وتغيير ثياب وغير
ذلك إلا الطواف الذي هو طواف القدوم وهو سنة عند الجمهور واجب عند
المالكية . ويترك بعض الرفقة عند متاعهم ورواحلهم حتى يطوفوا ، ثم يرجعوا
إلى رواحلهم ومتاعهم واستئجار المنزل .
ويستحب للمرأة الجميلة أو الشريفة ألا تبرز للرجال ، وتؤخر الطواف
ودخول المسجد إلى الليل .
ويستحب الدخول إلى البيت الحرام من باب بني شيبة ، ويقدم رجله اليمنى
في الدخول ، ويقول :
(( أعوذ بالله العظيم ، وبوجهه الكريم ، وسلطانه القديم من الشيطان
الرجيم ، بسم الله ، والحمد لله ، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، اللهم اغفر لي
ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك )) .
وإذا خرج قدم رجله اليسرى ، وقال هذا، إلا أنه يقول: (( وافتح لي
أبواب فضلك)) وهذا الذكر والدعاء مستحب في كل مسجد .
١١ - إذا دخل المسجد ينبغي ألا يشتغل بصلاة تحية المسجد ، ولا غيرها ،
بل يقصد الحجر الأسود ، ويبدأ بطواف القدوم ، وهو تحية المسجد الحرام ،
والطواف مستحب لكل داخل محرماً كان أو غير محرم ، إلا لأداء الصلاة المكتوبة
- ٣٢٦ _

أو قضائها ، أو فوات الجماعة فيها ، أو فوات الوتر أو سنة الفجر وغيرها من
السنن الراتبة ، فيقدم كل ذلك على الطواف ثم يطوف .
ولو دخل وقد منع الناس من الطواف صلى تحية المسجد .
١٢ - يستحب لمن حج أن يدخل البيت ، ويصلي فيه ركعتين ، كما فعل
النبي ◌َّ اللّ. ولا يدخل البيت بنعليه ولا خفيه، ولا يدخل حِجْر اسماعيل؛ لأنه
من البيت ، ولا يدخل الكعبة بسلاح .
وثياب الكعبة إذا نزعت يتصدق بها ، ولا يأخذ من طيب البيت شيئاً ،
ولا يخرج من تراب الحرم ، ولا يدخل فيه من الحل ، ولا يخرج من حجارة مكة
وترابها إلى الحل .
١٣ - يستحب لمن دخل مكة حاجاً أو معتمراً أن يختم القرآن فيها قبل
رجوعه .
١٤ - يندب عند المالكية طواف الوداع، ويجب عند الأئمة الآخرين .
سادساً - الأحكام التي يخالف فيها الحرم غيره من البلاد
( خصائصه ومحظوراته ) :
للحرم المكي أحكام خاصة ، أهمها ما يأتي(١) :
١ - ينبغي ألا يدخله أحد إلا بإحرام ، وهو مستحب عند الشافعية ،
واجب عند غيرهم .
(١) المجموع: ٤٤٣/٧ - ٤٤٤، المهذب: ٢١٨/١ - ٢٢٠، الكتاب مع اللباب: ٢١١/١، الشرح الصغير مع
الصاري: ١١٠/٢ وما بعدها، مغني المحتاج: ٥٢٧/١ وما بعدها، المغني: ٣٤٤/٣ - ٣٥٥، بداية المجتهد: ٣١٩/١ ،
البدائع : ٢٠٧/٢ - ٢١١، إعلام الساجد: ص١٣٧، ١٥٤ - ١٦٩، الدر المختار: ٢٩٧/٢ وما بعدها، الإيضاح :
ص٩٥ - ٩٧ . طبعة الجمالية بمصر .
- ٣٢٧ _

٣ - يحرم صيد الحرم بالإجماع على الحلال والمحرم إلا المؤذيات المبتدئة بالأذى
غالباً، وهو مضمون بإتلافه خلافاً لداود الظاهري، لحديث: (( لا ينفّر
صيده)) .
٣ - يحرم قطع شجر الحرم ونباته الرطب الذي ينبت بنفسه ولا يستنبته
الناس كالشيح والشوك والعوسج ، إلا مافیه ضرورة کالاذخر ( نبات طيب
الرائحة ) ، ويلحق به كما أبان المالكية ستة: السَّنَا ( المعروف بالسنامكي )
للحاجة إليه في التداوي، والهَشّ ( قطع ورق الشجر بالمِحْجَن)(١)، والعَصَا،
والسواك ، وقطع الشجر للبناء والسكنى بموضعه ، وقطعه لإصلاح الحوائط
والبساتين. لقوله ◌َ ◌ّل يوم فتح مكة: ((إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق
السموات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يُعْضَد شوكه،
ولا يُنَفَّر صيده ، ولا يَلْتقط لقطته إلا من عرَّفها، ولا يُخْتَلِى خلاه(٢) ، فقال
العباس: يا رسول الله، إلا الإذخِرِ، فإنه لقَيْنهم وبيوتهم ، فقال : إلا
الإذخر))(٣) ويجب عند الجمهور ضمانه خلافاً للمالكية .
ولا يحرم قطع ما أنبته الآدمي من الشجر كالجوز واللوز والنخل ونحوه
كشجر الأراك ، والرمان والخس والبطيخ والحنطة ، ولابأس بقطع اليابس من
الشجر والحشيش لأنه قد مات ، وليس له أخذ ورق الشجر، ويباح أخذ الكمأة
من الحرم لأنها ليست من جنس النبات ، بل هي من ودائع الأرض ، وكذا
الفقع ؛ لأنه لا أصل له ، فأشبه الثمرة . ولا شيء بقتل غراب وحدأة وفأرة وحية
(١) المحجن : العصا المعوجة من الطرف . أما خبط العصا على الشجر ليقع ورقه فهو حرام .
(٢) الخلا : الحشيش الرطب .
(٣) رواه البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس (جامع الأصول: ١٨٣/١٠) وعضد الشجر: قطعه بالمِعْضّد:
وهي حديدة تتخذ لقطعه . والقين : الحداد ، والعبد أيضاً .
- ٣٢٨ -

وكلب عقور وبعوض ومل وبرغوث وقراد وسلحفاة وماليس بصيد ، على الخلاف
والتفصيل السابق .
وأما صيد وَج ( واد بالطائف ) وشجره : فحرام لا يضمن عند الشافعية ،
لحديث: ((ألا إن صيد وج وعضاهه - يعني شجره - حرام محرم))(١) وهو مباح
حلال عند الحنابلة ؛ لأن الأصل الإباحة ، والحديث ضعفه أحمد ، لكن لا يضمن
قطعاً عند الشافعية .
٤ - يمنع إخراج تراب الحرم وأحجاره ، والمعتمد عند أكثر الشافعية كراهة
ذلك ، والأصح عند النووي التحريم . وقال الحنفية: لابأس بإخراج الأحجار
وترابه .
٥ - يمنع عند الجمهور كل كافر من دخول الحرم ، مقيماً كان أو ماراً. وأجازه
أبو حنيفة مالم يستوطنه .
٦ - لا تحل لقطة مكة وحرمها لمتلك ، وإنما تحل لمنشد يحفظها ويعرفها
بخلاف سائر البلاد، للحديث المتقدم: « ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها)).
٧ - تغلظ الدية على القاتل الذي قتل في حرم مكة ، لقوله تعالى :
﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ) لأن للحرم تأثيراً في إثبات
الأمن . وتغلظ وإن كان القتل خطأ ، سواء أكان القاتل والمقتول معاً في الحرم ،
أم أحدهما فيه دون الآخر .
وقدر التغليظ عند أحمد : هو الزيادة في العدد أي بمقدار الدية وثلث
الدية .
وعند الشافعي : التغليظ جاء في أسنان الإبل ، لا الزيادة في العدد .
د
(١) حديث ضعيف رواه البيهقي عن الزبير بن العوام .
- ٣٢٩ -

ولا تغلظ الدية بالقتل في حرم المدينة ، في الأصح عند الشافعية .
ويجوز عند الجمهور خلافاً لجماعة ، قتال البغاة في حرم مكة على بغيهم إذا لم
يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال ؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي
لا يجوز إضاعتها ، فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها .
وتقام الحدود والقصاص في الحرم عند المالكية والشافعية ، لقوله تعالى :
﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾ ولأن النبي مؤلّ أمر بقتل
ابن خَطَل لما وجد متعلقاً بأستار الكعبة ، وأمر النبي بقتل الفواسق الخمس في الحل
والحرم ؛ لأنها مؤذيات طبعاً .
وروي عن أحمد وأبي حنيفة والظاهرية أن من وجب عليه الحد أو القصاص
آمن مادام في الحرم ، لقوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمناً﴾ ولقوله عَ لّ:
(( لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً))(١) .
٨ - تحريم دفن المشرك فيه ونبشه منه.
ـعر
٩ - تخصيص ذبح دماء الجزاءات في الحج والهدايا في الحرم .
١٠ً - لا دم على المتمتع والقارن إذا كان من أهل الحرم .
(ا - لا يكره عند الشافعية صلاة النفل التي لا سبب لها في وقت من
الأوقات في الحرم ، سواء في مكة وسائر الحرم .
١٢ - إذا نذر قصده ، لزمه عند الشافعية الذهاب إليه بحج أو عمرة ، بخلاف
غيره من المساجد ، فإنه لا يجب الذهاب إليه إذا نذره ، إلا مسجد رسول الله
(١) رواه البخاري ومسلم في الصحيحين من الحديث السابق: ((إن مكة حرمها الله ، ولم يحرمها الناس ، فلا
يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ... )).
- ٣٣٠ -

مَ القلم والمسجد الأقصى، فإنهما يتعينان أيضاً، للحديث السابق: ((لا تشد
الرحال .. )).
١٣ - إذا نذر النحر وحده بمكة ، لزمه عند الشافعية النحر بها ، وتفرقة
اللحم على مساكين الحرم ، ولو نذر ذلك في بلد آخر ، لم ينعقد نذره في أصح
الوجهين .
١٤ - يحرم عند الشافعية استقبال الكعبة واستدبارها بالبول والغائط في
الصحراء .
١٥ - مضاعفة الأجر في الصلوات وسائر الطاعات بالمسجد الحرام .
١٦ - يستحب لأهل مكة أن يصلوا العيد في المسجد الحرام، والأفضل
لغيرهم الصلاة في المصلى ، إذا كان المسجد عند الشافعية(١) ضيّقاً، فإن كان واسعاً
فالمسجد أفضل من المصلى .
١٧ - لا يجوز إحرام المقيم في الحرم بالحج خارجه .
سابعاً - زيارة أهم المعالم التاريخية بمكة:
قال ابن جزي(٢): من المواضع التي ينبغي قصدها تبركاً : قبر إسماعيل عليه
السلام وأمه هاجر وهما في الحجر ، وقبر آدم عليه السلام في جبل أبي قبيس ،
والغار المذكور في القرآن وهو في جبل أبي ثور ، والغار الذي في جبل حراء حيث
ابتدأ نزول الوحي على رسول الله مع الله، وزيارة قبور من بمكة والمدينة من
الصحابة والتابعين والأئمة .
(١) المجموع : ٥/٥
(٢) القوانين الفقهية : ص١٤٣
- ٣٣١ -

وجبل حراء أو جبل النور : يقع في شمال مكة على بعد خمسة كيلو
مترات منها ، وعلى يسار الذاهب إلى عرفات ، وارتفاعه نحو ٢٠٠ م ، وفيه ابتدأ
نزول الوحي على النبي مَ التّ بأول سورة العلق .
وجبل ثور : أحد الجبال الكثيرة المحيطة بمكة ، وارتفاعه نحو ٥٠٠ م ،
يقع جنوبي مكة ، وعلى مسافة ستة أميال منها ، وهو ملجأ النبي عليه السلام
وصاحبه أبي بكر أثناء الهجرة لمدة ثلاثة أيام .
ومن الأماكن الأثرية: دار الأرقم ، قرب الصفا ، وقد أسلم الأرقم المخزومي
بعد ستة من الصحابة ، وكانت داره مقر الدعوة السرية إلى الإسلام في مبدأ
الأمر ، وفيها أسلم عمر .
ومنها مقبرة الْمُعَلاَّة أو الحجون : شمال شرقي مكة ، وهي مقبرة المكيين
منذ العصر الجاهلي إلى اليوم، وتضم قبور بني هاشم من أجداد الرسول مح له
وأعمامه ، وقبور بعض الصحابة والتابعين ، ففيها قبور جدي الرسول : عبد
مناف وعبد المطلب، وعمه أبي طالب ، وقبر السيدة آمنة أم النبي مع الله، والسيدة
خديجة الكبرى زوجته ، وقبر عبد الله بن الزبير ، وأمه أسماء بنت أبي بكر .
2
وأما منى : فقرية تقع على مسافة سبعة كيلو مترات من مكة ، فيها
الجمرات الثلاث الصغرى والوسطى والكبرى ، ومسجد الكبش نسبة إلى كبش
فداء اسماعيل عليه السلام ، ومسجد البيعة حيث بايع أهل المدينة الرسول عليه
السلام ، ومسجد الخيف الكبير .
وأما عرفات : فجبل مرتفع بقدر ( ٢٢٥ م) عن سطح البحر ، ويقع على
مسافة ٢٥ كم في الجنوب الشرقي من مكة . وفي شماله يقع جبل الرحمة الذي وقف
عنده الرسول ص ئه في السنة العاشرة من الهجرة يوم حجة الوداع ، ونزل في هذا
- ٣٣٢ -

الموقف آية: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام
ديناً ﴾ .
المبحث الثاني - حرم المدينة :
حدود الحرم ، فضيلة المسجد النبوي ، خصائص الحرم أو محظوراته وأوجه
اختلاف حرم المدينة عن حرم مكة ، زيارة المسجد وقبر النبي عام ، زيارة المعالم
الأثرية في المدينة .
أولاً - حدود الحرم المدني :
حرم المدينة جنوباً وشمالاً : بريد في بريد ، ما بين عائر إلى ثور ، لخبر
الصحيحين: ((المدينة حرم من عَيْرِ إلى ثَوْر)) وعائر أو عير : اسم جبل مشهور
بقرب المدينة ، وثور : جبل صغير وراء أحد من جهة الشمال ، وجبل أحد من
الحرم (١). وشرقاً وغرباً بريد في بريد أيضاً مابين لابتيها، لقوله عَ لّ: ((حرَّم
رسول الله مُؤاتّ ما بين لابتي المدينة)) (٢) فمساحتها بريد في بريد من جهاتها
الأربع ، وسورها الآن هو طرفها في زمنه جهّ
.
وجعل النبي ◌ُ ◌ّ حول المدينة اثني عشر ميلاً .
والأولى ألا تسمى ((يثرب )) لأنه اسم جاهلي قديم ، واسمها طيبة وطابة
والدار والمدينة ويثرب .
ثانياً - فضيلة المسجد النبوي :
بنى الرسول مَ اللّه مع الصحابة هذا المسجد بمساحة ٧٠ × ٦٠ ذراعاً، ثم وسعه
(١) إعلام الساجد للزركشي: ص٢٢٦ - ٢٢٩، مغني المحتاج: ٥٢٩/١ ، غاية المنتهى: ٣٩٧/١ .
(٢) رواه مسلم عن عتبة بن مسلم وعن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله ، واللابة : أرض ذات حجارة
سود ، واللابتان: شرقية وغربية ( جامع الأصول: ١٩٤/١٠ ) .
- ٣٣٣ -

عمر، وعثمان ، وعبد الملك بن مروان وابنه الوليد(١) ، وتم توسيعه الأخير على يد
الملك عبد العزيز آل سعود ، وضم إليه مساحة كبرى من جهة الغرب مصلى أثناء
الحج .
والصلاة في هذا المسجد تربو على الصلاة في غيره بألف صلاة ، لحديث أبي
هريرة المتقدم في الصحيحين: (( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما
سواه إلا المسجد الحرام )) قال النووي : وهذا التفضيل يعم الفرض والنفل كمكة .
وقال العلماء : وهذا فيما يرجع إلى الثواب ، فثواب صلاة فيه يزيد على ألف
صلاة فيما سواه ، ولا يتعدى ذلك إلى الإجزاء ، حتى لو كان عليه صلاتان ، فصلى
في مسجد المدينة صلاة لم تجزئه عنهما ، وهذا لا خلاف فيه .
ورأى النووي أن هذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده مُ ◌ّ الذي كان في
زمانه، دون ما زيد فيه بعده، لقوله: ((في مسجدي هذا » وذهب غيره إلى أنه
لو وُسِّع ثبت له هذه الفضيلة ، كما في مسجد مكة إذا وسع ، فإن تلك الفضيلة
ثابتة له ، قال ابن عمر: ((زاد عمر بن الخطاب في المسجد ، قال : ولو زدنا فيه
حتى بلغ الجبانة(٢)، كان مسجد رسول الله حق الآخر)٩ ٠)
وفي حديث يبين فضل الصلاة في هذا المسجد: ((من صلى في مسجدي
أربعين صلاة لا تفوته صلاة كتبت له براءة من النار، ونجاة يوم القيامة))(٤)
ولو نذر الذهاب إلى المسجد النبوي أو إلى المسجد الأقصى ، فالأصح عند
الشافعية أنه يستحب له الذهاب ولا يجب ، ويتحقق النذر باعتكاف ساعة في
الأصح ، والأفضل صلاة ركعتين فيه .
(١) إعلام الساجد : ص٢٢٣ - ٢٢٥
(٢) مقبرة المدينة .
(٣) إعلام الساجد : ص٢٤٦ وما بعدها .
(٤) رواه الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك، ولم يروه عن أنس إلا نُبيط ، تفرد به ابن أبي الرجال .
- ٣٣٤ -

ثالثاً - خصائص الحرم المدني :
حرم المدينة : مابين لابيتها ، واللابة : الحرة : وهي أرض فيها حجارة
سود، كما قدمنا . ويمتاز هذا الحرم بأحكام منها ما يأتي(١).
١ - تحريم صيد المدينة وشجرها على الحلال والمحرم كمكة عند الجمهور ، خلافاً
لأبي حنيفة، للحديث السابق: ((إن إبراهيم حرم مكة ، وإني حرمت المدينة ،
ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها ، ولا يصاد صيدها))(٢) وإذا فعل استغفر الله ولا
شيء عليه ، ولا يضمن القيمة عند الجمهور في الجديد الأصح عند الشافعية للحديث
الآتي: (( يا أبا عمير)» ولأنه ليس محلا للنسك، لكن مكة يضمن صيدها
وشجرها .
ولعل أبا حنيفة يستدل بحديث (( يا أبا عمير ما فعل النغير))(٣) لكن قال
الجمهور : يحتمل أن يكون قبل تحريم المدينة ، أو أن هذا الطائر من خارج حرم
المدينة .
٢ - يحرم في رأي النووي نقل تراب حرم المدينة أو أحجاره عن حرم
المدينة .
5
٣ - يستحب عند الشافعية والحنابلة المجاورة بالمدينة ، لما يحصل في ذلك من
نيل الدرجات ومزيد الكرامات ، لقوله مع الفتح: (( من صبر على لأواء المدينة
(١) إعلام الساجد للزركشي: ص٢٤٢ - ٢٧٣ ، القوانين الفقهية: ص١٤٣، الشرح الصغير: ١١١/٢
وما بعدها، المجموع: ٤٤٧/٧ - ٤٥٥، الإيضاح: ص٩٦، المهذب: ٢١٩/١، مغني المحتاج: ٥٢٩/١ ، المغني :
٣٥٣/٣ - ٣٥٥، غاية المنتهى: ٣٩٧/١، الدر المختار: ٣٥٤/٢ .
(٢) رواه مسلم ، والعضاه : شجر عظيم له شوك .
(٣) رواه أبو عوانة في صحيحه عن شُرحبيل بن سعد، ورواه البخاري ومسلم عن أنس ، والنغير: مصغر نغر،
وهو طائر يشبه العصفور ، أحمر المنقار .
- ٣٣٥ -

وشدتها ، كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة))(١) .
والراجح عند الحنفية كما بينا : أنه لا تكره المجاورة بالمدينة ، وكذا بمكة لمن
يثق بنفسه .
٤ - يستحب عند الشافعية الصيام بالمدينة والصدقة على سكانها وبرهم ، فهم
جيران رسول الله ماتز ، خاصة أهل المدينة ، وقد روى الطبراني بإسناد ضعيف
أنه مِ التّ قال: ((رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواه من البلدان)).
٥ - يختص أهل المدينة بمزيد الشفاعة والإكرام ، زائداً على غيرهم من
الأمم ، لحديث الصحيحين المتقدم عن أبي هريرة: (( من صبر على الأُواء
المدينة .. )) وفي حديث آخر: ((أول من أشفع له من أمتي : أهل المدينة ، ثم أهل
مكة ، ثم أهل الطائف))(٢) .
٦ - إذا عاين حيطان المدينة صلى على النبي معم ◌ّر، وقال: ((اللهم هذا حرم
نبيك فاجعله وقاية لي من النار ، وأماناً من العذاب وسوء الحساب )).
رابعاً - الفرق بين حرم المدينة وحرم مكة :
يختلف حرم المدينة عن حرم مكة في شيئين(٣) !
أحدهما - أنه يجوز أن يؤخذ من شجر حرم المدينة ما تدعو الحاجة إليه
للمساند والوسائد والرحل ، ومن حشيشها ما تدعو الحاجة إليه للعلف ، لما روى
جابر: ((أن النبي ◌ُ اللّ لما حرم المدينة، قالوا: يارسول الله، إنا أصحاب عمل
وأصحاب نضح ، وإنا لا نستطيع أرضاً غير أرضنا ، فرخص لنا ، فقال :
(١) رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة وأبي سعيد وابن عمر رضي الله عنهم.
(٢) رواه الطبراني والبزار عن عبد الملك بن عباد بن جعفر، لكنه لم يرو إلا هذا الحديث بهذا الإسناد.
(٣) مغني المحتاج: ١ / ٥٢٨ ، إعلام الساجد: ص ٢٤٣ .
- ٣٣٦ -

القائمتان والوسادة والعارضة والمسند ، فأما غير ذلك فلا يعضد ، ولا يخبط منها
شيء))(١) فاستثنى ذلك وجعله مباحاً كاستثناء الإذخر بمكة .
ولما روى علي: (( المدينة حرام مابين عائر إلى ثور، لا يختلى خلاها ،
ولا ينفر صيدها ، ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره )).
وعن جابر أن رسول الله طائر قال: ((لا يخبط ولا يعضد حمى رسول الله
عَاقِ، ولكن يهش هشاً رفيقاً))(٢)، ولأن المدينة ذات شجر وزرع، فلو منعنا
من احتشاشها مع الحاجة أفضى إلى الضرر ، بخلاف مكة .
الثاني - أن من صاد صيداً خارج المدينة ، ثم أدخله إليها ، لم يلزمه إرساله ؛
لأن النبي مع الفع كان يقول: (( يا أبا عمير، ما فعل النغير)) وهو طائر صغير،
فظاهر هذا أنه أباح إمساكه بالمدينة إذ لم ينكر ذلك .
وحرمة مكة أعظم من حرمة المدينة ، بدليل أنه لا يدخلها الداخل إلا
محرم .
خامساً - زيارة المسجد النبوي وقبر النبي ◌ّة:
يستحب زيارة المسجد النبوي ، لأنه كما تقدم في الحديث الصحيح أحد
المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال ، وزيارة قبر النبي عائلة وصاحبيه ؛ لأن
موضع قبره عليه الصلاة والسلام أفضل بقاع الأرض . وآداب الزيارة وأحكامها
ما يأتي(٣) :
اً - تسن زيارة قبر رسول الله واقع، لقوله عليه السلام: ((من زار قبري
(١) رواه أحمد . والمسند : مزود البكرة أي محور البكرة .
(٢) رواهما أبو داود .
(٣) الإيضاح: ص٨٦ - ٨٨، ٩١، القوانين الفقهية: ص١٤٣، مغني المحتاج: ٥١٢/١، غاية المنتهى: ٣٩٦/١،
المغني: ٥٥٦/٣ - ٥٥٩، مراقي الفلاح: ص١٢٧ - ١٢٩.
الفقه الإسلامي جـ ٣ (٢٢)
- ٣٣٧ -

وجبت له شفاعتي))(١) وقوله: ((من جاءني زائراً لم تنزعه حاجة إلا زيارتي ،
كان حقاً على الله تعالى أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)) (٢) وروى البخاري :
(( من صلى علي عند قبري ، وكل الله به ملكاً يبلغني ، وكفي أمر دنياه وآخرته ،
وكنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة )).
فزيارة قبره وم اله من أفضل القربات وأنجح المساعي لقوله تعالى: ﴿ولو
أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ، لوجدوا الله
تواباً رحيماً﴾، وتتأكد الزيارة للحاج والمعتمر أكثر من غيره، لأمرين :
أحدهما - أن الغالب على الحجيج الورود من آفاق بعيدة ، فإذا قربوا من المدينة
يقبح تركهم الزيارة . والثاني - لحديث ابن عمر: (( من حج ، ولم يزرني ، فقد
جفاني )»(٣) وحديث ( من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ))(٤) .
٢ - يستحب للزائر أن ينوي مع زيارته لل التقرب إلى الله تعالى بالمسافرة
إلى مسجده ماله والصلاة فيه .
٣ - يستحب في أثناء السفر لهذه الزيارة أن يكثر من الصلاة والتسليم على
النبي ◌ُ ◌ّ في طريقه ، خصوصاً إذا رأى أشجار المدينة وحرمها .
٤ - يستحب أن يغتسل قبل دخوله ويلبس أنظف ثيابه .
٥ - يستحضر في قلبه حينئذ شرف المدينة وأنها أفضل الدنيا بعد مكة .
(١) رواه ابن خزيمة في صحيحه والبزار والدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما (نيل الأوطار: ٩٥/٥ ).
(٢) رواه ابن السكن في سننه الصحاح المأثورة. وروى أبو داود عن أبي هريرة حديثاً ضعيفاً: ((مامن أحد
سلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام)) وروى الدارقطني حديثاً آخر ضعيفاً: ((من حج فزار قبري
بعد وفاتي ، فكأنما زارني في حياتي ».
(٣) رواه ابن عدي في الكامل والدارقطني وابن حبان والبزار (نيل الأوطار: ٩٥/٥ ).
(٤) رواه الدارقطني وأبو يعلى والبيهقي وابن عدي عن ابن عمر، ورواه غيرهم ، وتعدد طرقه يقوي بعضها
بعضاً .
- ٣٣٨ -

٦ - ليقل عند باب مسجده واقع ما قدمناه عند المسجد الحرام وكل
المساجد ، ويقدم رجله اليمنى في الدخول ، واليسرى في الخروج .
ثم يقصد الروضة الكريمة(١): وهي مابين المنبر والقبر، فيصلي تحية المسجد ،
بجنب المنبر ، وتكون الدائرة التي في قبلة المسجد بين عينيه ، فذلك موقف رسول
الله مائهم .
٧ - إذا صلى التحية في الروضة أو غيرها من المسجد ، شكر الله تعالى على
هذه النعمة ، ويسأله إتمام ما قصده وقبول زيارته ، ثم يأتي القبر الكريم ،
فيستدبر القبلة ، ويستقبل جدار القبر ، ويبعد من رأس القبر نحو أربعة أذرع ،
ويقف ناظراً إلى أسفل ، خاشعاً ، فارغ القلب من علائق الدنيا ، مستحضراً في
قلبه جلالة موقفه مع الز ، ثم يسلم ولا يرفع صوته ، فيقول:
(( السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك
يا خيرة الله ، السلام عليك يا خير خلق الله ، السلام عليك يا حبيب الله ،
السلام عليك يا نذير ، السلام عليك يا بشير، السلام عليك يا طُهْر ، السلام
عليك يا طاهر ، السلام عليك يانبي الرحمة ، السلام عليك يا نبي الأمة ، السلام
عليك يا أبا القاسم ، السلام عليك يا رسول رب العالمين ، السلام عليك ياسيد
المرسلين وخاتم النبيين ، السلام عليك يا خير الخلائق أجمعين ، السلام عليك
يا قائد الغر المحجلين ، السلام عليك وعلى آلك وأهل بيتك وأزواجك وذريتك
وأصحابك أجمعين ، السلام عليك وعلى سائر الأنبياء وجميع عباد الله الصالحين .
جزاك الله يا رسول الله عنا أفضل ما جزى نبياً ورسولاً عن أمته ، وصلى
(١) ما بين المنبر ومقام النبي ◌َّ الذي كان يصلي فيه حتى توفي: أربعة عشر ذراعاً وشبر، وما بين المنبر والقبر
ثلاثة وخمسون ذراعاً وشبر .
- ٣٣٩ -

الله عليك كلما ذكرك ذاكر ، وغفل عن ذكرك غافل ، أفضل وأكمل وأطيب
ما صلى على أحد من الخلق أجمعين .
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنك عبده ورسوله
وخيرته من خلقه . وأشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ، ونصحت
الأمة ، وجاهدت في الله حق جهاده .
اللهم وآته الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته ، وآته نهاية
ما ينبغي أن يسأله السائلون .
اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي ، وعلى آل محمد وأزواجه
وذريته ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمد النبي الأمي ،
وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في
العالمين ، إنك حميد مجيد )» .
ومن أراد الاختصار، قال: (( السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليك
وسلم )) .
ثم يتأخر نحو يمينه إلى الشرق قدر ذراع ، فيسلم على أبي بكر رضي الله
عنه، فيقول: (( السلام عليك يا أبا بكر صفي رسول الله ، وثانيه في الغار،
جزاك الله عن أمة نبيه مَ ائل خيراً)).
ثم يتأخر نحو اليمين قدر ذراع ، فيسلم على عمر رضي الله عنه ، فيقول :
((السلام عليك يا عمر، أعز الله بك الإسلام، جزاك الله عن أمة محمد صلاته
خيراً )) .
ثم يرجع قدر نصف ذراع فيقول: ((السلام عليكما يا ضجيعي رسول الله
- ٣٤٠ -