Indexed OCR Text

Pages 61-80

٠
وإن أمره بالإحرام من بلده ، فأحرم من الميقات ، جاز؛ لأنه الأفضل .
وإن أمره بالإحرام من الميقات ، فأحرم من بلده ، جاز؛ لأنه زيادة
لاتضر .
وإن أمره بالحج في سنة ، أو بالاعتمار في شهر ، ففعله في غيره ، جاز ؛ لأنه
مأذون فيه في الجملة .
ز- إن استنابه اثنان في نسك ، فأحرم به عنها ، وقع عن نفسه دونها ، کما
قال الحنفية ؛ لأنه لا يمكن وقوعه عنهما ، وليس أحدهما بأولى من صاحبه .
وإن أحرم عن نفسه وغيره ، وقع عن نفسه ؛ لأنه إذا وقع عن نفسه ، ولم
ينوها ، فمع نيته أولى .
وإن أحرم عن أحدهما غير معين ، احتمل أن يقع عن نفسه أيضاً ؛ لأن
أحدهما ليس أولى من الآخر ، فأشبه مالو أحرم عنهما . واحتمل أن يصح ؛ لأن
الإحرام يصح بالمجهول ، فصح عن المجهول ، وإلا صرفه إلى من شاء منهما . فإن لم
يفعل حتى طاف شوطاً ، وقع عن نفسه ، ولم يكن له صرفه إلى أحدهما ؛ لأن
الطواف لا يقع عن غير معين .
المطلب الثاني - موانع الحج :
يفهم من المطلب السابق في شروط الحج أن هناك موانع للحج هي
ما یأتي(١):
أ - الأبوة: للأبوين وإن علا أحدهما منع الولد غير المكي من الإحرام
(١) القوانين الفقهية: ص ١٤٠ وما بعدها، الحضرمية: ص ١٣٦ وما بعدها، كشاف القناع: ٢ / ٤٤٦ - ٤٥٠ ،
المغني: ٣ / ٢٤٠، البدائع: ٢ / ١٢٠، الدر المختار: ٢ / ٢٠٠.
- ٦١ -

بتطوع حج أو عمرة ، وليس لهما المنع من الفرض ؛ لأن خدمة الأبوين جهاد كما
في الصحيحين . ويسن استئذانهما في الفرض أيضاً .
٢ - الزوجية: للزوج عند الشافعية منع الزوجة من الحج الفرض
والمسنون ؛ لأن حقه على الفور ، والنسك عندهم على التراخي ، ويسن لها أن
تحرم بغير إذنه . وقال الجمهور: ليس للزوج منع الزوجة من الفرض ؛ لأنه
واجب على الفور ، ولو أحرمت بالفرض لم يكن له تحليلها إلا أن يضر ذلك به .
٣ - الرق: للسيد منع عبده من الحج الفرض والمسنون ، ويتحلل إذا منعه
كالمحصر ، وليس له منعه من الإتمام إذا أحرم بإذنه ، ودليل جواز المنع أن منافع
العبد مستغرقة للسيد .
٤ - الحبس ظلماً أو بدين وهو معسر ، فله التحلل .
٥ - استحقاق الدين : للمستحق الدائن منع الموسر من السفر ، وليس له
التحليل ، وليس للمدين أن يتحلل ، بل يؤدي الدين . فإن كان الدين مؤجلاً لم
يمنعه الدائن من السفر .
٦ - الحجر : فلا يحج السفيه إلا بإذن وليه أو وصيه . وقد ذكر المالكية دون
غيرهم هذه الحالة .
لاً - الإحصار بسبب عدو بعد الإحرام: بأن يمنع المحرم عن المضي في نسكه
من جميع الطرق إلا بقتال أو بذل مال ، فللمحصر التحلل إجماعاً بعد أن ينتظر
مدة يرجى فيها كشف المانع .
فإذا يئس تحلل بموضعه حيث كان من الحرم وغيره ، ولاهدي عليه عند
المالكية ، وإن كان معه هدي نحره .
وقال الجمهور: يتحلل بذبح ما يجزئ في الأضحية : شاة أو سُبْع بقرة أو سُبْع
- ٦٢ -

بدنة ، ويحلق أو يقصر عند الشافعية ، ولاقضاء عليه عندهم ، ولا عمرة إن كان
صرورة ( لم يحج ) فعليه حجة الإسلام . وعليه الحلق إن كان في الحرم ، ولا حلق
عليه إن كان الإحصار في الحل عند الحنفية ، وعليه القضاء عندهم وعند المالكية
والحنابلة ، كما سيأتي بيانه، ولاحلق عليه في الراجح عند الحنابلة . ويتحلل
بالنية أيضاً عند الشافعية والحنابلة .
وللمحصر خمس حالات كما ذكر المالكية : يصح الإحلال في ثلاث : وهي أن
يكون العذر طارئاً بعد الإحرام ، أو متقدماً ولم يعلم به ، أو علم وكان يرى أنه
لا يصده . ويمتنع الإحلال في حالة رابعة ، وهي إن صد عن طريق وهو قادر
على الوصول من غيره .
ويصح في حالة خامسة : وهي إن شرط التحلل لفراغ زاد ، أو مرض أو
شك هل يصدونه أم لا ، أو غير ذلك .
٨ - المرض : من أصابه المرض بعد الإحرام ، لزمه عند المالكية والحنابلة
والشافعية أن يقيم على إحرامه حتى يبرأ ، وإن طال ذلك .
وأجاز الحنفية التحلل بالمرض كالمحصر بالعدو . 5
المبحث الثالث - مواقيت الحج والعمرة الزمانية والمكانية :
وفيه مطلبان :
المطلب الأول - وقت الحج والعمرة :
١ - وقت الحج: للحج وقت معين ، أشار إليه القرآن الكريم في آية :
﴿ يسألونك عن الأهلة قل: هي مواقيت للناس والحج ) وقوله تعالى :
﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ أي معظمه في أشهر معلومات .
- ٦٣ -

وأشهر الحج عند المالكية(١): هي الأشهر الثلاثة كلها : وهي شوال وذو
القعدة وذو الحجة(٢)، فهي كلها محل للحج ، لعموم قوله سبحانه: ﴿ الحج أشهر
معلومات ﴾ فوجب أن يطلق على جميع أيام ذي الحجة ؛ لأن أقل الجمع ثلاثة .
ويبتدئ وقت الإحرام من أول شوال في أول ليلة عيد الفطر ، ويمتد لفجر يوم
النحر ( الأضحى ) ، فمن أحرم قبل فجر الأضحى بلحظة ، وهو بعرقة ، فقد
أدرك الحج ، وبقي عليه طواف الإفاضة والسعي بعدها ؛ لأن الركن عندهم
الوقوف بعرفة ليلاً ، وقد حصل .
ويكره الإحرام قبل بدء شوال ، لكنه ينعقد ويصح عندهم ، كما يكره
الإحرام قبل مكانه المخصص له الآتي بيانه . والسبب في صحة الإحرام قبل ميقاته
الزماني والمكاني : أنه وقت كال®، لا وقت وجوب .
ويجزئ تأخر طواف الإفاضة إلى آخر شهر ذي الحجة .
فالمدة من بدء شوال لما قبيل فجر يوم الأضحى : وقت لجواز ابتداء الإحرام
بالحج . ومن طلوع فجر الأضحى لآخر ذي الحجة : وقت لجواز التحلل من
الحج . والأفضل لأهل مكة الإحرام من أول ذي الحجة على المعتمد .
وأشهر الحج عند الحنفية والحنابلة(٢): شوال وذو القعدة وعشر من ذي
الحجة ، لما روي عن العبادلة الأربعة ( ابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر ،
وابن الزبير) ولقول النبي ◌ُ ◌ّه: ((يوم الحج الأكبر: يوم النحر))(٤)، فكيف
(١) بداية المجتهد: ١ / ٣١٥، الشرح الصغير: ٢ / ١٧ ومابعدها، الشرح الكبير: ٢ / ٢١ وما بعدها .
(٢) قال عمر وابنه وابن عباس: ((أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة)).
(٣) فتح القدير: ٢ / ٢٢٠ وما بعدها، الكتاب مع اللباب: ١ / ١٩٨، المغني: ٣ / ٢٧١، ٢٩٥، كشاف
القناع : ٢ / ٤٧٢ .
(٤) رواه أبو داود، وروى البخاري أن النبي صَ لّ قال في خطبته يوم النحر: ((هذا يوم الحج الأكبر)).
- ٦٤ _

يجوز أن يكون يوم الحج الأكبر ليس من أشهره ؟ ولأن يوم النحر فيه ركن
الحج ، وهو طواف الزيارة ، وفيه كثير من أفعال الحج ، كرمي جمرة العقبة
والنحر والحلق والطواف والسعي والرجوع إلى منى ، ولأن الحج يفوت بمضي عشر
ذي الحجة ، ومع بقاء الوقت لا يتحقق الفوات .
وهذا يدل على أن المراد من قوله تعالى: ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ شهران
وبعض الثالث ، لا كله . ومابعد عشر ذي الحجة ليس من أشهره ؛ لأنه ليس
بوقت لإحرامه ولا لأركانه ، فهو كالمحرَّم .
ولا يمتنع التعبير بلفظ الجمع عن شيئين وبعض الثالث ، كالقروء الثلاثة
يحتسب منها الطهر الذي طلقها فيه، وقوله: ((فرض فيهن الحج)) أي في
أكثرهن .
فإن قدم الإحرام بالحج على هذه الأشهر، جاز إحرامه ، وانعقد حجاً ،
ولا ينقلب عمرة ، لعموم قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ لكن لا يجوز
له شيء من أفعال الحج إلا في أشهره ، فمتى أحرم انعقد إحرامه ؛ لأنه مأمور
بالإتمام ، ولأن الإحرام عند الحنفية شرط ، فأشبه الطهارة في جواز التقديم على
الوقت ، ولأن الإحرام تحريم أشياء وإيجاب أشياء ، وذلك يصح في كل زمان ،
فصار كتقديم الإحرام على الميقات المكاني ، فهم شبهوا ميقات الزمان بميقات
المكان ، وعلى كل : يكره الإحرام بالحج قبل أشهر الحج ، لما أخرجه البخاري عن
ابن عباس: ((من السنة ألا يُحرم بالحج إلا في أشهر الحج)).
وأما الشافعية(١) فقالوا كالحنفية والحنابلة : أشهر الحج : شوال وذو القعدة
وعشر ليال من ذي الحجة : وهو إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر ، لكنهم رأوا
(١) مغني المحتاج: ١ / ٤٧١، المهذب: ١ / ٢٠٠.
الفقه الإسلامي جـ٣ (٥)
- ٦٥ -

أنه إن أحرم شخص بالحج في غير أشهره ، انعقد إحرامه بالعمرة ؛ لأنها عبادة
مؤقتة ، فإذا عقدها في غير وقتها ، انعقد غيرها من جنسها ، كصلاة الظهر إذا
. أحرم بها قبل الزوال ، فإنه ينعقد إحرامه بالنفل ، فهم شبهوا ميقات الزمان
بوقت الصلاة ، فلايقع الحج قبل الوقت . ودليلهم الآية: ﴿الحج أشهر
معلومات﴾ تقديره وقت الحج أشهر ، أو أشهر الحج أشهر معلومات ، فحذف
المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، ومتى ثبت أنه وقته ، لم يجز تقديم إحرامه عليه
کأوقات الصلوات .
ولا يصح في السنة الواحدة أكثر من حجة ؛ لأن الوقت يستغرق أفعال
الحجة الواحدة ، فلا يمكن أداء الحجة الأخرى .
٢ - وقت العمرة: اتفق العلماء(١) على أن العمرة تجوز في أي وقت من
أوقات السنة ، في أشهر الحج وغيرها ، أي إن ميقات العمرة الزماني جميع العام ،
فهو وقت لإحرام العمرة، لعدم المخصص لها بوقت دون آخر، ولأن النبي محمد له
اعتمر عمرتين في ذي القعدة وفي شوال(٢)، وقال عليه الصلاة والسلام: ((عمرة في
رمضان تعدل حجة))(٢) وقال فيما رواه مسلم: ((دخلت العمرة في الحج - مرتين ،
لا بل لأبد أبد )) ومعناه في أصح الأقوال أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج إلى
يوم القيامة ، والمقصود به إبطال ما كانت الجاهلية تزعمه من امتناع العمرة في
أشهر الحج .
تفصيل القول في تكرار العمرة : ولا يكره عند الجمهور تكرار العمرة
(١) اللباب: ١ / ٢١٥، بداية المجتهد: ١ / ٣١٥، المجموع: ٧ / ١٣٣ وما بعدها، المهذب: ١ / ٢٠٠ ، مغني
المحتاج: ١ / ٤٧١، كشاف القناع: ٢ / ٤٧٢، المغني: ٣ / ٢٢٦، القوانين الفقهية: ص ١٣٠.
(٢) رواه أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن عائشة .
(٣) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن أم معقل الصحابية رضي الله عنها ، ورواه البخاري ومسلم
عن ابن عباس .
- ٦٦ ..

في السنة ، فلابأس أن يعتبر في السنة مراراً ، لحديث عائشة السابق من اعتماره
عليه السلام عمرتين في ذي القعدة وشوال . أي في آخر شوال وأول ذي القعدة .
وحديث أنس في الصحيحين: ((اعتمر ◌َّ الزّ أربع عمر، كلهن في ذي القعدة
التي مع حجته)) وحديث أبي هريرة في الصحيحين أيضاً: ((العمرة إلى العمرة
كفارة لما بينهما)) وبناء عليه قال الشافعية: يسن الإكثار من العمرة ، ولو في
اليوم الواحد ، إذ هي أفضل من الطواف على المعتمد ، لكن حديث عائشة هو
أقوى الأدلة ، وأما الأحاديث الأخرى فليست دلالاتها ظاهرة من سنة واحدة .
وقال المالكية : تكره العمرة في السنة أكثر من مرة ؛ لأنها عبادة تشتمل على
الطواف والسعي ، فلا تفعل في السنة إلا مرة ، كالحج . ونوقش ذلك بأن الحج
مؤقت لا يتصور تكراره في السنة ، والعمرة غير مؤقتة ، فتصور تكرارها
كالصلاة .
متى تكره العمرة ؟ ويكره فعل العمرة كراهة تحريم عند الحنفية في يوم
عرفة ( الوقفة ) ويوم النحر ( العيد ) وأيام التشريق الثلاث عقب العيد ؛ لأنها
أيام الحج ، فكانت متعينة له .
5
وقال المالكية : يستثنى المحرم بحج من كون وقت العمرة جميع العام ،
فلا يصح إحرامه بعمرة إلا إذا فرغ من جميع أفعال الحج من طواف وسعي ورمي
لجميع الجمرات ، إن لم يتعجل ، وبقدر رميها من اليوم الرابع بعد الزوال إن
تعجل ، أي إنه لا يصح إحرامه بالعمرة إلا بعد الفراغ بالفعل من رمي اليوم
الرابع إن لم يتعجل ، أو بقدره إذا تعجل بأن قدم طوافه وسعيه .
وكره الإحرام بعد رميه اليوم الرابع إلى الغروب منه ، فإن أحرم بها بعد
الرمي في اليوم الرابع وقبل الغروب صح إحرامه ووجب عليه تأخير طوافه
- ٦٧ -

وسعيه بعد الغروب ، وإلا لم يعتد بفعله على المذهب ، وأعادهما بعده ، وإلا فهو
باق على إحرامه أبداً .
وقال الشافعية : يمتنع على الحاج الإحرام بالعمرة ، مادام عليه شيء من
أعمال الحج ، كالرمي ؛ لأن بقاء حكم الإحرام كبقاء نفس الإحرام ، ولاتكره في.
وقت ، ولا یکره تكرارها کما بينا .
ورأى الحنابلة : أنه لاكراهة للعمرة بالإحرام بها يوم النحر ويوم عرفة
وأيام التشريق ، كالطواف المجرد ؛ إذ الأصل عدم الكراهة ، ولادليل عليها .
المطلب الثاني - ميقات الحج والعمرة المكاني :
:
الميقات لغة : الحد ، وشرعاً : موضع وزمان معين لعبادة مخصوصة .
ولا يجوز للإنسان أن يجاوز الميقات إلا محرماً بحج أو عمرة ، وإلا وجب عليه دم
أو العودة إليه . فإن قدم الإحرام على الميقات جاز بالاتفاق . وهو أفضل عند
الحنفية إن أمن اقتراف المحظورات . ودليل الجواز والأفضلية قوله تعالى :
﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ) وإتمامهما أن يحرم بها من دويرة أهله ، كما قال علي
وابن مسعود ، ولأن إتمام الحج مفسر به ، والمشقة فيه أكثر والتعظيم أوفر .
ويختلف نوع الميقات بين من كان بمكة وبين الآفاقي القادم لمكة (١) .
أولاً - ميقات من كان مقيماً بمكة : من كان بمكة مكياً أو آفاقياً فيقاته
في الحج: الحرم - نفس مكة ؛ لأن رسول الله مانع أمر أصحابه أن يحرموا بالحج
(١) فتح القدير: ٢ / ١٣١ - ١٣٤، البدائع: ٢ / ١٦٣ - ١٦٧، اللباب: ١ / ١٧٨ ومابعدها، القوانين
الفقهية: ص ١٣٠، حاشية الباجوري: ١ / ٣٢٨، الشرح الكبير: ٢ / ٢٢، الشرح الصغير: ٢ / ١٨ - ٢٥ ، مغني
المحتاج: ١ / ٤٧٢ - ٤٧٦، المهذب: ١ / ٢٠٢ - ٢٠٤، كشاف القناع: ٢ / ٤٦٦ - ٤٦٩، المغني: ٣ / ٢٥٧ - ٢٦٧.
- ٦٨ -

من جوف مكة ، فقال: (( حتى أهل مكة يهلّون منها))(١) ومثله من منزله في
الحرم خارج مكة ، وندب إحرامه في المسجد الحرام .
وميقاته في العمرة : من أدنى الحِلّ ولو بأقل من خطوة من أي جانب شاء ،
ليتحقق وقوع السفر ؛ لأن أداء الحج في عرفة ، وهي في الحل ، فيكون الإحرام
من الحرم ، وأداء العمرة في الحرم ، فيكون الإحرام من الحِلّ ليجمع في إحرامه
بين الحل والحرم ، إذ هو شرط في كل إحرام . فإن أحرم بها في الحرم ، انعقد
وعليه دم إلا إن خرج بعد إحرامه إليه .
وأفضل بقاع الحل للإحرام بالعمرة: الجعْرانة عند الشافعية؛ لأن النبي معد له
اعتمر منها ، كما روى الشيخان، ثم التنعيم لأمره عَ لّ عائشة بالاعتمار منه، ثم
الحديبية(٢). وأفضلها عند الحنفية والحنابلة: التنعيم؛ لأن النبي ◌ُّ له (( أمر عبد
الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم)) (٣) لأنها أقرب الحل إلى مكة ، ثم
الجعرانة ، ثم الحديبية .
وللشخص عند المالكية : أن يحرم من الجعرانة أو التنعيم.
ثانياً - أهل الحل :
وهم الذين منازلهم داخل المواقيت الخمسة كأهل بستان بني عامر وغيرهم ،
فهم داخل المواقيت وخارج الحرم .
(١) رواه الشيخان. وروى مسلم عن جابر: ((أمرنا النبي ◌ٍَّ لما حللنا أن نحرم من الأبطير)) (نصب
الراية : ٣ / ١٦ ) .
(٢) الجعرانة قرية في طريق الطائف على ستة فراسخ من مكة . والتنعيم : المكان المعروف بمساجد عائشة .
والحديبية : بئر بين طريقي جدة والمدينة على ستة فراسخ من مكة .
(٣) متفق عليه .
٠.٩٠
- ٦٩ -

قال المالكية : من كان منزله أقرب إلى مكة من الميقات ، فميقاته من منزله
في الحج أو العمرة .
وقال الشافعية والحنابلة : من سلك طريقاً لا ينتهي إلى ميقات ، أحرم من
محاذاته في بر أو بحر ، فإن حاذى ميقاتين أحرم من محاذاة أقربها إليه ، فإن
استويا في القرب إليه أحرم من محاذاة أبعدهما من مكة ، وإن لم يحاذ ميقاتاً أحرم
على مرحلتين من مكة . ومن مسكنه بين مكة والميقات ، فميقاته مسكنه .
ومن جاوز ميقاتاً وهو غير مريد للنسك ، ثم أراده ، فميقاته موضعه .
وقال الحنفية : ميقات أهل الحل للحج أو العمرة دويرة أهلهم ، أو من
حيث شاؤوا من الحل الذي بين دويرة أهلهم وبين الحرم ، لقوله عز وجل :
﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ) وقد فسرها علي وابن مسعود بأن تحرم بها من دويرة
أهلك . فلا يجوز لهم أن يجاوزوا ميقاتهم للحج أو العمرة إلا محرمين. والحل الذي
بين دويرة أهلهم وبين الحرم كشيء واحد، فيجوز إحرامهم إلى آخر أجزاء
الحل .
والخلاصة : إن ميقات الحج والعمرة لمن كان داخل المواقيت هو بالاتفاق :
الحل وذلك من أماكنهم ، ويجوز لهم عند الحنفية دخول مكة لحاجة من غير
إحرام .
ثالثاً - الآفاقي أو أهل الآفاق :
وهم الذين منازلهم خارج المواقيت التي وقت لهم ولمن مر عليها من غيرهم
ممن أراد الحج أو العمرة رسول الله مُ الزّ وهي خمسة ، كما في حديث الصحيحين عن
ابن عباس: ((أنه مٍَّ وقت لأهل المدينة ذا الحُلَيفة، ولأهل الشام الجُحْفة ،
ولأهل نجد قَرْن المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم ، وقال : فهنّ لهنّ ، ولمن أتى عليهن
- ٧٠ -

من غير أهلهن ، لمن كان يريد الحج والعمرة ، فمن كان دونهن فمهَلُّه من أهله ،
وكذلك حتى أهل مكة يُهلُّون منها)) (١) فإنه شمل أربعة مواقيت .
وأما ذات عرق: ففي صحيح مسلم عن جابر مرفوعاً قال: ((مَهَلّ أهل
المدينة من ذي الحليفة والطريقِ الآخر من الجحفة ، ومَهلُّ أهل العراق من ذات * .
عِرْق))(٢) .
هذه هي المواقيت الخمسة لغير المقيم بمكة ، منقسمة بحسب جهات الحزم ،
ولا يجوز أن يتجاوزها الإنسان مريداً مكة بالحج أو بالعمرة ، إلا محرماً بأحد
هذين النسكين وهي ما يأتي :
١ - ميقات أهل المدينة: ذو الحليفة ( آبار علي ) : مكان على ستة أميال من
المدينة ، وعشر مراحل من مكة ، فهو أبعد المواقيت .
٢ - ميقات أهل الشام ومصر والمغرب كله: الجحفة (رابغ ) : موضع على
ثلاث مراحل من مكة . وبما أن أهل الشام الآن يمرون بميقات أهل المدينة وبهذا
الميقات ، فيخيرون بالإحرام منهما ؛ لأن الواجب على من مرّ بميقاتين ألا يتجاوز
آخرهما إلا محرماً ، ومن الأول أفضل .
٣ - ميقات أهل العراق وغيرهم من أهل المشرق : ذات عِرْق: قرية على
مرحلتين من مكة مشرفة على وادي العقيق ، في الشمال الشرقي من مكة .
٤ - ميقات أهل اليمن والهند : يَلَمْلَم : جبل جنوبي مكة على مرحلتين
منها .
٥ - ميقات أهل نجد والكويت : قَرْن المنازل : جبل على مرحلتين من
(١) نيل الأوطار: ٢٩٥/٤
(٢) نيل الأوطار : ٢٩٦/٤
- ٧١ -
:

مكة ، ويقال له أيضاً قرن الثعالب . وهو قريب من المكان المسمى الآن
بالسيل .
ومن تجاوز الميقات دون إحرام وجب عليه الدم إلا إذا عاد إليه ، ولا يسقط
عنه الدم عند المالكية ، وإن رجع إليه بعد إحرامه ، على تفصيل سيأتي . وإذا
تجاوز الميقات بنية الإقامة في مكان غير الحرم ، جاز له ذلك إذا نوى الإقامة مدة
خمسة عشر يوماً عند الحنفية ، فهي أقل مدة الإقامة في مذهبهم ؛ لأن حكم
الوطن لا يثبت إلا بنية الإقامة لتلك المدة .
من حاذى الميقات : من سلك طريقاً في بر أو بحر أو جو بين ميقاتين ،
فإنه يجتهد حتى يكون إحرامه بحذو الميقات الذي هو إلى طريقه أقرب ، ويحرم
من محاذاة أقرب الميقاتين إليه، وإن كان الآخر أبعد إلى مكة . فإن استويا في
القرب إليه ، أحرم من محاذاة أبعدهما من مكة . وإن لم يعرف حذو الميقات
المقارب لطريقه ، احتاط فأحرم من بعد، بحيث يتيقن أنه لم يجاوز الميقات إلا
محرماً ؛ لأن الإحرام قبل الميقات جائز ، وتأخيره عنه لا يجوز، فالاحتياط فعل
ما لاشك فيه . وإن لم يحاذ ميقاتاً مماسبق ، أحرم على مرحلتين (٨٩ كم ) من
مكة ، إذ لا ميقات أقل مسافة من هذا القدر .
حكم الداخل إلى مكة بعد أن حج واعتمر : قال الشافعية(١): من حج
واعتمر حجة الإسلام وعمرته ، ثم أراد دخول مكة لحاجة لا تتكرر ، كزيارة أو
تجارة أو رسالة ، أو كان مكياً مسافراً ، فأراد دخولها عائداً من سفره ، فهل
يلزمه الإحرام بحج أو عمرة ؟ فيه تفصيل :
(١) المجموع: ١٠٨٧ - ١٦، المهذب: ١٩٥/١، الدر المختار: ٢١٢/٢ وما بعدها، الشرح الصغير: ٢٤/٢،
المغني : ٢٦٨/٣ وما بعدها .
- ٧٢ -

أ - إن دخلها لقتال بغاة أو قطاع طريق أو غيرهما من القتال الواجب أو
المباح ، أو دخلها خائفاً من ظالم أو غريم يمسه ، وهو معسر لا يمكنه الظهور لأداء
النسك إلا بمشقة ومخاطرة، لم يلزمه الإحرام بلا خلاف؛ لأن النبي مؤتمر دخل
مكة يوم الفتح بغير إحرام(١) ؛ لأنه كان لا يأمن أن يقاتل .
ب - يستحب لكل داخل إلى مكة لا يتكرر دخوله الإحرام ، ويكره
الدخول بغير إحرام ، فمن دخل مكة لحاجة لا تتكرر كالتجارة والزيارة وعيادة
المريض ، فالأصح عند الشافعية أنه يستحب له الإحرام ، ولا يجب مطلقاً .
وقال مالك وأحمد : يلزمه ، وقال أبو حنيفة : إن كانت داره في الميقات أو أقرب
إلى مكة ، جاز دخوله بلا إحرام ، وإلا فلا .
جـ - من كان يتكرر دخوله كالحطاب والحشاش والصياد والسقَّاء والبريد
ونحوهم، يجوز دخوله بغير نسك، لما روى ابن عباس: ((لا يدخل أحد مكة
إلا محرماً ، ورخص للحطابين))(٢) ولأن في إيجاب الإحرام على هؤلاء مشقة .
وأما أهل الحرم : فلا إحرام عليهم بالدخول إلى مكة بلا خلاف ، كما
لا تشرع تحية المسجد لمن انتقل من موضع منه إلى موضع آخر منه .
ومن أراد دخول الحرم ولم يرد دخول مكة ، فحكمه حكم دخول مكة ، على
التفصيل والخلاف السابق .
وإذا وجب الإحرام لدخول الحرم ، فدخل بغير إحرام ، عصى ، ولا يلزمه
القضاء عند الشافعية على المذهب ، خوفاً من التسلسل ، قال بعض الشافعية :
كل عبادة واجبة إذا تركها لزمه القضاء أو الكفارة إلا الإحرام لدخول مكة ،
(١) رواه مسلم والنسائي عن جابر (نيل الأوطار: ٣٠٠/٤)
(٢) رواه ابن أبي شيبة ، وفيه راو ضعيف ( المرجع السابق ، نصب الراية: ١٥/٣)
- ٧٣ -

وإمساك يوم الشك إذا ثبت أنه من رمضان ، فمن تركه مع أنه يجب عليه
إمساكه ، لم يلزمه قضاء الإمساك ولا الكفارة .
وقال أبو حنيفة : يلزمه القضاء ؛ إذ يجب قضاء كل الواجبات .
د - من لا يكلف الحج كالعبد والصبي والكافر إذا أعتق العبد أو بلغ الصبي
أو أسلم الكافر ، وأرادوا الإحرام : فإنهم عند الحنابلة والمالكية يحرمون من موضعهم
ولا دم عليهم ؛ لأنهم أحرموا من الموضع الذي وجب عليهم الإحرام معه ، فأشبهوا
المكي ومن قريته دون الميقات إذا أحرم منها .
ويجب على جميعهم الدم عند الشافعية ؛ لأن كل واحد منهم ترك الواجب
عليه .
وقال الحنفية : لا دم على الكافر يسلم ، والصبي يبلغ ، وأما العبد فعليه دم .
هل الإحرام من الميقات أفضل أم من دار أهله ؟
قال الحنفية(١): الإحرام من بلده أفضل إن كان في أشهر الحج ، وأمن على
نفسه ، لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ قال علي وابن مسعود: إتمامها
أن تحرم بها من دويرة أهلك، ولقوله ◌َ القلم: (( من أحرم من المسجد الأقصى إلى
المسجد الحرام بحج أو عمرة ، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، أو وجبت له
الجنة))(٢)، ولأنه أكثر عملاً، وأحرم عمر من إيليا ( القدس ) ، وقال للضبي بن
معبد الذي أحرم من داره: ((هديت لسنة نبيك مترٍ))(٣)
(١) البدائع: ١٦٤/٢، اللباب : ١٧٨/١
(٢) رواه أبو داود وأحمد عن أم سلمة، وفي لفظ رواه ابن ماجه ((من أهل بعمرة من بيت المقدس غفر له))
وهو ضعيف ( نيل الأوطار : ٢٩٨/٤ )
(٣) رواه النسائي وأبو داود .
- ٧٤ -

وقال جمهور الفقهاء(١) : الإحرام من الميقات أفضل ، لأنه الموافق للأحاديث
الصحيحة، ولفعل النبي ◌َ ◌ّ وأصحابه ، فإنهم أحرموا من الميقات ، ولا يفعلون
إلا الأفضل، وأحرم النبي بحجة الوداع من الميقات بالإجماع ، وكذا في عمرة
الحديبية ، كما رواه البخاري في المغازي ، ولأن في مصابرة الإحرام بالتقدم عن
الميقات عسراً وتغريراً بالعبادة ، وإن كان جائزاً .
ويدل له قوله ◌َ ◌ّ: ((يستمتع أحدكم بحله ما استطاع، فإنه لا يدري
ما يعرض له في إحرامه)) (٢)، وروى الحسن (( أن عمران بن حصين أحرم من
مصره ، فبلغ ذلك عمر ، فغضب ، وقال : يتسامع الناس أن رجلاً من أصحاب
رسول الله مَ ا أحرم من مصره)) وقال: ((إن عبد الله بن عامر أحرم من
خراسان ، فلما قدم على عثمان، لامه فيما صنع ، وكرهه له)) (٣) قال البخاري :
(( كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان)).
وهذا هو الأرجح لدي دفعاً للمشقة عن النفس ، وبعداً عن التعرض لفعل
محظورات الإحرام . وأما حديث الإحرام من بيت المقدس ففيه ضعف ، وأما
قول عمر للضبي: ((هديت لسنة نبيك)) فإنه يعني في القرآن بين الحج والعمرة ،
لا في الإحرام من قبل الميقات ، فإن سنة النبي ◌َ ◌ّ الإحرام من الميقات . وأما
قول عمر وعلي: (( إتمام العمرة أن تنشئها من بلدك)) فمعناه أن تنشئ لها سفراً من
بلدك ، تقصد له ، ليس أن تحرم بها من دويرة أهلك . وهذا ما فسره به سفيان
وأحمد ، ولا يصح أن يفسر بنفس الإحرام ، فإن النبي ◌ُ ◌ّ وأصحابه ما أحرموا
بها من بيوتهم .
:
(١) بداية المجتهد: ٣١٤/١، مغني المحتاج: ٤٧٥/١، المغني: ٢٦٤/٣
(٢) رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أيوب
(٣) رواهما سعيد والأثرم
- ٧٥ -

جزاء من تجاوز الميقات بدون إحرام : لو جاوز الشخص ميقاتاً من
المواقيت الخمسة ، يريد الحج أو العمرة ، بغير إحرام ، ثم عاد قبل أن يحرم ،
وأحرم من الميقات ، وجاوزه محرماً ، لا يجب عليه دم بالإجماع ؛ لأنه لما عاد إلى
الميقات قبل أن يحرم ، وأحرم ، التحقت تلك المجاوزة بالعدم ، وصار هذا ابتداء
إحرام منه .
أما لو أحرم بعدما جاوز الميقات قبل أن يعمل شيئاً من أفعال الحج ، ثم
عاد إلى الميقات ، ففيه آراء للفقهاء(١) ، علماً بأن هذه الآراء تنطبق عند الحنفية
على المكي الذي ترك ميقاته ، فأحرم للحج من الحل ، والعمرة من الحرم :
١ - قال أبو حنيفة: إن عاد إلى الميقات، ولبى، سقط عنه الدم، وإن لم
يلب لا يسقط، لقول ابن عباس للذي أحرم بعد الميقات: ((ارجع إلى الميقات،
فلبّ ، وإلا فلا حج لك )) أوجب التلبية من الميقات ، فلزم اعتبارها .
٢ - قال الصاحبان والشافعية والحنابلة : من جاوز الميقات ، فأحرم ، لزمه
دم إن لم يعد ، وإن أحرم ثم عاد قبل تلبسه بنسك كالطواف سقط عنه الدم ، لبي
أو لم يلب ، علم تحريم ذلك أو جهله ؛ لأن حق الميقات في مجاوزته إياه محرماً ،
لا في إنشاء الإحرام منه، وسقوط الدم عنه لما روى ابن عباس عن النبي معافل أنه
قال: ((من ترك نسكاً ، فعليه دم))(٢). وإن تجاوز الميقات بغير إحرام لزمه
العود ليحرم منه ، إلا إذا ضاق الوقت أو كان الطريق مخوفاً .
ويطبق هذا على المكي بالحرم إن لم يخرج إلى الميقات ، وأتى بأفعال العمرة ،
(١) البدائع: ١٦٥/٢ - ١٦٧، الشرح الصغير: ٢٤/٢ وما بعدها، الشرح الكبير: ٢٤/٢ وما بعدها، مغني المحتاج:
٤٧٤/١ وما بعدها، المغني: ٢٦١/٣، ٢٦٦
(٢) روي موقوفاً ومرفوعاً، والموقوف رواه مالك وغيره بإسناد صحيح، بلفظ: ((من نسي من نسكه شيئاً أو
ترکە ، فلیهرق دماً )) .
- ٧٦ -

عليه دم ، وأجزأته ، فلو خرج إلى الحل بعد إحرامه سقط الدم ، كما لو جاوز
الميقات ثم عاد إليه محرماً .
ولو أفسد المحرم من دون الميقات حجه ، لم يسقط عنه الدم عند الحنابلة
والشافعية . وقال الحنفية : يسقط ؛ لأن القضاء واجب .
٣ - وقال المالكية: من تجاوز الميقات وأحرم، لم يلزمه الرجوع إليه ،
وعليه الدم ، لتعديه الميقات حلالاً ، ولا يسقط عنه رجوعه له بعد الإحرام ،
لتعديه .
فإن لم يكن أحرم وجب الرجوع للميقات إلا لعذر كخوف فوات لحجة لو
رجع ، أو فوات رفقة ، أو خاف على نفس أو مال أو عدم قدرة على الرجوع ،
فلا يجب عليه الرجوع حينئذ ، ويجب عليه الدم لتعديه الميقات حلالاً .
المبحث الرابع - أعمال الحج والعمرة وصفة حجة النبي معزولة
وعمرته :
أولاً - أعمال الحج : عشرة وهي ما يأتي(١)
١ - الإحرام : نية الحج أو العمرة أو هما ، بأن يقول: نويت الحج أو العمرة
وأحرمت به لله تعالى . وإن حج أو اعتمر عن غيره ، قال : نويت الحج أو العمرة
عن فلان ، وأحرمت به لله تعالى . ثم يلبي عقيب صلاة ركعتي الإحرام .
٢ - دخول مكة من أعلاها وهي كَدَاء ، ثم دخول المسجد الحرام من باب بني
شيبة ، ثم طواف القدوم بالابتداء بالركن الأسود .
(١) القوانين الفقهية: ص١٣١ - ١٣٥
- ٧٧ -

٣ - الطواف : وهو ثلاثة : طواف القدوم ، وطواف الإفاضة ، وطواف
الوداع .
٤ - السعي بين الصفا والمروة .
٥ - الوقوف بعرفة وبمنى : يخرج إلى منى في اليوم الثامن من ذي الحجة وهو
يوم التروية ، فيصلي فيها الظهر والعصر، ويبيت بها ، ثم يروح إلى عرفة بعد
طلوع الشمس ، فيجمع بين الظهر والعصر مع الإمام في مسجد نمرة أو في غيره ، ثم
يقف بعرفة حيث يقف الناس .
٦ - المبيت بمزدلفة: وهي ما بين منى وعرفة، ويجمع الحجاج بالمزدلفة بين
المغرب والعشاء مقصورة بعد مغيب الشفق في ليلة العيد . ويصلون الفجر في
المشعر الحرام : وهو آخر أرض المزدلفة ، ويقفون للتضرع والدعاء ، ثم يدفعون
منها قبل طلوع الشمس إلى منى .
٧ - رمي الجمار: يرمي الحاج يوم النحر بمنى جمرة العقبة الأولى (وهي
الجمرة الكبرى ) بعد طلوع الشمس قدر رمح ، بسبع حصيات .
ويرمي سائر الجمرات الثلاث في أيام منى : وهي ثاني العيد وثالثه ورابعه ،
كل جمرة سبع حصيات ، مبتدئاً بالجمرة الأولى ( الصغرى ) وهي التي تلي مسجد
الخيف من جهة عرفات ، ثم الوسطى ، ثم جمرة العقبة ، بين الزوال والغروب .
٨ - الحلق أو التقصير، والأول أفضل للرجال . وتقص المرأة ولا تحلق ،
وتقطع من جميع شعرها نحو الأنملة ، ويدعو عند الحلق ، وذلك يوم النحر بعد
رمي جمرة العقبة والذبح إن كان معه هدي . ثم يأتي مكة ، فيطوف طواف
الإفاضة وهو المفروض .
- ٧٨ -

٩ - الذبح: يذبح بعد رمي الجمرة ، ويجوز الحلق قبل الذبح ، والذبح قبل
الجمرة . ويجوز ذبح الهدي قبل طلوع الشمس .
١٠ - طواف الوداع : مستحب عند المالكية ، واجب عند الجمهور.
ولا يؤمر به أهل مكة ولا من أقام بها من غير أهلها .
وإذا حاضت المرأة بعد الإفاضة خرجت قبل الوداع عند المالكية .
ثانياً - أعمال العمرة : أربعة وهي :
الإحرام ، والطواف ، والسعي بين الصفا والمروة ، والحلق أو التقصير.
ثالثاً - عمرة النبي } :
روى الشيخان وأحمد عن أنس: ((أن النبي ◌ُِّّ اعتمر أربع عُمَر(١) في ذي
القَعْدة إلا التي اعتمر مع حَجَتَّه: عُمرَته من الْحُدَيْبِية ، ومن العام المقبل ، ومن
الجعرانة حيث قسم غنائم حنين ، وعمرته مع حجته)) فهي أربع عمر : عمرة
الحديبية لزيارة البيت الحرام في السنة السادسة من الهجرة ، وعمرة القضاء من
السنة السابعة ، وعمرة الجعرانة في السنة الثامنة في وادي حنين بين مكة
والطائف ، على بعد ثلاث ليال من مكة ، والعمرة التي مع حجة الوداع في السنة
التاسعة .
رابعاً - حجة النبي ◌ّ - حجة الوداع :
روى مسلم وغيره (٢) صفة حجة النبي ◌ُ ◌ّ، وهو حديث عظيم مشتمل على جمل
من الفوائد ، ونفائس من مهمات القواعد ، وأحكام الفقه التي بلغت نيفاً وخمسين
نوعاً ، كما ذكر الإمام النووي رحمه الله عن أبي بكر بن المنذر رحمه الله .
(١) ثبت مثل هذا من حديث عائشة وابن عمر عند البخاري وغيره ( نيل الأوطار : ٢٩٨/٤ )
(٢) رواه أيضاً أبو داود والنسائي والدارمي وابن أبي شيبة ( انظر شرح مسلم: ١٧٠/٨ - ١٩٥)
- ٧٩ -

ونص الحديث : قال جعفر بن محمد عن أبيئه : دخلنا على جابر بن عبد
الله ، فسأل عن القوم حتى انتهى إليَّ ، فقلت : أنا محمد بن علي بن حسين ،
فأهوى بيده إلى رأسي ، فنزع زِرِّي الأعلى ، ثم نزع زري الأسفل ، ثم وضع كفه
بين ثَدْبي ، وأنا يومئذ غلام شاب ، فقال : مرحباً بك يا ابن أخي ، سل عما
شئت ، فسألته، وهو أعمى ، وحَضَر وقت الصلاة ، فقام في نَسَاجة(١) ملتحفاً بها
كلما وضعها على مَنْكبه، رجع طرفاها إليه من صغرها ، ورداؤه إلى جَنْبه على
المِشْجَب(٢)، فصلى بنا (٢) فقلت: أخبرني عن حَجَّة رسول الله مُ اللهِ(٤) ، فقال
بيده ، فعقد تِسْعاً فقال :
إن رسول الله مَ اقلّ مكث تسع سنين لم يحج ، ثم أذّن في الناس في العاشرة أن
رسول ◌َِّ حاجٌّ، فقدِمِ المدينةَ بشر كثير، يلتمس أن يأتمّ برسول الله مع التعٍ ،
ويعمل مثل عمله(٥) .
فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة ، فولدت أسماء بنت عُميس محمد بن أبي
بكر، فأرسلت إلى رسول الله جاتوٍ ، كيف أصنع ؟ قال : اغتسلي واستثفري
بثوب وأحرمي(٦) .
فصلى رسول الله مَ التّ في المسجد(٧)، ثم ركب القَصْواء(٨)، حتى إذا استوت به
(١) هي ثوب مُلفَّق على هيئة الطيلسان
(٢) المشجب : اسم الأعواد يوضع عليها الثياب ومتاع البيت .
(٣) هذا المقطع ترحيب بالزائر وملاطفة له مما يليق به وتأنيسه .
(٤) المراد حجة الوداع .
(٥) هذا يدل على أنهم كلهم أحرموا بالحج ؛ لأنه مهن أحرم بالحج .
(٦) الاستثمار: هو أن تشد المرأة في وسطها شيئاً وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم وتشد طرفيها من
قدامها ومن ورائها .
(٧) فيه استحباب ركعتي الإحرام .
(٨) قال ابن قتيبة: كانت للنبي عَّ نوق: القصواء ( التي قطع طرف أذنها ) والجدعاء ( التي قطع من أنها =
- ٨٠ -